السبت 19 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 16 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

تذكرة الشتاء


عناصر المادة
حكمة الله في تعاقب الفصول والأيام.
الشتاء الغنيمة الباردة.
بعض الأحكام المتعلقة بالشتاء.
أحكام لبس الخفين
تابع بعض الأحكام في الشتاء
تذكر أحوال إخواننا في الفلوجة.

الخطبة الأولى.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

حكمة الله في تعاقب الفصول والأيام.
00:00:26

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وجعل الليل والنهار، وجعل البرد والحر سبحانه وتعالى، وفي تعاقب الليل والنهار، وتنوع فصول العام، وتغاير المواسم واختلافها، إن فيه دليلاً على قدرة الله سبحانه وتعالى، وهذا الشتاء الذي دخل يذكر المؤمن بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير)[رواه البخاري537]، فإن قال قائل: أفي جهنم برد شديد؟ فالجواب: نعم كما دل عليه الحديث في قوله:(وأشد ما تجدون من الزمهرير) والزمهرير شدة البرد وهو نوع من أنواع عذابها، وإن كان الأغلب الأعم أنه الحرق بالنار والحر الشديد الذي تغلي منه الماء في النار وتغلي منه البطون.

ومن آيات الله سبحانه وتعالى هذا الشتاء، وهذا الصيف، ينوعه لمصالح العباد، ومنه ما يطرد الملل في حياة الإنسان كما هو في توالي الليل والنهار، ولو ثبتت الدنيا على حال واحدة من البرد أو الحر، أو الليل أو النهار، ونحو ذلك لكان فيه غاية الملل للعباد، فمن حكمته أن نوّع عليهم هذا وهذا، وليعبدوه في جميع الأحوال ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاء، فإنه خلقهم سبحانه وتعالى لعبادته.

 

من آيات الله سبحانه وتعالى هذا الشتاء، وهذا الصيف، ينوعه لمصالح العباد، ومنه ما يطرد الملل في حياة الإنسان كما هو في توالي الليل والنهار، ولو ثبتت الدنيا على حال واحدة من البرد أو الحر، أو الليل أو النهار، ونحو ذلك لكان فيه غاية الملل للعباد، فمن حكمته أن نوّع عليهم هذا وهذا، وليعبدوه في جميع الأحوال ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاء، فإنه خلقهم سبحانه وتعالى لعبادته.

 

وفي هذا الشتاء تكثر في العادة الأمطار، وترى فيه من الصواعق، والرعد، والبرق، ونحو ذلك من علاماته، وقال الله سبحانه وتعالى: وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِسورة الرعد13، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: (ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار) جمع مخراق وهي الآلة التي يزجر الملك بها السحاب، (يسوق بها السحاب حيث شاء الله) قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ يهود تختبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي يسألونه عن صوت الرعد،  قال:(زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى أمره) قالوا: صدقت.[رواه الترمذي3117] حديث صحيح، فهو صوت المخراق الذي يضرب به الملك السحاب فيسوقه إلى حيث أمر الله فينتهي إلى مكان كذا ليمطر بإذن الله، ولا ينافي هذا أن يكون لذلك تعليل من علوم الدنيا التي يعرفها الناس، فإن لكثير من الأشياء ظاهراً وباطناً، ظاهر يراه البشر، وباطن من عالم الغيب.

وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِهذا البرق، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِسورة النور43.

وهكذا ترى المطر وترى البرق في هذا السحاب من آيات الله تعالى، وهذا البرد الذي يسقط وكذلك الثلج، وكان السلف إذا رأوا مثل هذه الآيات الكونية يتذكرون بها يوم القيامة، قال أحد الزهاد: ما رأيت الثلج يتساقط إلا تذكرت تطاير الصحف في يوم الحشر والنشر.

وهكذا جعل الله لنا سرابيل تقينا الحر وأخرى تقينا البرد فقال: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْأي: في الحرب، كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَسورة النحل81، وهذه الآيات من سورة النعم وهي سورة النحل فيها إشارة إلى لباس الشتاء بذكر لباس الصيف، فإنه لما قال: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّنبه بالأدنى على الأعلى الذي لم يذكر، ونعم الله كثيرة عظيمة.

الشتاء الغنيمة الباردة.
00:06:37

وقال عمر رضي الله تعالى عنه موصياً رعيته: كان إذا حضر الشتاء تعاهدهم وقال: إن الشتاء قد حضر وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف، والخفاف، والجوارب، واتخذوا الصوف شعاراً، ودثاراً، فإن البرد عدو سريع دخوله، بعيد خروجه. وكاتب بذلك إلى أهل الشام لما فتحت في زمانه، وكان يخشى على من بها من الصحابة الذين كانوا يعيشون في هذه الجزيرة لم يكن لهم عهد بالبرد الطويل الذي كان بالشام مما لم يعتادوا عليه من قبل، وهذا من تمام نصيحته، وحسن نظره، وشفقته على رعيته رضي الله عنه.

إذا جاء الشتاء فأدفئوني *** فإن الشيخ يهرمه الشتاء

ولذلك ينبغي تعاهد كبار السن والصغار في البيوت بمثل هذا، وهي رحمة في عباد الله من شاء أن يرزقهم إياها بالرعية من كبير وصغير، والوقاية خير من العلاج، وقال سبحانه ممتناً على عباده في سورة النعم: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَسورة النحل5فجعل من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها سبحانه وتعالى وقاية لعباده، وخلق لهم ما في الأرض ليستفيدوا منه.

هذا الشتاء وهذا الثلج الذي لم يمنع الصحابة من الغزو في سبيل الله، بل قد حبس ابن عمر وغيره من الصحابة نحواً من ستة أشهر في أذربيجان، لقد بلغت فتوحاتهم هناك، وأقاموا محبوسين بالثلج حتى ذاب فاستطاعوا الرجوع.

إن الشتاء غنيمة العابدين، وربيع المؤمنين، والشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، قال يحيى بن معاذ: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك.

وقال الحسن: نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يقومه. وهذا معنى الحديث الذي ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: "ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء "، ولقد رواه عامر بن مسعود مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء)[رواه الترمذي797]رواه الترمذي وهو حديث صحيح، وتعبيره بالغنيمة الباردة لوجود الثواب بلا تعب كثير، فالغنيمة الباردة التي تجيء من غير مباشرة كثيرة للقتال، ومن غير خطورة شديدة، فهي غنيمة باردة، هنيئة طيبة، وكذلك يكون في هذا الشتاء من صيام المؤمن غنيمة له بالأجر والثواب عند رب العالمين.

لقد كان بعض السلف رحمهم الله عندما يحضر أحدهم الموت يتأسف على أشياء، فما هي الأشياء التي تأسفوا عليها؟

بكى أحدهم عند الموت فقيل له: أتجزع من الموت؟ قال: ليس من الموت أجزع، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء. يعني: يتأسف لفقدها، قال: ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على دنياكم، لا يبكي لفوات الدنيا، ليس لفوات الأموال، ولا القصور، وإنما يبكي لأنه فاته أبواب الأجر، تنقطع الآن بموته، ومنها ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء.

بل إن بعضهم كان لا يستلذ بالعيش إلا لهذا، قال: لولا ثلاث: ظمأ الهواجر، وطول ليل الشتاء، ولذاذة التهجد بكتاب الله ما باليت أن أكون يعسوباً. فعنده أن ليل الشتاء بطوله يمكنه من الصلاة الطويلة بالليل، وكانت لذتهم في ذلك، وهذا ما يهنأ به عيشهم، ولولا ذلك ما بال الواحد منهم أن يكون مخلوقاً آخر غير الإنسان.

كان السلف يأخذون من ليل الشتاء ويتأهبون، تنبهوا أيا أهيل، ودي كم ذا الكرى، هب نسيم نجد، كم بين خال، وجو، وساهر، وراقد، وكاتم، ومبد، لوجود الثواب في ليل الشتاء، وفي صيام نهاره القصير، في هذه الغنيمة عز المؤمن، وكذلك كان أهل العلم يغتنمون لياليه في طول المذاكرة، ونسخ الصحف، والإقامة على الكتب، يتجلدون في حفظ الكتاب العزيز، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

بعض الأحكام المتعلقة بالشتاء.
00:13:07

وفي هذا الشتاء في برده مجاهدة النفس في إسباغ الوضوء على المكاره، فإن من المكاره ما يكون من الوضوء في البرد، والخروج إلى المساجد في البرد، والمكاره ما يتألم منه الجسد، ونحو ذلك من المشاق، وإسباغ الوضوء على المكاره عنوان للإيمان، أوصى سعد ابنه فقال: أي بني عليك بخصال الإيمان، قال: وما هي؟ قال: الصوم في شدة الحر أيام الصيف، وقتل الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ردغة الخبال، قال: وما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)[رواه مسلم250]فعندما يكون الوضوء سابغاً، معمماً على أعضائه تماماً، فإن حلية المؤمنين التي يلبسونها يوم القيامة على قدر هذا الإسباغ، وتسخين الماء لدفع البرد من الأسباب الشرعية، ولكن قد يفقده فيتحمل لله تعالى.

وكذلك فإن من العجائب التي قيلت في بر الوالدين في رجل وابنه أدخلا السجن، أنه كان في الشتاء يأخذ الإبريق من الماء فيلصقه ببطنه لا يجد ما يسخن به الماء، لعل برودته تنكسر من أجل أبيه، وفي هذا الشتاء إذا تعذر الوضوء، أو الغسل جاز التيمم، ومن أوجه التعذر ليس فقد الماء فقط، وإنما يوجد لكن لا يقدر على استعماله كما يحدث إذا لم يوجد ما يسخن به الماء في البرد الشديد، ويخشى الضرر شبه المحقق على نفسه فله أن يتيمم حينئذ للحرج، وقد قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍسورة الحـج78ومثل هذا عندما يكون في الأماكن المكشوفة في شدة البرد لا يجد مكاناً يسخن فيه الماء ويغتسل فيه، أما في البيوت فإن تسخين الماء متيسر في الغالب فلا يكون للتيمم سبب صحيح حينئذ.

ويلبس الناس الخفاف والجوارب في الشتاء، ويسألون عن المسح عليها، وفي البيوت يوجد من السخانات وغيرها مما أنعم الله به على أهل هذا الزمان ما يتقون به شدة البرد، فتذكر نعمة ربك عليك أيها المؤمن وأنت تتقلب في نعمة هذه الأجهزة التي تعزل لك البرد، وتسخن لك الماء، وتكيف لك الهواء، بحيث يكون ملائماً لك في مكانك، وتذكر إخوانك الذين لا يجدون هذا ممن ابتلاهم الله عز وجل.

ومن التسلية التي صرح بها بعض جنود اليهود في أرض فلسطين عندما كانوا يدخلون البيوت يقتحمونها، ويصعدون أسطحتها، أنهم كانوا يوجهون أسلحتهم إلى سخانات مياه المسلمين الفلسطينيين ليتمتعوا ويلتذوا بصوت انفجارها، فيستهدف هؤلاء اليهود سخانات المسلمين في الأسطحة ليفسدوا عليهم تسخين الماء في جو الشتاء.

أحكام لبس الخفين
00:17:16

.

عباد الله:

ومن نعم الله هذه الخفاف والجوارب التي تلبس في مثل هذا البرد، والمسح على الخفين والجوربين قد ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وما يلبس على القدمين فيسترهما يجوز المسح عليه، قال الإمام أحمد رحمه الله: ليس في قلبي من المسح على الخفين شيء، أي: من الحرج، فيه أربعون حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. والخف ما يلبس في الرجل من جلد، والجورب ما يلبس في الرجل مطلقاً يكون من صوف، أو كتان، أو غيره، والجرموق خف قصير يلبس على خف آخر.

وكل ما ستر القدمين -موضع غسل القدم في الفرض في الوضوء- جاز المسح عليه إذا تعلق بالقدم، وكان يطلق عليه جورب، أو خف، فهو ليس بكيس، أو غيره، ولا رباط ضاغط، ونحوه، وإنما هو جورب، أو خف إذا ستر القدمين، ولو كان مخرقاً على الراجح، وهل كانت خفاف الأنصار والمهاجرين إلا مخرقة مرقعة؟ فإذا كان يتماسك على القدم يغطي موضع الفرض في الوضوء فإنه يجوز المسح عليه ولو كان فيه بعض الثقوب، للمقيم يوم وليلة، أربع وعشرون ساعة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وقد روى البيهقي عن المغيرة رضي الله عنه أنه كان يمسح باليد اليمنى على الرجل اليمنى مفرجة الأصابع، واليسرى على اليسرى، هكذا جاء في السنة، ويبدأ من أول أصابع القدم حتى أول الساق، والمسح مرة واحدة وليس بثلاث، ولو مسح اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، أو اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى، أو مسح الاثنتين باليمين، أو الاثنتين بالشمال جاز ذلك وصح، والمسح على أعلى الجورب أو الخف فقط وهو ظاهر القدم، أما باطن القدم وجانب القدم فلا مسح عليها، قال علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه.

ومن شرطه: أن يلبسهما على طهارة، فإذا توضأ وضوءاً كاملاً فغسل قدميه، أو اغتسل بنية الطهارة، ثم لبس الجوربين بعدما أنهى غسل القدم الثانية ليكون اللبس على طهارة، وهذا هو الأحوط، ثم لبس الجوربين جاز له أن يمسح عليهما، ومدة المسح إلى أربع وعشرين ساعة، تبدأ من أول مسح بعد الحدث، فأما إذا توضأ ثم لبس جوربيه، ثم خلعهما، ولم ينقض وضوءه جاز أن يلبسهما مرة أخرى، ثم يمسح إذا شاء، ولو فعل ذلك مراراً، أما إذا أحدث وهو لابس جوربيه، ثم خلعهما فإنه لا يجوز أن يمسح عليهما إلا أن يتوضأ وضوءاً جديداً كاملاً بغسل القدمين، ويلبس جوربيه للمسح، ولا يشترط النية عند اللبس للمسح، فإذا لبسهما على طهارة، ثم أراد أن يمسح ولو لم يكن نوى ذلك عند اللبس فلا بأس به، وانتهاء مدة المسح لا يبطل الوضوء إلا بناقض، وليس انتهاء مدة المسح بناقض، فلو أنه لبس جوربيه على طهارة ثم أحدث، ثم مسح بعد الحدث يعد أربعاً وعشرين ساعة من هذا المسح الذي صار بعد الحدث الأول، فإذا توضأ ومسح في آخرها، ثم انتهت المدة ولم ينقض وضوءه فهو على طهارته، طهارته باقية، وكذلك الراجح أن خلع الجوربين لا ينقض الوضوء إلا بناقض، وخلع الجوربين ليس بناقض، لكن إذا خلعهما، وقد أحدث لا يجوز له أن يمسح عليهما ولا أن يعيد لبسهما ولو أثناء المدة؛ لأنه أحدث فإذا لبسهما خلع، ثم لبس، لم يلبسهما على طهارة كاملة، والمقصود بها طهارة بغسل القدمين.

وأيضاً فإنه لو لبس جورباً فوق جورب، فإن الحكم لما بدأ المسح عليه، فإن الحكم للجورب الذي بدأ بالمسح عليه، فإن مسح على الفوقاني أكمل عليه، وإن مسح بدأ على التحتاني أكمل عليه، ومن مسح بعد المدة ناسياً، ثم تذكر أثناء الصلاة قطع الصلاة؛ لأنه تذكر أنه ليس على طهارة صحيحة، وبالتالي لا تصح صلاته، فمسح بعد انتهاء المدة، فيقطع صلاته، ويذهب لوضوء جديد.

فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على العمامة، والعمائم هي عمائم العرب التي كانت تلف تحت الحنك، ويصعب خلعها، فهذه العمائم التي يصعب خلعها يجوز المسح عليها، وأما لبس مثل هذه الأغطية المشهورة على الطواقي العادية فإنها ليست مما يمسح عليه.

عباد الله:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد في الظهر بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، ويجوز أن يصلي المسلم في حال الرياح العاتية الشديدة، والأعاصير الباردة، ولا يقوى على الخروج لصلاة الجماعة، فيكون حينئذ من الأعذار التي تسقطها: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍسورة الحـج78وليس معنى هذا التساهل وترك الجماعة لأدنى سبب، وإنما عندما يوجد الحرج، ويوجد الأذى فإن الرخصة قائمة حينئذ.

نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، وأن يتم نعمته علينا، وأن يرزقنا شكره وحسن عبادته.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية.

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك إمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

تابع بعض الأحكام في الشتاء
00:25:17

عباد الله:

ومن الرخص إذا نزل المطر الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، ومن شروط الجمع في المطر أن يكون المطر مستمراً من انتهاء الصلاة الأولى إلى بداية الصلاة الثانية، فإذا كان مستمراً من نهاية صلاة الظهر إلى تكبيرة الإحرام بالعصر بعدها فإن الجمع صحيح، فإذا كان مستمراً في النزول، وكان مطراً يبل الأرض والثياب، أي: أنه ليس رشاً خفيفاً، وإنما هو مطر يبل الأرض والثياب، يشق معه المشي إلى المسجد والذهاب، فإن الجمع حينئذ رخصة، يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، دون قصر في البلد، وإنما جمع فقط.

وعن نافع قال: نادى ابن عمر بالصلاة بضجنان -وهو اسم موضع-، ثم نادى: أن صلوا في رحالكم. وحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر المنادي فينادي بالصلاة ثم ينادي: أن صلوا في رحالكم في الليلة الباردة، وفي الليلة المطيرة في السفر، فإذا نزلوا في السفر في مكان في الطريق فإنه إذا كانت الريح شديدة البرودة، والمطر ينزل صلى كل واحد في مكانه الذي هو نازل فيه، ولا يجب الاجتماع للصلاة حينئذ لهذه المجموعة النازلة، ولو كانوا كثيرين من جيش ونحوه فيصلي كل واحد منهم في خبائه، أو خيمته التي ضربها، أو المكان الذي هو نازل فيه.

وكان السلف رحمهم الله يحرصون على صلاة الجماعة جداً، ومع ذلك تكون هذه الرخصة، وقد يتوقف المطر في بعض الأماكن غير المعبدة فتحاصر المساجد بالبرك، والطين، والوحل الذي يشق على الناس الخوض فيه لدخول المسجد والذهاب إليه فيجوز الجمع حينئذ

 

كان السلف رحمهم الله يحرصون على صلاة الجماعة جداً، ومع ذلك تكون هذه الرخصة، وقد يتوقف المطر في بعض الأماكن غير المعبدة فتحاصر المساجد بالبرك، والطين، والوحل الذي يشق على الناس الخوض فيه لدخول المسجد والذهاب إليه فيجوز الجمع حينئذ

 

، ومعنى هذا أنه قد يكون في البلد الواحد مساجد يجوز فيها الجمع، ومساجد أخرى لا يجوز فيها الجمع؛ لأنه يسهل الوصول إليها، وأحياء من سوء التصريف فيها تحاصر المساجد ببرك المياه، ويخوض الناس في الطين، والوحل فيجوز لأهلها أن يجمعوا، ويعتبر كل إنسان بالمسجد الذي يعتاد الصلاة فيه، فإن كان اعتاد الصلاة في مسجد يعذر أهله بالجمع جمع معهم، ولم يذهب إلى مسجد آخر، ومن كان مسجده لا يجمع لعدم العذر فلا يذهب لمسجد آخر ابتغاء الجمع إذا كان المسجد الذي اعتاد الصلاة فيه لا يعذر أهله بالجمع.

عباد الله:

وإن مما نهت الشريعة عنه التلثم في الصلاة، ولكن أجاز العلماء اللثام أي: تغطية الفم في الصلاة لشدة البرد، والأفضل أن يباشر الإنسان الأرض عند السجود بكفيه دون حائل، ولكن في شدة البرد يحتاج الناس إلى لبس القفازات فلا بأس بها حينئذ، والسجود صحيح، والصلاة صحيحة، وإذا كان على دابته، أو في سيارته، في طريق، فحاصرتهم المياه، وصارت بركة عظيمة، لا يستطيع النزول للصلاة، لا وقوفاً، ولا أن يسجد فيصلي في سيارته، أو على دابته حينئذ؛ لأن هذه البرك من المياه لا تمكن الصلاة فيها، فهذا حين لا يمكن الصلاة، أو السجود لهذه المياه والطين، وأما الشيء اليسير على الأرض من البلل فإنه لا يمنع الوقوف عليها ولا الصلاة.

ومما يوقده الناس في الشتاء النيران، أو المدفأة، أو المبخرة، فإنه لا يضعها في قبلته في الصلاة، فإن استقبال النار في الصلاة من شعائر المجوس، فهم يعبدون النار، فلا يجعل المسلم في قبلته وهو يصلي ناراً أوقدها.

وكذلك فإن المسلم إذا رأى السحاب المجتمع أو الغيم في السماء فعل كما يفعل النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا رأى ناشئاً في أفق السماء -يعني: الغيم- ترك العمل -يعني: خاف أن يكون فيه عذاب- ثم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من شرها) فإن مطر قال: (اللهم صيباً هنيئاً)[رواه أبو داود5099]رواه أبو داود وهو حديث صحيح، فمن السنة إذا نزل المطر أن تقول: اللهم صيباً هنيئاً، أو: اللهم صيباً نافعاً، وأيضاً: مطرنا بفضل الله ورحمته، ويتذكر الدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء وتحت المطر)[رواه أبو داود2540]حديث صحيح، وهو وقت نزول الرحمة، وهذا حديث عهد بربه وهو رزق من الله تعالى يحيي به الأرض بعد موتها كما يغيث القلوب بالقرآن، وهذا الوحي الذي يحيي الله به القلوب.

ومن السنة أن يحسر عن شيء من جسده ليصيبه المطر، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر قال: فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ قال: (لأنه حديث عهد بربه تعالى)[رواه مسلم898]، وحسر أي: كشف بعض بدنه، وقوله: (حديث عهد بربه) قريبة العهد بخلق الله لها، والمطر هذه الرحمة النازلة من السماء، والله تعالى فوق السماء سبحانه، قد استوى على عرشه، وهو بائن من خلقه، فإذا زاد المطر عن الحد، وخشي من الضرر، فإن من السنة أن يقول المسلم: (اللهم حولنا ولا علينا) أو: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام) وهي المرتفعات من الأرض، (والضراب) وهي الروابي والجبال الصغار، (وبطون الأودية ومنابت الشجر)[رواه البخاري1013 ومسلم897]، وإن من العجب أن يمطر الناس فلا تنبت الأرض، وهذا يكون بسبب المعاصي، كما أن المطر يحبس بسب المعاصي.

ويقع في الشتاء أنواع من الفيضانات، والسيول، وفي غير الشتاء في بعض البلدان، ويغرق من يغرق، وينبغي الانتباه للمسير في الأودية، فإن كثيراً من الناس تجرفهم مياه السيول وهم يسيرون في الأودية، وإذا مات الإنسان غرقاً فإنه شهيد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الغرق شهيد)[رواه مسلم1915].

وإذا هبت الريح فلا تسبنها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به)[رواه مسلم899]رواه مسلم.

فإذا نطق الرعد وصوت فإنه لم يأت في ذلك حديث مرفوع صحيح بما يقال، لكن ثبت عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وقول الصحابي حجة إذا لم يرد له معارض، كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا لوعيد لأهل الأرض شديد.

تذكر أحوال إخواننا في الفلوجة.
00:33:51

عباد الله:

يتذكر المسلم في الشتاء إخوانه الفقراء والمحصورين المنكوبين الذين يعانون من البرد، وهذه المعونة في وقت الشتاء أجرها عظيم، فإن الأيام ذات المسغبة، وذات الشدة، وذات الحاجة من أسباب دخول الجنة، الإنفاق فيها، وإنقاذ الفقراء، كان بعض السلف يكسو في الشتاء نحواً من ألف نفس، وسع الله عليه فيكسو ألف إنسان، وكان الليث يطعم الناس في الشتاء الهرايس بعسل النحل وسمن البقر، يغذيهم بالأغذية التي تولد هذه الطاقة، وتدفئ الأجساد، وفيها هذا النفيس من الطعام، يتصدق على الناس ليس بالشيء الحقير، أو التافه، وإنما يطعمهم من ألذ الأشياء، وهؤلاء إخواننا اليوم من أهل الفلوجة الذين خرجوا منها، أخرجوا من ديارهم بغير حق لأنهم يقولون: ربنا الله، وغيرها من أهل الأرض من المسلمين ليس عندهم ما يقيهم شر البرد القارص، عائلات مجتمعة في مباني مهجورة لم يبق فيها إلا بعض الأثاث التالف الذي يشعلونه لكي يستدفئون به، فماذا عسى أن يبقى منه؟ وهذه العائلات خارج المدن مئات الآلاف يعانون البرد القارص ليلاً، استقرت ستة عشرة عائلة تحت سقف انهار حتى كادوا أن يموتوا منه.

عباد الله:

ما الذي يقيهم المطر إذا نزل وهم في هذه الخيام التي بعضها لا يسمن ولا يغني؟ أصابهم البرد، حفاة تقطعت أقدامهم، من أي شيء يأكلون، وبأي شيء يستدفئون، وكيف يلبسون، وبأي شيء يتغطون؟ فتذكر إخوانك عندما تتغطى بهذا الغطاء الوفير.

اللهم إنا نسألك العون لإخواننا المسلمين، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين، اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين، اللهم نصرك الذي وعدت به عبادك المؤمنين، اللهم ائت هؤلاء الصليبيين من أعدائنا الذين أخرجوا إخواننا من ديارهم من حيث لا يحتسبون، اللهم اقذف في قلوبهم الرعب، اللهم أنزل بهم بأسك وعذابك مزقهم كل ممزق، اللهم ابطش بهم يا رب العالمين أنت الجبار القهار أنت المتكبر العزيز أنت القوي الذي لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، يا منزل الكتاب يا مجري السحاب ويا هازم الأحزاب اللهم اهزمهم يا رب العالمين، وردهم على أعقابهم صاغرين، واجعلهم وأموالهم وأسلحتهم غنيمة للمسلمين.

اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم أصلح ذات بيننا، آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، من أراد بلدنا هذا بسوء وبلاد المسلمين فامكر به، واجعل كيده في نحره، وكف شره، ورده على عقبه، واقطع دابره يا رب العالمين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

1 - رواه البخاري537
2 - رواه الترمذي3117
3 - رواه الترمذي797
4 - رواه مسلم250
5 - رواه أبو داود5099
6 - رواه أبو داود2540
7 - رواه مسلم898
8 - رواه البخاري1013 ومسلم897
9 - رواه مسلم1915
10 - رواه مسلم899