السبت 26 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 23 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

20- تعجبه ﷺ3


عناصر المادة
المقدمة:
تعجبه صلى الله عليه وسلم ممن عض أخاه ثم يطالب بدية أسنانه:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من السؤال عن التداوي:
تعجب النبي صلى الله عليه وسلم مرة من جدل بعض أهله لما أمرهم بقيام الليل:
تعجبه صلى الله عليه وسلم ممن لو أقسم على الله لأبره:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من تمني عائشة عدم الحج بسبب الحيض:
تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من مطالبة بعض حديثي العهد بالإسلام بشيء من الشرك:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من امتثال أمره بالجهاد حتى في البحر:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من فضل هذا الذكر:
تعجبه صلى الله عليه وسلم مما عجب ربه منه:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من تكشف بعض المسلمين:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من فصاحة بعض الخطباء:
تعجبه صلى الله عليه وسلم من أمر المؤمن:
المقدمة:
00:00:03
 الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من عصاه، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة محمد بن عبد الله البشير والنذير، والداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه.
ولا زلنا في الحديث عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك تعجبه:
تعجبه صلى الله عليه وسلم ممن عض أخاه ثم يطالب بدية أسنانه:
00:00:39
 ومن المواضع التي تعجب فيها تعجبه من حال من غاب عنه رأيه من أصحابه، فعن يعلي بن أمية رضي الله عنه قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، فكان من أوثق أعمالي في نفسي" وجيش العسرة هي غزوة تبوك، سميت بالعسرة لأنها كانت في وقت شدة الحر مع الجدب الشديد، وقد طابت الثمار وأحب الناس الخيام في الظلال، قال: "فكان لي أجير فقاتل إنسانًا، فعض أحدهم الآخر، فانتزع يده من فيه، فأندر ثنيته فسقطت"
ندر الشيء: خرج عن مكانه وسقط.
وأندره: أسقطه.
والثنية: مقدم الأسنان، فللإنسان أربع ثنايا: ثنتان من أعلى، وثنتان من أسفل، فإذًا اختصم اثنان فعض أحدهما الآخر، فالمعضوض سحب يده من فم العاض فندرت ثنيتا العاض من مكانهما، وسقطتا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنيته" يعني: ثنية العاض، يعني: لم يجعل لها دية ولا قصاصًا.
وقال:  يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك  [رواه البخاري:6892].
وفي رواية:  أفيدع يده في فيك تقضهما كما يقضم الفحل  [رواه البخاري: 2265، ومسلم: 1673].
والفحل: ذكر الإبل، ويطلق على ذكور الدواب عمومًا.
والقضم: أكل الشيء بطرف الأسنان، والخضم الأكل بأقصاه.
فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من عض الرجل أخاه ثم يطالب بدية أسنانه، فكأنه يريد من المعضوض أن يترك يده في فمه ولا ينزعها؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في رواية:  أردت أن تأكل لحمه ثم تأتي تلتمس العقل ، يعني: الدية  لا عقل لها .
وفي رواية لمسلم:  أتأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل إن شئت أمرناه فعض يدك، ثم انتزعها أنت  [رواه مسلم: 1673].
قال النووي رحمه الله: وهذا الحديث دلالة لمن قال: أنه إذا عض الرجل يد غيره فنزع المعضوض يده، فسقطت أسنان العاض أو فك لحيته أنه لا ضمان عليه". [شرح النووي على مسلم: 11/160].
فلما اعتدى العاض على المعضوض جاز أن يدفع عنه لنزع يده المعضوضة من فم العاض، ولو سقطت ثناياه فإنه ليس لها دية في هذه الحال، فتعجب النبي عليه الصلاة والسلام كيف يطالب المعتدي بدية أسنانه، ولم يفعل الآخر إلا أن سحب يده.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من السؤال عن التداوي:
00:04:33 
 وتعجب النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً من السؤال عن التداوي مع أن التداوي مباح، فروى ذكوان عن رجل من الأنصار قال: عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً به جرح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ادعوا له طبيب بني فلان ، قال: فدعوه، فجاء، فقال: يا رسول الله ويغني الدواء شيئًا"، ظنوا أن الدواء لا ينفع، فقال: سبحان الله! وهل أنزل الله من داء في الأرض إلا جعل له شفاء [رواه أحمد: 23156] وهو حديث صحيح [سلسلة الأحاديث الصحيحة: 517].
فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم كيف خفيت أهمية التداوي وأثر التداوي على بعض أصحابه، وقد بين لهم أن الله ما أنزل داء إلا وجعل له شفاء، فجميع الأدواء أدويتها تبرئها، ولكن قد يعلمها بعض الناس، وتغيب عن بعض، ما أنزل الله عز وجل:  من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله [رواه أحمد: 3922]، وهو حديث صحيح. [سلسلة الأحاديث الصحيحة: 451].
فإذا السرطان له دواء يعافي منه، الإيدز له دواء يعالجه،  إن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله ، فلا يمنع أن يعجز كبار الأطباء في العالم، والمتقدمين في مجال الطب عن اكتشاف علاج يعلمه رجل بالهند أو بالمغرب أو باليمن أو في الصين، يمكن لكن ما في مرض إلا له علاج، من رحمة الله بالبشرية أنه ما أنزل من داء إلا وله دواء، فليجتهد الأطباء والباحثون في البحث عن هذه العلاجات، والتداوي مشروع بالجملة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: والتحقيق في التداوي أن منه ما يكون محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو واجب، وهو ما يعرف أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره". [مجموع الفتاوى: 18/12]، فإذا كان هناك دواء يتوقف بقاء النفس عليه وبدون الدواء تذهب النفس تموت، حكم تعاطي الدواء هذا واجب.
تعجب النبي صلى الله عليه وسلم مرة من جدل بعض أهله لما أمرهم بقيام الليل:
00:07:17
 فعن علي بن أبي طالب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة جاءهما في بيتهما، فقال لهما:  ألا تصليان؟  يعني: ألا تقومان الليل؟ "فقال علي: فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا"، نحن ننام وإذا شاء أن يوقظنا أيقظنا، "فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك، ولم يرجع إلى شيئًا" يعني: ما أجاب شيئًا "ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه، ويقول:  وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا  [الكهف: 54]. [رواه البخاري: 1127، ومسلم: 775].
فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أهله وأصحابه وزوج ابنته كيف يحتج بالمشيئة والقدر على ترك القيام للصلاة.
قال النووي رحمه الله: "ضرب فخذه تعجبًا من سرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بما اعتذر به". [فتح الباري: 3/11].
يعني: جاءت إجابة سريعة من علي رضي الله عنه ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يوافق عليها؛ وذلك لأنه احتج بالمشيئة على ترك العمل، وهذا مردود، وهو من الجدل الذي في الحقيقة ليس بصواب، فلذلك انصرف وتركه ولم يرد شيئًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هذا الحديث نص في ذم من عارض الأمر بالقدر، فإن قوله: "إنما أنفسنا بيد الله" إلى آخره استناد إلى القدر في ترك امتثال الأمر، وهي في نفسها كلمة حق، ولكنها لا تصلح لمعارضة الأمر، بل معارضة الأمر فيها من باب الجدل المذموم الذي قال الله فيه: وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف: 54]. [مجموع الفتاوى: 8/244].
لكن هذا الحديث يدل على فضل قيام الليل، وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على إيقاظ أقاربه وأهله لقيام الليل، وتعاهد ابنته وزوجها في العبادات، وأنه مر بهما وأيقظهما لما في صلاة الليل من الفضل، فلم يشأ أن تفوتهما تلك الفضيلة، وقد قال الله:  وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ [طه: 132].
ويستفاد من الحديث أن السكوت يكون جوابًا، وفيه جواز ضرب الفخذ على الأسف، إنسان تأسف من شيء أو من جواب له أن يضرب فخذه، وأن يتعجب، وأن يظهر ذلك بضرب الفخذ بالإشارة، ولو كان يسكت عن الكلام، وفيه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الجواب وأعرض لأن قيام الليل ليس بواجب، وإلا لو كان واجبًا ما تركه عليًا ولا فاطمة.
تعجبه صلى الله عليه وسلم ممن لو أقسم على الله لأبره:
00:10:40
 وتعجب النبي صلى الله عليه وسلم مرة من إقسام بعض أصحابه على الله، وبر الله تعالى بقسم هذا الصحابي، يعني كيف أن بعض الناس يصير عندهم ثقة بالله عظيمة حتى لو أقسم على الله بشيء لأبر الله قسم هذا العبد من مكانة عنده وقربه إليه، عن أنس بن مالك قال: كسرت الربيع أخت أنس بن النضر ثنية امرأة، فطلبوا إليها العفو"، يعني أهل الربيع طلبوا من المعتدى عليها أو من أهلها، العفو أنه ما يطلبون القصاص فأبوا، فعرضوا الأرش، قالوا: نعطيكم دية هذا السن الذي انكسر فأبوا والأرش هو المال الواجب في الإتلاف إذا كان نفسًا يسمى دية، وما دون النفس من الأعضاء مثل الأسنان يسمى مقابل إتلافها أرش، "فعرضوا الأرش، فأبوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم" يعني: أهل وأولياء المعتدى عليها، "وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر من أولياء الله، وأخته الربيع أيضًا من الصحابيات العابدات الذاكرات العالمات.
الربيع رضي الله عنها حصل منها شيء والصحابة بشر، فكان من غضبتها أنها كسرت ثنية امرأة لكنها امرأة فاضلة، وأخوها من أولياء الله أنس بن النضر، وقصته في غزوة أحد معروفة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالقصاص "فجاء أنس بن النضر قال: أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله"، أختي الآن تكسر ثنيتها، "لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها قال:  يا أنس كتاب الله القصاص ، يعني: حكم الشرع السن بالسن، فرضي القوم فجأة، وقبلوا الأرش، فعجب نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال:  إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره . [رواه أبو داود: 4595 ، وصححه الألباني صحيح ابن ماجة: 2649]، وهو في الصحيحين دون لفظة: "عجب" [البخاري: 2703، ومسلم: 1675].
فما الذي صرف هؤلاء فجأة أن جعلهم يغيروا رأيهم؟ الله عز وجل كانوا مصرين على القصاص، فقال أنس بن النضر: لا والله لا تكسر ثنية أختي، فبر الله بقسمه لقربه منه ومنزلته عنده، وقسم أنس بن النضر رضي الله عنه "والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها" لم يرد رد الحكم ولا الاعتراض عليه ولا الإنكار، ولكن من ثقته بفضل الله وتوقعه لإنقاذ الله لثنية أخته فحلف، وأقسم هذا القسم، فقصده إذًا ثقة بالله أن يرضي خصومها، ويلقي في قلوبهم العفو عنها.
قال النووي: "حلف ثقة بفضل الله ولطفه أن لا يحنثه، بل أن يلهمهم العفو". [شرح النووي على مسلم: 11/163].
ولذلك لما غير القوم رأيهم فجأة قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره يعني جعله بارًا في يمينه لا حالفًا لكراهته عنده.
وقد تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من قوة ثقة أنس بن النضر بربه حتى أقسم عليه، وقد أقسم أنس على نفي فعل الغير مع إصرار ذلك الغير، وهذا خلاف العادة، فألهم الله الغير العفو، وبر قسم عبده أنس بن النضر، وفي هذا جواز الثناء على من لا يخشى عليه فتنة، ووجوب القصاص في السن، فإذا قلعها كلها قلعت سن المعتدي المقابلة لتلك السن، السن بالسن، أمامية أمامية، خلفية خلفية، وهكذا نفس التي قلعها تقلع.
فإن كسر بعضها فالحديث يدل على وجوب القصاص في السن، وقال بعضهم: فيه قصاص.
وبعضهم قال: إذا كسر البعض فالقصاص يتم أن يعرف مقدار المكسور فتبرد سن المعتدي الجاني للحد الذاهب من سن المجني عليه، تبرد بالمبرد، تبرد سن الجاني إلى الحد الذاهب من سن المجني عليه.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقتص من السن؟ قال: تبرد". [سنن أبي داود: 4/197].
الطب الحديث يساعد في القصاص في بعض الحالات التي كان فيها جراح من اعتداء، ربما يخشى إذا طعن المعتدي نفس الطعنة أن يموت، فالطب الحديث يمكن أن يتدخل لتحقيق القصاص بدقة، بشكل لم يكن ممكنًا من قبل.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من تمني عائشة عدم الحج بسبب الحيض:
00:17:16
 وكذلك تعجب النبي صلى الله عليه وسلم مرة من تمني عائشة عدم الحج، فعن عائشة أنها قالت: "لبينا بالحج حتى إذا كنا بسرف حضت، فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي" سرف: اسم مكان معروف خارج مكة، فقال:  ما يبكيك يا عائشة؟ .
فقالت: حضت، ليتني لم أكن حججت.
وفي رواية البخاري: لوددت والله أني لم أحج العام.
فقال:  سبحان الله! إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، انسك المناسك كلها  يعني: ما يضرك أنك حضت افعلي كل ما يفعله الحاج، كل المناسك،  غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري  [رواه أبو داود: 1782، وصححه الألباني صحيح أبي داود:1563]، وأصله في الصحيحين. [رواه البخاري: 305، ومسلم: 1211].
فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة كيف تتمنى عدم الحج، لكن لأنها لما رأت الحيض قد نزل بها، والآن مشوار في الطريق كانوا جاءوا من الطريق ثم تأتي عليها العادة الآن تمنعها من الحج، فقالت: "ليتني ما حججت هذه السنة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم واساها، وخفف عنها، وبين لها أن باستطاعها إكمال الحج، وخفف عنها بقوله:  هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ، وهذه تسلية، فكأنه يقول: لست مختصة وحدك بهذا الحكم أو بالدم، هذا كل بنات آدم يكون منهن هذا، كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط وغير ذلك.
وقد استدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن الحيض أول ما أرسل ووقع في نساء بني إسرائيل؛ لأنه قد جاء في بعض الآثار والأخبار، وذلك فيما جاء عن عبد الرزاق بسند صحيح إلى ابن مسعود رضي الله عنه موقوفًا قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكان المرأة تتشرف للرجل" يعني" تريد أن تفتنه، وتلفت نظره إليها، "فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن المساجد" [فتح الباري:1/ 400].
هذا يدل أن النساء من قبل بني إسرائيل ما كانت المرأة تحيض، ولما صارت الفتنة من بني إسرائيل، وصرن يفتن الرجال ألقى الله الحيض عليهن، هذا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه، ومثله ما يقال من قبيل الرأي، فلا بدّ أن يكون سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام لكن البخاري عارض هذا بالحديث المرفوع هذا، وهو نص إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، يعني: كل بنات آدم من بعد آدم، كل بنات آدم حصل لهن هذا.
قال الحافظ رحمه الله: "ويمكن الجمع بأن الذي ألقي على النساء من بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده". [فتح الباري: 1/400].
يعني: عوقبت نساء بني إسرائيل في تبرجهن ولفت أنظار الرجال إليهن بأن عادتهن زادت عن عادة النساء قبلهن، وصارت أطول، هذا الجمع بين الحديث المرفوع والموقوف، وقد روى ابن المنذر والحاكم عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة.
قال النووي: "وفي هذا دليل على أن الحائض، والنفساء، والمحدث، والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيأتها إلا الطواف وركعتيه، فيصح الوقوف بعرفات، وكذلك الأغسال المشروعة في الحج تشرع للحائض من غيرها". [شرح النووي على مسلم: 8/146].
تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من مطالبة بعض حديثي العهد بالإسلام بشيء من الشرك:
00:22:30
 فعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر" أسلموا حديثًا "وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط" وهذه شجرة معروفة كان الكفار يعظمونها ويعكفون حولها، ويعلقون بها أسلحتهم طلبًا لبركتها، "فمررنا بالسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله" هذا موضع الشاهد التعجب،  سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى:  اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  [الأعراف: 138]، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم  [رواه الترمذي: 2180، وأحمد: 21897، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 5408].
فقوله:  سبحان الله  تنزيهًا وتعجبًا من هذا الطلب الشنيع، كيف يطلبون هذا؟ هذا شرك، فسبح النبي صلى الله عليه وسلم تعجبًا من طلبهم، وتذكر ماذا فعل بنو إسرائيل مع موسى، وذكر لهم ذلك، فهؤلاء كانوا قد خرجوا من الجاهلية حديثًا ودخلوا في الإسلام، ولذلك طلبوا هذا الطلب، وقد بين الحديث أن التبرك بالأشجار حرام، وأنه من سنن الضالين ممن سبق من الأمم، وأنكر النبي عليه الصلاة والسلام مشابهتهم حتى في اتخاذ شجرة تعلق عليها الأسلحة، فكيف بمن يعلق على صنم؟
فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق السلاح والعكوف حولها هو اتخاذ إله مع الله؛ مع أنهم لا يعبدون الشجرة، ولا يسألون الشجرة، بل مجرد أن يعلقوا أسلحتهم على الشجرة؛ فما الظن بالعكوف حول القبر ودعاء صاحبه، والطواف به، وحلق الرأس عنده، وذبح الهدي له، والدعاء عنده فأي نسبة من الفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون.
قال أبو بكر الطرطوشي من أئمة المالكية: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرؤ والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها". [الحوادث والبدع: 39].
هذا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث:  سبحان الله  ثم قال:  والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم  فكما فعل بنو إسرائيل فعل بعض هذه الأمة، فمن هم الذين قبلنا؟ اليهود والنصارى.  لتتبعن سنن من كان قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه [رواه ابن ماجه: 3994].
تعجبه صلى الله عليه وسلم من امتثال أمره بالجهاد حتى في البحر:
00:26:39
 وتعجب النبي صلى الله عليه وسلم مرة من علم نماء إليه بالوحي أن بعض أصحابه يقاتلون في البحر، ولم يكن هنالك معارك بحرية في ذلك الوقت، وكل المعارك كانت برية.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: حدثتني أم حرام" -وهي خالة أنس، يقال لها: الرميصاء، ولأم سليم الغميصاء، ومعنى الرمص والغمص متقاربة، وهو اجتماع شيء في مؤخر العين، وفي هدبها، وإن سال يقال له: غمص، "النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا في بيتها" يعني: نام القيلولة، "قال يومًا في بيتها. فاستيقظ وهو يضحك، قالت: يا رسول الله ما يضحكك؟"
قال:  عجبت من قوم من أمتي يركبون البحر كالملوك على الأسرة  يعني: يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم، واستقامة أمرهم، وكثرة عددهم.
"فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم"، أنت رأيت في منامك هذا المنظر العجيب، يدل على التمكن والقوة، "فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم؟
قال:  أنتِ منهم  ثم نام فاستيقظ وهو يضحك.
فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟
قال:  ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون البحر كالملوك على الأسرة .
فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم؟
قال:  أنتِ من الأولين .
فعلمنا أن رؤياه الأولى غير رؤياه الثانية، ففي كل نومة عرضت عليه طائفة من الغزاة، فسألته أم حرام أن تكون من الطائفة الثانية أيضًا ليتضاعف لها الأجر، فقال: أنت من الأولين  فإذًا أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن أمته ستغزو غزوات بحرية، وأنهم سيغزون في البحر مطمئنين كالملوك على الأسرة، وعندهم إمكانات في ركوب البحر، وأنهم يكونون متمكنين، وهذا مضى شيء منه، ولا يستبعد أن يأتي ما هو أيضًا بعد ذلك، فتزوج بها عبادة بن الصامت، فخرجت مع زوجها غازية من أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، أول غزوات المسلمين البحرية كانت مع معاوية، وبقيادة معاوية رضي الله عنه فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فماتت رضي الله عنها. [رواه البخاري: 2894، ومسلم: 1912].
وكان ذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه، وكان معاوية على الشام, وركبت أم حرام وزوجها إلى قبرص للجهاد في سبيل الله فصرعت عن دابتها هناك، وتوفيت ودفنت هناك، فلذلك إذا قيل لك: هل دفن أحد من الصحابة في قبرص؟ فالجواب نعم.
ومعاوية رضي الله عنه أول من قاد جيوش المسلمين البحرية في خلافة عثمان رضي الله عنه، وكان عمر في خلافته يشفق على المسلمين من ركوب البحر، وكان ينهاهم عن ذلك، فلما ولي عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر، فأذن له، وكان للمسلمين قدرة، وجهزوا أسطولاً، وفعلاً كانت سفنهم تتدفق في هذا البحر الأبيض المتوسط، ويغزون في سبيل الله، ففتحوا قبرص وغيرها، وركب المسلمون أيضًا إلى الأندلس وفتحوها.
قال ابن حجر رحمه الله: في الحديث من الفوائد: مشروعية القائلة". [فتح الباري: 11/72].
يعني: القيلولة لما فيه من الإعانة على قيام الليل.
وفيه ضروب يعني: أنواع من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لما سيقع، ووقع كما قال، وذلك معدود من علامات نبوته عليه الصلاة والسلام.
وفيه جواز الفرح بما يحدث من النعم، والضحك عند حصول السرور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك إعجابًا بما رأى من امتثال أمته أمره بالجهاد حتى في البحر، وما أثابهم الله على ذلك.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من فضل هذا الذكر:
00:32:04
 وكان صلى الله عليه وسلم أحيانًا يتعجب من الشيء إظهارًا لحسنه، وتنبيهًا إلى فضله، فعن ابن عمر قال: "بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، الحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  من القائل كلمة كذا وكذا؟ .
فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله.
قال:  عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء .
قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك". [رواه مسلم: 601].
فهذا الذكر العظيم اشتمل على تعظيم الله، وتمجيده، والثناء عليه، وتنزيهه، "وسبحان الله بكرة وأصيلاً" يعني: ننزهه في أول النهار وفي آخره عما لا يليق به، وخص هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما، ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيه الله على التغير في أوقات تغير الكون، ونحن لا ننفي عن الله إلا ما نفاه عن نفسه، ولا نثبت له إلا ما أثبته عن نفسه، وننفي عن الله كل نقص، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء في كل حال،  كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن  [الرحمن: 29].
تعجبه صلى الله عليه وسلم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل:
عجب النبي صلى الله عليه وسلم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، فقال:  عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل  وعن أبي أمامة قال استضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال مرة:  عجبت لأقوام يساقون إلى الجنة بالسلاسل وهم كارهون  [رواه الطبراني في المعجم الكبير: 8087، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 3983].
ما معناه؟ يؤخذون أسارى كرهًا وقهرًا في السلاسل والقيود في السبي مثلاً، فيدخلون في دار الإسلام، ويكونون مع المسلمين، لأن السبي يوزع فيكون هذا مع هذا البيت وهذا في هذا البيت من بيوت المسلمين، ثم يرزقهم الله الإيمان فيسلمون، ويموتون على الإسلام، ويدخلون الجنة، فهذا معنى  يقادون إلى الجنة بالسلاسل .
قال ابن الجوزي: معناه أسروا وقيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوه طوعًا، فدخلوا الجنة، فكان الإكراه على الأسر والقيد هو السبب الأول، لكن بعد ذلك صار اقتناعًا ودخولاً عن طواعية في الإسلام. [كشف المشكل: 3/541].
وكذلك جاء عن أبي هريرة في صحيح البخاري  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  [آل عمران: 110] قال: "خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام" [البخاري:4557]، فهذا كلام أبي هريرة يشرح الحديث.
وعن أبي الطفيل قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استغرق ضحكًا، ثم قال:  ألا تسألوني مم ضحكت؟ 
قلنا: يا رسول الله مم ضحكت؟
قال:  رأيتم ناساً من أمتي يساقون إلى الجنة بالسلاسل، ما يكرهها إليهم 
قلنا من هم؟
قال:  قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الإسلام . [رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان: 1663، وحسنه في الصحيحة: 2874].
وهذا حصل مرارًا في تاريخ الإسلام.
تعجبه صلى الله عليه وسلم مما عجب ربه منه:
00:35:14
 تعجب النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً مما عجب منه ربه عز وجل، فعن علي بن ربيعة: أنه كان ردفًا لعلي رضي الله عنه فلما وضعه رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلما استوى على ظهر الدابة قال: الحمد لله ثلاثًا، والله أكبر ثلاثًا، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ  [الزخرف: 13].
يعني: مطيقين، ما نطيق قهره، ولا نقاومه، ولا نستطيع للدابة إلا إذا أقدرنا الله على ذلك، {وَمَا كُنَّا لَهُ} هاء الضمير هذه تعود على الدابة، يعني: ما كنا قادرين على التحكم فيها، ولا على ركوبها، ولا على تذليلها إلا بقدرة الله، فهو الذي ذللها،  وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُم  [النحل: 5].
وذللها سبحانه، فترى الولد الصغير يأخذ بزمام البعير الذي يفوقه أضعافًا في الحجم، فيسلبه وينيخه فيستنيخ،  وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ  [الزخرف:13-14].
ثم قال: "لا إله إلا أنت سبحانك، إني قد ظلمت نفسي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ثم مال إلى أحد شقين فضحك.
فقلت: يا أمير المؤمنين ما يضحكك؟
قال إني كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنعت، فسألته كما سألتني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  إن الله يعجب من العبد إذا قال: لا إله إلا أنت إني قد ظلمت نفسي، فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: عبدي عرف أن له ربًا يغفر ويعاقب  [رواه الحاكم: 2482، وصححه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1653].
فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم مما عجب ربه منه من معرفة عبده له، وتوجهه إليه بالدعاء ليغفر له ذنبه؛ لأنه ليس له رب غيره يغفر له.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من تكشف بعض المسلمين:
00:37:17
 تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من تكشف بعض المسلمين، فعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: أنه مر وصاحب له بأيمن وفئة من قريش"، وفي رواية: مر بفتية من قريش، وأيمن معهم قد حلوا أزرهم فجعلوا مخاريق يجتلدون بها، وهم عراة"، مثل الواحد يزيل إزاره ويلفه ثم يجتلدون بها، يضرب بعضهم بعضًا بها، فجعلوها مخاريق يجتلدون بها وهم عراة، يعني: يتضاربون بها، فحلوا أزرهم جعلوا كالمخاريق، وبدؤوا يتضاربون بها، وهم عراة، "قال عبد الله: فلما مررنا بهم قالوا: إن هؤلاء قسيسون فدعوهم" يعني: هؤلاء من رؤوس النصارى، ولعلهم من المتعبدين المتشددين من النصارى، "ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم، فلما أبصروه تبددوا" تفرقوا، "فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبًا، حتى دخل، وكنت أول وراء الحجرة" من الذي تكلم؟ عبد الله بن الحارث، قال: "وكنت أنا وراء الحجرة، فسمعته يقول:  سبحان الله! لا من الله استحيوا، ولا من رسوله استتروا ، وأم أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول الله.
قال عبد الله: فبلأي ما استغفر لهم"، يعني: بعد مشقة وجهد وإبطاء. [رواه أحمد: 17711]. قال ابن رجب: وإسناده جيد، وصححه الألباني في الصحيحة: [2991].
فتعجب النبي عليه الصلاة والسلام من هؤلاء الفتية كيف كشفوا عوراتهم أمام الناس؟  لا من الله استحيوا ولا من رسوله استتروا  واشتد غضبه عليهم لدرجة أنه لم يستغفر لهم إلا بعد مراجعة وإلحاح، وفي هذا بيان خطورة كشف العورات، وأنه من أشد ما ينافي الحياء.
تعجب النبي صلى الله عليه وسلم ممن كوى دابة في وجهها، فعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بحمار قد كوي على وجهه، ووسم، فلعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك، ثم قال:  سبحان الله لا تضربوها على وجهها  [رواه ابن حبان: 5620]، وهذا الحديث صحيح. [التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان:5591].
قال أهل اللغة: الوسم: أثر الكي، بعير موسوم، والميسم: الأداة التي يوسم بها، والسمة: هي العلامة، فقبيح جداً تشويه وجه الدابة، وجعل الوسم هذا كية النار الأثر الدائم المستمر في وجهها تعذيب، وفي الوجه، وتشويه، فهذا حرام، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يلعن على مكروه.
وفي صحيح مسلم عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه" فإذًا لا يوسم حتى الدابة حتى الحمار والخيل والإبل والبغال وغيرها، ووسم غير الوجه من غير الآدمي جائز، في فخذها مثلاً جائز.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من فصاحة بعض الخطباء:
00:40:55
 وتعجب النبي صلى الله عليه وسلم مرة من فصاحة بعض الخطباء، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قدم رجلان من المشرق" يعني من جهة الشرق من بني تميم، "فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال عليه الصلاة والسلام:  إن من البيان لسحرًا، أو إن بعض البيان لسحر  [رواه البخاري: 5146].
في الحقيقة إن التعجب قد حصل في هذه الرواية من الناس، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن بعض الناس عنده موهبة في الكلام، فيه من بديع الأسانيد ما يأخذ بالألباب؛ لدرجة أن يؤثر في النفوس كتأثير السحر، وقد جاء في سبب هذا الحديث عن أبي بكرة قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وفد من بني تميم عليهم قيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم والزبرقان بن البدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن الأهتم:  ما تقول في الزبرقان بن البدر؟ 
قال: يا رسول الله مطاع في أنديته" يعني: عشيرته، "شديد عارض، مانع لما وراء ظهره.
قال الزبرقان: يا رسول الله إنه ليعلم أكثر مما وصفني به، ولكنه حسدني.
فقال عمرو: والله يا رسول الله إنه لزمر المروءة" يعني: قليلها، "ضؤول العطن، لئيم الخال، أحمق الولد، والله يا رسول الله ما كذبت أولاً، ولقد صدقت آخرًا، ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة  [رواه الطبراني في الأوسط: 7671]، وفي إسناده محمد بن مسلم الصخري، والحسن بن كثير، قال الهيثمي: لم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. [مجمع الزوائد: 13287].
فإذا استمالة قلوب السامعين بالبيان الساحر أو البيان الذي فيه تأثير هذا واقع، وبعض الناس عنده قدرة عجيبة في هذا، ولذلك يقلبون الأمور فيصور الحق باطلاً والباطل حقًا بالأساليب، أسلوب يفتن، وسماه سحرًا على جهة التعجب منه، وهذا موضع الشاهد، لأن عمرو ذم الزبرقان في حال، وكان قد مدحه قبلها مباشرة، وجاء بكلام في المدح وكلام في الذم عجيب، ولذلك سماه سحرًا، والسحر فيه استمالة، وكذلك البيان فيه استمالة.
تعجبه صلى الله عليه وسلم من أمر المؤمن:
00:43:41
 وأخيرًا: في درسنا عجب النبي صلى الله عليه وسلم بأمر المؤمن، فقال صهيب رضي الله عنه بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد مع أصحابه ضحك، فقال:  ألا تسألونني مما أضحك؟ .
قالوا: يا رسول الله مم تضحك؟
قال:  عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله له خير إلا المؤمن  [رواه أحمد:18939، وصححه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة: 147]، وهو في صحيح مسلم [2999] بلفظ قريب من هذا.
فضحك وكان تعجبًا من حال المؤمن؛ الذي دائمًا مع الله في تجارة رابحة، كل أمره خير سواء أصابته سراء أو أصابته ضراء، وذلك لأن المؤمن يدور بين الصبر والشكر، فهو على مكسب وربح دائم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الإيمان، وأن يرزقنا اتباع سنة سيد ولد عدنان، وأن يرزقنا حسن المحيا والممات إنه هو الواحد الديان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.