الجمعة 18 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 15 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

فقه الأجور


عناصر المادة
شروط العمل المتقبل.
المضاعفة في الأجور.
التفاضل في الزمان والمكان.
دخول الجنة برحمة الله وليس بعمل الإنسان.
العاجز عن العمل الصالح يكتب له بنيته أجر عظيم.

الخطبة الأولى.

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

شروط العمل المتقبل.
00:00:46

عباد الله: خلقنا الله سبحانه وتعالى لعبادته، وابتلانا أينا يكون أحسن عملاً، والأحسن هو الأخلص، والأصوب، فكل ما كان خالصاً لله صواباً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل، وأمرنا ربنا بالمسارعة إلى طاعته والمسابقة في الخيراتوَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْسورة آل عمران133.سَابِقُواسورة الحديد21.وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَسورة المطففين26. وهذا من الفروق العظيمة بين المؤمن والكافر، وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًاسورة النساء104.

عباد الله: إن هذا الأجر ميدان عظيم للعمل، وكان الصحابة يبحثون عن الأجر الأكبر فيسألون النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟[من حديث رواه البخاري527، ومسلم782]. وإن فقه الأجور أمر عظيم يستحق منا كل انتباه ومراعاة فإنه ينبني عليه معرفة كيف تحصل الأجر الأكثر؟ أولاً: لا أجر بلا إسلام وإيمان، وذلك أن الإيمان هو القاعدة التي يقوم عليها العمل، فإذا لم يوجد إيمان فلا أجر ولا ثواب، ولذلك فإن الكفار يأتون يوم القيامة ليس لهم عند الله من خلاق ولا أجر ولا ثواب

 

إن فقه الأجور أمر عظيم يستحق منا كل انتباه ومراعاة فإنه ينبني عليه معرفة كيف تحصل الأجر الأكثر؟ أولاً: لا أجر بلا إسلام وإيمان، وذلك أن الإيمان هو القاعدة التي يقوم عليها العمل، فإذا لم يوجد إيمان فلا أجر ولا ثواب، ولذلك فإن الكفار يأتون يوم القيامة ليس لهم عند الله من خلاق ولا أجر ولا ثواب

 

، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًاسورة الفرقان23. وقد ضرب الله للكفار مثلاً فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍسورة النور39. سراب لا يحصل منه صاحبه شيئاً، ويوم القيامة تصبح كل الأعمال الخيرية للكفار هباءً منثوراً، كما جاء في كتاب الله، ولكن من عدل الله تعالى أنه يعطي الكفار على أعمالهم الخيرية في الدنيا مقابلاً، فهنالك كفار يعالجون بالمجان، ويدرسون على نفقاتهم ويطعمون الفقراء ويعملون ويعملون، ما مصير هذه الأعمال في عدل الله؟ الجواب: ليس لهم عليها ثواب ولا أجر عند الله يوم القيامة، لماذا؟ لا إيمان، لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولذلك لا أجر ولا ثواب، وهذه خطورة الشرك، وخطورة الكفر، وخطورة الردة عن الدين التي يقع فيها كثيرون والعياذ بالله، أنه لا أجر له يوم القيامة، أرأيت ابن جدعان، تقول عائشة رضي الله عنها، رجل كان في الجاهلية تسأل النبي صلى الله عليه وسلم، كان يطعم ويكرم الضيف ويفعل، ويفعل للأرملة والمسكين، فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا شيء له عند الله، لماذا؟ (إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)رواه مسلم214. ولكن كما قلنا من عدل الله أنه يعطيهم عليها في الدنيا مالاً ورزقاً وصحة وعافية، وذكراً وشهرة، بين الخلق وأولاداً ونحو ذلك من المقابل في الدنيا.

وأيضاً فإن العلم لا يقبل عند الله إلا إذا أريد به وجهه، فقد يكون الإنسان عنده أصل الإيمان لكن يرائي بالعمل، فهذا ماذا له يوم القيامة؟ لا شيء له؛ لمراءاته (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وأريد به وجهه)[رواه النسائي3140].(أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه خيره تركته وشركه)[رواه مسلم2985]. ولذلك لا بد للمسلم من المحافظة على العمل بابتغاء وجه الله فيه.

وأيضاً فإن العمل إذا كان بدعة لا يقبله الله، من عمل عملاً على غير عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو رد عليه، مردود.

المضاعفة في الأجور.
00:05:57

أيها المسلمون يا عباد الله: إن من كرم الله تعالى أنه يعطينا على الحسنة عشر أمثالها، ومن قواعد المحاسبة بيننا وبينه أنه لا يضاعف لنا السيئات، وفي ظروف معينة تضاعف السيئة كيفاً لا كماً، كالسيئة في الزمن الفاضل كرمضان والمكان الفاضل كالحرم.

وهذه السيئات السيئة بواحدة والحسنات إلى عشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، كل حرف بعشر حسنات، مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سبعة فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ سبعمائة وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءسورة البقرة261. فالمضاعفة لا تقتصر على السبعمائة بل تتعدى ذلك بحسب إيمان العبد وإخلاصه وإتباعه للسنة وتحريه للأفضل، والله كريم، وبعد ذلك: "ويل لمن غلبت آحاده عشراته"، ما معنى ويل لمن غلبت آحاده عشراته؟ أي فاقت سيئاته، والله لا يضاعف السيئات، بالرغم من ذلك فاقت في الميزان الحسنات، بالرغم من أن الله يضاعف الحسنات، "ويل لمن غلبت آحاده عشراته".

وقيل: إن مضاعفة الأجر من خصائص هذه الأمة، فيجعل الله لهذه الحسنة أضعافاً مضاعفة حتى تزن الحبة في الميزان أثقل من جبل أحد.

أيها المسلمون عباد الله: إن العمل قد يكون أقل في الجهد والتعب، لكن أكثر في الأجر والثواب من أعمال أخرى بأي شيء؟ باتباع السنة، (أما زلت على الحال التي تركتك عليها) أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين، بعد صلاة الفجر جلس وذكر ثم قام، وهي جلست بعده وأطالت، قال: (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلتهن لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه وزنه عرشه ومداد كلماته)[رواه مسلم2726]. وهذه فائدة المحافظة على الأذكار الشرعية، فإن بعض الناس يخترع من عنده ولكن الذكر الشرعي لو كان أقل في الوقت والعدد يكون أفضل من الأذكار الأخرى المخترعة.

وكذلك يكون العمل أفضل وأكثر أجراً ولو كان أقل في الجهد، ومثال على ذلك تقصير ركعتي الفجر أفضل من إطالتهما، فلو قرأ في سنة الفجر الكافرون وقل هو الله أحد، أفضل مما لو يقرأ عم، والنازعات، لماذا؟ لأن السنة جاءت بهذا ولا أفضل من السنة، مثال آخر: قصر الصلاة في السفر أفضل من إتمامها، مع أن الإتمام أكثر في العلم لكن لأن هذه هي السنة كانت أفضل وأكثر أجراً.

بل قد يكون العمل موافقاً لشهوة الإنسان ويؤجر عيه أكثر، مثال: من أكل من أضحيته أفضل ممن تصدق بها كلها، لماذا؟ لأن السنة جاءت بذلك (ليأكل كل رجل من أضحيته)[رواه مالك في الموطأ636، وأحمد9077]. فالأكل منها فيها بركة ومعنى خاص.

عباد الله: من كرمه تعالى أن العادات نقلب إلى عبادات بالنية الحسنة فيؤجر عليها الإنسان، فإذا نام ينوي عملاً صالحاً بقيامه، وإذا طعم ينوي عملاً صالحاً يتقوى عليه كان له بنومه وطعامه أجر، ويأتي الرجل شهوته بالحلال ويكون له فيها أجر، (أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر)[رواه مسلم1006]. كان الصحابة يتسابقون إلى عمل الخير ويحرصون عليه، ويتحسرون لفوات الأجر، وهذا من علامات الإيمان، فلما أرسل ابن عمر رسولاً إلى أبي هريرة، يسأله: "هل فعلاً صلاة الجنازة بقيراط؟" فلما رجع الرسول يخبره: "أن نعم، وأن أبا هريرة قد سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في كف ابن عمر حصيات يقلبها قلقاً ينتظر الجواب فلما سمع بذلك ضرب الحصى بالأرض وقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة".

إذاً التحسر لفوات الأجر من علامات الإيمان، وكذلك الحرص على أن لا يفوت، وكذلك الحرص أشد أن لا يحبط ثم لا ينقص، فإن الأجور بعد عملها تحبط، بأي شيء؟ الغرور، العجب يداخل نفس العامل، المن والأذى، لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَىسورة البقرة264،فهو يعمل الصدقة يعطيها لكن بعد ذلك يمن: ألم أعطك، ألم أفعل لك، ويمن عليه ويؤذيه فيبطل الأجر، وقد ينقصه كما في حديث (الذي يقتني كلباً ينقص من أجره كل يوم قيراط)[رواه البخاري5482، ومسلم1574بمعناه]. القيراط عظيم، اتخاذ الكلب البغيض المبغوض في الشريعة ينقص من الأجر كل يوم قيراط، هذا من المنقصات، وذلك من المحبطات، واستثنت الشريعة كلب الحاجة مثل كلب الزرع، كلب الصيد، كلب الحراسة، كلب الغنم.

التفاضل في الزمان والمكان.
00:12:54

عباد الله: إن الأجر يعظم في الزمان الفاضل والمكان الفاضل والحال الفاضلة، ويعظم باعتبارات كالعمل المتعدي النفع، كمن حفر بئراً، بنى مسجداً، علم علماً، وهكذا، فالعمل المتعدي في النفع أفضل من العمل اللازم في الجملة، فاحرص على الأعمال المتعدية النفع، وتأمل أجر الأنبياء في أنهم دلوا العالم على الدين والحق والتوحيد والأعمال الصالحة.

ونبينا صلى الله عليه وسلم أعظم الأمة أجراً؛ لأنه بالإضافة إلى عمله الشخصي فله مثل أجر كل واحد يعمل في العالم بشيء مما دلهم عليه من شريعة رب العالمين، لماذا؟ الدال على الخير كفاعله، فاحرص يا عبد الله على التعليم، تعليم الشرع، على الدعوة إلى الله، (من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء)[رواه مسلم2674].ولذلك فإن العالم الذي يدعو إلى الله شأنه عظيم، جمع بين العلم والدعوة، ولذلك يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحوت في البحر والنملة في الجحر، لا تفوت يا مسلم يا عبد الله شأن العلم والدعوة، ولو علمت ولدك الفاتحة، وعلم حفيدك وأحفادك وهم علموا غيرهم والجيران لتسلسل لك من الأجر إلى يوم القيامة ما لا يعلمه به إلا الله يأتيك وأنت في قبرك.

 

العالم الذي يدعو إلى الله شأنه عظيم، جمع بين العلم والدعوة، ولذلك يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحوت في البحر والنملة في الجحر، لا تفوت يا مسلم يا عبد الله شأن العلم والدعوة، ولو علمت ولدك الفاتحة، وعلم حفيدك وأحفادك وهم علموا غيرهم والجيران لتسلسل لك من الأجر إلى يوم القيامة ما لا يعلمه به إلا الله يأتيك وأنت في قبرك.

 

عباد الله: إن فقه الأجر أمر عظيم، وهذا يترتب عليه معرفة أمور وتعلم أشياء، ومن ذلك أن هناك أعمال هي أفضل عند الله بمرتبتها عنده والله يفضل ما يشاء من العلم على ما يشاء، فمثلاً: الصلاة رتبتها أعلى من تلاوة القرآن؛ لأن فيها تلاوة قرآن وزيادة، وتلاوة القرآن أفضل من الذكر الآخر كالتسبيح والتهليل والتحميد والحوقلة، والقرآن كلام الله رأس الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، هذا في الجملة، هذا الترتيب في العموم، ولذلك أن تعمل الأفضل وتملأ وقتك بالأفضل إذا علمت الأفضل، لكن في أحوال مخصوصة قد يكون المفضول هو الفاضل، مثلاً أيهما أفضل بعد الفجر وبعد العصر أن تتنفل بالصلاة وهي خير موضوع أم تقرأ القرآن؟ الجواب: قراءة القرآن أفضل، الصلاة أم الذكر؟ الذكر أفضل، لماذا؟ لأن الشرع نهى عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر الصلاة النافلة، عندما يؤذن المؤذن يكون الترديد معه أفضل أم تلاوة القرآن أفضل، وقد قلنا: إن تلاوة القرآن أفضل من الذكر؟ الجواب: إن الترديد مع المؤذن أفضل، وقطع التلاوة للترديد أفضل، لماذا؟ لأن الشرع أمر بالترديد حينما نسمع المؤذن، الصلاة أفضل من إكرام الضيف، لكن إذا جاء الضيف فإن حقه الإكرام ولو كنت تريد أن تقوم الليل فانشغلت بإكرام الضيف، فانشغالك بإكرام الضيف أفضل، لماذا؟ هو واجب الوقت، وفقه واجب الوقت من أعظم الأمور، فإن من علم واجب وقته انصرف مباشرة إلى القيام به، ولم ينشغل بأمر آخر، رغم أنه قد يكون في الأصل أفضل، لكن واجب الوقت.

اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا أجمعين، وأن تدلنا على الحق يا رب العالمين، وأن تفقهنا في الدين وأن تتقبل منا عملنا يا كريم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وسبحان الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والبشير، والنذير، والسراج المنير، حامل لواء الحمد يوم الدين، والشافع المشفع بين يدي رب العالمين، صاحب المقام المحمود والحوض المورود صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وخلفائه الميامين وذريته الطيبين وآله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

دخول الجنة برحمة الله وليس بعمل الإنسان.
00:18:19

عباد الله: ليست الجنة ثمناً لأعمالنا، وعلينا أن نستمر في العبادة أصلاً لشكر نعم الله علينا، ولكنه كريم بالرغم من أن أعمالنا لا تساوي شكر نعمه، ولا نعمة التنفس، كل ما نعمله، لكن أعطانا أجراً بالرغم من أن كل هذه الأعمال لا تساوي شكر نعمة، لكن أعطانا عليها، هذه الجنة ليست ثمناً لأعمالنا؛ لأن جنة الله أعظم من أن تكون ثمناً لأعمالنا، لكن الأعمال سبب لدخول الجنة، فقوله تعالى: ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَسورة النحل32. الباء باء السببية وليست باء الثمنية، ولذلك فإن هذه الأعمال التي نعملها هي سبب، والذي لا يعمل لا يدخل الجنة، فبعض الناس لا يتعلم دين الله ولا يعلمه ولا يعمل به، يعرض عنه، فهذا في النار خالد في النار؛ لأنه لم يعمل شيئاً، قد قال الله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَسورة البقرة82.وكذلك فإن معرفة الأجور يفيد في تسلية الإنسان لنفسه عندما تكون المشقة، والأجر الذي يعطيه الله للعبد منة من الله، (لن يدخل أحداً عمله الجنة) ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)[رواه البخاري5673].

العاجز عن العمل الصالح يكتب له بنيته أجر عظيم.
00:20:13

أيها المسلمون: إن من رحمة الله أن العاجز عن العمل الصالح يكتب له بنيته أجر عظيم، ولذلك إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً، لماذا؟

لأنه لم يتوانى عن العمل، لم يدخله الكسل، وإنما كان مرضه المقدر عليه هو المانع، وكذلك سفره الذي أجهده، فلا يحزن المسافر إذا قصر الرباعية إلى اثنتين، لأجل هذا الحديث، وكذلك فإن من تمنى العمل الصالح ولو كان لا يقدر عليه يؤجر، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أربعة نفر واحد علم فعمل علم الصالحات فعملها فأجره عظيم وواحد علم لكن ما عنده المال ليعمل مثل ذاك فقال بلسانه وهو ينظر إلى مساجد فلان ومبرات فلان، والأعمال الخيرية لفلان: لو أن لي مال فلان لعملت بعمله فهما في الأجر سواء، قال العلماء: في أصل الأجر سواء، أما المضاعفة فللعامل. فيبقى للعامل ميزة، هؤلاء الذي يريدون العمل ولا يستطيعونوَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًاسورة التوبة92. لصدقهم وإخلاصهم، لكن ما وجدوا نفقة يخرجون بها في سبيل الله، ولا دابة يقاتلون عليها في سبيل الله، (إن بالمدينة قوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا وهم معكم شركوكم في الأجر) لماذا؟ قال: (حبسهم العذر)[رواه البخاري4423].فإذاً الذي حسبه العذر أجره محفوظ عند رب العالمين، فالعزم وصدق النية مع الله، (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء)[رواه مسلم1909]. انظر كيف يرتفع به صاحبه بحسن نيته، وصلاح مقصده وصدقه مع ربه، نعم العامل سيكون في المضاعفات والقاصد الناوي سيكون له مثل أصل الأجر وهو شيء عظيم عند رب العالمين.

عباد الله: يؤجر الواحد وهو على فراشه يغرس غرساً فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة، هو لا يدري عن أكل الطير ولا عن أكل الدابة، وقد يكون نائماً مستلقياً على فراشه، لكن أثر العمل غرسها فسقاها ونوى بها صالحاً فيؤجر على من أكل منها، من دابة أو طير.

أيها المسلمون يا عباد الله: إن بعض الناس قد يعجل لهم أجرهم في الدنيا، وقد يكون هذا لإثم وعدوان، قد يكون هذا لنية سيئة كما سبق، وقد يعجل لبعض من جاهد في سبيل الله من الغنائم من قدر الله يعطيهم عليها طيباً في الدنيا، ولكن من ذهب فذهبت نفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء لا شك أنه أعظم أجراً، والأصل أن الأجر على قدر المشقة إلا ما استثني كما تقدم وقد قال عليه الصلاة والسلام للمرأة: (أجرك على قدر نصبك)[رواه الحاكم1733]. وموضوع الأجر هذا مهم جداً لأنه يهون على النفس ثقل التكليف، شدة التكليف، فمثلاً نحن في فصل الشتاء، والنبي صلى عليه وسلم أخبر عن باب عظيم من أبواب الأجر: (إسباغ الوضوء على المكاره)[رواه مسلم251].الذي تكرهه النفس، هذا الماء البارد على هذا الجلد الذي له حرارة، ومما يختصم فيه الملأ الأعلى من الملائكة أجور العباد ومنها هذا الإسباغ في السبرات، وقيام المصلي لصلاة الفجر في البرد لا شك أن الأجر عظيم؛ لأن المشقة كبيرة، وكلما ازداد المشقة إذا استوت بقية الأمور فيكون الأجر أكبر، ولذلك فإن إسباغ الوضوء في هذا الشتاء والقيام من حرارة المضجع ودفئه إلى بيت الله يمشي في البرد، ويتعرض للرياح الباردة، له أجر عظيم، فإذا زاد على ذلك مشقة المشي في الظلمة فله أجر أكبر، (بشر المشائين في الظلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)[رواه أبو داود561].

عباد الله: الأجر كما يكون على الفعل يكون على الترك ولذلك أخبر أن من أبواب الصدقة أن تكف شرك عن الناس، فكل من ترك شيئاً لله يؤجر على ذلك، وليس كل من فعل فقط.

أيها المسلمون: كلما وجدنا في الكتاب والسنة من الأجور المذكورة لنا في الأدلة الشرعية فإننا نتحمس زيادة، ولذلك إذا قيل لك يا عبد الله: تريد أن تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك؟ نعم، كيف؟ (أتى البيت فحج فلم يرفث ولم يفسق)[من حديث رواه البخاري1819].، تفغر كل الذنوب السالفة، تتوضأ ركعتين تحسن الوضوء، تقوم لله بركعتين لا تحدث فيهما نفسك بشيء من الدنيا أو بشيء خارج عن موضوع الصلاة، تريد الستر يوم القيامة (من ستر مسلماً)[رواه البخاري2442]. وخصوصاً في هذا البرد، في إخواننا الذين هم يعيشون اليوم في العراء، بعضهم تحت الأشجار، بعضهم في خيام مخلعة، بعضهم في بيوت مهدمة فيما بقي منها كما في الشام يا عباد الله: فهنيئاً لمن ستر إخوانه ببيت يأوون إليه، بإيجار شقة يسكنون فيها، بكسوة برد يحتمون بها، هنيئاً له، وعندما تتصدق على عامل من العمال يعمل في العراء بقبعة أو بجورب، بنوع كساء يلف به نفسه لك أجر عظيم، تريد إدراك شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم؟ إنه الذكر بعد الأذان (اللهم رب هذه الدعوة التامة..)[رواه البخاري614].الحديث، تريد معية عليه الصلاة والسلام؟ (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)[رواه البخاري5304].تريد أجر الجهاد وأنت على فراشك؟ (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)[رواه البخاري6006، ومسلم2982]. ينجز المعاملات، يقدم الخدمات، يتكفل بالحاجات، تريد بيتاً في الجنة؟ ابن له بيتاً، ما عندك نفقة، حافظ على اثنتي عشر ركعة في اليوم من السنن الرواتب، فاتك شيء قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌسورة الإخلاص1.عشر مرات، تريد أن تختار من الحور العين ما شئت؟ إذن (من كظم غيظاً وهو يقدر على أن ينفذه) لو أراد أن يوقع بالآخر لبطش لكن ترك ذلك لله (يخيره الله على رؤوس الخلائق يخير من الحور العين ما شاء)[رواه أبو داود 4777 والترمذي656]. تريد أن ترتفع منزلتك عند رب العالمين؟ (من تواضع لله رفعه)[رواه الطبراني في الاوسط8307]. تريد طول العمر وسعة الرزق؟ إنها صلة الرحم، تريد حراسة الله وكلاءة الله وحفظ الله؟ (من صلى الصبح في جماعة)[رواه مسلم657، ولم يذكر قوله: (في جماعة)]. تريد أن تدعو لك الملائكة؟ إنه دعاؤك لأخيك بظهر الغيب، تريد السلامة من حر النار، ومن هول الموقف يوم الدين؟ أنظر معسراً تكون في ظل العرش.

اللهم اغفر لنا أجمعين، وتب علينا يا أرحم الراحمين، نعوذ بك من البلاء والغلاء والوباء يا سميع الدعاء، نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نسألك العزيمة على الرشد والثبات في الأمر، اللهم ثبت قلوبنا على دينك، اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، أصلح نياتنا وذرياتنا، واقض ديوننا واشف مرضانا وارحم موتانا، واستر عيوبنا يا أرحم الراحمين، اللهم إنه قد طال البلاء على إخواننا في الشام وبورما، وأنت القوي لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا أن تعجل بالفرج، يا سميع الدعاء اكشف ما نزل بهم من ضر، اللهم ارزقهم واحفظهم واحمهم وحطهم يا رب العالمين، اجمع كلمتهم على الحق، اللهم أيدهم بنصرك، اللهم أمددهم بمدد من عندك، ثبت أقدامهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم اشتد المحنة وعظم الكرب وأنت الله لا إله إلا أنت لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء عجل فرجهم، عجل فرجهم، عجل فرجهم يا رب العالمين، اللهم خذ عدوهم، وابطش به، وشتت شمله، وفرق جمعه، ومزق ملكه، اللهم اجعله وأمواله وأسلحته غنيمة للمسلمين، اللهم إنا نسألك الأمن في الأوطان والدور، اللهم أرشد وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

1 - من حديث رواه البخاري527، ومسلم782
2 - رواه النسائي3140
3 - رواه مسلم2985
4 - رواه مسلم2726
5 - رواه مالك في الموطأ636، وأحمد9077
6 - رواه مسلم1006
7 - رواه البخاري5482، ومسلم1574بمعناه
8 - رواه مسلم2674
9 - رواه البخاري5673
10 - رواه البخاري4423
11 - رواه مسلم1909
12 - رواه الحاكم1733
13 - رواه مسلم251
14 - رواه أبو داود561
15 - من حديث رواه البخاري1819
16 - رواه البخاري2442
17 - رواه البخاري614
18 - رواه البخاري5304
19 - رواه البخاري6006، ومسلم2982
20 - رواه أبو داود 4777 والترمذي656
21 - رواه الطبراني في الاوسط8307
22 - رواه مسلم657، ولم يذكر قوله: (في جماعة)