السبت 15 شعبان 1445 هـ :: 24 فبراير 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

أحكام الغسل - الدرس الثاني


عناصر المادة
الغسل بسبب الجماع والتقاء الختانين
خروج دم الحيض والنفاس
موت غير الشهيد
غسل الكافر والمرتد إذا أسلموا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فقد تقدم في موجبات الغسل الكلام عن الجنابة وهي أول موجبات الغسل.

وذكرنا أن للجنابة سببان:

الأول: نزول المني.

والثاني: هو الجماع.

وأن خروج المني يوجب الغسل سواء خرج من الرجل أو المرأة، وسواء كان نزوله بسبب جماع أو احتلام أو غير ذلك، لحديث:  إنما الماء من الماء  [رواه مسلم: 343]. قلنا: سواء كان نزوله بسبب جماع أو احتلام أو نحو ذلك كملاعبة وتقبيل أو فكر لحديث: إنما الماء من الماء  وذكرنا أن خروج المني له أحوال: أن يخرج بلذة وشهوة وهذا هو الغالب فيوجب الغسل باتفاق العلماء، وأن يخرج دون لذة فجمهور العلماء على أنه لا يوجب الغسل، وهذا مثاله أن يخرج لمرض أو حمل شيء ثقيل أو شدة برد ونحو ذلك، وإن خرج في حال النوم وجب الغسل مطلقًا لفقد إدراكه فقد لا يشعر باللذة، وأن من رأى أنه احتلم ثم استيقظ ولم يجد بللًا فلا غسل عليه بإجماع العلماء، فلو قال : ذكرت احتلامًا، ولكن لما قام من النوم لم يجد أثرًا فليس عليه غسل، وإن رأى الأثر رأى منيًا ولم يذكر احتلامًا فعليه الغسل بالإجماع أيضًا، وإذا استيقظ ورأى بللًا لم يدر ما هو فإن تحقق له أنه مني فيجب عليه الغسل حينئذ ولا يجب غسل الثوب؛ لأن المني طاهر على الراجح من قولي العلماء، ولا فرق في هذا بين أن يذكر احتلامًا أو لا يذكر، وله صفات معروفة أي المني، وبناء عليها يعرف هل هذا هو فيغتسل أم لا؟ وإن تحقق كون الذي خرج مذيًا فلا يجب عليه الغسل، سواء تذكر احتلامًا أم لا، ولكن يجب غسل ما أصابه من الثوب والبدن؛ لأن المذي نجس، وإذا شك وتردد هل هذا الخارج مذي أو مني؟ فقيل: يجب عليه الغسل مطلقًا، وقيل: لا يلزمه الغسل مطلقًا.

وفصّل بعض العلماء فقال: إذا شك في هذا الأثر الذي وجده ولم يجزم فإنه إذا ذكر احتلامًا فيجعله منيًا ويغتسل، وإذا تقدم نومه سبب يدعو إلى تحريك الشهوة وخروج المذي كتفكير أو نظر فهذا يترجح به أنه مذي فليس عليه الغسل، وإن لم يتقدم نومه سبب يدعو إلى خروج المذي ولا ذكر أنه احتلم فلا يجب عليه الغسل؛ لأن الأصل براءة الذمة.

الغسل بسبب الجماع والتقاء الختانين

00:03:27

بقي عندنا الآن من الأسباب في الغسل: الجماع والتقاء الختانين، وكذلك من الأسباب المتعلقة بهذا التلقيح الصناعي هل يوجب الغسل؟ حقن الحيوان المنوي في بويضة المرأة وزرع اللقيحة في المرأة هل يوجب الغسل؟ وكذلك لو كان هناك عازل فهل يوجب الغسل؟ وكذلك من موجبات الغسل خروج دم الحيض والنفاس، ولو ولدت المرأة ولم تر دمًا فماذا عليها في هذه الحالة؟ وإذا كانت الحائض على جنابة هل يلزمها الغسل؟ وبالنسبة للميت تغسيله واجب أيضًا وماذا بالنسبة للشهيد؟ الكافر إذا أسلم هل يجب عليه الغسل؟ هذه بعض مسائل الدرس، فنبدأ بعد الجنابة أو بعد خروج المني بالجماع وهو من أسباب وجوب الغسل.

قال المصنّف - رحمه الله تعالى -: أو بالتقاء الختانين وهذا المقصود به الجماع وهو موجب للغسل سواء أنزل المني أو لم ينزل، واستدل الشافعي بقوله تعالى : لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء: 43]، قال: "فأوجب الله الغسل من الجنابة فكان معروفًا في لسان العرب أن الجنابة الجماع وإن لم يكن مع الجماع ماء دافق؛ لأنه قد يجامع ولا ينزل، قال: "وكذلك ذلك في حد الزنا وإيجاب المهر وغيره"، يعني لو أولج ولم ينزل هل يعتبر زانيًا؟ نعم، هل يقام عليه الحد؟ نعم، كذلك في مسألة وجوب المهر كاملًا، وجوب المهر لو طلّق، ولو دخل بها، ولو دخل فأتاها ولم ينزل، ما دام حصل الجماع والإيلاج فالمهر واجب كله في هذه الحالة، قال الشافعي - رحمه الله -: "وكذلك ذلك في حد الزنا وإيجاب المهر وغيره" يعني: أن الشرع ما اشترط الإنزال، مجرد الجماع يوجب حد الزنا ويوجب أيضًا المهر كاملًا، قال: "وكل من خوطب بأن فلانًا أجنب من فلانة عقل أنه أصابها وإن لم يكن مقترفًا"، يعني: أنه لم ينزل، هذا في كتاب الأم للشافعي. [الأم للشافعي: 1/52].

ودّلت السنة النبوية على أن الجنابة أن يفضي الرجل إلى المرأة، أن يفضي الرجل من المرأة حتى يغيبه، حتى يغيب فرجه في فرجها، فعن أبي هريرة عن النبيﷺ قال:  إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل  [رواه البخاري: 291، ومسلم: 348]. زاد: وإن لم ينزل ، والشعبة القطعة من الشيء، والمراد هنا الفخذان والساقان فهذه هي الأربع وقولهﷺ: ثم جهدها  كناية عن الإيلاج كما في الفتح. [فتح الباري لابن حجر: 1/100]. ومعنى الحديث: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولو قال مثلًا : في مسألة الجماع في رمضان عليه كفارة أو لا؟ فنقول: إذا غابت الحشفة وجبت الكفارة المغلظة، فهذه المسألة مسألة الإيلاج أو الجماع تترتب عليها أحكام في الغسل، في الطهارة، في أحكام النكاح، المهر، في الحدود حد الزنا، في الكفارات كفارة الوطء في نهار رمضان، فإذن هذه أمور في الشرع لها اعتبار؛ لأنه يترتب عليها أحكام، وفي شرح صحيح مسلم معنى الحديث: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، قال: "وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرناه" انتهى. [شرح النووي على مسلم: 4/40]. قال ابن المنذر - رحمه الله -: "وهو - يعني إيجاب الغسل - على من أولج ولو لم ينزل قول كل من نحفظ عنه من أهل الفتيا من علماء الأمصار، ولست أعلم اليوم بين أهل العلم فيه اختلافًا"، وكذلك نقول للأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على ذلك"، كتاب الأوسط، [الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: 2/81].

وعن سهل بن سعد عن أُبي بن كعب : "أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدُ" رواه أبو داود بإسناد صحيح.

فلو قال لنا واحد: وحديث:  الماء من الماء  ماذا نفعل به؟ نقول: كان هذا في أول الإسلام، كان هذا في الأول، ثم نسخ بعد ذلك، والحديث الناسخ الحديث الذي مر معنا: إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل  أنزل أو لم ينزل، وعن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل يعني: جامع، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، أنا آتيكم بالخبر اليقين، فقمتُ فاستأذنتُ على عائشة، فأُذن لي فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء وإني استحييك، يعني استحي منك، الآن يوجد خلاف وأنت في بيت النبوة أكيد أن عندك علم من ذلك، قالت عائشة: "لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك فإنما أنا أمك" وهذا من تذليل العقبات أمام السائل أو المتعلّم حتى لا يستحي من السؤال؛ لأن هذه قضية شرعية، ليس هذا قلة أدب أو ليس هذا من ذكر الأمور الخاصة بلا سبب أو لأجل هكذا يمر الحديث في مثل هذه القضايا كما يفعل بعض الناس ويثير مسائل دون أن يكون هناك سبب شرعي من تعلّم مسألة أو حكم، لا، الآن القضية هذه المسألة وإن كان يُستحيا منها، لكن يتعلق بها حكم شرعي فلا بد من تعلُّمه، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطتَ، قال رسول الله ﷺ:  إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل  [رواه مسلم: 349].

وعند ابن ماجه بلفظ: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل [رواه ابن ماجة: 608، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 385]. فهذا بيان قاطع أنزل أو لم ينزل، مجرد مس الختان للختان، طبعًا مس الختان للختان المقصود به المحاذاة يعني محاذاة هذا لهذا، وهذا يستلزم غياب الحشفة، وهي مقدمة الذكر، وهذا لا يتحقق إلا بإيلاج هذا القدر، ففي الإيلاج يكون ختان الرجل محاذيًا لختان المرأة، قال النووي - رحمه الله - في شرح صحيح مسلم: "وليس المراد حقيقة المس وذلك أن ختان المرأة في الأعلى ولا يمسه الذكر في الجماع، فدلّ على أن المراد بالمماسة المحاذاة"، وكذلك الرواية الأخرى: إذا التقى الختانان أي تحاذيا"، انتهى. [شرح النووي على مسلم: 4/42].

وقال النووي في المجموع أيضًا: "وجوب الغسل وجميع الأحكام المتعلقة بالجماع - يعني في قضية حد الزنا، في قضية الكفارة في الوطء في رمضان، في قضية المهر، ونحو ذلك، قال: يشترط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج ولا يشترط زيادة على الحشفة، ولا يتعلق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام" انتهى من المجموع. [المجموع شرح المهذب: 2/133].

فإذن، هذه الجلدة التي تغطي رأس الذكر يزيلها الخاتن عند الختان، يقطعها فتظهر الحشفة، هذه الحشفة التي إذا غابت ترتبت كل هذه الأحكام، فإذا غابت الحشفة في الفرج فقد حصلت المحاذاة ووجب الغسل، قال ابن قدامة - رحمه الله -: "ويجب الغسل على كل واطئ وموطوء إذا كان من أهل الغسل، سواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا طائعًا أو مكرهًا نائمًا أو يقظان" [المغني لابن قدامة: 1/150].

وقوله : أو دبرًا لا يدل على الجواز، لكن هو يقول : لو حصل وجاء واحد قال : أنا والعياذ بالله وقعت في الفاحشة، أنا أتوب إلى الله، لكن أخبروني عليّ غسل أم لا؟، ولذلك ذكر الحكم ليس هنا لبيان الحلال والحرام في الوطء، وإنما ماذا يترتب على هذا الوطء؟ ولذلك لو قال -والعياذ بالله-: وطئ بهيمة، يجب، الحديث في وطء البهيمة :  اقتلوه واقتلوها معه [رواه الترمذي : 1455 وأبو داود  :4464 وابن ماجه : 2564 والحديث ضعفه أبو داود والطحاوي] لأنه لا يرجى لها صلاح أو خير، لا يرجى لها حياة بعد، فعل بها ما فعل أفسدها، لذلك تُقتل وهو يُقتل أيضًا هذا حد آتي البهيمة، لكن الآن ما نتكلم على قضية حكم إتيان البهيمة وحكم الحد والحد الذي عليه، نتكلم الآن تحديدًا في قضية وجوب الغسل هل يجب، فعل ذلك -والعياذ بالله- هل يجب؟ نعم.

وقوله: "إذا كان من أهل الغسل" لأنه لا يجب على البهيمة، ليست من أهل الغسل، ليست من أهل التكليف أصلًا.  مسألة : لو حصل الجماع بحائل كبعض المستخدمات مما يسمى بالواقيات وغيرها فهل يجب الغسل؟

هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:

القول الأول : وجوب الغسل على الرجل والمرأة مطلقًا، سواء كان الحائل غليظًا أو رقيقًا، وهذا مذهب الشافعي - رحمه الله -، قال النووي: "ولو لفّ على ذكره خرقة وأولجه بحيث غابت الحشفة ولم ينزل فالصحيح وجوب الغسل عليهما؛ لأن الأحكام متعلقة بالإيلاج وقد حصل" [شرح النووي على مسلم: 4/41].

القول الثاني : أنه لا يجب الغسل مطلقًا، وهذا مذهب الحنابلة كما في الإنصاف، قالوا : لأنه لم تحصل الملاقاة والمماسة مع وجود الحائل، والحديث فيه :  إذا مس الختان الختان  فعبر بالمس ولا يكون المس مع وجود الحائل.

القول الثالث : إذا كان الحائل رقيقًا بحيث يجد الأثر واللذة وجب الغسل وإلا فلا، وهذا مذهب المالكية، قال ابن عثيمين - رحمه الله – في الشرح الممتع : وهو الأقرب والأحوط أن يغتسل، وعليه فالجماع بوضع هذا الواقي يوجب الغسل عند تغييب الحشفة لرقته ووجود الأثر، وهذا عند أكثر أهل العلم، وكنت قد سألت شيخنا عبد العزيز بن باز - رحمه الله - عن ذلك، وما يفعله بعض الناس، يقول : هذا ليس بزنا، وقال : هذه حيلة خبيثة.

فإذن، عند أكثر العلماء الغسل مرتب عليه، حتى لو وضع هذا العازل، الغسل مرتب عليه، وإن كان هؤلاء الكفرة والفساق والفجار يفعلونه بزعم الوقاية من المرض، لا هم يبحثون عن حلال وحرام في المسألة، وينتهكون عندهم انتهاك الأعراض، وعندهم الوقوع في الزنا هذا من أسهل الأمور عندهم، فهم لا يضعون ذلك لأجل قضية حتى ما يكون زنا، وإلا حتى لا يوجب الغسل، هم أصلًا بعيدين عن هذا تمامًا، هم لأجل أمور دنيوية لكن فقهيًا كحكم شرعي، عند أكثر العلماء هذا يوجب الغسل، حتى وجود الواقي أو الحائل يوجب الغسل.

نأتي الآن إلى مسألة التلقيح الصناعي هل يوجب الغسل أم لا؟

يقول بعضهم : وعلمًا أنه تحت تأثير البنج ولا توجد شهوة هل يوجب الغسل أم لا؟

التلقيح الصناعي هذا قد يكون داخليًا وقد يكون خارجيًا، يعني قد يتم حقن الحيوانات المنوية في الموضع في المرأة حقنًا داخليًا، وقد تستخرج البويضة وتلقح في المختبر تلقيحًا خارجيًا ثم تعاد وتزرع، والتلقيح الصناعي هنا إذا كان داخليًا بأن يتم أخذ النطفة من الرجل لتحقن في الموضع المناسب في مهبل المرأة أو رحمها حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيًا بالبويضة ويتم التلقيح بينهما، هذا هو الداخلي، أما الخارجي وما هو المسمى بطفل الأنابيب فيتم أخذ النطفة من الرجل والبويضة من مبيض المرأة وتوضعان في أنبوب اختبار طبي بشروط معينة حتى يتم التلقيح بينهما، ثم يتم نقلها إلى رحم الزوجة، يتم نقل اللقيحة هذه المكونة من بويضة والحيوان المنوي لتعلق في جدار الرحم وتتخلق بعد ذلك كسائر الأجنة، وقد تكلم العلماء المعاصرون عن حكم التلقيح الصناعي والصور الجائزة والممنوعة منه، ونحن الآن لسنا بصدد الكلام عن مسألة التلقيح الصناعي هل هو يجوز أم لا؟ لأن بعض العلماء قال : هذا فيه كشف العورة المغلظة ولا يجوز، وبعضهم قال إذا كانت الطبيبة امرأة، وبعضهم اشترط شروطًا في علاج العقم، نحن الآن لسنا بصدد بيان حكم التلقيح الصناعي، ولكن بصدد بيان هل هذا يوجب الغسل أم لا؟ هذا هو موضوعنا أصلًا، ما تأثير ذلك على الطهارة، هل أخذ النطفة من الرجل يوجب الغسل عليه؟ وهل أخذ البويضة من المرأة يوجب الغسل عليها؟ وهل زرع النطفة في رحم المرأة يوجب الغسل عليها؟ وهل زرع النطفة في رحم المرأة يوجب الغسل عليها؟ وهل زرع اللقيحة في المرأة يوجب الغسل عليها؟ لأنه يمكن حقن المني في المرأة دون إخراج بويضة كما قلنا، ويمكن أن تستخرج وتلقح وتعاد، أما مسألة أخذ النطفة من الرجل والبويضة من المرأة فالحكم في هذه المسألة يتفرع على الحكم بمسألة خروج المني بغير شهوة، هل يوجب الغسل أم لا؟ فأما إذا استخرجه بشهوة كالاستمناء فلا شك في وجوب الغسل عليه، وهذا من المواضع التي رخص فيها أهل العلم في مسألة العلاج مثل عمل التحليل إذا كان لا يتم إلا بالاستمناء ماذا يفعل؟ هذا من المواضع الخاصة، لكن الآن لو أخذ الحيوان المنوي من الرجل، يعني استخرج فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ هذه مبنية على المسألة السابقة، إذا خرج المني من الرجل بغير شهوة مثل ما قلنا : في حال المرض، في حال البرودة الشديدة، في حال حمل شيء ثقيل، هل يوجب عليه الغسل؟

قلنا: الراجح أنه لا يوجب عليه الغسل، وقال بعضهم بالوجوب، فالمسألة تقدمت، وجمهور العلماء أنه لا يجب عليه الغسل إذا خرج بغير شهوة، واستخراج النطفة من خلال استخدام الموجات فوق الصوتية، وكذلك استخراج البويضة بالمسبار عبر المهبل هذا لا يوجب الغسل ولكن يوجب  الطهارة؛ لأننا سبق أن ذكرنا أن من نواقض الطهارة ماذا؟ الخارج من السبيلين، واستخراج الحيوان المنوي أو استخراج البويضة قد حصل فيه خارج من السبيلين، فلو كان الاستخراج بآلة لكن أليس مر من السبيل؟ إذن، يوجب الوضوء، وإن لم نوجب الغسل، لكن الخارج من السبيلين أوجب الوضوء، وأما أخذ نطفة الرجل وحقنها في الموضع المناسب من رحم الزوجة فلا يترتب على المرأة فيها غسل لعدم حصول الإنزال منها، ومجرد إدخال مني الرجل إلى رحمها من غير جماع لا يوجب غسلًا، فالآن في أي مسألة نبحث إدخال مني في رحم المرأة من مني الرجل وتلقيح البويضة فلا يترتب على ذلك وجوب الغسل لأنه لم يحصل جماع ولا مس الختان وهل حصل منها إنزال؟ لا، فإذن، هذا الحقن لا يوجب الغسل.

قال النووي - رحمه الله تعالى -: "إذا استدخلتَ منيًا في قبلها أو دُبرها لم يلزمها الغسل" [روضة الطالبين: 1/85]. ونحوه في كشاف القناع. لكن إدخال النطفة إلى الرحم ينقض الوضوء، لماذا؟ الإدخال ليس من النواقض، لكن خروج الآلة بعد الإدخال؛ لأنه لن يدعوها، فإخراجها إذن يوجب الوضوء عليها، الآلة التي أُدخلت، نحن قلنا سابقًا : إدخال المنظار الآن في حالات -نسأل الله العافية- فحص السرطانات، بعض الأشياء التي فيها إدخال هذه المناظير، الأجهزة مسبار منظار هذا يدخل في السبيل أو في أحد السبيلين للفحص، قلنا : إن هذا الإدخال لا ينقض الطهارة، لكن إذا خرج صار خارج من السبيلين أو لا؟ صار، إذن انتقضت الطهارة، يوجب الغسل حتى لو لم يكن معه آلة؛ لأنه قلنا : حتى لو كان الخارج ليس بنجس، قلنا : لو كان الخارج حصى أو كان شعرًا أو كان أو كان، ذكرنا هذه المسألة سابقًا.

خروج دم الحيض والنفاس

00:24:27

قال المصنّف - رحمه الله - بعد ذلك في موجبات الغسل "وخروج دم الحيض والنفاس" وهذا هو السبب الثاني من موجبات الغسل وهذا الأمر محل اتفاق بين العلماء، فالمرأة إذا طهرت من الحيض أو النفاس يلزمها الغسل لقول الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة: 222]. يطهرن الأولى ما معناها؟ ما المراد بها؟ انقطاع الدم، فإذا تطهرن هذه الثانية ما المراد بها؟ اغتسلن بالماء، وعن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فقال: "ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي"، رواه البخاري.

والنفساء كالحائض سواء، فإن دم النفاس هو دم الحيض تركيبه، وإنما كان في مدة الحمل ينصرف إلى غذاء الولد، فحين خرج الولد خرج الدم لعدم مصرفه وسمي نفاسًا. [المغني لابن قدامة: 1/154].

قال النووي - رحمه الله -: "أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر وابن جرير الطبري وغيرهما" [المجموع شرح المهذب: 2/148].

وفي حالات نادرة تلد المرأة ولا يخرج دم، فهل يلزمها الغسل؟ إذا كانت الولادة خالية عن الدم فلا تعد المرأة نفساء، ولا يلزمها ما يلزم النفساء من الأحكام، لأن الحكم يدور مع وجود الدم، وجد الدم وجد الحكم، عدم الدم انعدم الحكم، لكن ما حكم الاغتسال؟ قيل : لا يلزمها، لأن الشرع أوجبه على النفساء وهذه ليست بنفساء ولا في معنى النفساء، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، كما في المغني، قال ابن قدامة - رحمه الله -: "فإن الوجوب بالشرع يعني ما يثبت إلا بالنص، ما تستطيع تلزم وتوجب إلا بنص، فهل يوجد نص عليها إذا ولدت بدون دم نفاس يوجب عليها الغسل، قال: "ولم يرد بالغسل هنا، ولم يرد بالغسل هاهنا - يعني الشرع والنص ما ورد، ولا هو في معنى المنصوص-  فإنه ليس بدم"، يعني هذا خارج جنين ولد، فإنه ليس بدم ولا مني، وإنما ورد الشرع بالإيجاب بهذين الشيئين" [المغني لابن قدامة: 1/154]. واختاره الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - من المعاصرين قال: "وإذا نفست المرأة فقد لا ترى الدم، وعلى هذا لا تجلس مدة النفاس"، يعني: تصلي، تحل لزوجها، قال: "فإذا ولدت عند طلوع الشمس ودخل وقت الظهر ولم تر دمًا، فإنها لا تغتسل"؛ لأنه فيه خارج من السبيلين، قال: "فإنها تتوضأ وتصلي"، الشرح الممتع.

والقول الآخر: يجب عليها الغسل، قالوا : لأن الولادة مظنّة النفاس الموجب للغسل فقامت مقامه في الإيجاب، يعني قامت الولادة مقام الدم، قالوا : ولأن الولد مني منعقد"، [المجموع: 2/149]. هذا مذهب الشافعية، من المعاصرين اختاره علماء اللجنة الدائمة للإفتاء وقالوا : إذا وضعت الحامل ولم يخرج دم وجب عليها الغسل والصلاة والصوم، ولزوجها أن يجامعها بعد الغسل، لأن الغالب في الولادة خروج دم ولو قليل مع الولد أو عقبه ، فتاوى اللجنة الدائمة، والأحوط أن تغتسل خروجًا من خلاف العلماء، فإذن على القولين هل تسقط عنها الصلاة؟ لا، هل تمتنع من زوجها؟ لا، لأنه لا يوجد دم، فخلافهم ليس باعتبارها نفساء أو لا، على القولين ليست نفساء، لكن هل يجب عليها الاغتسال أم لا بالولادة؟ فبعضهم قال : يجب عليها وذكروا مبررات، وبعضهم قال : لا يجب عليها؛ لأنه لا يوجد دليل، والأحوط أن تغتسل، واذا كان على الحائض جنابة، هل يجب عليها الاغتسال؟ فرضنا امرأة حائض احتلمت وأنزلت هل يجب عليها الاغتسال؟ قالوا : ليس عليها أن تغتسل حتى ينقطع حيضها. نصّ عليه أحمد، لماذا؟ قالوا : الغسل لا يفيدها، لا صلاة عليها ولا صيام ولا تحل لزوجها، فإن اغتسلت للجنابة في زمن حيضها صحّ غسلها وزال حكم الجنابة" نصّ عليه أحمد، قال: "تزول الجنابة والحيض لا يزول" [المغني لابن قدامة: 1/154].

يعني: إذا اغتسلت الحائض التي أجنبت تزول الجنابة، والحيض لا يزول حتى ينقطع الدم، لكن لو واحد قال : ما في مترتبات أخرى؟ يعني مثلًا الجنب لا تقربه الملائكة، فهل إذا اغتسلت تستفيد من هذه الناحية؟ الجنب لا تقرأ القرآن، لكن الحائض عند بعض العلماء تقرأ، فإذا كانت على جنابة لا تستطيع أن تقرأ القرآن، أذكار النوم، يعني حتى بدون مس المصحف إذا كانت على جنابة ما تستطيع تقرأ، لكن الحائض أجاز لها بعض العلماء أن تقرأ من حفظها، تقرأ بدون مس المصحف، فما ينفع هنا الاغتسال، يعني هل يفيد في أشياء أخرى؟ المكث في المسجد، ما تمكث الحائض، نعم، لكن تمر للحاجة، تأخذ من زوجها شيئًا وتخرج إذا احتاجت إلى مرور، الشاهد: أن هناك فوائد أخرى، يعني إذا جئنا إلى قضية قراءة القرآن له أثر، يعني ما يقول واحد : والله هي إذا اغتسلت أو ما اغتسلت النتيجة واحدة، ليس من جميع الوجوه، لكن من جهة الصلاة لا يوجد تأثير، يعني لو اغتسلت الحائض التي أصابتها جنابة لا يوجد تأثير، من جهة حل الزوج الوطء، لا يوجد تأثير.

لو واحد طرح مسألة قال : في خروج النجاسة البول والغائط نغسل موضع الخروج فقط، وإذا خرج المني وهو طاهر ليس بنجس نغسل البدن كله، وهذا ممكن يطرحه بعض أعداء الإسلام، يعني الذين ينقّبون في الأشياء حتى يثيروا الشبهات، فالمؤمن سيقول : هكذا جاء الشرع، ما جئنا نحكّم عقولنا، لكن هل هناك جواب إضافي على قضية أنه الاستسلام لله؟ والمسألة أصلًا: إذا قال قائل: الخارج من السبيلين كالبول والغائط نجس نغسل موضع الخروج فقط، والمني إذا خرج وهو طاهر على الراجح نغسل البدن كله، لماذا؟

والجواب الأساسي: هكذا ورد الدليل، نحن عباد الله نستسلم، عرفنا ما عرفنا نستسلم، لكن هل هناك جواب؟

قال الكاساني - رحمه الله - في بدائع الصنائع، الكاساني من علماء الحنفية: "إن قضاء الشهوة بإنزال المني استمتاع بنعمة يظهر أثرها في جميع البدن - يعني التلذذ حاصل في جميع البدن -، فأمر بغسل جميع البدن شكرًا لهذه النعمة، وهذا لا يتقرر في البول والغائط" [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: 1/36]، يعني ليس موجود مثله في البول والغائط، والشارع الحكيم فرض الاغتسال بعد خروج المني، ولم يفرضه بعد خروج البول، مع أنهما من مكان واحد وعضو واحد، ذلك أن البول عبارة عن فضلة المأكول والمشروب، وأما المني فهو عبارة عن مادة مكونة من جميع أجزاء الجسم، ولذا نرى كل الجسم يتأثر بخروجه ما لا يتأثر بخروج البول والغائط، ولذلك طبعًا لما يقولون : من المفطرات ما يضعف، ومنه ما يقوي، فالأكل والشرب يقويان، وحقن الدم يقوي فيفطر، لكن ما يضعف من المفطرات مثل خروج المني، والاحتجام، وتعمد القيء، والمسألة هنا هي أن هذا الخروج يؤثر على جميع البدن لذة وضعفًا وفتورًا ما يعقبه بعد ذلك، ولا يحصل مثل هذا بخروج البول والغائط، ولذلك صار الغسل في حال خروج المني لجميع البدن، بينما في حال البول والغائط لمكان الخارج فقط، وقد صرح الأطباء أن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته وهو أنفع شيء له في تنشيط دورة الدم في الجسم، وأن ترك الاغتسال يسبب أضرارًا كبيرة،

موت غير الشهيد

00:36:27

قال المصنّف - رحمه الله - بعد ذلك في موجبات الغسل: "وموت غير الشهيد"، وموت غير الشهيد وهذا هو السبب الثالث الموجب للغسل، والوجوب هنا لا يتعلق بالميت، وإنما بمن حوله، فتغسيل الميت فرض كفاية على كل من حضره، ومذهب جماهير أهل العلم أن الموت من موجبات الغسل لقول النبي ﷺ:  اغسلنها  هذا أمر، اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك  [رواه البخاري: 1253، ومسلم: 939].

وكذلك قوله في قصة الرجل المحرم الذي وقصته دابته فوقع، سقط عنها ومات، قال :  اغسلوه بماء وسدر  [متفق عليه]. قال ابن عبد البر: "والقول عندي في غسل الميت أنه تطهير عبادة لا إزالة نجاسة" [الاستذكار: 3/7].

وأما الشهيد فإنه يحرم تغسيله؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن يدفنوا بدمائهم ولم يغسلهم، وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما – قال : وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يُغسّلوا" رواه البخاري.

وفي لفظ قال:  ادفنوهم في دمائهم [رواه البخاري: 1346].

وعند أحمد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أُحد: لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة  حديث صحيح. [رواه أحمد: 14189، وصححه الألباني في الإرواء: 3/164].

وهذا قول أكثر أهل العلم.         

وقال ابن قدامة في المغني: "ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وسعيد بن المسيّب قالا : يغسّل الشهيد" [المغني لابن قدامة: 2/394]، لكن هذا مرجوح، فإن كان الشهيد جنبًا، قالت زوجته : خرج وعليه جنابة، لكن سمع الهائعة سمع النداء للجهاد، صيحة دهم العدو البلد فصاح الناس : الجهاد، فهذا كان عليه جنابة كما حصل لحنظلة، حنظلة الشهيد، خرج؛ لأن هذا صار أول واجب، الآن واجب الوقت خرج فقتل، مذهب الحنابلة أنه يُغسّل، وكذلك لو استشهدت امرأة وكانت حائضًا ولم تُغسّل من الحيض قالوا : لو قتلت وهي حائض تغسل، إذن هذا استثناء من حالة الشهيد، وهذا في المغني، أما الجمهور قالوا : لا يُغسّل الشهيد ولو كان على جنابة، قالوا : لعموم الحديث، فظاهر الأخبار أنه لا فرق بين الجنب وغيره، فظاهر الأخبار يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: أنه لا فرق بين الجنب وغيره فإن الرسولﷺ لم يغسّل الذين قُتلوا في أُحد.

أما ما يذكر من أن حنظلة بن عبد الله غسّلته الملائكة فليس فيه دليل على وجوب تغسيله على البشر؛ لأن تغسيل الملائكة له ليس شيئًا محسوسًا بماء يطهّر، يعني نراه ونعاينه أو يعاينه الناس، بل هو من باب الكرامة وليس من باب التكليف، قال الشيخ: تغسيل الملائكة لحنظلة من باب الكرامة لا من باب التكليف ورفع الجنابة، قال الشيخ: فالصحيح أنه لا يغسّل، سواء أكان جنبًا أم غير جنب لعموم الأدلة؛ ولأن الشهادة تكفّر كل شيء، ولو قلنا بوجوب تغسيله إذا كان جنبًا لقلنا بوجوب وضوئه إذا كان محدثًا حدثًا أصغر ليكون على طهارة ولم يقولوا به. [الشرح الممتع على زاد المستقنع: 5/290].

غسل الكافر والمرتد إذا أسلموا

00:40:52

ثم قال المصنّف - رحمه الله -: وإسلام الكافر، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم هل يجب على الكافر أن يغتسل إذا أسلم؟

عندك سائق أسلم، أو خادمة أسلمت، موظف معك في العمل أسلم، واحد مبتعث مسافر دعا كافرًا للإسلام فأسلم هل يأمره بالاغتسال؟ وهل المسألة فيها تفصيل؟ هل الاغتسال واجب أم مستحب؟ وهل الوجوب فيه تفصيل؟ فإن التفصيل أن يقال : للكافر إذا أسلم حالتان:

الحالة الأولى : أن يسلم وهو جنب، بمعنى قد أجنب في حال كفره بإنزال أو جماع ثم يسلم ففي هذه الحالة يلزمه الاغتسال عند جمهور العلماء على خلاف بينهم، هل الغسل بسبب الإسلام فهو غسل تعبدي كما هي المسألة عند الحنابلة والمالكية، أم بسبب الجنابة، يعني الذي أوجب عليه الغسل؟ هل هي الجنابة السابقة هذه أم الإسلام الدخول في الإسلام؟ فالذين قالوا : إن هذا الغسل بسبب الإسلام تعبدي الحنابلة وبعض المالكية، أم أن هذا الغسل واجب بسبب الجنابة، كما هو مذهب الحنفية والشافعية وبقية المالكية، فإذًا الجمهور ماذا يقولون في الكافر إذا كانت عليه جنابة وأسلم؟ ماذا يقولون؟ بالوجوب، وعند الحنابلة أن هذا الغسل تعبدي، والجمهور يقولون معلل بالجنابة، فإذًا إذا كان جنبًا ثم أسلم فيلزمه الاغتسال، فعند الجمهور أن هذا الاغتسال معلل بالجنابة، وعند الحنابلة أن هذا الاغتسال تعبدي، فمن يرى أن الاغتسال بسبب الإسلام يحتج على وجوبه بالنصوص الدالة بوجوب الاغتسال على من دخل في الإسلام، ومن يرى الاغتسال بسبب الجنابة يحتج بالقياس على الحدث الأصغر، فكما أن الكافر إذا أسلم وهو محدث ثم أراد الصلاة يلزمه الوضوء فكذلك إذا كان جنبًا والآن سيصلي ما دام دخل في الإسلام فيجب عليه أن يغتسل، ولا فرق عند هؤلاء بين أن يكون قد اغتسل في حال كفره أو لم يغتسل؛ لأنه قد يقال : هذا الكافر ما صار عليه جنابة مهما وطئ ما احتلم وما اغتسل بعدها؟ لا فرق عند هؤلاء بين أن يكون قد اغتسل في حال كفره أو لم يغتسل، يعني لو واحد كافر صار عليه جنابة واغتسل ثم أسلم، عند هؤلاء لا فرق عندهم بين أن يكون قد اغتسل في حال كفره أو لم يغتسل؛ لأنه لا اعتداد بهذا الغسل في حال الكفر، لعدم وجود نية رفع الحدث، كما أنه لا يعتد بوضوئه في حال الكفر، ولذلك بعض الناس يعمل كذا يعني كأنه خطأ فقهي واحد يبغى يسلم يقول له : اذهب أولًا توضأ الآن وقت الصلاة، وحتى لو قال له : اذهب اغتسل ثم تعال انطق الشهادتين فيخليه يتوضأ أو يغتسل قبل نطق الشهادتين ثم يأتي يقول : الآن انطق الشهادتين فينطقها، يقول : ادخل معنا في الصلاة، هذا الجهل من هذا الذي أدخله على هذه الطريقة؛ لأنه الآن أنت ماذا فعلت؟ جعلته يغتسل أو يتوضأ قبل الدخول في الإسلام وهذا لا اعتبار به في حال الكفر، هم قالوا : لعدم وجود نية رفع الحدث كما أنه لا يعتد بوضوئه في حال الكفر، قال النووي - رحمه الله -: "فلا فرق بين أن يبول ثم يسلم أو يجنب ثم يسلم"، [المجموع شرح المهذب: 2/152].

الحالة الثانية: أن يسلّم وهو غير جنب، الآن يأتي من يقول  : معقول، كيف؟  نقول : نعم؛ أسلم قبل البلوغ وهذا يحدث، ألا يوجد غلمان يسلمون قبل البلوغ؟ يوجد غير هذا؛ ارتد وهو طاهر ثم رجع إلى الإسلام، فذهب الحنابلة إلى أن إسلام الكافر موجب للغسل، فالكافر إذا أسلم يقول ابن قدامة "وجب عليه الغسل سواء كان أصليًا أو مرتدًا"، اغتسل قبل إسلامه أو لم يغتسل، وجد منه في زمن كفره ما يوجب الغسل أو لم يوجد، لماذا؟ قالوا : عندنا حديث أبي هريرة أن ثمامة بن أثال أسلم فقال رسول الله ﷺ:  اذهبوا به إلى حائط بني فلان - بستان - فمروه أن يغتسل ، لأن البستان فيه آبار وفيه ماء، رواه أحمد، لكن هذا الحديث ضعيف، ورواية إسلام ثمامة في الصحيحين ليس فيها أن النبيﷺ أمره بالغسل، بل فيها أنه اغتسل هو من تلقاء نفسه قبل أن يُسلم، في المرة الثالثة لما عرض عليه وأطلقه ذهب هو اغتسل وجاء وأسلم، [رواه البخاري: 462، ومسلم: 1764].

وعن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر"، رواه الترمذي والنسائي، حسّنه النووي ومن المعاصرين الألباني صححه. [رواه الترمذي: 605، والنسائي: 191، وصححه الألباني في المشكاة: 543].

لكن ضعفه ابن العربي وابن القطان، ولكن قد يقال الاستدلال بهذا الحديث على غير الجنب ليس بدقيق؛ لأن قيس بن عاصم من سادات العرب وكانت له زوجات وأولاد فهو قد أجنب في حال كفره يقينًا، فلا يستقيم الاستدلال به على غير الجنُب.

قال النووي - رحمه الله -: "والجواب عن حديثيهما أنه ﷺ علم أنهما أجنبا لكونهما كانت لهما أولاد فأمرهما بالغسل لذلك لا للإسلام" [المجموع: 2/154].

قيس بن عاصم وما ورد من أمر ثمامة في الرواية الضعيفة، هذا الجواب عنه، "وذهب الجمهور إلى استحباب الغسل للكافر إذا أسلم"، يعني ليس للوجوب بل للاستحباب، قالوا: لأنه أسلم خلق كثير ولم يُنقل أن النبي ﷺ أمرهم بالغسل، قال ابن قدامة: "لأن العدد الكثير والجم الغفير أسلموا فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل نقلًا متواترًا أو ظاهرًا؛ ولأن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال : ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ولو كان الغسل واجبًا لأمرهم به؛ لأنه أول واجبات الإسلام". [المغني لابن قدامة: 1/152].

واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - فقال في شرح بلوغ المرام: "الغسل للإسلام سنة وليس بواجب؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر الجم الغفير بالغسل، يعني دخل بين يديه في الإسلام في فتح مكة جموع، ودخل بين يديه في عام الوفود جموع، وما نقل أنه كان يأمر كل واحد يدخل بالغسل، وقد يجاب كما ذكر النووي في المجموع عن كونهم لم يأمروا بالغسل بعد الإسلام أنه كان معلومًا عندهم، كما أنهم لم يؤمروا بالوضوء لكونه معلومًا عندهم أو معلومًا لهم. انتهى.

قال ابن القيم بعد أن ذكر قصة إسلام الطفيل وحكايته عن والده قائلًا : فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام قال: "فيها أن عادة المسلمين كانت غسل الإسلام قبل دخولهم فيه، وقد صحّ أمر النبي ﷺ به، وأصح الأقوال وجوبه على من أجنب في حال كفره ومن لم يجنب"، [زاد المعاد في هدي خير العباد: 3/548]. وهذا رأي ابن القيم..

والحاصل أن الكافر الجنب إذا أسلم يلزمه الغسل عند الأئمة الأربعة، وتبقى حالة الكافر غير الجنب هذه هي التي محل نزاع والأحوط أن يغتسل، ومن العلماء من قال : يلزمه الغسل مطلقًا ولا عبرة بالجنابة في حال الكفر، قال ابن عبد البر: "يجب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا أن يكون إسلامه قبل احتلامه، فإن كان ذلك فغسله حينئذ مستحب ولاحتلامه واجب، ومتى ما أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسل الجنابة هذا تحصيل مذهب مالك، يقول ابن عبد البر: "وقد قال بعض المتأخرين من أصحابه - أصحاب مالك -، غسله مستحب؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله ويقطع ما سلف من معاني الكفر، قال: "وهذا ليس بشيء، لأن الوضوء يلزمه إذا قام إلى الصلاة بعد إسلامه وإن لم يحدث بعد، فكذلك يلزمه الغسل إن كان قد أجنب ولو مرة واحدة لأنه مخاطب بالغسل إذا قام إلى الصلاة كما هو مخاطب بالوضوء سواء" [الكافي في فقه أهل المدينة: 1/152].

قال المصنّف - رحمه الله -: قال تعالى:  وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6]، الآن عادة المصنّف بعد ما يذكر الأحكام يذكر الأدلة، قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا  [المائدة: 6]، وقال تعالى:  وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة: 222]، أي إذا اغتسلن، وقد أمر النبي ﷺ بالغسل من تغسيل الميت، وأمر من أسلم أن يغتسل، فبعد أن ذكر المصنّف - رحمه الله - الأحكام ذكر الأدلة فقوله تعالى:  وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6]، هذا في موضوع غسل الجنابة.

وفي قوله: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة: 222]، هذا في الغسل من الحيض والنفاس.

وقوله: "وأمر من أسلم أن يغتسل" هذا دليل من قال بوجوب الاغتسال على من أسلم، وسبق ذكر هذه الأدلة.

وقول المصنّف - رحمه الله - "وقد أمر النبي ﷺ بالغسل من تغسيل الميت".

نحن الآن تحدثنا عن قضية الميت نفسه أنه يغسّل وجوبًا، لكن من غسله هل عليه أن يغتسل؟ سبق الكلام في هذه المسألة وأن حديث: "من غسّل ميتًا فليغتسل"، ضعيف مرفوعًا والأرجح أنه موقوف عن أبي هريرة، ولذلك لم يقل عامة العلماء بوجوب الغسل على من غسّل ميتًا، ولم يوجبوه على غاسل الأموات أو مغسل الأموات لم يوجبوا عليه الاغتسال، وإنما قال كثير منهم بالاستحباب، هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.