الجمعة 9 ربيع الآخر 1441 هـ :: 6 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

أين السفر في الإجازة ؟


عناصر المادة
الخطبة الأولى
أسباب السفر وما يقوله المسافر
النية في السفر
من منكرات الأسفار
اجعل سفرك طاعة
الخطبة الثانية
الإجازة فرصة لتربية الأهل ومجالستهم
الفرح بمصيبة الكفار
الخطبة الأولى
00:00:07

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسلِمُونَ سورة آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء:1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا سورة الأحزاب:70-71.

أما بعد:

أسباب السفر وما يقوله المسافر
00:01:14

فإن المسلم يعبد الله سبحانه وتعالى في حله وترحاله، يعبد الله عز وجل حضراً وسفراً، لا ينسى ربه ولا دينه في بلده، ولا خارج بلده، وكان النبي ﷺ يسافر، وكانت أسفاره دائرة بين أربعة أنواع، سفره لهجرته، وسفره للجهاد، وهو أكثرها، وسفره للعمرة، وسفره للحج، وسفر المسلم قد يكون سفر طلب، أو سفر هرب، يطلب عدواً، أو يطلب علماً، أو يهرب من عدو كالهجرة في سبيل الله، وقد يطلب رزقاً، ونحو ذلك من أمور الدنيا المباحة، وأما بالنسبة لعموم الناس فإن السفر قد يكون سفر طاعة، أو سفر معصية، أو سفراً مباحاً، ومع اقتراب هذه الإجازات عزم كثير من الناس على السفر، وخططوا له، وصارت الحجوزات ورُتبت، وينبغي أن يذكر المسلم نفسه دائماً، بمسألة ابتغاء رضا الله تعالى، فلماذا يقول في دعاء سفره: اللهم  إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى  هذا أول ما يذكر به المسافر نفسه إذا انطلق في السفر: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى"، إنه كما قال العلماء يبدأ برد المظالم والودائع، وفاء أجور عماله وخدمه قبل أن ينفق ريالاً واحداً في أسفاره، وهو يأخذ زاداً مباحاً، ويصطحب صحبة طيبة، وكذلك يودع أهله بالمعروف.

إن هذا الذي ينزل في منزل كلما سافر قائلاً: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك  كما أخبر النبي ﷺ، هذا الذي يكبر كلما صعد، ويسبح كلما هبط، سواءً كان سفره سفراً برياً في مرتفعات أو منخفضات في الطريق، أو كان سفراً جوياً يكبر عند الإقلاع، وكلما ارتفعت الطائرة، ويسبح الله عند الهبوط، وكلما نزلت وهي في الجو، إن هذا الذي يذكر نفسه بربه تسبيحاً وتكبيراً عند الارتفاع والانخفاض، وهو الذي قد سأله التقوى، وهو الذي يدعو في سفره؛ لأن النبي ﷺ قال: ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده  .

عباد الله، لقد صارت الأسفار في هذا الزمان في أمور عجيبة، من ذلك هذه الأسفار المجعولة للسياحة، فكيف ينبغي أن يكون موقف المسلم من هذه الأمور، أما السفر إلى بلاد الكفار دون ضرورة شرعية فإنه محرم كما نصت على ذلك الأحاديث، وأما السفر إلى أماكن المعصية، ولو في بلاد المسلمين، فإنه حرام، وكل ريال ينفق فيه حرام؛ لأن الوسيلة تأخذ حكم الغاية، فإذا كانت الغاية محرمة كانت الوسيلة محرمة، وكان ما ينفق في هذه الوسيلة وبال على صاحبه، وكثير من الناس يخلطون عملاً صالحاً وآخر سيئاً؛ فيجعلون في أسفارهم أموراً مباحة، ويجعلون فيها أموراً محرمة، وبعضهم يجعلها محطات، فيبدأ بسفر معصية، ثم ينهي السفر بعمرة في مكة، فهؤلاء الذين يقبلون الازدواجية والنفاق في تصرفاتهم وأفعالهم لا شك أنهم على خطر عظيم، وأما السفر لزيارة الأماكن الدينية فإن فيه تفصيلاً، فإن كان سفراً لما يجوز أن تشد إليه الرحال، المساجد الثلاثة، المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ، والمسجد الأقصى، فإن ذلك عبادة وطاعة وقربة، إذا نوى به وجه الله، وأما إذا أراد أن يسافر لأجل أن يزور مزارات بقصد العبادة، وبقصد الدين في تلك الأماكن، فإن النبي ﷺ قال في تحريم هذا: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، فلا يجوز أن يسافر إلى جبل الطور تعبداً، ولا أن يسافر إلى قبر تعبداً، ونحو ذلك من الأمور، فهذا داخل في الشرك.

وأما الزيارة، أو السفر إلى أماكن الأقوام الذين أهلكم الله ولعنهم كقوم صالح، وقوم هود، فإن الذهاب إلى أماكنهم، والدخول فيها حرام لا يجوز بقصد الفرجة؛ لأن النبي ﷺ أمرنا عند الاجتياز بها أن نسرع لئلا يصيبنا ما أصابهم، ولما مر ﷺ بديار ثمود أسرع، والله عز وجل إذا غضب على قوم، وغضب عليهم في ديارهم، وأنزل عليهم فيها الهلاك؛ فإنه لا يجوز أن يأتيها شخص يتفرج فيها، والنبي ﷺ أمر بالإسراع عند المرور فيها، وكذلك فإن ما يحصل في الأسفار من أنواع التهتك والتبرج، التي ترى فيها النساء في الطائرات في مظهر عند الذهاب غير المظهر عندما تغادر الطائرة أجواء البلد، وكذلك عند الإياب، من إعادة لبس العباءة في هذا المظهر من مظاهر الازدواجية، والنفاق المخزي.

النية في السفر
00:08:54

أيها الإخوة، يجب أن يكون للمسلم نية عندما يعزم على عمل يرى: ماذا يريد به أوجه الله أم ماذا؟ أهو على مرضاة الله أم ماذا؟ أهو يذهب ليصل رحماً؟ يزور أقاربه؟ أهو يذهب -مثلاً- لتنشيط أهله وأولاده فيما أباح الله؟ فهو ينفق عليهم فيما أباح الله؛ ليغير لهم الجو الذي كانوا فيه، وحتى لو قصد هروباً من حر إلى مكان بارد فهذا طيب، ولا حرج فيه، وليس الإنسان مأموراً أن يبقى في مكان الحر، أو الرطوبة الشديدة، ولكن السؤال الكبير إلى أين؟ وماذا سيعمل؟ ماذا سيكون في هذا السفر؟ إذا كان فيه تبرج لنسائه وبناته، وغشيان لأماكن المحرمات كالغناء والحفلات المختلطة، التي تسمى عائلية، وكذلك ما يحدث باسم الترويح من أنواع المحرمات غناءً، واختلاطاً، ومقاهي، ونوادي، وصوالين التجميل، وبعض الشواطئ، والعروض المسرحية، والأزياء، وغيرها مما يكون من مشاهدة السحرة والمشعوذين فيما يسمى بالسرك، وغير ذلك من الملابس الفاضحة والمخزية التي يلبسها من يعمل في مثل هذا المجال، ثم تأمل -يا عبد الله- فيما يترتب على ذلك من مشاهدة أبنائك وبناتك للكفار، ومخالطتهم لهم، وكذلك للفساق، وكذلك ما في تلك الأماكن من أنواع المحرمات، ماذا سيكون منطبعاً في ذهن الطفل وهو يفتح ثلاجة الفندق، فيشاهد فيها أنواعاً من قوارير الخمر، والوسكي، وغير ذلك، وعندما يتعرض الشباب لأنواع المغريات التي تسبب الوقوع في الفواحش، إنهن يأتين إليهم، ويتصلن بهم، وإن ذلك الأمر الذي يحدث في بعض البلدان منذ أن تطأ قدما الراكب المسافر أرضها، ويدخل فندقها، ليحصل ما يحصل بعد ذلك من أنواع الحرام الذي يغضب الله عز وجل، فتلعنه الملائكة، وينزل عليه غضب الرب وسخطه.

 

من منكرات الأسفار
00:12:10

إن كل ذلك -أيها المسلمون- من أنواع المحرمات، لا شك أنه بلاء يجلبه عليه ذلك الشخص بيديه، ثم لا يكتفي بنفسه إلا بأن يذهب به، ويعممه على أهله، ثم إن زيارة كثير من المتاحف للإطلاع على آثار الكفار هو في الحقيقة نظر إلى هذه التماثيل والأصنام، التي لو طُبق فيها الحكم الشرعي لكان أن تكسر، وأن تحرق، ومع ذلك يقال: هذا تمثال كذا، وسعره كذا وكذا بمئات الآلاف، أو بالملايين، تمثال يستخرج من الآثار ما حكمه في الشريعة؟ لعن رسول الله ﷺالمصورين ، وأرسل النبي ﷺ علياً: أن لا يدع صورة إلا طمسها ، وكسر الصحابة رضوان الله عليهم سائر التماثيل والأصنام، فهذا هو حكم الله في مثل هذه التماثيل المنحوتة، ومع ذلك يذهبون للفرجة عليها، أفلا يتدبرون في كتاب الله ماذا فعل الله في الأقوام الغابرة: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ سورة الصافات:137-138، فإذا مررنا بديار الذين ظلموا أنفسهم فمالنا إلا الاعتبار، والتدبر في ذلك المصير، وأنه يمكن أن يصيبنا ما أصابهم؟ وكذلك فإن ما يكون في هذه الأماكن من أنواع العري خليق أن يربي في نفوس بنات المسلمين تعوَّد تلك المناظر والسيئات، ثم يهولك -أيها المسلم- ما ترى من أنواع الدعايات المخفضة للأسفار السياحية التي تطرح برامجها وكالات السياحة والسفر، أسبوع في بلد كذا، وخصوصاً في بلاد الكفار، مثل أوروبا الشرقية، وغيرها، بأسعار عجيبة ومغرية، وبعض الناس يسافر ببطاقة الفيزا، ويدفع الربا، وهو لا يملك الثمن ليعود بعد ذلك يسدده من رواتبه في السنة الجديدة زائداً ذلك الحرام والجريمة الذي لعن الله من فعله: "لعن رسول الله آكل الربا ومؤكله" ، ثم يروجون لتلك السياحات بأنواع فيقولون: السياحة الطبية، برنامج لمعالجة الضغط والسكر،

أفترى لا يوجد علاج إلا هناك؟ ثم يقولون: التسوق! التسوق -أيها الإخوة-، التسوق هذا مما ينبغي أن يعرف فيه حكم الله تعالى، ما هو حكم الشرع فيه، وهل لا يمكن أن يكون إلا في بلاد الفسق والإباحية، والفجور والمعاصي والكفر؟ وأنه لا يمكن للإنسان أن يشتري أغراضه مما يوجد عنده في بلده، خصوصاً عندما يجبى إليه ثمرات كل شيء، وملابس من جميع الأنواع والأصناف، ولكن لأجل الترويج، السياحة الطبية، العلاج، التعرف على الأماكن الجديدة، ولذلك تتباهى بعضهن في المقابلات بأنها بقي لديها فقط أمريكا الجنوبية وأستراليا أما البقية فقد غشيتها، وأتت عليها، ثم يقولون: التعرف على الحضارات الأخرى، التعرف على الثقافات على الأخرى، التعرف على الشعوب الأخرى، التعرف على الثقافات والحضارات، والشعوب الأخرى، كلمة "أخرى" ماذا تعني؟ تعني الكفار، إذن التعرف على ثقافات الكفار، بالعبارة الصريحة الواضحة الشرعية التي ليس فيها لبس ولا إيهام، عندما يقولون: التعرف على الشعوب الأخرى، والحضارات الأخرى، والثقافات الأخرى، ما هي هذه الأخرى؟ المقصود إذن المقصود الكفار، بل إن بعضهم يعجب بالحضارة الفينيقية والآشورية والفرعونية، وإن هي إلا حضارات جاهلية كافرة، قد أهلك الله بعض أصحابها، فبأي حق يجوز للمسلم أن يعجب بها، وأن يذهب بأولاده للفرجة عليها، ما هو الذي يمكن أن يؤخذ فقط، العبرة من إهلاك الله لأصحابها، كيف أهلكم الله، كيف دمرهم الله؟ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ سورة الأعراف:137، إذن -أيها الإخوة- بدلاً من أخذ العبرة بالهلاك، وبدلاً من أخذ العبرة بالجرائم التي لديهم،

والأمراض التي لديهم، والانهيارات العصبية التي لديهم، والشذوذ التي لديهم عندما سمحوا علناً بزواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وتكوين أسر بناء على ذلك، وجعل قوانين لتلك الأسر، وأرادوا أن يحلوا مشكلة التبني، أو مشكلة الأولاد في الأسرة الجديدة المكونة من رجلين، بأن يأخذ من الملجأ -مثلاً- طفلاً يربيانه هكذا، أو يأخذ حيواناً منوياً من أحد الحيوانين المتزوجين، ويزرع في أخت الآخر بزعمهم ليحصلوا على ولد لهذه الأسرة الجديدة، والله الذي لا إله إلا هو إن العاقبة ستكون خساراً، ووبالاً عليهم، وقد آتت ثمارها العفنة، ودبت الانحرافات إليهم، وتهافتت أسرهم، وانحلت، ثم تأتي الإحصائيات بأنه بعد كذا وكذا -عشرات السنين- سيكون إسبانيا ليس فيها شخص، سيكون البلد الفلاني عدد السكان فيه عشرة بالمائة من الموجودين الآن، وهكذا أشياء مخيفة، ومخيفة جداً مما يواجهونه.

واعلموا -أيها الإخوة- أن من القضايا التي ينبغي للمسلم أن ينظر فيها ويتدبر قضية تزجية الأوقات، إضاعة الأوقات، كثير من الناس يقولون: نسافر هنا وهنا نتمشى، لكن يغفل عن السبب الذي لأجله خلقه الله عز وجل، فلا يمارس في سفره ذلك من العبادات والطاعات ما ينبغي عليه أن يبذله، ثم ما حكم إنفاق الأوقات في مثل هذه الأشياء؟ مغبون صاحبه، فتراه يقول -هذا إذا لم يكن ذهب لخمر ونساء، ولا لأنواع من المحرمات الأخرى، الذي سيحدث- يقول: أريد أن أحضر عروض الدلافين، والألعاب البهلوانية، وعروض المصارعة الحرة، ومسابقة كمال الأجسام، وملاعب التنس المفتوح، وكذلك كرة الطائرة الشاطئية، والتزلج على الماء، ومسابقة القوارب الشراعية، ومسابقة بناء القلاع الرملية في المنتزهات البحرية، والشواطئ، وغير ذلك، وأحضر مسرح العرائس، وأغشى الفنادق، ثم المطاعم،

الأطعمة الفرنسية الممزوجة بالذوق السويسري! إن هو إلا ضحك على الذقون يبلعون فيه الأموال، وإلا فلو تأملت في هذه الأطباق التي تقدمها تلك المطاعم، وما تحتوي عليه لوجدت أن في كثير منها تلبيس وغش وتدليس، يسمونها كذلك، ولكن في الحقيقة نصب واحتيال بهذه المبالغ الطائلة التي تصرف في الخمس نجوم، مطاعم، وفنادق، وغيرها، ونحن مسؤولون عن الأموال التي ننفقها -أيها الإخوة- في هذه الأشياء.

إذن هذه الأمور -من الأشياء البهلوانية، والدلافين، والمراكب الشراعية، والقوارب المائية، والسباقات، وغير ذلك- إذا لم يكن فيها إضاعة أموال، ففيها أيضاً اختلاط، زوجتك وبناتك وأسرتك تقف مع شباب الآخرين، وأسرهم وبناتهم في أمكنة متقاربة وضيقة، ومتراصة ومزدحمة، وكذلك أماكن جلوس متقاربة، وكراسي متجاورة في مسارح ومعارض، ولوحات فنية ونحو ذلك، تزجية الأوقات، وإضاعة الأموال، وتقريب الزوجات والنساء من الشباب، وكذلك الذكور الآخرين الموجودين في نفس المكان ما حكمه شرعاً؟ وعندما تنسف الريح تلك العباءات التي تركب هذه المراكب البحرية، ما هو الحكم شرعاً؟ لو أن الناس قالوا: نريد أن نذهب إلى أماكن نقية صافية، إلى جبل، أو بر، أو وادٍ أخضر، أو شاطئ نظيف؛ إذاً لقلنا: ترويح، وأمر طيب. ولو قال: أصيد سمكاً، أو غيره، فنقول: لا بأس بذلك، لكن عندما تكون القضية اختلاط، وسفور وتبرج في تلك الأماكن، فما هو حكم الذهاب؟ وما حكم الإنفاق؟ إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته  .

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا الحرام، وأن يرزقنا الحلال، وأن يجعلنا في حلنا وترحالنا طائعين له، مخبتين له ومنيبين، وأن يجعلنا ممن عبدوه حضراً وسفراً، واجتنبوا المحرمات ظاهراً وباطناً.

اجعل سفرك طاعة
00:23:33

أيها الإخوة، عندما نسافر نتذكر فقط لو ما تذكرنا إلا طلائع دعاء السفر: "نسألك البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى" لكفى ذلك

 

، اجعلوها عبادات في عمرة، أو غيرها، واجعلوها طاعات في صلة رحم، وغيرها، واجعلوها قياماً بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كما كان أسلافكم من هذه الأمة يسافرون طلباً للعلم، حضوراً عند العلماء في حلق الذكر، يجمعون الأحاديث والمسائل، ويعثرون على عيون هذا العلم فيسطرونه وينشرونه، دعوة، نشر للدين، إمامة بقوم جهال، إلقاء الكلمات، المواعظ، الدروس، وغير ذلك من أنواع البر، نشر الخير، إغاثة الملهوف، إقامة المدارس في هذه الأماكن من بلاد المسلمين المجهولة، التي تستحق أن يذهب إليها الدعاة بعيداً عن خطر الفتنة، وإذا كانت فتنة فسلامة النفس أولى، وحفظ رأس المال مقدم على جلب الأرباح.

اجعل عنوانك في سفرك أن تحفظ أهلك -زوجتك وبناتك- أن تحفظهن من كل منكر، ولو اجتذبوك، وضغطوا عليك، وأغروك، وطلبوا منك، وقالوا: نريد المكان الفلاني، نريد الملهى الفلاني، نريد المتحف الفلاني، والشاطئ الفلاني، والمدينة السياحية الفلانية، ونحو ذلك، ذكرهم بالله عز وجل، واذهب بهم إلى أماكن تكون أبعد ما يكون عن التبرج والاختلاط.

واعلموا أن المحافظة على أوامر الدين في هذا الزمان لا شك أن فيها صعوبةً بالغة، ولكن ليس لنا خيار آخر، وإذا كان القابض على دينه كالقابض على الجمر في آخر الزمان فلنفز نحن بهذه المرتبة، ولنكن نحن الأخيار في زمن كثرة الشر، فإن الله يعطي من الأجر على الغربة -غربة الدين- شيئاً عظيماً، إذا تمسكت بدينك في وقت غربة الدين فلك أجر عظيم جداً، فهنيئاً لمن فاز به.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية
00:26:26

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

الإجازة فرصة لتربية الأهل ومجالستهم
00:26:40

أيها الإخوة، عباد الله، إن الموظف إذا أخذ إجازته فإنه يكون له مع أهله وأولاده وقفة، في زيادة التداخل معهم، وكسب قلوبهم بعد أن كان منشغلاً في هم الوظيفة وأوقاتها، ومزيد من التعليم لهؤلاء الأهل والأولاد بعد أن كان منشغلاً عن تعليمهم، وكذلك القيام بحقهم وشراء حاجاتهم وهداياهم ومكافأة المتفوقين من أولاده، وغير ذلك من الأمور الطيبة، إن دفع الأولاد في الإجازات إلى مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وكذلك النساء، وفي مراكز تحفيظ القرآن للنساء خير عظيم جداً، وثمار قد ظهرت، والحمد لله تعالى، وليس كل الناس يسافرون، ولا في كل الأوقات حتى لو كانوا في إجازة.

إذن ينبغي أن يكون اغتنام لهذه الإجازة، وهذا الفراغ الذي حل محل الدوام المدرسي بما يرضي الله تعالى، وينبغي الانتباه الشديد للأولاد ذكوراً وإناثاً في قضية ما يسمعونه، وما يتفرجون عليه، وأنت مسؤول عن ثغر سمعه، وثغر بصره، فانظر -رحمك الله- ماذا يسمع ولدك، وإلى أي شيء ينظر.

إن هذا التعليم، وبذل الأوقات لإصلاح الأولاد، وملاعبتهم هو من الخير التي تستغل به الإجازة، وكان النبي ﷺ يلاعب أولاده، وكان يشبع الرغبة النفسية للطفل في اللعب، لكنه كان لعباً مباحاً، ليس بالضرورة أن نأخذه إلى مدينة ملاهي فيها فسق، أو فيها تبرج واختلاط، أو فيها موسيقى وأمور محرمة، وإنما ملاعبة الوالد لولده ومشاركته له تكون علاجاً نفسياً، وهدوءاً، وطمأنينةً، وإشباعاً لغريزة الطفل بأمور كثيرة قد تكون أبسط وأرخص مما يتصوره البعض.

لقد سجنا أولئك الأطفال في هذه الألعاب الإلكترونية؛ فلم يعد يلعب إلا مع الجهاز، ولا يرى إلا الجهاز، يعكف عليه الساعات الطويلة، أي شيء يبني هذا من العلاقة بين الوالد وولده، أو الأم بولدها؟ ليس شيئاً.

لقد غزانا أولئك الكفار بهذه الألعاب، وقلما تجد ولداً ليس في بيته، أو لا يطلب من أبيه "سوني بلاير ستيشن"، أو غير ذلك من أنواع الألعاب التي ربما تشتمل على نساء بملابس فاضحة من اللاعبين أو اللاعبات، وأشكال مخزية مما فيه موضات، وتقليعات للكفار في شعورهم، وأقراطهم في آذانهم وأنوفهم وسررهم، ونحو ذلك، وكذلك صلبان كثيرة في هذه الألعاب، يدخل اللاعب في الصليب ليكسب قوةً إضافية، أو يأخذ روحاً ثانياً وثالثاً، وليس له إلا روح واحدة إذا خرجت من الإنسان مات، وهكذا مما تنطوي عليه من المخاطر العقدية.

وأما مسألة سباحة، أو رمي، أو ركوب خيل، ونحو ذلك من الأشياء التي تقوي بدنه فقلما يحدث ذلك، أو مشاركة فعلية من الوالدين للولد في الألعاب، فقلما يحدث ذلك.

أيها الإخوة، إننا فعلاً ينبغي أن ننتبه لأبنائنا في هذه الإجازات، وأن نراعي مستوياتهم في السن عندما نريد أن نرفِّه عنهم، وأن نجلب لهم ما يتسلون به

 

ينبغي أن ننتبه لأبنائنا في هذه الإجازات، وأن نراعي مستوياتهم في السن عندما نريد أن نرفِّه عنهم، وأن نجلب لهم ما يتسلون به

 

، إن هناك كثير من الألعاب العائلية التي تحصل فيها المشاركة من عدة أطراف تربي الولد على التعاون، وأن يكون جزءاً من كل، وأن يكون حلقةً في سلسلة، وهكذا من الأشياء التي تربي روح الجماعية، وليس روح الفردية القاتلة المملوءة بها مثل هذه الألعاب العصرية والحديثة.

أيها الإخوة، اهتمامنا بتحفيظ أولادنا للقرآن، وقص القصص النبوية وسير الصحابة عليهم، والإتيان بالكتب المفيدة لهم بدلاً من هذه القصص الماجنة، والقصص المصورة التي فيها كثير من الغث والرديء، بل والمنكر والمحرم، فالمسلم يجب أن يكون مفتشاً دقيقاً لما يطلع عليه أولاده؛ فيسمح بالخير، ويمنع الشر هذا من مسئوليته.

اللهم إنا نسألك ذريةً طيبةً تقر بها أعيننا، اللهم إنا نسألك أن تصلح أولادنا وذرياتنا، وأن تجعلنا للمتقين إماماً، هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين.

اللهم أصلح أزواجنا وبيوتنا يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

اللهم أهلك اليهود ومن شايعهم، اللهم أهلك اليهود ومن شايعهم، اللهم أهلك اليهود ومن شايعهم، اللهم أقر أعيننا بنصرة أهل السنة والتوحيد على اليهود يا رب العالمين، اللهم أقر أعيننا بنصرة أهل السنة والتوحيد على اليهود يا رب العالمين، وأخرجهم من بيت المقدس أذلةً صاغرين.

 

الفرح بمصيبة الكفار
00:32:46

وإن المسلم ليفرح -ولا شك- بأي مصيبة تصيب الكفار، وخصوصاً اليهود الذين هم ألد أعدائنا: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ، ولكن لا تنس قول الله بعد اليهود:وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ سورة المائدة:82، والذين أشركوا، ولو أن الله ضرب يهودياً بمشرك، وألقى بينهم العداوة لفرحنا بهلاك الفريقين جميعاً، وما يصابان به، ولا يمكن لمسلم أن يوالي، ولا أن يفرح بانتصار مشرك على نصراني، أو يهودي، فهو يفرح لهزيمة اليهود، ولكن لا يفرح لانتصار مشركٍ، ولا من خرج من الدين بالردة، واعتناق كل كفر، أو إلحاد، أو شركٍ، أو بدعة مخرجة عن الملة.

وعندما تتأمل في تخلي اليهود عن أوليائهم ستجد العجب العجاب كما قال ذلك النصراني ممن كان يوالي اليهود: تركتمونا خلفكم مثل الحيوانات، يقول لليهود: تركتمونا خلفكم مثل الحيوانات، وخدعتمونا، وكنتم تقولون لنا: كل شيء على ما يرام، هكذا يقول: أنا غاضب، ومصاب بخيبة أمل، كل شيء انتهى، وهكذا قال أولياء اليهود ممن تساقطوا، فالعبرة إذن أن هؤلاء اليهود لا يرقبون عهداً ولا ذمة، قال الله في وصفهم من قديم: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم سورة البقرة:100، فإذا تخلوا عن أوليائهم النصارى، فما بالك بما سيفعلونه بالمسلمين؟! ولذلك فقوم أثبتوا عملياً وأمام مرأىً من العالم سمعاً وبصراً تخليهم عن أوليائهم الكفار، فأي عهد فيهم؟! وأي ميثاق يرجى؟! وأي أمانة لأولئك القوم؟!

إن ما رأيناه -أيها الإخوة- كان درساً عظيماً، وكان كشفاً إلهياً لهذه الحقيقة المستقرة في نفوس اليهود منذ القديم، إذا تخلوا عن أوليائهم فما بالك بغيرهم؟!

اللهم أخزهم والعنهم لعناً كبيراً، واجعل هزيمتهم عاجلةً يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في الشيشان وكشمير والفليبين، وسائر الأرض يا رب العالمين، اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين، رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ سورة البقرة:126.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.