الأربعاء 19 محرّم 1441 هـ :: 18 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

ذم الدين وعاقبة الاستدانة - الجزء الثاني


عناصر المادة
الخطبة الأولى
 
آداب المقرض
آداب المقترض
الخطبة الثانية 
الخطبة الأولى
00:00:04
 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ سورة آل عمران102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا سورة الأحزاب70-71.

أما بعد:
 

آداب المقرض
00:00:59

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إخواني لا زال حديثنا معكم عن هذه المشكلة الاجتماعية التي ضلع فيها كثير من الخلق اليوم، وكانت سبب حرج الكثيرين لأن الآداب الإسلامية في هذا الجانب قد أهملت، وقد تكلمنا في الخطبة الماضية عن خطورة الدين والتشديد فيه، وسوف نتكلم في هذه الخطبة عن آداب المقرض، وآداب المقترض، وما يجب على عموم المسلمين تجاه الدائن والمدين.

 
أمر الله سبحانه وتعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، وليس كما كان أهل الجاهلية يفعلون، يقول أحدهم لمدينه: إذا حل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي
 

أما المقرض صاحب الإحسان الذي أعطى القرض لأخيه المسلم، فإنه إذا جاء موعد حلول الدين ولم يستطع المقترض أن يوفي الدين فإن عليه أن يصغي سمعه لقول الله عز وجل: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سورة البقرة280، فأمر الله سبحانه وتعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، وليس كما كان أهل الجاهلية يفعلون، يقول أحدهم لمدينه: إذا حل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي، إما أن تعطيني مالي الآن، أو أبدأ بأن أحسب لك الربا ابتداء من هذا التاريخ، وقد جاءت هذه الآية مباشرة وراء آية الربا التي يقول الله عز وجل فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ سورة البقرة278-279 ولا يخفى عليكم - أيها الإخوة - أن مشكلة العالم كله اليوم بالنسبة لقضايا الاقتصاد والمال إنما جاءت نتيجة الربا، واستعمال الربا، والقضاء بالربا، والاحتكام إلى أهل الربا، فحلت بذلك المشاكل، ونزل الجوع والفقر في أقوام، وفي بلاد كانت في يوم من الأيام من أغنى البلاد، وكان أقوامها وأهلها من أغنى الأهل والأقوام، وقد تحقق فيهم قول الله عز وجل: فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ والله عز وجل لم يحدد ما هي نوع الحرب هل هي حرب عسكرية، أم حرب أمراض، أم حرب اقتصادية بالجوع والفقر؟ فحل حرب الله بالمستعملين للربا، فكان قوم من الأقوام في العلية أغنياء فأصبحوا اليوم عالة بسبب تحكيم هذا الربا وتطبيقه، والركون إلى أهله.

ولعلنا نفرد خطبة خاصة إن شاء الله بالكلام على هذه الكبيرة العظيمة التي دوخت البلاد والعباد، وأقضت مضاجع الأمم والأفراد.

فأول ما يجب على المقرض: ألا يستعمل الربا نهائياً إذا عجز المقترض عن وفاء الدين، وإنما عليه أن ينظر أخيه المسلم بالإحسان.

وعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: من طالب حقاً فليطلبه في عفاف واف أو غير واف [رواه ابن ماجه2421]رواه ابن ماجه وعنون عليه: باب حسن المطالبة وأخذ الحق في عفاف، ويقول ﷺ:  رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى [رواه البخاري2076]، فهو يسامح صاحبه عند المطالبة بالدين.

هذه الأحاديث قد أحدثت فعلها في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، فعن عبد الله بن أبي قتادة: أن أبا قتادة رضي الله عنه طلب غريماً له فتوارى عنه - اختبأ من أبي قتادة - ثم وجده فقال الغريم: إني معسر، فقال: آلله -يستحلفه على إعساره-، فقال: آلله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه  [رواه مسلم1563]، وفي رواية عن محمد بن كعب القرظي: أن أبا قتادة كان له دين على رجل وكان يأتيه يتقاضاه فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه فقال: نعم هو في البيت يأكل خزيرة - نوع من أنواع الطعام- فناداه: يا فلان اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا، فقال أبو قتادة للمدين للغارم: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي، فقال: آلله إنك معسر، قال: نعم، فبكى أبو قتادة رضي الله عنه تأثراً بحال أخيه المسلم الذي ألجأه عدم وجود المال للقضاء ألجأه للاختباء من صاحب الدين والفرار منه، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة [رواه أحمد22053] وليست هذه أحوال فردية، بل إن الأمر كان واسعاً في مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم في إنظار المدين، فروى مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت رحمه الله قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا بعد وفاة الرسول ﷺ، خرجا يطلبان العلم في الأنصار قبل أن يموت الأنصار حرصاً على تحصيل العلم، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ ومعه غلام له معه ضمامة من صحف من أوراق مضمومة، فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب، وهذا أدب المتعلم مع العالم، أدب طالب العلم في مراعاة حال معلمه قبل أن يسأله، وفي استجلاء ما على وجهه من الآثار، إني أرى في وجهك سفعة من غضب يعني: تغير اللون من الغضب، قال: أجل كان لي على فلان بن فلان الحرامي -يعني: من بني حرام-، مال فأتيت أهله فسلمت فقلت: أثم هو؟ فلان موجود قالوا: لا، فخرج إليَّ ابن له جفر -يعني: غلام صغير- فقلت: أين أبوك؟ فقال لي: سمع صوتك فدخل أريكة أمي، وهكذا يبلغ الحال بالمدين أن يفر من الدائن إلى داخل البيت إلى مكان الحريم والنساء من الذل الذي يلقاه، فقال أبو اليسر للمدين في داخل بيته وقد رفع صوته: اخرج فقد علمت موضعك، فخرج المدين، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ولا أكذبك، خشيت أن أحدثك فأكذبك، وأعدك فأخلفك اختبأت منك خشيت إن خرجت إليك أن أعدك أن أعطيك المال في التاريخ الفلاني فلا أفي، وأن أعدك أن أعطيك المال في التاريخ الفلاني فأخلف وعدي، خشيت أن أكذب في الحديث وأن أخلف الوعد فأثرت الاختباء على الخروج إليك، وكنت قد صحبت رسول الله ﷺ وكنت والله معسراً، فقال أبو اليسر لهذا الرجل: آلله إنك معسر؟ قال: آلله - وفي رواية: رددها ثلاثاً- فأعطيته صحيفته، يقول أبو اليسر: فاستخرجت صحيفة الدين فأعطيتها لهذا المدين فمحاها بيده وقلت: إن وجدت قضاء فاقضني وإلا فأنت في حل، لقد أحللتك إن كنت لا تستطيع، ثم قال: فأشهد بصر عيني هاتين، ووضع أصبعيه على عينيه، وسمع أذني هاتين -كذا ضبطها في جامع الأصول- ووعاه قلبي هذا وأشار إلى نياط قلبه، رسول الله ﷺ وهو يقول:  من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله [رواه مسلم3014].

إذن أيها الإخوة لقد عملت هذه الأحاديث عملها في نفوس الصحابة، فاستجاب أصحاب الديون للترغيب الحاصل من رسولهم ﷺ، فبدؤوا يضعون الديون عن المعسرين، ويتجاوزون عنهم، وينظرونهم إلى آجال طويلة حتى يستطيعون القضاء؛ لأنهم سمعوا رسولهم ﷺ يقول في الحديث الصحيح: من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله [رواه الترمذي1306]، وقال عليه السلام:  من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة [رواه أحمد22053].

بل إنهم قد سمعوا أحاديث فيها ترغيب شديد، يقول عليه السلام في الحديث الصحيح:  ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة  [رواه ابن ماجه2430] لو أقرضت مسلماً قرضاً مرتين أقرضته المال ثم أخذته ثم أقرضته ثم أخذته فكأنك تصدقت بهذا المال مرة واحدة، لك أجر صدقة كاملة عن هذا المال، وقال عليه السلام في الحديث الصحيح:  من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة  أكثر من ذلك،  فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة [رواه أحمد22537].

فإذن: إنظار المدين إلى حلول الأجل وإلى ما بعد حلول الأجل فيه أجر عظيم.

وكان بعض السلف يسلفون أموالهم للناس انتظار الثواب العظيم من الله، كانوا يسلفون الناس لهذا الثواب، كانوا يسلفون الناس لهذا الأجر، كانت أحاديث الترغيب تفعل فعلها في نفوسهم، بل إن إسلاف الناس كان له أثر في إنقاذ نفوس من جهنم، يقول ﷺ في الحديث الصحيح: حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان رجلاً موسراً -غنياً- وكان يخالط الناس، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، فقال الله عز وجل لملائكته -بعد أن مات هذا الرجل-: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه [رواه مسلم1561] الله أكرم الأكرمين، أحق من هذا الرجل بالتجاوز، فتجاوز الله عنه سيئاته.

وفي حديث صحيح آخر: أُتي الله عز وجل بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال: ما عملت من شيء يا رب إلا أنك آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي أن أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي ، وفي رواية صحيحة أخرى: أن رجلاً لم يعمل خيراً قط وكان يداين الناس فيقول لرسوله - يعني يقول لخادمه أو لموظفه أو لرئيس حساباته-: خذ ما تيسر واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا، فلما هلك قال الله: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا، قال الله: قد تجاوزت عنك، قال الله: قد تجاوزت عنك [رواه النسائي4694].

فإذن أيها الإخوة هذه الرسالات القرآنية: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ سورة البقرة280، وهذه الرسائل النبوية بهذه الأجور العظيمة لمن تغاضى عن ديون الناس، وأنظرهم وأخرهم آجالاً عديدة حتى يستطيعون الوفاء، رسائل لأصحاب الديون من الأغنياء، أو من غيرهم الذين يطاردون المدينين فيرهقونهم، وقد يؤدون بهم إلى السجن، وخلفهم عيال فقراء، مع أن سجن المدين من حق الدائن، ولكن يا أخي: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ سورة الشورى40، ومن أنظر فأجره على الله، ولك الأجر الدائم خير لك من هذا المال الفاني في هذه الدنيا.

آداب المقترض
00:16:09

وأما بالنسبة للدائن الذي عليه الدين، فإن عليه آداباً:

أولها: أن يبادر فوراً إلى القضاء إذا ملك، أو يبادر إلى قضاء جزء إذا ملك هذا الجزء حتى يضع عن كاهله هذا الثقل العظيم الذي ستتعلق نفسه، وتكون محبوسة به في القبر إذا هو لم يوفه إلى صاحبه، وقد ذكرنا طرفاً من هذا في الخطبة الماضية.

والأمر الثاني: أن يحسن القضاء إلى صاحب الدين، أن يحسن القضاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً تقاضى رسول الله ﷺ، وكان أعرابياً جافاً غليظاً في خطابه، فأغلظ الأعرابي لرسول الله ﷺ، فهم به أصحاب رسول ﷺ هموا أن يوبخوه يقولوا له: أتدري من تخاطب؟ كيف تخاطب بهذه اللهجة؟ فقال عليه السلام: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً  صاحب الدين له صولة الطلب، وقوة الحجة، ولكن مع مراعاة آداب الشرع، واشتروا له بعيراً فأعطوه إياه ، فقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، ما نجد بعير مثل الذي استلفته منه يا رسول الله، وكان عليه السلام قد استلف من هذا الرجل بعيراً، فقال: اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء [رواه البخاري2306 مسلم1601].

وعن أبي سعيد الخدري قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه فاشتد عليه، حتى قال الأعرابي لرسول ﷺ: أحرج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي ﷺ:  هلا مع صاحب الحق كنتم .

واليوم لا يقف الكثيرون مع صاحب الحق، وأحياناً يكونون في موقع الحكم والقضاء، ولا يقفون مع صاحب الحق، ويأخذون الرشاوي حتى يحكمون به لغير صاحب الحق، ويلهم من نار جهنم يوم القيامة، يقول عليه السلام: هلا مع صاحب الحق كنتم؟  ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها:  إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك ، فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله، وهذا يدل على جواز أن يقترض المدين قرضاً حتى يوفي دائناً مستعجلاً، يقترض من آخر غير مستعجل حتى يوفي دائناً مستعجلاً، فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله، قال: فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال الأعرابي لما رأى حسن قضاء النبي ﷺ فقال: أوفيت أوفى الله لك، هذا الأعرابي صاحب الجفاء والغلظة في الخطاب لما رأى حسن المعاملة قال: أوفيت أوفى الله لك، فقال عليه السلام: أولئك خيار الناس، إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع [رواه ابن ماجه2426] يعني: لا خير في أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه بدون قلق، ولا إزعاج؛ لأن الضعيف قد يأخذ حقه في بعض الحالات لكن بعد أن يريق ماء وجهه، وبعد أن يسحب، وبعد أن يماطل، وبعد أن يقلق ويزعج.

وعلى صاحب الدين أن يتوكل على الله في وفاء دينه، وأن يسارع إليه حالاً، وهذه قصة عظيمة في هذا الأمر: يقول عليه السلام، والقصة في البخاري وغيره: إن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، قال: اسلفني ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، هات بالشهداء، فقال: كفى بالله شهيداً، ما عندي أحد يشهد، كفى بالله شهيداً، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، ما عندي أحد يكفلني، قال: صدقت، لما لمس صدق صاحبه قال: صدقت كفى بالله شهيداً وكفى بالله وكيلاً، فدفعها إليه على أجل مسمى، فخرج الذي أخذ الدين في البحر ليتاجر بها، سافر في البحر ليتاجر، فقضى حاجته، وتاجر وربح، ثم التمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها، وحفرها وجوفها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه يذكر فيها حاله وأنه لم يستطع أن يأتي وهذه حيلته، ثم زجج موضعها، أقفل على موضع الفتحة، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أجد، وإني أستودعكها، والله عز وجل إذا استودع شيئاً حفظه، فرمى بها في البحر، هذه الحيلة التي يستطيع عليها، حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك ومع ذلك وهو يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، ما اكتفى بإلقائها، وإنما جعل يلتمس مركباً، فخرج الرجل الذي كان أسلفه لعل مركباً قد جاء بماله، ينظر صاحب الدين خرج في الوقت المحدد إلى الساحل، هل قدم مركب بالمال الذي أسلفه في الموعد المحدد؟ فما وجد مركباً، وإنما وجد الخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، قال: آخذها لأهلي حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، وجد مركب فجاء، فأتى بألف دينار أخرى، يظن أن تلك قد ضاعت، وقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، هذا أول مركب رأيته، قال: هل كنت بعثت إليَّ شيئاً قبل ذلك؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة فانصرف بالألف دينار راشداً.[رواه البخاري في باب الكفالة معلقاً].

وهكذا يكون عاقبة التوكل على الله، فإن الله يؤدي، المهم أن تصدق النية، والمشكلة عند الكثيرين من أصحاب الديون أنهم لا يصدقون النية في الأداء، فلذلك الله لا يساعدهم ولا يعينهم في أداء الديون.
 

الخطبة الثانية 
00:24:17
 
من الديون الدين الذي يكون للعامل عند صاحب العمل، فإن بعض العمال قد يغادرون البلاد ولهم عند أصحاب العمل رواتب لم يستلموها، وهذه الرواتب هي ديون على صاحب العمل، فلابد على صاحب العمل في البحث عن هؤلاء العمال حتى يوصل إليهم حقوقهم.
 

 

ومن أنواع الديون أيها الإخوة: الدين الذي يكون للعامل عند صاحب العمل، فإن بعض العمال قد يغادرون البلاد ولهم عند أصحاب العمل رواتب لم يستلموها، وهذه الرواتب هي ديون ولا شك على صاحب العمل، وهنا تبرز مسئولية صاحب العمل في البحث عن هؤلاء العمال، الذين انتقلوا من أماكنهم، حتى يوصل إليهم حقوقهم، ولو اضطر لأن يسافر إلى آخر الدنيا، وحديث الثلاثة الذين كانوا يمشون في مطر فدخلوا غاراً فانطبقت عليهم الصخرة فكادوا أن يموتوا، حتى صار كل واحد منهم يدعو الله بعمل صالح لعل الله أن يفرج عنهم، فأحدهم دعا الله بعمل صالح في بر والديه، والآخر دعا الله بعمل صالح في أنه قد قام عن امرأة كاد أن يزني بها خشية لله، وقال الثالث: اللهم إني كنت استأجرت أجيراً فلما قضى عمله قال لي: أعطني حقي، فعرضت عليه فرقه فرغب عنه، قال: لا أريده الآن، فلم أزل أزرعه، يعني: أنميه، حتى جمعت منه بقراً ورعاء، نميت له هذه المال هذه الأمانة هذا كمال الأمانة، صاحب العمل ينمي هذا الدين الذي عليه للعامل، فجاءني في يوم من الأيام وقال: اتق الله ولا تظلمني حقي، قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها كلها، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، ظن أنه يستهزئ به لأن المال الأصلي قليل، فقلت: إني لا أستهزئ بك خذ ذلك البقر ورعاءها، فأخذه وذهب به، فإن كنت تعلم يا الله أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي ففرج الله ما بقي من الصخرة وخرجوا[رواه البخاري2215].

 قال العلماء: وهذا أعظم الثلاثة؛ لأن الله فرج عنهم بسببه التفريج التام وأزال الصخرة.

كم من أصحاب العمل اليوم يظلمون عمالهم، ويأكلون من حقوقهم، هؤلاء العمال أجرهم لن يضيع عند الله، وهذا الظلم لن يذهب، وإن مات الغني غنياً في الدنيا، ومات العامل فقيراً في الدنيا، فإن يوم القيامة لهم شأن آخر، فبادر يا صاحب العمل أن توفي ما عليك لأصحابه قبل أن يكون يوم لا مال فيه، لا دينار ولا درهم، وإنما بالحسنات والسيئات.

ومن آداب الدائن كذلك: أن يعجل بإخراج الدين تاماً، وبعض المستلفين يكون عنده ما يوفي به الدين، ولكنه من دناءة نفسه يقسطه على صاحب الدين المقرض المحسن يقسطه عليه مبالغ صغيرة جداً، يعطيه يكون عليه خمسين ألف مثلاً، فيوم يعطيه خمسمائة، ويوم مائتين، ويوم مائة، ويوم ألف حتى يجعله ييأس من وفاء الدين، وهو عنده ما يوفي به المبلغ كاملاً، ولكن دناءة النفس والشح نعوذ بالله من الشح، ويصبح صاحب الدين كأنه هو الفقير الذي يمشي وراء المدين يقول له: أعطني أرجوك إن عندي أعمالاً، عندي تجارات، عندي عمال ما أخذوا رواتبهم، وذلك الرجل المقترض عنده، ولكن لا يخرج، هذه من المشاكل العويصة الموجودة أيها الإخوة اليوم بسبب عدم خشية الله، ومعرفة حق الله عز وجل وحق العبيد، فحق العبيد لا يضيع عند الله.

1 - رواه ابن ماجه2421
2 - رواه البخاري2076
3 - رواه مسلم1563
4 - رواه أحمد22053 
5 - رواه مسلم3014
6 - رواه الترمذي1306
7 - رواه أحمد22053
8 - رواه ابن ماجه2430 
9 - رواه أحمد22537
10 - رواه مسلم1561 
11 - رواه النسائي4694
12 - رواه البخاري2306 مسلم1601
13 - رواه ابن ماجه2426 
14 - رواه البخاري في باب الكفالة معلقاً
15 - رواه البخاري2215