الأحد 13 شوّال 1445 هـ :: 21 أبريل 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

32- ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر


عناصر المادة
فوائد من حديث أم زرع

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فقد قال الإمام الترمذي -رحمه الله- في كتاب الشمائل المحمدية: باب ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر؛ والسمر هو: حديث الليل كما عرفنا.

قال: وعن مسروق عن عائشة قال: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثًا، فقالت امرأة منهن: كأن الحديث حديث خرافة، فقال: أتدرون ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلاً من عذرة، أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرًا ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدّث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة ، وهذا الحديث تفرّد به المصنّف عن أصحاب الكتب الستة، وقد رواه أحمد وأبو يعلى، ولكنه حديث ضعيف، قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهو من غرائب الأحاديث وفيه نكارة" [البداية والنهاية: 6/54].

وكلمة "خرافة": تطلق على الحديث الذي لا حقيقة له ولا أصل له، وتطلق على كل ما يُستملح من الأحاديث ويُتعجّب منه، والمراد به هنا المعنى الثاني، وأما "عُذرة": فهي قبيلة من اليمن.

ثم أورد -رحمه الله- تعالى حديث عروة عن عائشة أنها قالت جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا، عن عائشة أنها قالت: "جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا، قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فيُنتقل، قالت الثانية: زوجي لا أُثير خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عُجره وبُجره، فقالت الثالثة: زوجي العشنق إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق، قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة لا حر ولا قُر، ولا مخافة ولا سآمة، قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهِد وإن خرج أسِد، ولا يسأل عما عهد، قالت السادسة: زوجي إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ، ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ، قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء طباقاء كل داء له داء، شجّكِ أو فلّكِ أو جمع كلاً لك، قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب، قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد، قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك، مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك، قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، فما أبو زرع، أناسَ من حُلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلي نفسي، وجدني في أهل غُنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومُنَق، فعنده أقول فلا أُقّبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمح، أم أبي زرع، فما أم أبي زرع، عكومها رداح، وبيتها فساح، ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع، مضجعه كمسل شطبة، ويُشبعه ذراع الجفرة، بنتُ أبي زرع، فما بنت أبي زرع، طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها، جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع، لا تبثُّ حديثنا تبثيثًا، ولا تنقّث ميرتنا تنقيثًا، ولا تملأ بيتنا تعشيشًا، قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تُمخض، فلقي امرأة معها ولدان كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحتُ بعده رجلاً سريًا، ركب شريًّا، وأخذ خطيًّا، وأراح علي نعمًا ثريًّا، وأعطاني من كل رائحة زوجًا، قال: كلي أم زرع وميري أهلكِ، فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع، قالت عائشة: "قال لي رسول اللهﷺ:  كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع ، وهذا الحديث متفق على صحته، قد أخرجه البخاري في كتاب النكاح، في باب: حُسن المعاشرة مع الأهل، وكذلك مسلم -رحمه الله-، [رواه البخاري: 5189، ومسلم: 2448].

ومشهور عند العلماء بحديث أم زرع، وقد اعتنوا به وألّفوا كتبًا كثيرة في شرحه، ومن أجمع الشروح وأوسعها شرح القاضي عياض في كتابه المفرد الذي سماه: "بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد".

وأما مناسبة الحديث للباب الذي عقده الترمذي -رحمه الله- فهو أن هذه القصة من مُلح الأخبار، وطرف الحكايات، وتسلية للنفوس، وجلاء للقلوب، وحُسن معاشرة للأهل، وكذلك ترجم عليه الترمذي -رحمه الله-: باب ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر، وأدخل فيه هذا الحديث.

ويروى عن علي ، أنه قال: "سلُّوا هذه النفوس ساعة بعد ساعة، فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد" ويروى عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يقول إذا أفاض من عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير: "أحمضوا"، يعني إذا مللتم من الحديث والفقه وعلم القرآن، فخذوا في الأشعار وأخبار العرب، كما أن الإبل إذا ملّت ما حلا من النبات راعت الحمض وهو ما ملُح منه، ومنه قول الزهري: "هاتوا من أشعاركم فإن الأذن مجاجة، والنفس حمضة"، يعني تشتهي الشيء بعد الشيء كما تفعل الإبل، فإذا ملّت من الحلو أكلت الحامض؛ لأنها تمل الشيء الواحد المستمر، وقال أبو الدرداء: "إني لأستجمُّ نفسي ببعض اللهو ليكون ذلك عونًا لي على الحق".

وقال القاضي عياض: "وهذا كله ما لم يكن دائمًا متصلاً"، يعني الترويح عن النفس واللهو المباح محمود إذا ما كان طويلاً متصلاً، إذا كان في بعض الأحيان ساعة بعد ساعة فلا بأس به، أما أن يكون ذلك عادة الرجل حتى يُعرف بذلك ويتخذه ديدنًا ويُطرب به الناس ويضحكهم، فهذا مذموم غير محمود، دال على سقوط المروءة، ورذالة الهمة، واطراح رِبْقة الوقار والسمت، مولجًا صاحبه في باب المجون والسُّخف".

ومشكلة الناس الآن أنهم يريدون التسلية والترفيه أكثر الأوقات، ولذلك تراهم فيما يشاهدون ويسمعون ويصرفون أوقاتهم أكثره في هذه الأشياء، حتى بعض الذين فيهم دين أو سمت حسن أو يظهر عليهم اتباع السنة، تجد أن من الضعف الذي أصابهم الإعراض عن دروس العلم، فقلّ ما يأتون دروس العلم، ولكن في الأناشيد فهم غائصون، وفي أشرطة الفُكاهات والأضحوكات غارقون، وفي استماع القصص دائمون، وأما علم الكتاب والسنة فقليلاً ما يحضرون، وهذه من المصائب التي ابتلينا بها في هذا الزمان، هذا على مستوى الأخيار، أما الناس الذين أصلاً في الأفلام والمسلسلات والقنوات والمجلات والأشياء الأخرى من جنس المحرمات وما هم مشتغلون فيه من المعاصي والعلاقات المحرمة وسماع الأغاني فهذا قضية أخرى، نحن الآن نتكلم عن بعض الأخيار كيف شاع بينهم قضية التسلية والفكاهة، ليس مثلاً ساعة بعد ساعة، لو قلنا خمس ساعات علم وساعة، أربع ساعات ثلاث ساعات علم ونصف ساعة راحة ماشي، لكان ذلك جيدًا، لكن المشكلة الإغراق الإغراق في الملاهي، الناس الآن يحبون الفرفشة الضحك، اللهو فوازير كاميرة خفية، مقالب، مسلسل فيه كوميديا، هذا هو الإغراق هنا، وحتى عندما يفتحون شبكة الإنترنت مثلاً المواقع التي يأتونها الدردشة، والكلام، ومواقع النكت، ومواقع الأضحوكات، ومواقع الصور والفكاهة؛ الأشياء التي هي كلها من جنس ما قال القاضي عياض هنا.

القاضي عياض ترى تكلم عن قضية مهمة قال مسألة استجمام النفس ببعض اللهو المباح، قال: "هذا كله ما لم يكن دائمًا متصلاً، وإنما يكون في النادر والأحيان كما قال ساعة بعد ساعة"، وساعة بعد ساعة ليست ساعة جد وساعة لهو يعني خمسين في المائة خمسين في المائة، لا، ساعة بعد ساعة، يعني كما ابن عباس مثلاً قال القرآن والحديث والتفسير يقول هاتوا شيئًا من الأشعار، فالإحماض عندهم أو تغيير الجو يعني خشية الإملال أشعار العرب، قصص العرب، بعض الطرائف، ألغاز، بس ما هو كل الدرس تسعين في المائة فكاهات، وعشرة في المائة أحكام.

هذه المشكلة الآن عند كثير من الناس أنهم سريعو التفلت والانجذاب ويريدون بسرعة لو جلست تحدث عن القصص، القصص هذه رقم واحد، اذهب إلى التسجيلات يقولون لك أشرطة الأناشيد والقصص هذه رقم واحد، أما دروس علمية آخر شيء، آخر شيء يمشي عندنا السلاسل العلمية والدروس العلمية مع أنها هي الأساس، يعني المفروض يأخذون في العلم أكثر الوقت وشيئًا من الأشعار، الإنشاد المباح، قصص، لكن الآن الذي يمشي في السوق هو العكس، هو العكس الآن؛ وهذه قضية تربوية خطيرة يعني معنى ذلك أن أكثر أوقات الناس، الجد ذهب، والآن الأكثر في التسالي فكاهات وهكذا.

حديث أم زرع هذا أصلاً معدود ضمن الممالحات وهذا الإحماض، حديث أم زرع، بينما هو يبدو لنا الآن أنه صعب وأصلاً وواحد يقول له ذاكر هذا اختبرك فيه، فربما يقول: لا أريد عُجره ولا بُجره.

الآن الحديث هذا حديث أبي زرع وأم زرع سياق الرواية عند البخاري ومسلم والترمذي يدل على أن الحديث والقصة هذه من قول عائشة -رضي الله عنها-، ولا غرابة أبو بكر أعلم قريش بالأنساب ولا غرابة أن يوجد عند ابنته مثل هذه القصص، ولا خلاف في رفع حديث:  كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع  هذا الجملة مرفوعة، وإنما الخلاف في بقية القصة الطويلة هذه من كلام من؟ فقال أبو بكر بن ثابت الخطيب البغدادي الحافظ: "المرفوع من هذا الحديث إلى النبي ﷺ قوله لعائشة -رضي الله عنها-:  كنتُ لكِ كأبي زرع لأم زرع "، فقط هذا المرفوع، هذا من كلام النبي ﷺ، وما عداه فمن كلام عائشة -رضي الله عنها- حدثت به النبيﷺ، والنبي ﷺ من حُسْن معاشرته استمع إلى القصة كلها، وأخذ منها هذه الجملة في قصة: أبي زرع و كنت لك كأبي زرع لأم زرع، غير أنه طلّق ولا أُطلق 

قال أبو الحسن الدارقطني -رحمه الله-: "الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- أنها هي التي حدّثت النبي ﷺ في قصة النسوة فقال لها حينئذ: كنتُ لكِ كأبي زرع لأم زرع .

لكن نعود إلى القصة، وما دام عندنا قرابة عشرين درس فلو ذهب هذا الدرس في القصة فلا بأس؛ لما فيها من الفوائد اللغوية، والفوائد الاجتماعية أيضًا؛ لأنها في الحقيقة ليست مجرد قصة، وإنما فيها عبر وعظات.

تقول: "جلس إحدى عشرة امرأة"، وهؤلاء نسوة من قبيلة من قبائل اليمن، وورد عند الزبير بن بكار: "إن قرية من قرى اليمن كان بها بطن من بطون اليمن، يعني بطن من قبيلة، وكان منهن إحدى عشرة امرأة وإنهن خرجن إلى مجلس، فقلن تعالين فلنذكر بعولتنا بما فيهم ولا نكذب، فتعاهدن وتعاقدن، ألزمن أنفسهن عهدًا على الصدق وأن لا تكذب ولا واحدة في وصف زوجها" كل واحدة تصف زوجها بما فيه "أن لا يكتمن فتبايعن على ذلك، فقالت الأولى: زوجي لحم جمل غث": يعني في الرداءة كلحم الجمل، وليس كلحم الضأن، وليس لحم الحوار والجمل الصغير، لا، لحم الجمل الغث، والمقصود المبالغة في قلة نفعه والرغبة عنه، "على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فيُنتقل": يعني متكبر سيئ الخلق لا يوصل إليه إلا بغاية المشقة، ولا يستطيع أحد أن يكلمه، ولا يكاد أحد أن يدخل عليه، ولا ينفع زوجته في عشرة، مكروه رديء، لا ينقله الناس إلى بيوتهم ليأكلوه بعد مقاسات التعب ومشقة الوصول مثل لحم الجمل، لا ينقلونه إلى بيوتهم؛ لرداءته، فوصفته بالبخل والكبر على أهله وسوء الخلق.

قالت الثانية: "زوجي لا أثير خبره": لا أظهره وأنثره، "إني أخاف أن لا أذره": أخاف إذا تكلمت أن أجيء أن آتي بالأول والتالي ولا أترك منه شيئًا؛ لطوله وكثرته، ولذلك أكتفي بذكر طرف خشية أن يطول الكلام، أنا عندي كلام كثير على زوجي، لكن خذوا هذا الطرف من خبري، "إن أذكره أذكر عُجَره وبُجَره": العُجَر: تعقد العصب والعروق في الجسد حتى تصير ناتئة، العروق والعصب إذا تعقدت وصارت ناتئة هذه عجر، والبجر: مثلها إلا أنها خاصة بالتي تكون في البطن قاله الأصمعي، أرادت بذلك عيوبه الظاهرة، وأسراره الكامنة؛ ولعله كان مستور الظاهر، رديء الباطن، وزوجها كثير المعايب، متعقد النفس عن المكارم.

قالت الثالثة: "زوجي العشنق": طويل لكن بغير نفع، طويل ولكن ليس بنافع، "إن أنطق أُطلّق، وإن أسكت أُعلّق": إذا ذكرت عيوبه فبلغه ذلك طلقني، وإن سكت عنه فأنا معلقة لا ذات زوج ولا أيم.

قالت الرابعة: "زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر": أحواله معتدلة، الجو إلى غائم جزئيًا، كليل تهامة لا حرارة فيه ولا برودة "ولا مخافة ولا سآمة": ليس فيه شر يُخاف منه، ولا ملامة في مصاحبته فيسأم منه، فوصفت زوجها بأنه جميل العشرة واعتدال الحال، وسلامة الباطن، فكأنها قالت لا أذى عنده ولا مكروه، وأنا آمنة معه، لا أخاف من شرّه، ولا أمل من عشرته، ليس بسيئ الخلق، فأنا عنده لذيذة العيش كلذة أهل تهامة بليلهم المعتدل.

قالت الخامسة: "زوجي إن دخل فهِد وإن خرج أسِد": وهذا أيضًا مدح بليغ؛ لأن قولها فهِد، يعني يكثر النوم والغفلة في المنزل عن تعهد ما ذهب من متاعه، يعني إذا دخل ما يقول: أين راحت هذه وأين ذهبت ومن أخذ هذه ... فيحاسبهم حسابًا عسيرًا، كلا، يدخل وهو غض الطرف عن الأشياء التي في البيت من جهة المتاع، يعني لا يدقق في متاعه، شبهته بالفهد لكثرة نومه، فتقول العرب: أنوم من فهد، وقال ابن حبيب: "شبّهته في لينه وغفلته بالفهد؛ لأنه يوصف بالحياء وكثرة النوم" [فتح الباري لابن حجر: 9/261]، "وإن خرج أسِد"، يعني: شجاع؛ إذا صار بين الناس كالليث الحرب، "ولا يسأل عما عهد": لا يسأل عن ماله ومتاعه، بمعنى أنه شديد الكرم، شديد التغاضي، خذوا وما يسأل، وإذا جاء بشيء لا يسأل عنه ولا يلتفت إلى المعايب، بل يسامح ويغضي.

قالت السادسة: "زوجي إن أكل لفّ" لفّ في الطعام وأكثر منه مع التخليط من صنوفه، حتى لا يُبقي منها شيء، "وإن شرب اشتفّ": استوعب كل ما في الإناء واستقصى، مأخوذ من الشفافة وهي البقية التي تبقى في الإناء، فإذا شربها اشتفها إلى الآخر، "وإن اضطجع التفّ": رقد ناحية وتلفف بكسائه وحده، وانقبض عن أهله؛ فهي كئيبة حزينة، يعني أكل ومرعى ونوم ولا له مع أهله صنعة، "ولا يولج الكف ليعلم البث": يعني لا يمد يده ليعلم ما هي عليه من الحزن، لا يكلمها، ولا هو مكترث بها، وينام نوم العاجز الفاشل الكسلان، وقيل: المراد بالبث: الحزن، شديد الحزن أو كثير الشكوى ولا يصبر، فوصفته بقلة الشفقة عليها، وأنه لو رآها عليلة لم يدخل يده في ثوبها ليتفقد خبرها، أو أنه كُنية عن ترك الملاعبة والاستمتاع بالأهل، فجمعت في وصفها له بين اللؤم والبخل والنهمة والمهانة وسوء العشرة، فليس على صحة الذكورية، بالإضافة إلى كثرة أكله وشربه.

ويحتمل أن يكون معنى قولها: "ولا يولج الكف"، كناية عن ترك تفقد الأمور، ما يتدخل في شيء أبدًا، ولا يهتم بالمصالح ولا هو مكترث بما يدور عند أهله، ولا يتفقد نقص شيء في البيت فقدوا شيء احتاجوا شيء، مُعْرض عن هذا بالكلية، لا يهمه ما يدور.

قالت السابعة: "زوجي غياياء أو عياياء طباقاء": أحمق؛ مأخوذ من الغياية وهي الظلمة لا يهتدي إلى مسلك، ولا يعرف يخرج من أي مشكلة، ولا يعرف كيف يحل أي قضية، ثقيل الروح لا إشراق فيه، تغطت عليه الأمور، لا يعرف يتصرف أبدًا، العي هو الحمق، "كل داء له داء": كل شيء تفرق في الناس من المعايب مجموع فيه، "شجّكِ": جرحك في رأسك، وجراحات الرأس تسمى شجاجًا، "أو فلّك": الكسر والضرب، "أو جمع كلاً لكِ": يعني ضروب للنساء؛ إما يكسر عظم أو يشجُّ الرأس أو يجمع بينهما، وصفته بالحمق والتناهي في سوء العشرة، وأنه مؤذي سبّاب، وإذا مازحها يعني هذا إذا أراد أن يتلاطف ويكون مزوحًا فإما يشجّها أو يكسر عظم فيها أو يشقُّ جلدها أو يغير على مالها أو يجمع بين هذا كله، هذا مزحه جدًا خفيف.

قالت الثامنة: "زوجي المس مسُّ أرنب، والريح ريح زرنب"، الأرنب: دويبة لينة الملمس ناعمة الوبر جدًا، والزرنب: نبت طيب الريح، وصفته بأنه ناعم الجسد لين، يعني حسن الخلق، عريكته لطيفة، طيب العرق لكثرة نظافته واستعماله للطيب، أو أن حديثه طيب ومعاشرته جميلة، "المس مس أرنب، والريح ريح زرنب".

قالت التاسعة: "زوجي رفيع العماد"، وصفته بطول البيت وعلوه؛ لأنه من بيوت الأشراف، وكذلك يعلونها ويضربونها في المواضع المرتفعة، الأشراف يذهب فوق ينصب خيمة ليراها الناس، فهذا كثير الحاشية والغاشية، ناس كثيرون يأتونه، وعنده حاشية كثيرون، "طويل النجاد": حمالة السيف؛ لأنه طويل القامة، وصاحب شجاعة، "عظيم الرماد": لأن ناره موقدة للأضياف، لا تنطفئ، ولا تهدأ، فرماده كثير؛ لكثرة طبخه وعمل الطعام للضيفان، "قريب البيت من النادِ" من مجلس القوم، وصفته بالشرف في قومه وإذا تفاوضوا وتشاوروا في أمر أتوا جلسوا قريبًا من بيته؛ ليأخذوا رأيه، ويعتمدوا عليه، ويمتثلوا أمره، قد وضع بيته في وسط الناس ليسهل لقاؤه وإعانته لهم، ولا يحتجب عنهم ولا يتباعد منهم، بل إنه قريب منهم يتلقاهم ويبادر لإكرامهم، ضد من يتوارى بأطراف المنازل؛ لئلا يأتيه الضيوف.

قالت العاشرة: "زوجي مالك وما مالك": أي شيء هو مالك، ما أعظمه وما أكرمه، هذا مالك يعني أنه كريم،"مالك خير من ذلك"، زيادة الإعظام والثناء وطيب الذكر والسؤدد والفخر، "له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح": كثيرات المبارك، المبارك: جمع مبرك وهو مكان نزول الإبل، والمسارح: جمع مسرح وهو الموضع الذي تنطلق فيه الإبل للرعي، ومعناه أن له إبلاً كثيرات باركة بفنائه لا يوجهها تسرح إلا قليلاً، معظم أوقاتها للضيفان مستعدة من الألبان واللحمان، "إذا سمعن": يعني: الإبل، "صوت المزهر": عودهن إذا ضرب المزهر للضيفان أن واحدة على الأقل منهن منحورة للضيفان، "إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك": فهو يرحب بالضيفان بالمزهر، وإذا سمعت الإبل صوت المزهر أيقنّ أنهن هوالك.

قالت الحادية عشرة والأخيرة: "زوجي أبو زرع فما أبو زرع، أناسَ من حُلي أُذنيّ"، النوس: الحركة من كل شيء متدل، ناس ينوس نوسًا، يعني حلاني أقراط في الأذن؛ فهي تنوس وتتحرك وتصدر أصواتًا لكثرتها، فملأ أذنيها بالحلي، وهذا إذا كان الأذن، فما بالكم بالعنق والأيدي والساق وما يحليها به في العضد، قالت: "أناس من حلي أذني": ملأني ذهب ولؤلؤ وجواهر، "وملأ من شحم عضُدي": أسمنني بإطعامي، فهو يكرمها، ويغذيها، ويعتني بصحتها، "وبجحني فبجحت إلي نفسي": يعني فرحها ففرحت، وعظّمها فعظمّت، قالت: "وبجحني فبجحت إلي نفسي": يعني عظمني فعظمت هي في نفسها، "وجدني في أهل غنيمة بشق": غنيمة يعني كأنهم ناس فقراء ما عندهم لا خيل ولا إبل، والعرب ما كانوا يعتّدون بكثير بالغنم، وهؤلاء عندهم غُنيمة بشق يعني كأنه أخذها من بيت متواضع، في شِق جبل يسكنون لقلة غنمهم وقلتهم، يعيشون في شظف العيش وفي جهدٍ، "أخذني فجعلني في أهل صهيل، وأطيط، ودائس، ومُنقِّ"، أخذها من بيت فقير متواضع ما عندهم مال كثير، فأغدق عليها، جعلها في أهل صهيل: خيل، أطيط: إبل، ودائس: الذي يدوس الزرع في بيدره هو زرع، "ومنقِّ": صار ذا نقيق وهي أصوات المواشي، يعني انتقلت نقلة طفرة اقتصادية عظيمة بهذا الزواج، فمن شظف العيش إلى الثروة الواسعة من الخيل والإبل والزرع وغير ذلك، "فعنده أقول فلا أُقبّح"، لا يقول قبّحك الله، ولا قبّح الله قولك؛ لأن يكرمها ويدللها كثيرًا، ولا يرد لها قولاً، ولا يعيبها في شيء، "وأرقد فأتصبح": يعني أنام أول النهار فلا أوقظ؛ لأن هناك من يخدم في البيت فما تحتاج تستيقظ من الصباح، وتشتغل طيلة الصباح، وإنما تنام أول النهار فلا توقظ؛ لأن هناك من يقوم بالمهنة، "وأشرب فأتقمح": يعني أروى حتى أدع الشراب من شدة الرِّي، "أم أبي زرع، فما أم أبي زرع"، هذه حماتها، "عكومها رداح، وبيتها فساح"، عكومها: أوعية الطعام والمتاع، رداح كبيرة عظيمة، بيتها فساح فسيح، فوصفت والدة زوجها بأنها كثيرة الآلات والأثاث والقماش، واسعة المال، كبيرة البيت، عظيمة الثروة، أنهم بخير ورغد من العيش، "ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع، مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة": الشطبة: الجريد والسعف، يشق منه قضبان تنسج منها الحصر، شبهته بسيف مسلول ذي شطب، وسيوف اليمن كلها ذات شطب، وشبهت العرب الرجال بالسيوف إما لخشونة الجانب وشدة المهابة أو لجمال الرونق والبهاء والكمال في الاعتدال والاستواء، فابن أبي زرع هكذا من الرجال مهاب جميل ذا كمال، هو ذو كمال، وأما الجفرة: فهي الأنثى من ولد المعز إذا كان ابن أربعة أشهر يفصل عن أمه ويرعى، فيشبعه ذراع الجفرة، الجفرة قلنا هذه الأنثى من المعز الصغيرة، فالمراد يعني أنه لا يأكل كثيرًا، ذراع الجفرة يكفيه، "بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها"، فهي بارة بأبويها منقادة لأمرهما، ملء كسائها سمينة، خفيفة أعلى البدن وهو موضع الرداء، ممتلئة من الأسفل وهو موضع الكساء، والمقصود أنها في صحة وعافية، وأنها مؤهلة للحمل والنكاح، وغيظ جارتها، يعني ضرتها من حسنها وجمالها وعفتها وأدبها تغار منها ضرتها، "جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع، لا تبث حديثنا تبثيثًا": تكتم الأسرار؛ لأن الآن الخدم الذي يريد يعرف الذي في البيوت يروح عند الخدم، الخدم عندهم كل شيء، ويمكن تذهب الآن إلى إندونيسيا وسيرلانكا فتجد أخبارنا هناك مبثثة تبثيثًا، "جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع، لا تبثُّ حديثنا تبثيثًا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثًا"، لا تُظهر الحديث، ولا تتكلم عن الطعام، ولا تفسد الطعام وتفرقه، ولا تخرج ما في منزل أهلها إلى غيرهم، يعني أمينة، "لا تبث حديثنا تبثيثًا": تكتم أسرارنا، "ولا تنقّث ميرتنا تنقيثًا": لا تفرط في الطعام، ولا تخرجه خارج البيت وتوزع منه بدون استئذان وتنقله إلى بيت آخر بلا إذن، "ولا تملأ بيتنا تعشيشًا": يعني لا تترك الكناسة والقمامة فيه مفرقة كعش الطائر، بل هي تعتني بنظافة البيت، وإلقاء الكناسة بعيدًا عنه، ولا تكتفي بقمّ الكناسة وتركها في جوانبها كأنها الأعشاش، لأن في بعض الخدم إذا كنست جعلت هذا الكناسة جعلتها في طرف البيت، أو جعلتها تحت الكنب وتحت الأسرة وتحت السجاد في الأماكن التي لا ترى، وهذه الجارية فما بالك بالبيت، قالت: "خرج أبو زرع والأوطاب تمخض" الأوطاب: أوعية اللبن، بكّر بخروجه مرة وقت قيام الخدم والعبيد لأشغالهم، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، كانوا من زمان يرغبون في المرأة الثيب، إذا رأوا عندها أولاد نجباء رغبوا في الزواج بها؛ لأنها تنجب مثل هؤلاء، فإذن، لما رأى هذا أبو زرع امرأة عندها ولدان كالفهدين رغب فيها، "يلعبان من تحت خصرها برمانتين": كان في حضنيها أو جنبيها يلعبان، وشُبّه النهدين بالرمانتين لصغر سنها، "فطلقني ونكحها": رغب في الأولاد أنها تنجب له مثل هذين الولدين، "فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلاً سريًا"، يعني: من سراة الناس وكبراء الناس في الصورة والهيئة، "ركب شريًّا": فرسًا خيارًا فائقًا يمشي بلا فتور، يمضي بلا فتور، "وأخذ خطيًّا": الرمح، الخط: منطقة بنواحي البحرين تُجلب منها الرماح، هي موجودة الآن؟ يوجد في الإحساء الآن بلد اسمها الخط أو الخط تُجلب منها الرماح، ، "وأراح علي نعمًا ثريًّا": من الرواح موضع مبيت الماشية أتى بها إلى المراح والنعم الإبل والبقر والغنم، "ثريًّا": يعني كثيرة، "وأعطاني من كل رائحة زوجًا": من كل ما يروح من الإبل والبقر والغنم والعبيد، "زوجًا": يعني اثنين، فهذا الزوج الثاني الذي تزوجته أم زرع، لأن أبا زرع طلقها لم يكن سيئًا، كان كريمًا، وقال: "كلي أم زرع، وميري أهلك": صليهم ووسعي عليهم، "فلو جمعت كل شيء أعطاني": الجديد الثاني هذا، "ما بلغ أصغر آنية أبي زرع": يعني أين كان ذاك الأول كان شيء عظيم، فمع أن الثاني شجاع وصاحب فضل وجود وسؤدد وأباح لها أن تأخذ من ماله ما تشاء وتهدي لأهلها مبالغة في إكرامها، ولكن لو جمعت كل ما أعطاها ما خرج إناء صغيرًا من آنية زوجها الأول.

لما انتهت القصة إلى هذا، قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ: كنتُ لكِ كأبي زرع لأم زرع ، يعني في الأُلفة والوفاء، وليس في الفُرقة والجلاء؛ لأنه جاء في رواية: إلا أنه طلّقها وإني لا أُطلقك ، وزاد النسائي والطبراني في رواية: قالت: "يا رسول الله بل أنت خير من أبي زرع" [رواه النسائي في الكبرى: 9093، والطبراني في الكبير: 272، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 141] .

فوائد من حديث أم زرع

00:36:49

فإذن، الحديث هذا فيه فوائد عظيمة ومنها:

حُسن عشرة النساء، وتأنيس الأهل، والمحادثة بالأمور المباحة، واستماع الرجل لقصص زوجته وما تخبره، والمزاح أحيانًا، وانبساط النفس إلى الزوجة، ومداعبة الزوجة، وذكر المرأة إحسان زوجها، والتحديث عن الأمم الخالية، وضرب الأمثال، وجواز الانبساط بطرائف الأخبار ومستطابات النوادر تنشيطًا للنفوس، وحض النساء على الوفاء لبعولتهن، وقصر الطرف عليهم، والشكر لجميلهم، وجواز المبالغة في الأوصاف إذا لم يكن ذلك ديدنًا، وذكر المرء بما فيه من العيب للحاجة والفائدة، وبغير ذلك يكون غيبة، ولعل هؤلاء النسوة ما ذكرن أسماء أزواجهن، ولكن على أية حال عائشة لما قصت القصة عن نساء مجهولات وغائبات، فصحيح يعني بالنسبة لكلام عائشة ليس بغيبة، لكن المقصود هنا أن أخذ الخبر والعبرة، ونقل الأخبار عن القصص الحقيقية بدون تعريف بأصحابها لتجنب الوقوع في فضح الآخرين أو غيبة الآخرين، فتقول: هناك زوج وزوجة من خبرهم كذا وكذا وكذا للعبرة، ولا تخبر عن ما يُعيّن هذا الزوج أو هذه الزوجة، وتقوية لمن كره نكاح من كان لها زوج؛ لأن المرأة المطلقة ممكن تكون أخذت دروسًا من زواجها الأول، وتصبح في زواجها الثاني أنجح، فبعض الناس يقول مطلقة ما أبريد، قد تكون مطلقة أحسن، التجربة التي مرت بها، إذا صار زوجها الثاني أحسن من الأول ورأت الفرق عظمت الثاني وأطاعته، وفيه أن الحب يستر الإساءة، من أين أخذناه، الحب يستر الإساءة؟ أن أم زرع مع أن زوجها طلقها إلا أنها لا زالت تذكر من جميل الأوصاف والأخبار والحال وتثني عليه، وحتى زوجها الثاني تقول لو كل الذي أعطاني ما كان كأصغر إناء من آنية أبي زرع، فمع أنه طلقها والطلاق لا شك أنه جرح في نفس المرأة وشيء يعني مكروه إلى المرأة وكأنه طعنة، لكن مع ذلك مما أراها من الكرم ما نست فضله، مع أنه طلقها ما نست فضله من شدة إكرامه، ولعلها أحبته حبًّا، والحب يستر الإساءة.

وفي القصة هذه جواز وصف المحاسن إذا كان الشخص مجهولاً بحيث لا تحدث فتنة، أما أن توصف امرأة معينة لرجل يعرفها فلا يجوز ما يجوز، النبي ﷺ حرم وصف المرأة للرجل كأنه يراها،  لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه ينظر إليها [رواه البخاري: 5240، ومسلم: 1016]. هذا حرام، من باب أولى أنها تريه صورتها بالجوال يصورها، يعني إذا قال:  لا تنعت المرأة  لا تصف كأنه يراها، كيف لو أنه أعطته الصورة هذه أشنع وأشنع.

وفي الحديث: أن من شأن النساء أنهن يتحدثن غالبًا عن أزواجهن، بخلاف الرجال فإنه في النادر من يتحدث عن زوجته لانشغاله بأمور المعاش، أما المرأة هذه زوجها حياتها، فإذا أذاعت نشرة أخبار ما هي الأنباء التي تملأ نشرة الأخبار، أخبار الزوج وفعل وفعل وقال وصنع وعمل، فالمهم أن الإنسان يُحسن إلى زوجته بحيث يبقى عندها لو مات أو صار فراق ذكرى حسنة، والذكرى الحسنة الأهم هي ما يذكر به في الملأ الأعلى أو يوم القيامة، وخيركم خيركم لأهله ، وصلى الله على نبينا محمد.