الثلاثاء 15 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 12 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

المال


عناصر المادة
حرمة الأموال:
لا تزر وازرة وزر أخرى:
احذر الغلول:
الحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر:
حاجة المجتمع إلى الإعانة المالية:
ضرورة الأمانة في التعاملات المالية:

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

حرمة الأموال:
00:00:50

عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى جعل المال قياماً للناس، ونهى عن إيتائه السفهاء: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماًسورة النساء: 5.، وجعل الشرع للمال حرمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)[رواه البخاري برقم (1739)، واللفظ له، ومسلم برقم (1679).]، وجعل الشرع من قُتل دون ماله فهو شهيد، وكذلك حرَّم على المسلم أن يأكل مال أخيه بغير حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أحد بغير حقه)[رواه أحمد برقم (23094)، وصحح إسناده الأرناؤوط في تحقيق المسند (39/19)، بلفظ: (لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقه).]، وقال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)[رواه البيهقي في السنن الكبرى (6/100)، برقم (11325)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7662).]، وهكذا جعل اللحم الذي ينبت من سحت النار أولى به.

عباد الله، إن أكل الأموال بالباطل له أوجه كثيرة من الغش والسرقة، والاحتيال والرشوة، والقمار والربا والاحتكار، ونحو ذلك، ولكن كثير من الناس لا يأكلون الأموال عياناً بياناً، وإنما يأكلونها بطرق ملتوية، ويتأولون تأويلات، فيستحلون الحرام بالحيل

 

إن أكل الأموال بالباطل له أوجه كثيرة من الغش والسرقة، والاحتيال والرشوة، والقمار والربا والاحتكار، ونحو ذلك، ولكن كثير من الناس لا يأكلون الأموال عياناً بياناً، وإنما يأكلونها بطرق ملتوية، ويتأولون تأويلات، فيستحلون الحرام بالحيل

 

، وهذه التأويلات التي تجعل الشخص يأكل مال أخيه إنما يقتطع بذلك قطعة من نار، فليستقل أو ليستكثر، وهذه التأويلات لها وجوه كثيرة يأتي بها الشيطان إلى عقول أولئك القوم ليستحلوا بها المحرمات، فبعضهم يأكل من مال من يعمل عنده، ويقول: راتبي قليل، فيجعل الراتب المتفق عليه في العقد الذي رضي به الطرفان حُجة في أن يأكل من مال رب العمل، وهذا حرام واضح، وقلة الراتب ليست مبرراً لأكل المال، وبعضهم يقول: أنا موظف أعمل ضعف زميلي؛ فلي الحق أن آخذ من مال العمل أكثر مما يأخذ، فإذا كان هناك ظلم، أو كان كسل من صاحبه، فكيف يستبيح لنفسه أن يأخذ هو بحجة أن صاحبه كسلان لا يعمل مثل عمله؛ لأن الذي يؤدي العمل كما اتفق عليه فإنه يُعطي الحق الذي عليه، فليس ذلك بمبرر له أن يأكل مالاً إضافياً بحجة وجود كسالى آخرين في العمل، وكذلك ربما يأتي الشيطان إلى بعض الناس فيقول له: إن صاحب العمل ما دام قد ظلمك؛ فلا بأس أن تأخذ منه، وهذا غير صحيح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)[رواه الترمذي برقم (1264)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (240).]، وأما مسألة الظفر التي ذكرها العلماء، فقد اشترطوا لها شروطاً، يعني: أن من غصب من شخص شيئاً؛ فإن عثر المغتصَب منه على ما غُصب منه أخذه، يجوز أن يسترجعه؛ لأنه حقه، أما أن يُنصِّب نفسه قاضياً في أموال الآخرين؛ فيقول: صاحب العمل ظلمني، فأنا أقدر وآخذ من غير علمه، فهذا لا يجوز؛ لأن الإنسان يحيف لنفسه، والهوى يأتيه من كل جانب، فكيف يجعل نفسه قاضياً، والمفترض أنه إذا كان له مظلمة أن يرفعها إلى من ينصفه، وقد روى يوسف بن ماهَك قال: "كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم -لما كبر هؤلاء خدعوه-، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم -أدعوها ظلماً-، فأدركت لهم من مالهم مثليها -جاء هذا الشخص الطرف الثالث، واستحصل لهؤلاء الأيتام أموالاً-، فقال للمظلوم: أعطيك من مالهم الألف التي خدعوك بها، فقال: لا، حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)"[الحديث في سنن أبي داود برقم (3534)، وقال الألباني: رجاله ثقات غير الرجل الذي لم يسم، انظر (5/382).]، ولذلك فإن الإنسان إذا كان في موضع ائتمان كالمحاسب، فإنه لا يجوز أن يأخذ من مال الشركة ولو ظلمته الشركة؛ لأنه في موضع ائتمان بخلاف من اغتصب منه شيء، فأدرك حقه بعينه، فأخذه واسترجعه، فلا حرج عليه في ذلك.

لا تزر وازرة وزر أخرى:
00:06:46

عباد الله، بعض الناس يقدر لنفسه أشياءً فيأخذ أكثر مما له من الحق، وإذا دخلت في عالم الشركات، فوجدت الشركاء إذا حصلت الخسارة كل منهم يتهم الآخر بأنه السبب، ثم يحاول أن يأخذ مما تبقى من مال الشركة أكثر ما يمكنه أن يأخذ بحجة أن الطرف الآخر هو المتسبب في الخسارة، فهلا نصبوا حكماً بينهم، أو نصبوا مرجعاً يقدر لهم بالقسطاس، وبالعدل، ويرتضوا من الناس من أهل العلم، والفقه، والخبرة من يوزع عليهم بقية مال الشركة بعد الخسارة، وربما يكون الشخص مظلوماً من قبل آخر، فلا يستطيع أن يأخذ حقه منه فيعثر على مال لأخ الظالم، أو قريب الظالم فيأخذه، ويقول له: اذهب إلى أخيك الذي ظلمني، فحصِّل المال منه، سبحان الله! ألم يقل الله تعالى: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىسورة النجم: 38.، فإذا كان ذاك ظلمك، فكيف تأخذ من مال أخيه وأخوه لم يظلمك؟ ثم هذا الأخ قد لا يستطيع أن يستحصل المال من أخيه، ولذلك فإن مثل هذا لا يجوز، وأفظع منه أن يأخذ من مال شخص من القبيلة التي منها شخص ظلمه، أو من جنسية بحجة أن شخصاً من تلك الجنسية قد ظلمه، فما علاقة هذا بهذا؟.

عباد الله، ومن الناس من يأخذ مالاً من الغني بحجة أنه لا يتضرر بذلك، فيقول: الشركة عندها مال كثير، فلو أخذت جهازاً، أو آلة ماذا سيضر الشركة وأرباحها بعشرات، أو مئات الملايين؟ وهذه حجة داحضة عند الله؛ فإن الله عز وجل يحاسب الناس على الذرة: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُسورة الزلزلة: 7-8.، ومنهم من يقول: إن هذا -يعني صاحب الشركة- يحصل على المال بالحرام، فإذا أخذت منه فلا حرج عليّ؛ لأنني أسرق مالاً من مال هو سارقه، أو غاصبه، أو أخذه من طريق محرم، ويقولون: السارق من السارق كالوارث من أبيه، وهذه أيضاً عبارة فاسدة من أفسد ما يمكن؛ فكيف يجوز الأخذ والسرقة من مال تاجر خمر، أو زانية بحجة أنهم يحصلون عليها من طريق محرم، فالله يحاسبهم، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِسورة المؤمنون: 117.، فكيف يجوز لك أنت أن تأخذ من المال، وهل كونه حراماً يبيحه لك.

احذر الغلول:
00:10:03

عباد الله، وأيضاً فإن بعض الناس يسرق من الأموال العامة من مال بيت المال ويقول: لي نصيب فيه، وبيت المال كالأم بالنسبة لنا، فنأخذ منه ما نشاء، وهذا أيضاً فساد وباطل، وكذب على الشريعة، فإن بيت المال حق لجميع المسلمين، ومن يسرق من بيت المال فإن خصمه يوم القيامة جميع المسلمين؛ لأنه ظلمهم: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِسورة آل عمران: 161، وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى جعل الذي يظلم هذا الظلم العام يوم الدين عنده بمقام شنيع، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (إن رجالاً يتخوَّضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة)[رواه البخاري برقم (3118).]، ومعنى (يتخوَّضون) يعني يتصرفون في مال المسلمين بالباطل، فإذاً: لا يجوز للإنسان أن يمد يده إلى بيت المال ليأخذ كيف ما شاء، وبعضهم يقول: غيري يسرق ملايين؛ فلا ضير إذا أخذت الألوف أو المئات، وهذا باطل أيضاً فإن الله يحاسب هذا وهذا يوم القيامة، وبعضهم يأخذ مالاً فوق راتبه والعقد الذي بينه وبين جهة العمل لا يبيح له إلا الراتب، فهذا إذا أخذ زيادة، وهو يعمل في مصالح المسلمين العامة، ومرتب له مال من بيت المال؛ فإنما يأكل ظلماً أيضاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بال العامل نستعمله، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يُهدى له أم لا، فوالذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه)[رواه البخاري برقم (6636).]، وقال عليه الصلاة والسلام: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة)[رواه مسلم برقم (1833).]، وقال: (من استعملناه على عمل، فرزقناه زرقاً...) يعني: أعطيناه راتباً من بيت المال، (...فما أخذ بعد ذلك فهو غُلول)[رواه أبو داود برقم (2943)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6023).]رواه أبو داود، وهو حديث صحيح.

ومن ذلك استعمال ما جُعل من جهة العمل للعمل فقط من السيارة، أو الجوال، ونحو ذلك، فشرطوا عليه أن هذه لمصلحة العمل، فلا يجوز أن يستعملها في المصالح الخاصة، ورحم الله عمر بن عبد العزيز الذي كان إذا جاءته الرسائل من أنحاء الأرض في شؤون المسلمين من ولاته الذين عينهم، وكان السراج -سراج بيت المال- موقداً يقرأ على ضوئه هذه الرسائل، فإذا جاءته رسالة خاصة، يعني شخصية لا علاقة لها بذلك أطفأ سراج بيت المال، وأوقد سراجه الخاص.[انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (5/136).]كل ذلك من الورع.

أيها المسلمون، عندما جاءت كنوز كسرى تعجب عمر رضي الله عنه، وقال: "إن قوماً أدوا هذا لأمناء"، فقال أحد الحاضرين: "يا أمير المؤمنين عففت؛ فعفت رعيتك"[انظر البداية والنهاية لابن كثير (7/67).].

الحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر:
00:13:59

وكذلك فإن بعض الناس يسرق، أو يأخذ من مال شخص بحجة أنه كافر! فهل يجوز السرقة من مال الكافر؟ وهل مال الكفار حلال بإطلاق؟ وقد قال الله: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىسورة المائدة: 8.، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، يعني: يقدر ثمر النخل حتى يقسمها بين المسلمين واليهود بحسب الاتفاقية التي جرت على نخيل خيبر، فعمد اليهود إلى الرشوة لكي يضع لهم عبد الله بن رواحة شيئاً من المستحق عليهم، فجمعوا له حلياً من حلي نسائهم، فقالوا: هذا لك؛ وخفف عنا، وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحه: يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ؛ قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض"[انظر الحديث في موطأ مالك برقم (1413).]، فاعترف اليهود لعبد الله بن رواحه أنه ينطق بالعدل والقسطاس المستقيم، وهو الذي ذكر بأن كفرهم لن يحمله على ظلمهم، وبناء على ذلك فإن فعل بعض الناس في سرقة الأموال من بطاقات ائتمان أشخاص من الكفار عبر الشبكة بحجة أنهم كفار هذا باطل، وحرام، ولا يجوز، وليس كفره بمبيح لك أن تأخذ من ماله ما تشاء، وأيضاً فإنه إذا كان بين الإنسان وبين الكفار عقد أو عهد؛ فلابد من الوفاء به، وقد قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِسورة المائدة: 1.، وبعض الناس إذا ذهب إلى بلد من تلك البلدان سواء أراد إقامة، أو علاجاً، أو بعثة دراسية، فتمد يده إلى أموالهم، أو إلى شيء من المال الذي يستطيع أن يأخذه بحجة أنهم كفار، وهذا لا يجوز؛ فقد دخل بلدهم بأمان وعهد، فلا يجوز أن يخون، وقد سئل علماء اللجنة الدائمة عن شخص يريد أن يوقف عداد الكهرباء، أو الماء في دولة كافرة، علماً أنهم يأخذون منه ضرائب ظلماً فهل يجوز؟ فأجابت اللجنة: لا يجوز؛ لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، وكذلك فإن بعضهم يسجِّل نفسه هناك عاطلاً عن العمل ليأخذ معونة من تلك الدولة، ثم يعمل خِفية، أو يعمل في دولة مجاورة، ولو علموا بذلك ما أعطوه المعونة، وربما زعم بعضهم أن الربا في بلاد الكفر حلال، والأخذ من الربا حلال، ونحو ذلك من هذه التوسعات الفارغة السخيفة التي ينقلها بعضهم في فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، قال الإمام الشافعي رحمه الله: "الحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر"[كتاب الأم للشافعي (7/355). بلفظ: "الحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر".]، وقال الماوردي رحمه الله: "وقد أجمع الفقهاء على أنه إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان أو بموادعة حرمت تعرضه لشيء من دم، ومال، وفرج منهم؛ إذ المسلمون على شروطهم"[كتاب الأم للشافعي (7/355). بلفظ: "الحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر".]، وهذا هو الذي يعطيهم في الحقيقة النظرة الصحيحة عن الإسلام، وقد حصل في إحدى المرات أن جابياً للتذاكر في أحد القطارات، أو الحافلات ركب معه مسلم له مكان في مركز إسلامي في تلك البلد، فأعطاه الأجرة ورقة مالية، والمطلوب إعادة الباقي، فأعاد ذلك الجابي أكثر مما ينبغي أن يعاد، فلما أخذه المسلم وعدَّه، ووجده أكثر حدثته نفسه أن يسكت، ويقول: مال الكفار، والخطأ منه، ولكن استيقظ في نفسه حس الأمانة، وأنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ ما لا يجوز له أخذه، فيستأجر الحافلة، أو القطار، ثم لا يدفع الأجرة كاملة، يستفيد ولا يدفع مقابل الاستفادة، يأخذ المنفعة ولا يدفع مقابلها كاملاً، فأعاد الجزء الباقي إلى الجابي، وقال له: إن المال الذي أعطيتنيه أكثر من حقي، ففوجئ بالجابي يقول له: أعرف ذلك، وإنما أردت أن أختبرك؛ لأنني قرأت عن الإسلام فأعجبني الإسلام نظرياً، فقلت في نفسي: إذا كان أتباع الإسلام يطبقونه سأدخل فيه، فاختبرتك اليوم لأعلم: هل أنتم يا أيها المسلمون تطبقونه وتعملون بدينكم أم لا؟ فتعمدت إعطاءك، وأنا أعرف أنك في المركز الإسلامي، تعمدت إعطاءك أكثر؛ لأختبر أمانتك، وأنظر هل أنتم أيها المسلمون تؤدون الأمانة فعلاً، وإنني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فما بالكم يا عباد الله لو أن ذلك المسلم سكت، وأخذ المال، وهو موضع الاختبار الآن، وعليه الضوء، أفلا يكون يصد عن سبيل الله؟ يدري أو لا يدري، ولذلك فلابد أن نعمل بالإسلام حيث ما كنا.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

اللهم اجعلنا مقيمي الصلاة ومن ذرياتنا، ربنا وتقبل دعاء، ربنا اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم على حببينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه، وذريته الطيبين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أشهد أنه رسول الله حقاً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة.

حاجة المجتمع إلى الإعانة المالية:
00:21:47

أيها المسلمون، إن قضية الأموال في غاية الأهمية تقوم الحياة على المال، ويعاني كثير من الناس من قلة المال الذي عندهم، وبعضهم يعاني بسبب عدم القناعة والرغبة في التوسع في الأمور الكمالية، وليس للحاجة أو الضرورة، وبعضهم مضطر فعلاً ومسكين، ولا يملك ما يقيم حاجته، وحاجة من يعولهم، ولذلك فإنه لا ينبغي للمسلم أن يستغل ضرورة أخيه المسلم، فيجلبه براتب قليل لاضطراره، ويقول: هو موافق، وربما إذا جاء غير العقد الذي بينه وبينه، وأكل من حقه، ثم إذا جاء، وعمل عنده مده هدده بعد ذلك إذا لم يرض بتنزيل، أو تخفيض، أو تنازل عن شيء من المال أن يخرجه، وأن يبعده، ونحو ذلك من أوجه الإضرار، وهذا حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر، ولا ضرار)[رواه ابن ماجه برقم (2341)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7517).]، وفي الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار، ويجتمع على الناس من أسباب البلاء بسبب الغلاء ما يجتمع، فإنه ينبغي على كل صاحب سعة من تاجر وغيره أن يرأف بالمسلمين، وأن يرحم إخوانه، وأن يمد يد العون إليهم، إما بإعانة مباشرة، أو بأن يترك بعض الحق الذي له، ويتنازل عنه، أو بأن يؤجل الدفع، أو بأن يقسطه عليهم، وأوجه الإعانة المالية كثيرة، ورحم الله عبداً سمحاً إذا باع، وكذلك فإن الله تجاوز لإنسان عن سيئات ارتكبها؛ لأنه كان يداين الناس، فيتجاوز عنهم، يتجاوز عن المعسر، وينظر ويؤخر، وهكذا من السماحة التي كانت عنده، والله سبحانه وتعالى أولى بها، فسامح عبده؛ لأن العبد كان يسامح إخوانه.

ضرورة الأمانة في التعاملات المالية:
00:24:17

أيها المسلمون، إننا نحتاج إلى الالتفاف لأصحاب الحاجات، إلى الفقراء، إلى المساكين، وألا نستغل حاجتهم، وإنما نكون معهم بالعون والبر، والأخوة والصلة، وأنواع المساعدة، وإن (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)[رواه مسلم برقم (2699).]، وينبغي أن تكون الأمانة عند الجميع، فإذا وُكِّلت ببيع شيء -يا عبد الله- فإن كل ربح هو للذي وكَّلك، ولو قال لك: بعه بخمسين، فبعته بستين، ولم يأذن لك بأخذ الزيادة، فلا يجوز لك أن تأخذها، وبعض الناس يتأول، ويقول: هو قال: بعها بخمسين، فإذا بعتها بزيادة؛ فالزيادة لي، والجواب: كلا؛ أنت موكل وكل ربح يدخل بسبب الوكالة، فهو لمن وكلك على بيع هذه السلعة، إلا إذا قال: بعه بكذا، وما زاد فهو لك، فيجوز حينئذ أن تأخذ الزيادة، وكذلك فإن بعض الناس يوكِّله صاحبه في شراء شيء، فيضع عليه زيادة، ويبيعه بها، وإنما كانت وكالة؛ فيجب أن يصدق ويقول: أنا أبيع عليك، ولا آخذ الوكالة، لا أكون وكيلاً لك، ولكن أكون بائعاً؛ لأنك إذا كنت وكيلاً؛ فلابد أن تصدق في المبلغ الذي اشتريت به، وإذا كنت بائعاً تبيع بما شئت، وبعض الناس يكون له مال على شخص فيتحايل ذلك الشخص عليه، فيتهرب منه، ويقول: هذا غني، فلو جحدت الدين لا يتضرر، والنبي عليه الصلاة والسلام جعل المطل ظلماً، والجحد حراماً، وقطع عليه الصلاة والسلام يد جاحدة العارية، وأيضاً فإن بعض الناس يكون من ظلمه تأخير قضاء الدين، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم)[رواه البخاري برقم (2287)، ومسلم برقم (1564).]، وبعضهم يكون من ظلمه أنه يُجبر صاحب الحق على تقسيط الدين وعنده ما يسدده كله فوراً، وهذا نوع من المماطلة ولا شك، واضطرار الدائن لإسقاط شيء من الدين، أو تأخير السداد، أو التقسيط -هذا مع قدرة الذي اقترض على الوفاء حالاً- هذا حرام لا يجوز.

عباد الله، ونرى بعض الناس قد يأخذ وهو في ورشة سيارة ليصلحها، ثم يستعملها، فيركبها، وهذا لا يجوز له؛ لأنه أعطيَها أمانة لإصلاحها، لا ليتجول، ويقضي حاجاته بها، وهكذا، وهكذا من الأمور الكثيرة التي نراها اليوم من التلاعب بالفواتير

 

بعض الناس قد يأخذ وهو في ورشة سيارة ليصلحها، ثم يستعملها، فيركبها، وهذا لا يجوز له؛ لأنه أعطيَها أمانة لإصلاحها، لا ليتجول، ويقضي حاجاته بها، وهكذا، وهكذا من الأمور الكثيرة التي نراها اليوم من التلاعب بالفواتير

 

، ونحو ذلك بحجج واهية، تارة يقول: أفتى بجوازها بعض الناس، وإنما هو هوى النفوس، تفهم الفتوى كما تهوى، وتتبع الرخص، وتذهب إلى المتساهلين، وربما يكون في بلد فيقول: القانون يجيز ذلك!.

عباد الله، إذا خالف القانون الشريعة نتبع ماذا؟ وربما اتبع بعضهم أعرافاً جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان، كمن يحرِم الأخوات من الميراث، ويقول: الميراث لنا نحن الذكور، ولا نعطي أخواتنا شيئاً، وربما أعطوهم شيئاً قليلاً، لماذا؟ هذا ظلم، والله جعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فلا يجوز أن تجحد الأنثى لأنها أنثى، ما ذنبها؟ أنها أنثى، هل يجوز جحد حقها في الميراث لأنها أنثى؟ وربما يقول بعض هؤلاء الإخوة الذين ورثوا: لو تركنا المال لأخواتنا لتسلط أزواجهم علينا، ولا نريد أن يصل المال إلى أجنبي عن العائلة، سبحان الله! حق أخواتكم يجحد، ويؤكل؛ لأن زوج الأخت يمكن أن يستفيد من ذلك، هي حرة في مالها، الذي أعطاه الله إياها، تفعل فيه ما تشاء، تعطي منه لزوجها، أو أولادها، أو تتصدق به، تفعل ما تشاء، وإذا كنتم تريدون الشركة لكم؛ فاشتروا نصيب أخواتكم بالرضا بغير غُبن، وهكذا -يا عباد الله- نرى ونرى من الصور والمعاملات الكثيرة التي فيها استحلال أكل المال بالباطل، والتأويل الباطل، واتباع الهوى في هذا، والله حكم عدل مقسط، والله سبحانه وتعالى حكم عدل يحكم بالقسط، والقاسطون الذين يجورون هم حطب جهنم، والمقسطون الذين يعدلون هم أهل الجنة، المقسطون على منابر من نور، أما القاسطون فهم في النار، فالمقسطون أهل العدل، وأهل القسط، والقاسطون أهل الجور والظلم.

عباد الله، كنا في رحلة إيمانية في رمضان، وشهر الصيام، ودخلنا في ست من شوال، وأشهر الحج: شوال، وذي  القعدة، وعشر من ذي الحجة، دخلنا في الأشهر الحُرم، وجاءت أيام العشر من ذي الحجة، جاءت الأيام المعلومات، والأيام المعدودات، أيام التشريق: (أيام أكل، وشرب، وذكر لله)[رواه مسلم برقم (1141).]، فكنا في تلك الرحلة الإيمانية من الصيام إلى الحج، فكسب من كسب من الصالحات، فعليه أن يزداد خيراً، وأن يكون ما اكتسبناه من صيام أو حج، أو ذكر أو دعاء، أو تلاوة أو بر عوناً لنا على المزيد، ودافعاً للنا في الاستمرار على الطاعة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم إنا نسألك أن تعيننا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.

اللهم ارزقنا العفة والعافية، والتقوى وحسن الخاتمة.

اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اغفر لحيينا وميتينا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وكبيرنا وصغيرنا.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.

اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، ثبت علينا الأمن والإيمان، من أراد أن يمس أمن البلد بسوء فامكر به.

اللهم من أراد بهذا الوطن وأهله شراً فاجعل كيده في نحره.

اللهم اجعل بلدنا هذا عامراً بذكرك وشرعك، مقيماً لأمرك.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يقيمون الكتاب، ويقضون به، وبالحق يعدلون.

اللهم إنا نسألك أن تحفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.

اللهم ارفع البلاء والغلاء والوباء عنا وعن المسلمين.

اللهم إنا نسألك النصر لإخواننا المظلومين المستضعفين.

اللهم إنا نسألك أن تنصر هذه الأمة على عدوها يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور.

سبحان ربك رب العزة عن ما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وقوموا إلى صلاتكم، يرحمكم الله.

1 - رواه البخاري برقم (1739)، واللفظ له، ومسلم برقم (1679).
2 - رواه أحمد برقم (23094)، وصحح إسناده الأرناؤوط في تحقيق المسند (39/19)، بلفظ: (لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقه).
3 - رواه البيهقي في السنن الكبرى (6/100)، برقم (11325)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7662).
4 - رواه الترمذي برقم (1264)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (240).
5 - الحديث في سنن أبي داود برقم (3534)، وقال الألباني: رجاله ثقات غير الرجل الذي لم يسم، انظر (5/382).
6 - رواه البخاري برقم (3118).
7 - رواه البخاري برقم (6636).
8 - رواه مسلم برقم (1833).
9 - رواه أبو داود برقم (2943)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6023).
10 - انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (5/136).
11 - انظر البداية والنهاية لابن كثير (7/67).
12 - انظر الحديث في موطأ مالك برقم (1413).
13 - كتاب الأم للشافعي (7/355). بلفظ: "الحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر".
14 - كتاب الأم للشافعي (7/355). بلفظ: "الحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر".
15 - رواه ابن ماجه برقم (2341)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7517).
16 - رواه مسلم برقم (2699).
17 - رواه البخاري برقم (2287)، ومسلم برقم (1564).
18 - رواه مسلم برقم (1141).