الأحد 14 صفر 1441 هـ :: 13 أكتوبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

24- الخلاف غير السائغ بين العلماء


عناصر المادة
أحكام الخلاف السَّائغ:
التَّنبيهات والوقفات المتعلِّقة بالخلاف السَّائغ:
الخروج من الخلاف بفعل ما اختلف في وجوبه:
الوقوف على اختلاف العلماء وأسبابه في كُلِّ مسألة:
ضابط الخلاف غير السَّائغ:
الخلاف غير السَّائغ على درجتين: ضعيفٌ وشاذٌّ:
الخلاف الضَّعيف:
الخلاف الشَّاذ:
أسباب الخلاف غير السَّائغ:
الخلاف في قطعيات العقيدة والفقه غير معتبرٍ:
المخالف من غير أهل العلم والفقه خلافه غير معتبر:
المعذور في الخلاف غير السَّائغ:
عُذر المخالف من السَّلف لا يعني جواز إتِّباعه على قوله:
في حال الخلاف: العبرة بالدَّليل لا بالقائل:
خطورة تتبُّع الخلاف الشَّاذ والضَّعيف:
من وُصل إليه الدَّليل لا يجوز له العمل بالقول الشَّاذ:
مسائل الخلاف غير السَّائغ: ينكر على القائل بها:
الاحتجاج بآية الإختلاف والرَّد على ذلك:
استغلال المسائل الخلافية من قبل المنافقين:
تمييع الدِّين تحت لافتة: "خلافٌ بين العلماء":
من استغلال المنافقين للخلاف: العبور من المختلف فيه إلى المتَّفق على منعه:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أحكام الخلاف السَّائغ:
00:00:13
 فقد تقدَّم في الدَّرس الماضي ضمن هذه السَّلسلة الكلام عن الخلاف السَّائغ بين العلماء، وأن ضابطه أنَّه كلامٌ خلاف في مسألةٍ ليس فيها دليلٌ صريحٌ من القرآن أو السُّنَّة الصَّحيحة أو الإجماع أو القياس الجلي، وأنَّ ذلك يشمل المسائل: التي ليس فيها نصٌّ، والمسائل التي فيها نصٌّ صحيحٌ لكنَّه غير صريح، والمسائل التي فيها نصٌّ صريحٌ لكنَّه متنازعٌ في صحته، والمسائل التي فيها نصوصٌ لكنَّها متعارضةٌ في الظَّاهر، وقلنا في الحقيقة ليست متعارضة؛ لأنَّ الكُلَّ من مصدرٍ واحدٍ وهو من عند الله تعالى، وذكرنا جملةً من الأمثلة على هذا الخلاف السَّائغ وبيَّنا بعض أسبابه وأنَّ منها: ألا يكون في المسألة نصٌّ شرعيٌّ كمسألة الجدِّ مع الإخوة، ومسألة امرأة المفقود، وأن يكون النَّص محتملاً لأكثر من معنى: مثل  غسل اليد عند الاستيقاظ من النَّوم، وكذلك الاختلاف في تصحيح وتضعيف النَّص كمسألة كفارة جماع الحائض وزكاة الحلي، وأيضاً تعارض الأدلَّة ظاهراً: كمسألة الوضوء من مسِّ الذَّكر، وأيضاً الاشتراك في اللَّفظ مثل: عدة المطلقة بالقروء: هل هي حيضاتٌ أم أطهارٌ؟ وأيضاً الصَّعيد الطَّيب: هل هو التُّراب خاصَّة أو كُلُّ ما على وجه الأرض؟  كذلك: الاختلاف في حُجِّية مفهوم المخالفة، مثلاً: كنفقة الحائل البائن أو الاستثناء الوارد بعد الجمل المتعاطفة بالواو هل يرجع للجميع أو إلى آخر معطوف؟ مثل توبة القاذف: هل الاستثناء إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا  [النور:5]. يعود إلى رفعه من الفسق أو يشمل أيضاً قبول شهادته؟ وكذلك اختلافهم في بعض الأوامر: هل هي للوجوب أم للاستحباب؟ مثل:  فَاكْتُبُوهُ  في القرض  وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282]. حكم الإشهاد على البيع واجب أم مستحب؟ واختلافهم في استخراج واستنباط عِلَّة الحكم مثل: علَّة الأصناف الرَّبوية، كعلة الربا في المطعومات: هل هي الطُّعم أو الكيل والوزن أو هما معاً؟.
التَّنبيهات والوقفات المتعلِّقة بالخلاف السَّائغ:
00:02:49
 وذكرنا بعض التَّنبيهات والوقفات المتعلِّقة بالخلاف السَّائغ، ومنها: أولاً: أنَّ الخلاف السَّائغ ليس مذموماً؛ لأنَّه من طبيعة البشر واختلاف عقولهم وأفهامهم ونظرهم، وأيضاً أنَّ بعض النُّصوص الشَّرعية تحتمل هذا الاختلاف في الفهم، فممكن أن يُفهم منه هذا ويمكن أن يُفهم منه هذا، وأنَّ هذا لحكمةٍ من الله تعالى، وأنَّ المجتهد الذي توافرت فيه شروط النَّظر في هذه الأدلَّة دائرٌ بين الأجر والأجرين، وأنَّ الحقَّ عند الله سبحانه وتعالى واحدٌ لا يتعدَّد، وذكرنا أنَّ الله عزَّ وجلَّ كان من الممكن أن يأتينا بنصوص لا تحتمل إلَّا فهماً واحداً ووجهاً واحداً؛ لكنَّ حكمته سبحانه في أمورٍ كثيرةٍ ومنها التَّوسعة على النَّاس بأقوال المجتهدين، وكذلك أنَّ هذه العقول والأفهام التي خلق الله البشر عليها تتسابق في تحقيق المسائل واستخراج الرَّاجح والحرص على نيل الأجرين، وكذلك ذكرنا أنَّ الخلاف السَّائغ لا ينبغي أن يكون سبباً للتَّفرق والتَّخاصم والتَّحزُّب بالباطل والتَّعصب، وأنَّ الخلاف السَّائغ لا ينكر على من قال به باجتهادٍ إذا كان من أهل الاجتهاد أو بتقليدٍ، وأنَّ الاختلاف السَّائغ أصحابه دائرون بين الأجر والأجرين، وأن هذا لا يعني أن جميع الأقوال صحيحة؛ بل الصَّواب في المسائل المختلف فيها واحدٌ عند الله وأنَّ الخلاف لا يجيز للمفتي ولا للمستفتي الاختيار من بين الأقوال يعني: بالتَّشهي أو على الهوى، المستفتي المقلِّد العامِّي لا يجوز له أن ينظر أو يختار، وإن كان هذا العامِّي عليه مسؤوليةٌ في الوصول إلى العالم الذي يستفتيه قد يكون أيضاً في مكانٍ نائيٍّ يسافر إلى بلد نائي ويحاول الوصول إلى من يستفتيه، وأحياناً يضطرُّ العامِّي إلى نوعٍ من الاجتهاد، وكذلك في مسائل يرجؤها إذا استطاع إرجائها حتى يصل إلى أحد من أهل العلم، لكن قد يضطرُّ أحياناً إلى اجتهاد هو مرغمٌ عليه، لا بُدَّ أن يفعل أحدَ الأمرين مثل: قضية اجتهاد العامِّي في معرفة القبلة إذا كان في مكان لا يهتدي إلى القبلة فيه فيجتهد ويُصلِّي، فالشَّاهد أن بعض العامَّة قد يكون عنده شيءٌ من دقَّة الفهم والذَّكاء والنَّباهة، وشيءٌ من الاطِّلاع في الثَّقافة الشَّرعية التي تجعله في بعض الأحيان إذا اضطر إلى النَّظر في مسألةٍ أن يخرج بشيءٍ؛ لأنَّ مرتبة الاجتهاد والتَّقليد وبينهما الإتِّباع يعني: معرفة قول العالم بدليله وهذه المراتب فيها منازلٌ، أيضاً هناك شيءٌ يقترب من المرتبة لا يصل إليها، وشيءٌ بعيدٌ عنها تماماً، ولذلك فإنَّ الكلام العام: أنَّ الذي توافرت فيه شروط الاجتهاد ينظر ويحتهد، والعامِّي يُقلِّد وبينهما طالب العلم المتَّبع الذي يعرف القول بدليله، فهذا التَّحديد أو هذه المراتب لا يعني بأنَّه لا يوجد من هو قريبٌ من  مرتبة معينةٍ يبدأ بالمحاولة، ولاحظ: اسم كتاب ابن رشد "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" فالاسم هذا معبِّرٌ ومهمٌّ لكن لا للغرور ولا لاقتحام ما لا يحسنه الإنسان ولا للكلام في المسائل بغير علمٍ، ولا للتَّصدي للإفتاء ممن لا يحسنه، فهذه قضايا خطيرةٌ :القول على الله بلا علم، المسألة السَّابعة: الخلاف السَّائغ يستحب الخروج منه احتياطاً للدِّين، كما قال الشَّيخ ملا علي القاري رحمه الله: "الخروج من الخلاف مستحبٌ بالإجماع"[المسلك المتقسط88]. وقال الإمام االزَّركشي: "يستحب الخروج منه باجتناب ما اختلف في تحريمه وفعل ما اختلف في وجوبه"[المنثور2/ 127]. يعني: كيف تخرج في مسائل مختلفٌ في حكمها قال بعض العلماء بالتَّحريم، وقال بعضهم مثلاً بالكراهة أو بالاستحباب، فكيف تخرج من الخلاف؟ بتركها، مثلاً مسألةٌ اختلف العلماء فيها: هل هي واجبةٌ أو مستحبةٌ كيف تخرج من الخلاف؟ بفعلها يعني: تفعلها فتصبح في هذه الحالة في الجانب الآمن؛ لأنَّه على قول من قال بالوجوب أنت فعلت وأيضاً على قول من قال بالاستحباب فأنت مأجورٌ، لكن لو ما فعلت على قول من قال بالوجوب؟ أنت آثمٌ، وكذلك في المسألة المختلف في تحريمها.
الخروج من الخلاف بفعل ما اختلف في وجوبه:
00:08:02
 فإذاً من القواعد المهمَّة ومن باب السَّلامة في الدِّين وترك الشُّبهات: الخروج من الخلاف بفعل ما اختلف في وجوبه، وترك ما اختلف في  تحريمه ومثال ما يفعل للخرج من الخلاف في وجوبه مثلاً: صلاة الوتر، حيث أنَّ بعض العلماء يرى أنَّها واجبةٌ فإذاً أنت تُصلِّيها، وكذا إشهاد الرَّجل على رجعة الزَّوجة، فإذا أرجعها يشهد خروجاً من خلاف من أوجبه، وكذا المضمضة والاستنشاق في الوضوء فأنت تفعلهما وتحرص عليهما؛ لأنَّهما فرضان عند الحنابلة، وكذلك التَّسمية في الوضوء مثلاً واجبةٌ عند الحنابلة، فالخروج من الخلاف يكون بفعلها، وكذلك التَّسليمة الثَّانية في الصَّلاة واجبةٌ عند الحنابلة وسُنَّةٌ عند غيرهم، فإذاً تحرص عليها ولا تتركها، وأما مثال: ترك ما اختلف في تحريمه للخروج من الخلاف فعلى سبيل المثال: ترك استقبال واستدبار القبلة في البول والغائط في البنيان، إذا أردت أن تُصمم بيتاً أو تبني دورة مياه أو مرحاضاً فإنَّك تضع كرسيَّ الحمَّام بحسب المكان الذي أنت فيه من القبلة، فقد تكون في بلدٍ شرقي القبلة أو غربي القبلة، وقد تكون في بلد شمالي القبلة أو جنوبي القبلة، فإذا كنت في المدينة شرِّقوا أو غرِّبوا، لكن إذا كانت في الشَّرق فتجعله شمالاً أو جنوباً وهكذا، أيضاً من يرى جواز صلاة الجمعة قبل الزَّوال يستحب له فعلها بعد الزَّوال خروجاً من خلاف من منع ذلك، وهم جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والشَّافعية، والمشهور عند الحنابلة، وهناك قولٌ عند الحنابلة بجواز الصَّلاة قبل الزَّوال لكن هل أنَّك تُغامر بصحة صلاة الجمعة وتصلِّي قبل الزَّوال؟ وكُلُّ هؤلاء العلماء يقولون بأنَّه لا صلاة للجمعة قبل الزَّوال، كذلك اللَّعب بالشَّطرنج مثلاً فبعضهم أباحه أو كرهه، وبعضهم حرَّمه، فعندما يكون الخلاف بين الوجوب والتَّحريم فعند ذلك يكون الخروج متعذِّراً من هذا الخلاف، فلا بُدَّ من العمل بما ترجَّح، وهذه مسائلٌ نادرةٌ: المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام في الصَّلاة الجهرية وجوباً عند بعض العلماء، بينما بعضهم يقول يجب عليك الإنصات، فهذه المسائل نادرةٌ يكون فيها الخلاف المعتبر على طرفي نقيض، وفي هذه الحالة ما هو الحل؟ صاحب الاجتهاد يجتهد والعامِّي يقلِّد، قلِّد عالماً قال لك: اقرأ أو قال لا تقرأ، ثامناً: الاختلاف في الفروع ليس له أثرٌ في صحة صلاة بعض المختلفين خلف بعض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن أهل المذاهب الأربعة لما سُئِل: هل تصحُّ صلاة بعضهم خلف بعض أم لا؟ لأنَّ هناك إشكاليةٌ حيث أنَّ بعض المسائل تختلف في المذاهب فمثلاً هذا يكون عنده أنَّه متلبِّساً بنجاسة، ومذهبٌ آخر ليست بنجاسة وأنَّ الذي يلبسه طاهر، مثلاً: بعض المذاهب تقول: كُلُّ جلدٍ دباغه تطهيرٌ له، وكثيرٌ من المذاهب تقول: لا، جلد الكلب وجلد الخنزير وجلد ما لا يُؤكل لحمه، فإذاً هناك من يرى بأنَّ خروج الدَّم ينقض الوضوء ومنهم من يرى أن خروج الدَّم لا يُنقضه، إذا خرج منه دمٌ مثلاً هو يرى أنَّه لا ينتقض فيجوز تُصلِّى وراءَه وأنت عندك أنَّه ينقض، فالمسألة فيها نوعُ دقةٍ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الحمد لله نعم، تجوز صلاة بعضهم خلف بعضٍ، كما كان الصَّحابة والتَّابعون لهم بإحسانٍ ومن بعدهم من الأئِمة الأربعة يصلِّي بعضُهم خلفَ بعضٍ، مع تنازُعِهم في هذه المسائِل المذكورة وغيرِها، ولم يقل أحدٌ من السَّلف إنَّه لا يصلِّي بعضُهم خلفَ بعضٍ ومن أنكر ذلك فهو مبتدعٌ ضالٌ مخالفٌ للكتاب والسُّنَّة وإجماع سلفِ الأمَّة وأئمَّتها"[الفتاوى الكبرى2/317]. يعني: لو قال شخصٌ لا يُصلِّي بعضُهم خلفَ بعضٍ فهذا مبتدعٌ، قال: "وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يرى الوضوء من الحِجامة والرُّعاف، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدَّم ولم يتوضأ تُصلِّي خلفه؟ فقال: كيف لا أُصلِّي خلف سعيد بن المسيب ومالك" [الفتاوى الكبرى2/317]. لأنَّهما يريان بذلك، فهل يعقل على جلالة قدرهما لا أُصلِّي خلفهما؟.
الوقوف على اختلاف العلماء وأسبابه في كُلِّ مسألة:
00:13:00
 تاسعاً: الوقوف على اختلاف العلماء وأسبابه في كُلِّ مسألة من المهمَّات التي ينبغي لطالب العلم أن يحرص عليها، توسيعاً لأُفُقِهِ حتى يستوعب أنَّ هناك خلافٌ ولا ينكر لأنَّك لو علمت أنَّ هناك خلافٌ معتبرٌ لا تسارع بالإنكار، فمشكلة بعض النَّاس أنَّه يسارع بالإنكار لجهله أنَّ هناك خلافٌ معتبرٌ؛ لأنَّ دائرة معلوماته ضيقةٌ واطِّلاعه قاصرٌ، فمعرفة الخلاف له فوائدٌ كثيرةٌ، -طبعاً كلامنا إلى الآن مازال في الخلاف السَّائغ- فلا بُدَّ للعالم وطالب العلم معرفة الخلاف وأقوال العلماء في هذه المسائل المختلف فيها: حتى: أولاً: يسلم من الشُّذوذ، فلا يتبنَّى قولاً لم يقل به أحدٌ، أو يحكي إجماعاً في مسألة مع أنَّ الخلاف فيها قائمٌ بين الأئمَّة رُبَّما الأربعة، وأيضاً ليستفيد من طرائق النَّظر والاستدلال التي سلكها الأئمَّة في تحصيل الفقه، وهذا لا شكَّ دربةٌ عظيمةٌ أن تعرف أنَّ هؤلاء قالوا بكذا لأجل كذا، وهؤلاء قالوا بكذا لأجل كذا والدَّليل والمأثور ، وأيضاً يقول ابن خلدون رحمه الله عن فقه الخلاف: "وهو علمٌ جليلُ الفائدة في معرفة مآخذ الأئمَّة وأدلتهم، ومران المطالعين" يعني: التَّمرين "ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه"[تاريخ ابن خلدون1/ 457]. انتهى. فهاتان الفائدتان لا يتحصَّل عليهما العالم ولا طالب العلم إلَّا بالوقوف على اختلاف الأئمَّة والاطِّلاع على أقوالهم، وتجد هذا مثلاً في المغنى والمجموع كثيراً حكاية الخلاف، أو من قال بهذه الأقوال، قال قتادة رحمة الله: "من لم يعرف الاختلاف لم يشمّ رائحة الفقه بأنفه"[جامع بيان العلم وفضله1/102]. وقال سعيد بن أبي عروبة: "من لم يسمع الاختلاف فلا تعدُّوه عالماً"[جامع بيان العلم وفضله1/ 150]. وقال يحيى بن سلام: "لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي"[جامع بيان العلم وفضله2/ 104]. وفي نهاية الكلام عن الخلاف السَّائغ لا بُدَّ من الانتباه؛ لأنَّ الخلاف السَّائغ منه ما هو قويٌّ ومن ما هو الخلاف فيه قريبٌ ورُبَّما يكون القولان بينهما فرقٌ يسيرٌ، وعلى كُلِّ حال: فإنَّ الخلاف لا يعني أبداً أنَّ الآراء المطروحة كُلُّها صحيحةٌ كما تقدَّم؛ لأنَّ الحقَّ عند الله واحدٌ، وبهذا نكون قد أتممنا الكلام على موضوع الخلاف السَّائغ لننتقل بعد ذلك إلى الخلاف غير السَّائغ؛ لأنَّ القضية أيُّها الإخوة مهمَّة جداً، حيث أنًّ الطَّرح العلماني النِّفاقي الموجود اليوم يقوم على استثمار الخلاف والمسائل الخلافية للعبور إلى نفي المسائل القطعيات والمجمع عليها، يعني: لا بُدَّ من إدراك خبثُ الخطة: العلمانيون والمنافقون اليوم يكثرون الدَّندنة والكلام والخوض في قضية الخلاف، لماذا؟ تشويشاً على دين النَّاس وإيقاعاً لهم في الحيرة والاضطراب، والسَّعي في تتبُّع الرُّخص وفتح الباب للنَّاس لتتبُّع الرُّخص والأخذ بالهوى، وكذلك الخوض وتجرأة النَّاس على الخوض فيما لا يحسنون، فيقولون: المسألة خلافيةٌ وهذه كذا، وأنت تُريد هذا تجرأة النَّاس على الخوض فيما لا يحسنون وبالتَّالي يضعف الدِّين إذا تجرَّأ النَّاس على ما لا يحسنه، ثُمَّ العبور من المسائل الخلافية إلى المسائل المجمع عليها والقطعية؛ لكي يُقال أيضاً فيها خلافٌ، ثُمَّ تسقط فيها عبارةٌ عن مؤامرةٍ ضخمةٍ جداً تدور رحاها الآن في خوض هؤلاء العلمانيين الذين يكتب كثيرٌ منهم في الإعلام وفي مسائل الخلاف والعامَّة إذا صُوِرت لهم القضية على أنَّ الدِّين كُلُّه خلافٌ، ماذا يحصل في نفوسهم؟ يحصل زهدٌ، فماذا يعني قولهم: هذا الدِّين الذي كُلُّه خلافٌ؟ فيضخِمون قضية الخلاف كما قلنا، وتمَّ الرَّد على هذه النُّقطة في أول الدَّرس الماضي لمَّا قلنا: إنَّ المسائل المتَّفق عليها والمجمع عليها كثيرةٌ جداً، وأنَّ المسائل المختلف فيها اختلافاً سائغاً محصورةً، نحن عرفنا في الدرس الماضي ما هو ضابطُ الخلاف السَّائغ وحالات حصل فيها خلافٌ سائغٌ أنواعٌ.
ضابط الخلاف غير السَّائغ:
00:17:15
 فما هو ضابط الخلاف غير السَّائغ؟ الخلاف غير السَّائغ هو الذي يتمُّ فيه مخالفة نصَّاً صريحاً من القرآن أو السُّنَّة الصَّحيحة أو الإجماع أو القياس الجلي، فكُلُّ قولٍ يصادم نصَّ الكتاب العزيز أو السُّنَّة الصَّحيحة أو الإجماع يكون من الخلاف غير المعتبر، فإذا وُجد النَّص الصَّحيح الصَّريح الذي لا معارض له ولا مساغ للاختلاف ولا وجه للاختلاف ولا يجوز الاختلاف حينئذٍ، ولا يعتدُّ بقول المخالف كائناً من كان، وكذلك المسائل التي هي محلُ إجماعٍ بين أهل العلم لا يجوز فيها الاختلاف ولا يسوغ، قال الإمام الشَّافعي رحمه الله: "الاختلاف من وجهين: أحدهما محرمٌ، ولا أقول ذلك في الآخر" يعني: الخلاف الآخر، ثُمَّ ذكر ضابطَ الاختلاف المحرَّم، فقال: كُلُّ ما أقام الله به الحُجَّة في كتابه أو على لسان نبيِّه منصوصاً بينٍّاً لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه"[ الرسالة560]. الرِّسالة للشَّافعي. فكُلُّ مسألةٍ أبانها الله تعالى بياناً واضحاً في كتابه أو سُنَّة نبيِّه فالخلاف فيها محرمٌ.
الخلاف غير السَّائغ على درجتين: ضعيفٌ وشاذٌّ:
00:18:23
 لكنَّنا ينبغي أن نعرف أيُّها الإخوة: أنَّ الخلاف غير السَّائغ على درجتين: هناك خلافٌ ضعيفٌ، وهنالك خلافٌ شاذٌّ، أيُّهما أسوأ؟ الشَّاذ أسوأ.
الخلاف الضَّعيف:
00:18:38
 والخلاف الضَّعيف: هي المسائل التي خالف فيها بعض العلماء المعتبرين، يعني قد يكون بعضهم صحابة أو من التَّابعين أو من بعدهم خالفوا فيها مخالفةً يقطع بأنَّ كلامهم فيها قد جانبوا فيه الصَّواب؛ لأنَّ هناك صحابة آخرين هم أعلم وأكثر عرفوا الدَّليل، وهؤلاء ما اطَّلعوا عليه مثلاً ونحو ذلك.
نماذج من الأقوال الضَّعيفة:
لنأخذ بعض الأقوال الضَّعيفة: القول بعدم وجوب قراءة الفاتحة في الصَّلاة مطلقاً: قولٌ ضعيفٌ، ترك رفع اليدين عند الرُّكوع والرَّفع منه، نحن لا نتكلَّم على قضيةٍ هل هي واجبٌ أو مستحبةٌ أو سُنَّة، نحن نتكلَّم الآن عن الخلاف؛ لأنَّ المسألة أحياناً قد يختلف فيها: هل هي مستحبةٌ أو ليست مستحبةٌ، وليس بالضَّرورة: هل هو محرمٌ أو مباحٌ؟ أو هل هو واجبٌ أو مستحبٌ؟ لا قد يكون: هل هو مستحبٌ أو غير مستحب؟ هل هو سُنَّةٌ مشروعٌ أو لم يثبت في السُّنَّة؟ فمسألة مثلاً: رفع اليدين عند الرُّكوع والرَّفع من الرُّكوع فالذي قال بعدم رفع اليدين عند الرُّكوع والرَّفع من الركوع قولٌ ضعيفٌ، فالسُّنَّة ثابتةٌ واضحةٌ في هذا، مثلاً: القول بأنَّ الدَّاخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب ليستمع الخطبة وممكن أن يجلس ولا يُصلِّي تحيةَ المسجد، فهذه فيها دليلٌ وهو نصٌّ واضحٌ، القول بأنَّ ستة شوال صيامه غير مستحب، -هذا موجودٌ عند المالكية- ولكن قولٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الدَّليل جاء وثبت بهذا، كذالك القول بجوار نكاح التَّحليل، وحديث:  لعن الله المحلِّل والمحلَّل له [رواه أبو داود 2078، وابن ماجه 1936، وصححه الألباني في صحيح أبي داود1811]. القول بجواز الرُّجوع في الهبة مطلقًا لغير الوالد غير الشروط المعينة بعدما استلمها الموهوبة له فهذا قولٌ ضعيفٌ، فلا يجوز الرُّجوع في الهبة كالكلب يعود في قيئه، والقول بجواز تخليل الخمر: فاتخاذ الخمر حرامٌ، كيف تتَّخذ الخمر؟ فلا يجوز لك تأخذها لتتَّخذها خلاً، القول بالإسدال في الصَّلاة: أنَّك عند القراءة في الصَّلاة تُسدل يديك ولا تضعهما على بعض، فهذا قولٌ ضعيفٌ، قال ابن القيم رحمه الله: "والمسائل التي اختلف فيها السَّلف والخلف وقد تيقَّنَّا صحَّةَ أحد القولين فيها كثيرٌ، مثل: كون الحامل تعتدُّ بوضع الحمل" يعني: لو قال قائلٌ: لا تعتدُّ بوضع الحمل لو مات زوجها وولدت غداً تكمل أربعة أشهرٍ وعشرة أيام، نقول له: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]. هذه عامَّةٌ في المتوفَّى عنها وغير المتوفَّى عنها فالمسألة قال بعضهم: إنَّها لا تخرج من العدَّة بوضع الحمل، لكن هذا القول ضعيفٌ، قال ابن القيم: "كون الحامل تعتدُّ بوضع الحمل وأنَّ إصابة الزَّوج الثَّاني شرطاً في حلها للأول" يعني: لو شخصٌ طلَّق ثلاثاً فبمجرَّد أنَّ الثَّاني يعقد عليها ثُمَّ يطلِّق لا يبيحها للأول، إذ لا بُدَّ  أنَّ الثَّاني يطأها، والذي قال إنَّ مجرَّد العقد من الثَّاني كاف في إباحتها للأول إذا طلقها الثَّاني فقوله ضعيفٌ، قال: "وأنَّ الغسل يجب بمجرَّد الإيلاج وإن لم ينزل" فقول إنَّ الغسل لا يجب إلَّا إذا أنزل، ولو أولج لا يجب عليه الغسل ما لم ينزل قولٌ ضعيفٌ، بل الرَّاجح إذا مسَّ الختان إذا أولج فقد وجب عليه الغسل سواءً أنزل أو لم ينزل، قال: "وأنَّ المسلم لا يُقتل بكافرٍ" فمن قال: أنَّ المسلم إذا قتل كافراً يُقتل المسلم قولٌ ضعيفٌ، "وأنَّ المسح على الخفين جائزٌ حضراً وسفراً" فمن فمنعه حضراً فقوله ضعيفٌ "وأنَّ السُّنَّة في الرُّكوع وضع اليدين على الرُّكبتين دون التَّطبيق" وذلك أنَّك تُطبِّق الكفَّين وتجعلهما بين الفخذين مثلاً هذا التَّطبيق ورد لكنه منسوخٌ، فمن لم يبلغه النَّاسخ قال به، لكنَّه بعد استقرار الشَّرع قولٌ ضعيفٌ، وقال: "وأنَّ رفع اليدين عند الرُّكوع والرَّفع منه سنةٌ" فمن قال ليست سنة قولٌ ضعيفٌ "وأنَّ الشُّفعة ثابتةٌ في الأرض والعقار، وأنَّ الوقف صحيحٌ لازم، وأنّ دية الأصابع سواء" يعني: كُلُّها عُشر الدِّية وكُلُّ الأصابع سواءَ، صحيح أنَّ الإبهام تتفاوت في الأهمية فممكن يكون الإبهام ليس مثل الخنصر في الأهمية بالنُّسبة لمسك الأشياء، فالذي فقد إبهامه يُعتبر أصعب حالةً من الذي فقد الخنصر، ولكن الشَّرع جاء بتسوية الدِّية فيها، فمن قال: إنَّ دية الإبهام غير دية الخنصر فقولُه ضعيفٌ، قال: "وأنَّ يد السَّارق تُقطع في ثلاثة دراهم، وأنَّ الخاتم من حديدٍ يجوز أن يكون صداقاً، وأنَّ صيام الولِّي عن الميت يجزئه عنه، وأن الحاجَّ يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وأنَّ المحرِم له استدامة الطِّيب دون ابتدائه" يعني: ممكن أنك تضع الطِّيب قبل النِّية بالحج أو العمرة ويستمر عليك، لكن إذا أحرمت ونويت لا يجوز لك أن تضع الطِّيب فيجوز في الأول دون الثَّاني فمن خالف فقولُه ضعيفٌ، قال: "وأنَّ السُّنَّة أن يُسلِّم في الصَّلاة عن يمينه وعن يساره، وأنَّ خيار المجلس ثلاثاً في البيع، وأنَّ المصراة" يعني: إذا حبس اللَّبن في ضرع الشَّاة ولم يحلبها وتركها مدَّةً، قال: "وأنَّ المصراة يُرَّد معها عِوض اللَّبن صاعاً من تمر" يعني: إذا اشتريتها وحلبتها فإذا بها ضمرت، واكتشفت أنَّ فيها غِشٌّ حيث أنَّ هذه الشَّاة لم تُحلب يومين تركت عمداً حتى تنتج وتظنُّها أنت سمينةً أو تظنُّها حلوباً، وإذا بالمسألة فيها غِشٌّ، فأنت تردُّها بخيار العيب أو الخداع، والحليب الذي أخذته ترُدُّ معها صاعاً من تمرٍ بدلاً من الحليب الذي احتلبه، قال: "وأنَّ صلاة الكسوف بركوعين في كُلِّ ركعةٍ، وأنَّ القضاء جائزٌ بشاهدٍ ويمين، إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل، ولهذا صرَّح الأئمَّة بنقض حكم من حكم بخلاف كثيرٍ من هذه المسائل من غير طعنٍ منهم على من قال بها، وعلى كُلِّ حالٍ: فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها، إذا نبذها وراء ظهره"[إعلام الموقعين3/288-289]. إعلام الموقعين.
الخلاف الشَّاذ:
00:25:28
 الدَّرجة الثَّانية من الخلاف غير السَّائغ: الخلاف الشَّاذ -وهو أسوأ- وهو: الخلاف الذي يكون في غاية الضَّعف، وهو الذي يعبر عنه بزلاتٍ أهل العلم، قال الشَّيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: "الخلاف منه ما له حظٌ من النَّظر، ومنه ما ليس له حظٌّ، ومنه قسمٌ ثالثٌ يكون معروفُ الضَّعف لا يُلتَفت إليه، وليس بشيءٍ"[ فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ2/6]. انتهى. فهذا الثَّالث الذي أشار إليه الشَّيخ هو الخلاف الشَّاذ أو القولُ الشَّاذ، وأراد الإمام الشَّاطبي رحمه الله تعالى أن يضع ضابطاً يُميِّز القول الشَّاذ عن غيره، فقال: "وغالب الأمر أنَّ أصحابها -يعني هذه الشُّذوذات- منفردون بها، يعني: لا تكاد تجد في القول الشَّاذ مع من قال به شخصٌ آخرٌ "قلَّما يُساعد عليها مجتهدٌ آخرٌ فإذا انفرد قولٌ عن عامِّة الأمَّة فليكن اعتقادك أنَّ الحقَّ في المسألة مع السَّواد الأعظم من المجتهدين لا من المقلِّدين"[ الموافقات5/140]. الموافقات. فالأقوال الشَّاذة في هذا الزَّمان كثيرةٌ، ومن خِطة أهل النِّفاق: إشاعةُ الأقوال الشَّاذة وتغطيتها إعلامياً، والكتابة عنها والدِّعاية لها والتَّرويج وعمل مقابلاتٍ مع قائليها، وإفساح المكان لهم في الأعمدة واللِّقاءات والبرامج المصوَّرة، حتى يحدثوا التَّشويش على دين الإسلام، و يدور في المجالس من أقوالٍ شاذَّةٍ تُلاك وتتداول، فصار شغلُهم الشَّاغل الأقوالُ الشاذة، وليت شغلهم الشَّاغل الأقوال الصَّحيحة أو الخلاف المعتبر لا، مَن المسؤول؟ جهل بعض النَّاس صحيحٌ هم يتحمَّلون جزءً من المسؤولية، لكن مَن هو المروِّج؟ ومن هو المسوِّق؟ ومن الذي يعمل الدِّعايات؟ وماذا وراء ذلك؟
نماذج من الأقوال الشَّاذة:
نماذج من الأقوال الشَّاذة: القول بتقديم المصلحة على النَّص، إباحة الموسيقى والمعازف بكُلِّ صوتٍ وبكُلِّ آلةٍ، إباحة التَّصوير والتَّماثيل كُلَّها -ذوات الأرواح وغير ذوات الأرواح- السَّعي بين الصَّفا والمروة أربعة عشر شوطاً، القول بحلِّ المطلَّقة ثلاثاً لزوجها الأوَّل بمجرَّد العقد من الثَّاني، وهذا اشترك مع ما سبق قد يكون ضعيفاً أو شاذاً، القول بنكاح المتعة، القول بأنَّه لا يصحُّ الطَّلاق إلَّا إذا وقع أمام القاضي أو المؤذون وبحضور شاهدين، وبناءً عليه كُلُّ النَّاس الذين يُطلِّقون في بيوتهم وما يشهدون أحداً لا يقع طلاقهم، أو محادثة هاتفية مع الزَّوجة أو رسالة بالبريد الإلكتروني لا يقع الطَّلاق عند هؤلاء، هذا قولٌ شاذٌّ أصلاً، ولذلك تجد أنَّ بعض الأقوال الشَّاذة لم توجد إلَّا في هذا الزَّمان، ولم يقل بها أحدٌ من أهل العلم الماضين البتة، منح المرأة حقَّ الطَّلاق، تحريم تعدُّد الزَّواج إلَّا في حالات الضَّرورة القصوى، قول الرَّبا المحرَّم هو ما كان أضعافاً مضاعفةً، فإذا كان نسبةً قليلةً فيجوز، أيضاً إباحة الرِّبا مع الكفَّار، وإباحة إيداع الأموال في صناديق التَّوفير وأخذ الرِّبا، القول أن تغطية وجه المرأة بدعةٌ فالآن هناك حربٌ على النِّقاب عالميةٌ، فالعالم العربي والإسلامي والغربي -العربي بنقطة وبدون نقطة- العربي والغربي كُلُّه حرب شعواء، ونتفاءل إن شاء الله بأنَّ هذا سيكون فيه مزيداً لنشر الحجاب والتَّمسُّك به؛ لأنَّ كثيرٌ من المسلمين إذا شعروا أنَّهم في تحدي زادوا تمسكاً، وفي كثيرٍ من الأحيان يُهاجِم هؤلاء الغربيون وإتباعهم في جانبٍ من الجوانب ثُمَّ لا يستطيعون إكمال الهجوم، فيتراجعون فتزداد قضية الحجاب انتشاراً، من الأقوال الشَّاذة جواز تولِّي المرأة الولايات العامِّة: القضاء الوزارة الرِّئاسة العامَّة، القول بجواز التَّأمين بجميع صوره قولٌ شاذٌّ؛ لأنَّ هذا ميسرٌ، على الأقل: بعضُها ميسرٌ، فإذا قلت: كُلُّ التَّأمين حلالٌ قولٌ شاذٌّ؛ لأنَّك قطعاً قلت بإباحة شيءٍ من الميسر، القول بأنَّ الزَّكاة تُصرف للمستشفيات والطُّرقات وحفر الآبار إلى آخره، وتوسيع مفهوم في سبيل الله لتشمل هذا، مع أنَّه لا يقول به أهل العلم المعتبرين، بعضهم أدخل الدَّعوة في سبيل الله وليس الجسور والطُّرقات والمستشفيات، القول بأنَّ المرأة إذا أسلمت وهي متزوجةٌ تحت كافرٍ أنَّه يجوز أن تبقى معه هذا قولٌ شاذٌّ  لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]. والآيات والأحاديث كثيرةٌ في ذلك، ثُمَّ بعد ذلك يترك كُلُّ هذا؟ المؤمنون جاؤوا بمن استطاعوا من المؤمنات لئِلَّا يكُنَّ تحت أزواجهن الكفَّار، القول بجواز مصافحة المرأة الأجنبية، إذا كان قلبك نظيفاً لا بأس، وانتبه إذا ما كان نظيفاً فإنَّه لا يجوز، القول بتمثيل المرأة في القنوات أمام الرِّجال أو الإنشاد الدِّيني للمرأة الأجنبية أمام الرَّجال بالتَّلحين، القول بجواز تيمُّم المرأة من الوضوء إذا كان استعمال الماء يخرِّب المكياج، ومن هذا كثير أقول شاذة، على أيَّة حال والتَّضحية بالدِّجاج بدلاً من الخرفان إذا ارتفعت أسعار الغنم، القول بجواز تقبيل المرأة الأجنبية؛ لأنَّه يخفِّف من الشَّهوة وينفِّس المشكلة، وتروج الفتاوى هذه.
أسباب الخلاف غير السَّائغ:
00:31:14
 ما هي أسباب الخلاف غير السَّائغ؟ المخالفون في هذا الباب والقائلون بهذه المسائل الضَّعيفة قسمان: أهل علم، وأهل هوى: أمَّا أهل العلم والفضل إذا واحدٌ وقع منهم في الخلاف الشَّاذِّ هذا أو الضَّعيف فله عذرٌ، أمَّا أهل الهوى إذا وقعوا فيه فهم مغرضون وأصحاب أهواء آثمون في جميع الحالات، ولا يعذرون بل يفضحون ويكشفون، فلا بُدَّ من التَّفريق بين مثلاً حينما نقول الشَّيخ ابن حزم وقع وقال بالشِّذوذ في المسألة الفلانية، فابن حزمٍ عالمٌ وفقيهٌ ونحسبه والله حسيبه يطلب الحقَّ ويخاف الله، ودرس وتمكَّن من العلم وخرج بالمحلى، فعظمة الرَّجل الذي يستطيع أن يأتيك في كُلِّ مسألةٍ بأثرٍ سواءً كان مرفوعاً أو موقوفاً؛ لأنَّه هو على الظَّاهر وهو من أهل الظَّاهر الذين يتبعون الآثار؛ لأنَّهم لا يريدون القياس وإلى آخره، فلا بُدَّ أن يأتي بدليلٍ، فمعنى ذلك أنَّ دائرة الأدلَّة عندهم واسعةٌ؛ لأنَّه لا بُدَّ يحتاج إلى هذا؛ لأنَّ هذا منهجه أصلاً بغض النَّظر، فالآن مسألة القياس، والقياس المعتبر عند أهل العلم معتبرٌ لكن هناك فرقٌ بين أن يأتي شخصٌ مثل ابن حزم رحمه الله ويشذُّ في قضية مثل أنَّ عدد أشواط السَّعي أربعة عشر شوطاً ذاهباً وراجوعاً، وبين أن يأتي شخصٌ إعلاميٌّ اليوم، جاهلٌ مغرضٌ وصاحبُ هوى داخل في المخطَّط العلماني: مخطط تخريب دين المسلمين من إتِّباع أعداء الإسلام، يأخذ ويقبض مالاً رُبَّما على الكتابات وعلى أن ينشر الشُّذوذات، وعلى أن يفعل ويفعل ويقول قولاً، فرقٌ كبيرٌ جداً بين ابن حزم رحمه الله وبين هذا الخبيث الذي إذا قالوا شذَّ فما قيمته أصلاً ومن هو؟ نكرةٌ! ولذلك في قضية الخلاف غير السَّائغ لا بُدَّ أن نفرِّق بين القائلين العدل  وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام:157]. أمَّا أهل العلم والفضل فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه رفع الملام عن الأسباب التي جعلت بعضهم يقول بقولٍ ضعيفٍ قال: "وليعلم أنَّه ليس أحدٌ من الأئمَّة المقبولين عند الأمَّة قبولاً عامَّاً يتعمَّد مخالفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في شيءٍ من سنته، دقيقٌ ولا جليلٌ، فإنَّهم متفقون اتفاقاً يقيناً على وجوب إتِّباع الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى أنَّ كُلَّ أحدٍ من النَّاس يُؤخذ من قوله ويُترك إلَّا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكن إذا وُجد لواحدٍ منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيحٌ بخلافه فلا بُدَّ له من عُذرٍ في تركه"[رفع الملام عن الأئمة الأعلام9-10]. يعني: لا يمكن أن يترك الحديثَ الصَّحيح عياناً بياناً عمداً جهاراً نهاراً، هذه مصيبة فالله عزَّ وجلَّ لما حذَّرنا: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]. فهل هو يريد الفتنة والعذاب الأليم؟ لا يمكن، فهذا الإمام المعتبر إذا خالف نصَّاً صحيحاً فلا بُدَّ أن يكون له عذرٌ، قال: "وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قاله" يعني: أنَّه ضعيفٌ موضوعٌ مثلاً "الثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول" يعني: أنَّ هذا الحديث لا ينطبق على هذه المسألة مثلاً "الثَّالث: اعتقاده أنَّ ذلك الحكم منسوخٌ وهذه الأصناف الثَّلاثة تتفرَّع إلى أسبابٍ متعدَّدة"[رفع الملام عن الأئمة الأعلام9-10]. رفع الملام عن الأئمة الأعلام. ثُمَّ ذكر من الأسباب: "ألَّا يكون الحديث قد بلغه، أن يكون الحديث قد بلغه لكنَّه لم يثبت عنده، أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن نسيه" يعني عند الكلام في المسألة "أو عدم معرفته بدلالة الحديث"[رفع الملام عن الأئمة الأعلام10-22]. لكن أصحاب الهوى قال شيخ الإسلام أنَّهم يقولون بالشُّذوذات فهذه إتِّباع للهوى أو جهلاً بالنُّصوص، قد بيَّن شيخ الإسلام رحمه الله أنَّ هؤلاء الذين يقولون بالأقوال الشَّاذة من غير أهل العلم المعتبرين إنَّما يقولون إتِّباعاً للهوى أو جهلاً بالنُّصوص، ونقول نحن أيضًا استجابةً لضغط الواقع ورغبةً في مسايرة الغرب، أو تساهلاً ورقَّة وضعف دين، أو داخل في المخطَّط على الإسلام وأهل الإسلام.
فلا بُدَّ لنا من وقفاتٍ تتعلَّق بالخلاف غير السَّائغ:
الخلاف في قطعيات العقيدة والفقه غير معتبرٍ:
00:35:44
 أولاً: كُلُّ خلاف في قطعيات العقيدة والفقه فهو خلافٌ غير معتبرٍ، يعني: في القطعيات هذه مسائلٌ يقينيةٌ وهو من الخلاف المذموم، مثل: خلاف الخوارج والمعتزلة، ومن يقول: بأنَّه لا يُؤمن بالسُّنَّة ولا يأخذ بها بل يأخذ بالقرآن فقط، وقد يصل في بعض صوره إلى الكفر، قال السَّمعاني رحمه الله: "فأمَّا الضَّرب الذي لا يسوغ فيه الاختلاف كأصول الدِّيانات وصفات الباري عزَّ اسمه، وكذلك فروع الدِّيانات التي يعلم وجوبها بدليلٍ مقطوعٍ به مثل الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحج" يعني: لو ادِّعى شخصٌ أنَّ الصِّيام ليس واجباً، أو أنَّ الصَّلاة ليست واجبةً، ما هذا؟ قال: "وكذلك المناهي الثَّابتة بدليلٍ مقطوعٍ به" يعني: قال قائل: الأخت ليست محرَّمة في الزَّواج فهذه مسألةٌ قطعيةٌ، "فلا يجوز الاختلاف في شيءٍ من ذلك"[قواطع الأدلة2/326]. من كتاب قواطع الأدلِّة. وأيضاً الذي يخالف في تحريم الخمر أو في تحريم الميسر أو في تحريم الرِّبا، لكن ممكن أن يقول هذا ليس بربإٍ قد يحصل خلافٌ في قضيةٍ أنَّها ليست ربا، لكن إذا علم أنَّها ربا ثُمَّ يحدث بعد ذلك أن يقول أحدُهم إنَّ هذا ليس بحرامٍ فهنا لا يمكن لأحدٍ معتبرٍ أن يقول هذا، فإذا حصل خلافٌ في قطعياتٍ فهذا يُؤدِّي إلى تفريق الأمَّة وتشرذمها، وقد جاءت النُّصوص والآيات محذِّرة من ذلك قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]. وقال:  وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]. وقال:  وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:105].
المخالف من غير أهل العلم والفقه خلافه غير معتبر:
00:37:24
 ثانياً: كُلُّ مسألةٍ كان المخالف فيها من غير أهل العلم والفقه فخلافه غير معتبر حتى لو أصاب؛ فلو كانت المسألة يجوز أو لا يجوز واحتمال الإصابة 50%، وقال بها شخصٌ جاهلٌ وطلعت صحيحة، فمثل هؤلاء الذين يحتجُّون بقضية الأخطبوط "بول" حتى الاسم الذي اختاروه نجسٌ، حيث أنَّ هذا يكون في كأس العالم، يجعلون لهذا الأخطبوط صندوقين وعليهما علمان ويجعلون أكلاً هنا وهنا، ويقال – للأخطبوط اذهب، افرض أنَّها في أول ستِّ مرَّاتٍ نجحت، فلو أُجريت التَّجرية خمسين مرَّةً من بداية المباريات، افرض أنَّه لا يصيب فيها كلها، قد يصيب 50%، فهذه رياضياً، أنت إذا كثَّرت تجارباً من هذا النَّوع ستصل إلى نسبة 50%، وإذا قلَّلت التَّجارب فممكن تكون مثلاً: خمسةً أو واحدةً أو أربعةً ونحوه،  يقولون قبل لا أدري كم سنةٍ نجح أربع مرَّاتٍ، والمرة هذه صارت ستةً، يعني: أنَّ الأخطبوط تقدَّم والعالم يتراجعون، فهذا عالمٌ غربيٌّ على الكهانة والعرافة، وأخطبوط يعرف الغيب في هذا العالم! أين عقولهم؟ إذاً من الخلاف غير المعتبر: مخالفة الجاهل لأهل العلم، أو من لا يملك أهلية الاجتهاد والنَّظر في الأدلَّة الشَّرعية، وهذا حال كثيرٍ من الكتَّاب والصَّحفيين اليوم، فلو أن نازلةً نزلت بالمسلمين واتفق رأيُّ أهل العلم والفقه فيها على قولٍ، كالقول مثلاً: بتحريم تمثيل النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وزوجاته وأصحابه في التَّمثيليات، حتى صارت فتاوى المجامع الفقهية بالتَّحريم، أو تحريم المخدِّرات أو تحريم استئجار الأرحام، حيث يجيبون بويضيةً من واحدةٍ ينزرعونها في رحم امرأةٍ أخرى، ويجيبون حيواناً منوياً من ثالث، فتكون ثلاثُ أطراف، وبعدها الولد تبع من؟ أو أنَّ التَّدخين من المفطِّرات أو أن تحريم بنوك الحليب على الوضع العالمي الذي هو فيه حيث يقوم على خلط الحليب بعضه ببعض، ويُباع الحليب فتأخذه أيُّ امراةٍ لتُرضِّع ولدها منه، وبالنِّهاية لانعرف هذا ولدٌ من بالرِّضاع، فهذا فيه العبث بمسألة المحرمية، وكذلك تحريم الاستنساخ البشري الذي فيه التلاعب بخلق الله تعالى وغير ذلك مما أجمع عليه أهل العلم المعاصرون مثلاً في مجامعهم الفقهية فجاء واحد صحفي إعلامي وخالف أيش قيمة مخالفته لا شيء وكذلك لو قام بعض الكتَّاب أو الشُّعراء وخالفوا فلا يعني ذلك ولا يُقال: هذا اختلف العلماء، لا  لم يختلف العلماء بل الجُهَّال خالفوا العلماء؛ لأنَّ القول المعتدَّ به لا بُدَّ أن يكون صادراً عن الاجتهاد والنَّظر ممَّن له الأهلية بالنَّظر في الأدلَّة الشَّرعية ويقصد الوصول إلى الحقِّ، وبناءً عليه فلا كرامةً لمن صدر في رأيه عن عقلٍ مجانبٍ للشَّرع، أو مصلحةٍ موهومةٍ أو هوى أو جهل، وقد ذكر الإمام الشَّاطبي رحمه الله من اجتهاد غير المعتبر الاجتهاد الصَّادر عن من ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ لأنَّ حقيقته أنَّه رأيٌّ بمجرَّد التَّشهي والخبط وإتِّباع الهوى، فكُلُّ رأيٍّ صدر على هذا الوجه فلا مِرية في عدم اعتباره، وهو ضدُّ الحقِّ، وقد قال تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49]. وقال: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى [ص:26].[الموافقات5/ 131]. ومسألة الاجتهاد أو الحكم بغير أهلية بيَّنها النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله:  القُضاة ثلاثةٌ: واحد في الجنَّة واثنان في النَّار، فأمَّا الذي في الجنَّة فرجلٌ عرف الحقَّ فقضى به، ورجلٌ عرف الحقَّ فجار في الحكم فهو في النَّار، ورجلٌ قضى للنَّاس على جهلٍ فهو في النَّار [رواه أبود داود 3575، والنسائي 5922، وابن ماجه 2315، وصححه الألباني 3573صحيح وضعيف سنن أبي داود]. رواه أبو داود وهو حديث صحيح.
المعذور في الخلاف غير السَّائغ:
00:41:56
 ثالثاً: المخالف في هذه المسائل -وهي مسائل الخلاف غير السَّائغ- إن كان من أهل العلم والفضل فهو معذورٌ لا يُشنَّع عليه ولا تُرد بقيةُ أقواله وآرائه وفتاويه بسبب هذه الزَّلَّة، وهذا ما بيَّنه أهل العلم في كتبهم، كما قال الشَّاطبي رحمه الله عن زلَّة العالم: "لا ينبغي أن يُنسب صاحبها إلى التَّقصير ولا أن يُشنَّع عليه بها، ولا  ينتقص من أجلها أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً، فإنَّ هذا كُلُّه خلافُ ما تقتضي ر تبته في الدِّين"[الموافقات5/ 136-137]. وقال الحافظ الذَّهبي رحمه الله: "ثُمَّ إنَّ الكبير من أئمَّة  أهل العلم إذا كثُر صوابُه وعُلم تحرِّيه للحقِّ واتَّسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه وإتِّباعه يُغفر له زَلـَلُهُ ولا نُضلِّله ونطرحه ونسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في خطئه ونرجو له التَّوبة من ذلك"[سير أعلام النبلاء9/325]. إذًا أهل الحقِّ يُفرِّقون في الحكم على القائلين بالأقوال الشَّاذة والضَّعيفة والمرجوحة، يُفرِّقون في هذا الباب في هذا المجال يبن أهل العلم والاجتهاد الذين أخطؤوا وزلُّوا وشذُّوا، وبين أهل الضَّلال والجهل، وبناءً عليه: فلو أتيت إلى أيِّ مسألةٍ من المسائل التي حصل فيها شيءٌ من هذا؛ فإنَّك تلتمس العذر للعالم الذي زلَّ وشذَّ، وتنكر على من دخل فقال كلاماً شاذاً وهو من أهل  الهوى والجهل.
عُذر المخالف من السَّلف لا يعني جواز إتِّباعه على قوله:
00:43:40
 رابعاً: عُذر المخالف من السَّلف لا يعني جواز إتِّباعه على قوله، نحن عذرناه لكن هل معنى أن نتَّبعه على شذوذه في المسألة التي شذَّ فيها؟ إذا خالف فيها خلافاً غير سائغٍ: هل يجوز لنا أن نأخذ بقوله وأن نقول مثلاً: المسألة فيها قول آخر؟ لماذا لا نأخذ بها؟ نقول: القول هذا ضعيفٌ مرجوحٌ مطروح، خلافٌ غير سائغ، فكيف تريدنا أن نأخذ به؟ ولذلك لا يمكن أن نأخذ به، قال الشَّاطبي رحمه الله: "فعلى كُلٍّ تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة قائمٌ بحجتها حاكمٌ بأحكامها جملةً وتفصيلاً، أمَّا متى وُجد -يعني في مسألة من المسائل- متوجهاً غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يكن حاكماً ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشَّريعة البتَّة"[ الاعتصام2/344]. انتهى. قال القرافي رحمه الله: "كُلُّ شيءٍ أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النَّصِّ أو القياس الجليِّ السَّالم عن المعارض الرَّاجح؛ لا يجوز لمقلِّده أن ينقله للنَّاس، ولا يفتي به في دين الله تعالى، فالفتيا بهذا الحكم حرامٌ"[ أنوار البروق في أنواء الفروق2/198]. وإن كان الإمام المجتهد معذوراً وليس عاص ولا آثماً؛ لأنَّه بذل جهده لكن أخطأ، قال ابن القيم رحمه الله: "فإذا عرف أنَّها زلَّة لم يجز له أن يتَّبعه فيها باتِّفاق المسلمين، فإنَّه إتِّباع للخطأ على عمد" يعني: هو أخطأ معذورٌ وأنت الآن تعرف أنَّه أخطأ وتتَّبعه؛ فأنت إذاً تكون متعمَّداً هو أخطأ  لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]. وأنت متعمِّدٌ "ومن لم يعرف أنَّها زلَّةٌ فهو أعذر منه وكلاهما مفرِّط فيما أمر به"[إعلام الموقعين2/192].
في حال الخلاف: العبرة بالدَّليل لا بالقائل:
00:45:42
 وما ذكرناه آنفاً أيُّها الإخوة: يقودنا إلى التَّأكيد على المسألة الخامسة: وهي أنَّ العبرة بالدَّليل لا بالقائل، وأن الحكم على القول بأنَّه من الخلاف المعتبر أو غير المعتبر لا ينظر فيه إلى صاحب القول ومنزلته في العلم، وإنَّما إلى القول وقوَّة دليله، فالعبرة بالدَّليل لا بالقائل، قال السُّبكي رحمه الله: "لا يُنظر إلى القائلين من المجتهدين، بل إلى أقوالهم ومداركها قوَّةً وضعفاً، فمن قوي مدركه –يعني: دليله- اعتُد بخلافه، وإن كانت مرتبته في الاجتهاد دون مرتبة مخالفة"[ الأشباه والنظائر1/128-129]. مثلاً: قد يُخالف أحد تلاميذ أبي حنفية أبا حنيفة، ويكون الحقُّ مع التَّلميذ، كأن يخالف أبو يوسف محمد بن الحسن خالف أبا حنيفة، وكان الحقُّ فيها مثلاً مع تلميذه الذي هو أيضاً عالمٌ من العلماء، لكن أبا حنيفة أفقه وأذكى فالمسألة هي في قضية الخلاف غير السَّائغ وليست القضية هذا أفقه أذكى نأخذ قوله لا، ما هو القول؟ وما هو مدركه؟ ما هو دليله؟ قال: "وإن كانت مرتبته  في الاجتهاد دون مرتبة مخالفه، ومن ضعف مدركه لم يعتد بخلافه وإن كانت مرتبته أرفع ورُبَّما قوي مدرك بعضهم في بعض المسائل دون بعض، بل هذا لا يخلو عنه مجتهد"[ الأشباه والنظائر1/128-129]. الأشباه والنَّظائر. لكن العادة هي أن كُلَّما كانت القوَّة العلمية أكبر كانت الشُّذوذات أندر، قال الشَّيخ محمد الأمين الشِّنقيطي رحمه الله: "إنَّنا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله؛ لأنَّ كُلَّ كلامٍ فيه مقبولٌ ومردودٌ إلَّا كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم ومعلومٌ أنَّ الحقَّ حقٌّ ولو كان قائله حقيراً"[فهرس المسائل الأصولية في أضواء البيان1/2]. فإذاً في النِّهاية نحن نطيع الله ورسوله بغض النَّظر هل الذي قال أعلم أو أقل علمٍ، المسألة إذا كان هذا مثلاً قال قولاً مرجوحاً أو ضعيفاً ولو كان أفقه وأقوى وأعلم وأشهر؛ لأنَّه في النَّهاية:  أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال:20]. فسنتبع الحقَّ حتى لو كان مع الأقلِّ علماً أو شهرةً، لكن ليس الأكثر أن الأعلم أصوب فسبحان الله فهو في النِّهاية بشرٌ لا يكون حتى لو كان أكبر الفقهاء يخطئ أبى الله العصمة لغير كتابه.
خطورة تتبُّع الخلاف الشَّاذ والضَّعيف:
00:48:08
 سادساً: تتبُّع مسائل الخلاف الضَّعيف والشَّاذ قنطرة للانحلال من الشَّريعة، وهذه بدأنا بها الدَّرس أن القضية خطيرةٌ ويجب الانتباه لهذا: موضوع الخلاف غير السَّائغ؛ لأنَّه معبرٌ للطَّعن في الشَّريعة، ولذلك حذَّر العلماء من القول أو الأخذ بالأقوال الشَّاذة وتتبُّع زلات الفقهاء، قال الشَّيخ بكر أبو زيد رحمه الله: "المعقود في اعتقاد أهل السُّنة والجماعة: النَّهيُ عن حمل الشَّاذ". قال الطَّحاوي رحمه الله: "ونجتنب الشُّذوذ" انظر حتى في المعتقد كتبوها في كتب الاعتقاد: "ونجتنب الشُّذوذ والخلاف والفرقة"[العقيدة الطحاوية1/ 374]. وعليه فإنَّ الإشاعة لغثاثة الرُّخص ن ذأن والتَّجسيد للآراء الشَّاذة منابذةٌ للاعتقاد السَّليم، بل هي من صنع العداء ومحتضنها يكون بأساً على المسلمين وبلاءً، والآن احتضانات العلمانيين للأقوال الشَّاذة واضحةٌ جداً، عن زيد بن حذير قال قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال يهدمه زلَّة عالمٍ، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمَّة المضلِّين"[رواه الدارمي 214]. وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام"[سير أعلام النبلاء13/ 146]. النَّادرة يعني: الشَّيء الشَّاذة،  أي: من تتبَّع هذه الأقوال الشَّاذة والآراء المطروحة من شذوذات أهل العلم التي لا يكاد يسلم منها أحدٌ منهم فإنَّ هذه علامة نفاق، الذي يجمعها ويتبعها هذه علامة نفاق؛ لأنَّه حينئذ يكون ممن اتَّبع هواه، وليس غرضه إتِّباع الحقِّ من الكتاب والسُّنَّة، وقال الإمام أحمد: "لو أنَّ رجلاً عمل بقول أهل الكوفة بالنَّبيذ، وأهل المدينة في السَّماع، وأهل مكة في المتعة؛ كان فاسقاً" وقال الإمام الدَّرامي رحمه الله: "إنَّ الذي يريد الشُّذوذ عن الحقِّ يتبع الشَّاذ من قول العلماء، ويتعلَّق بزلَّاتهم، والذي يؤمُّ الحقَّ في نفسه يتَّبع المشهور من قول جماعتهم، وينقلب مع جمهورهم، فهما آيتان بيِّنتان يُستدلُّ بهما على إتِّباع الرَّجل وابتداعه"[الرد على الجهمية1/ 129]. إذا يتبع المشهور من أقوال أهل العلم فهذا دليلٌ على إتِّباعه وإذا يتَّبع الشُّذوذات والنَّوادر هذا يدلُّ على ابتداعه، فإذاً من مناهج أهل الأهواء تتبُّع  الشُّذوذات ويتركون منهج السَّلف ويتبعون من شذَّ عنهم، ويتعلَّقون بأقوال وأفعال نادرةٍ مخالفةٍ لما عليه جمهور أهل العلم، قال ابن القيم رحمه الله: "إنَّ رُخص التَّأويلات واختلاف المذاهب فهذه تتبُّعها حرامٌ يُنقص الرَّغبة ويوهن الطَّلب ويرجع بالمترخِّص إلى غثاثة الرُّخص، فإنَّ من ترخَّص بقول أهل مكة بالصرف" يعني أنَّ بعض أهل مكة قالوا بجواز الصرف وهو أن نعرف قضية الرِّبا النَّسيئة الشَّرط التَّماثل في التَّقابُض وعدم النَّسيئة، خالف بعضهم في هذه المسألة قال: "فمن ترخَّص بقول أهل مكة بالصرف وأهل العراق في الأشربة وأهل المدينة في الأطعمة وأهل أصحاب الحيل في المعاملات، وقول ابن عباس رضي الله عنهما في المتعة وإباحة لحوم الحمر الأهلية، وقول من جوَّز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء، وقول من أباح آلات اللهو والمعازف من اليراع والطَّنبور والعود والطَّبل والمزمار، وقول من أباح الغناء، وقول من جوز استعارة الجواري الحسان للوطء، وقول من جوَّز للصَّائم أكل البرد وقال ليس بطعام ولا شراب، وقول من جوَّز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشَّمس للصَّائم، وقول من جوَّز وطء النِّساء في أعجازهنَّ، ونكاح بنته من الزِّنا" يعني: أنَّ البنت من الزِّنا حرامٌ أن يتزوَّجها؛ لأنَّ بعضهم شذَّ قال: ما دام أنَّها ليست بنتٌ شرعيةٌ فيجوز أن يتزوَّجها، قال: "وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء فهذا الذي تنقص بترخُّصه رغبته ويُوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرُّخص فهذا لونٌ والأوَّل لونٌ"[ مدارج السالكين2/ 58]. مدارج السَّالكين لابن القيم. قال أبو العباس بن سريج: "سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد فدفع إلي كتاباً" انظر المنافقين الذين ينافقون الخلفاء من زمان يتزلَّفون ويتقرَّبون بتأليف كتبٍ للخلفاء والأمراء، جمع فيها التَّراخيص، فيستغل إطِّلاعه الفقهي في التَّزلُّف بالباطل، كيف يتقرَّب ليوافق هوى هذا الخليفة مثلاً أو الكبير من الكبراء؟ ففوجئ العالم هذا بأنَّ الخليفة يدفع إليه كتاباً، ماذا فعل صاحبه؟ جمع له الرُّخص من زلل العلماء، "فقلت له: يا أمير المؤمنين مصنِّف هذا الكتاب زنديقٌ، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالمٍ إلَّا وله زلَّةٌ، ومن جمع زلل العلماء ثُمَّ أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأُحرق ذلك الكتاب"[سنن البيهقي 20710]. رحمه الله رجع إلى الحقِّ في المسألة، فإذاً لو فرضنا مثلاً: قولٌ عند الحنفية بإباحة النَّبيذ وقول عند فلان بإباحة الصرف -ربا النَّسيئة- وهناك قولٌ عند ابن حزم بإباحة الغناء، وقولٌ عند فلان هذا الذي يقول بإباحة هذه الزَّلة لا يقول بإباحة النَّبيذ، والذي يقول بإباحة النَّبيذ لا يقول بإباحة الغناء، والذي يقول بإباحة الغناء لا يقول بإباحة الرِّبا ولا يقول بإباحة المتعة، والذي يقول بإباحة المتعة لا يقول با باحة الغناء، ويجمع الزَّلات كُلَّها ويقول هذا مذهبي، ولذلك من المصائب التي تحدث أحياناً أن البعض يوزع كتب الحج على المذاهب الأربعة، كُلُّ مسألةٍ في الحج: الحنفية المالكية الشافعية الحنابلة، فمثلاً: يقرأ هذا الرُّكن واجبٌ مستحبٌ ، وركن كذا مستحبٌ واجبٌ، فتجد بعض النَّاس يقول: أنا سأخذ المتسحبات، ويبدأ يبحث أين المستحب؟ وأين الذي ليس هو واجب؟ ومن الذي يقول أنَّ هذه ليس فيها شيءٌ، ويقول: نحن نريد أن نعود مبكرين ونتغدى في الرِّياض يوم اثنا عشر، مَن الذي يقول بإباحة الرَّمي قبل الزَّوال؟ من الذي يقول بإباحة الخروج من عرفة قبل المغرب؟ من الذي يقول إنَّ طواف الوداع لا يجب؟ ويأخذ الرُّخص، فأحسن لك أن لا تحج؛ لأنَّ الحج هكذا يدلُّ على استهتار بالدِّين، إمَّا أن تحجَّ على الشَّرع أو لا تحجُّ، قال الحافظ الذَّهبي رحمه الله: "ومن تتَّبع رخص المذاهب وزلَّات المجتهدين فقد رقَّ دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: من أخذ بقول المكِّيِّين في المتعة، والكوفيِّين في النَّبيذ، والمدنيِّين في الغناء، والشَّاميِّين في عصمة الخلفاء فقد جمع الشَّرَّ"[ سير أعلام النبلاء15/91]. ولذلك فكرة بعضهم في أنَّه مثلاً: افعل ولا حرج هي نابعةٌ من قضية جمع الرُّخص، وهذا بابُ ضلال؛ لأنَّه قال: افعل ولا حرج وما قال اترك ولا حرج، ولا يجوز أن نأخذ مثلاً كلمةً قُيلت في مناسبةٍ مثلاً تقديم بعض الأشياء على بعض من أعمال يوم العاشر، ونطردها على كُلِّ شيءٍ، مثلاً خروج من عرفة قبل المغرب: افعل ولا حرج، الرَّمي قبل الزَّوال: افعل ولا حرج، فهذا ضلالٌ؛ لأنَّه سيؤدِّي إلى حجِّ سبع نجوم، وهذا شيءٌ آخر في حج محمد بن عبد الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال الحافظ الذَّهبي: "ومن تتَّبع رخص المذاهب وزلَّات المجتهدين فقد رقَّ دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: من أخذ بقول المكِّيِّين في المتعة، والكوفيِّين في النَّبيذ، والمدنيِّين في الغناء، والشَّاميِّين في عصمة الخلفاء فقد جمع الشَّرَّ، وكذا من أخذ في البُيوع الرَّبوية بمن يتحيَّل عليها، وفي الطَّلاق ونكاح التَّحليل بمن توسَّع فيه وشبه ذلك، فقد تعرَّض للانحلال، فنسأل الله العافية والتَّوفيق"[ سير أعلام النبلاء15/91-92]. هذا كلام الذَّهبي في  السِّير. وقال: "فنحن نحكي قول ابن عباس في المتعة وفي الصَّرف وفي إنكار العَول، وقول طائفةٍ من الصَّحابة في ترك الغُسل من الإيلاج وأشباه ذلك، ولا نجوِّز لأحدهم تقليدهم في ذلك"[ سير أعلام النبلاء25/100].
من وُصل إليه الدَّليل لا يجوز له العمل بالقول الشَّاذ:
00:56:46
 يعني: هذا قد ما وصل له الدَّليل وهذا ما صحَّ عنده الدَّليل وهذا ما بلغه النَّاسخ، فهذه هذه قضيةٌ أخرى وهذا معذورٌ، لكن أنت إذا علمت بعد ذلك ما استقرَّ عليه أهل العلم، ثُمَّ تقول: لا بس في قولٍ ينسب إلى ابن عباس، أنا أريد أن آخذ به، وقد يكون القول رجع عنه ابن عباس، قال أقوالاً ثُمَّ رجع عنها لما بلغه الحديث، هل كُلُّ الصَّحابة عرفوا كُلَّ الأحاديث؟ لا طبعاً، بعضهم سمعوا أحاديث وتفرَّقوا في البلدان وما بلغت كُلُّ الأحاديث كُلَّ الصَّحابة، فقد يفتي على الإباحة الأصلية، وفيها نصٌّ بالمنع مثلاً  لم يبلغه، فهو معذورٌ، لكن لما جُمعت المسائل والأدلَّة، واستقرَّ الأمر عند أهل العلم في مسألة على شيءٍ معينٍ لا يعذر الإنسان، يذكر المازري قصةً لطيفةً، قال: "وأذكر إذ كنت مراهقاً للبلوغ بين يدي أستاذي وإمامي، وكان أول يوم من شهر رمضان وبات النَّاس على غير نية الصَّيام" يعني: مثل أن يأتي خبر دخول الشَّهر متأخراً في الصَّباح، الذي رآه لما ركب من البادية إلى البلد ما وصلهم إلَّا السَّاعة عشرة الصَّباح، قال: "وأنا رأيت هلال  رمضان في الليلة الماضية" مثلاً: النَّاس باتوا على غير نية الصِّيام فمعذورون، فقال وهو في مرحلة المراهقة، قال: "وكان أول يوم من رمضان وبات النَّاس على غير نية الصيام، فقلت: لا أقضي هذا اليوم على مذهب بعض أصحاب مالك، في رواية شاذة، إذا ما بلغك وأفطرت ذلك اليوم لا تقضي وهذا قولٌ شاذٌّ، بل يجب أن تقضي ولكن لا تأثم، قال: "فأخذ بأذني أستاذي فقال لي إن قرأت العلم على هذا فلا تقرأه إن اتَّبعت بنيات الطَّريق جاء منك زنديقٌ"[فتاوى المارزي12]. بهذا اللفظ فيقول: إمَّا أن تطلب العلم لله وإتِّباع الحقِّ، وأمَّا أن تطلب العلم حتى تعرف رخصةً وزلةً وقولاً شاذاً وتمشي عليه فهذا ليس فيه بركةٌ، لا تطلب العلم.
مسائل الخلاف غير السَّائغ: ينكر على القائل بها:
00:59:03
 سابعاً: مسائل الخلاف غير السَّائغ: ينكر على القائل بها، فالخلاف غير المعتبر ينكر على من خالف فيه وأخذ بمسألة من مسائله، وما زال الأئمَّة العلماء الجهابذة الفقهاء يردُّون وينكرون كُلَّ قولٍ شذَّ عن القواعد وحاذ عن الأصول؛ لأنَّ مثل هذه الأقوال كما قال الشَّاطبي رحمه الله: "لا يصحُّ اعتمادها خلافاً في المسائل الشَّرعية؛ لأنَّها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهادٍ ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلاً، فصارت في نسبتها إلى الشَّرع كأقوال غير المجتهد"[الموافقات5/ 138- 139]. يعني: لا يقال أقوال العلماء، أو مثلاً: في هذه المسألة خلافٌ بين أهل العلم وبهذا يعلم أنَّ ما قيل ويُقال من احترام الرَّأي الآخر وعدم الإنكار على المخالف، وإنَّه لا إنكار في المسائل الخلافية؛ ليس على إطلاقه، وهذا من مداخل المنافقين اليوم:
فليس كُلُّ خلافٍ جاء معتبراً *** إلَّا خلاف له حظٌّ من النَّظر
قال شيخ الإسلام: "من خالف الكتاب المستبين والسُّنَّة المستفيضة، وما أجمع عليه سلفُ الأمَّة خلافاً لا يُعذر فيه، فهذا يُعامل بما يعامل به أهل البدع"[مجموع الفتاوى24/ 172]. فيقول الذهبي: "ومن عاند أو خرق الإجماع فهو مأزورٌ"[ سير أعلام النبلاء37/307]. يعني: آثمٌ، هذا غير العالم المجتهد المعذور، فالمسألة هذه كما قلنا في البداية: إنَّها مدخلٌ عظيمٌ للمنافقين في هذا الزَّمن، استغلُّوا وجودَ خلاف بين أهل العلم استغلالاً في غاية السُّوء، وسلكوا مسالكَ في إضلال النَّاس، فمنها: أولاً: قولهم إنَّ الاختلاف شيءٌ متأصِّلٌ في طبع البشر، والخلاف في الدِّين أمرٌ حتميُّ الوقوع، والخلاف موجودٌ في طبيعة البشر لكن إلى ماذا تريدون أن تصلوا؟ قالوا: وهذا يدلُّ على إباحة الاختلاف، ولا يجوز إن إنكاره ولا النَّهي عنه، انظر النَّتيجة الفاسدة! كيف إذا كان قولٌ شاذٌّ: هل لا يجوز إنكاره ولا النَّهي عنه؟ فهم يريدون أن يقولون ما دام حصل فيها خلافٌ لا تنكروه احترم الرَّأي الآخر، ويقول: يا أخي أنت وسع دماغك، هل أوسع دماغي في الشُّذوذات والأقوال الضَّعيفة؟ قال تعالى:  وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119]. قال بعض العلماء: قال الطبري في معنى الآية: "المعنى ولا يزال النَّاس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم  إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ  فهداه للحقِّ"[تفسير الطبري15/ 538].
الاحتجاج بآية الإختلاف والرَّد على ذلك:
01:01:29
 وهؤلاء يريدون الإحتجاج بالآية على أنَّه: بما أنَّ الله قضى أن يختلف البشر فاحترامُ الإرادة الإلهية أنَّك لا تُنكر على أحدٍ من المختلفين وهذا ضلالٌ مبينٌ وخلطٌ بين الإرادة الشَّرعية والإرادة الكونية، يعني إذا أراد الله أن يقع ربا أو أراد الله أن يقع زنا فهل معناها أنَّك تحترم إرادة الله وتقرُّ هذا؟ نقول: إذا كانت إرادةٌ شرعيةٌ سنحترمها، أمَّا إذا كانت إرادةٌ كونيةٌ لله أن يقع ابتلاءٌ أو تقع معصيةٌ أو يقع فجورٌ فهو أمرنا بالإنكار، فيجب أن نحترم أمره في الإنكار وننكر، وليس وقوع الشَّيء في العالم دليلاً على رضا الخالق؛ لأنَّه قد يُقدِّر شراً لحكمةٍ أو لابتلاءٍ، فكيف سيدخل أهل النَّارِ النَّارَ؟ أليس سيقع منهم ما يقتضي دخولها؟ أليس ذلك بقدرٍ من الله؟ إذاً  لا ننكر، وقال السَّعدي قوله: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  أي: اقتضت حكمته أنَّه خلقهم، ليكون منهم السُّعداء والأشقياء والمتفقون والمختلفون، والفريق الذي هدى الله، والفريق الذين حقت عليهم الضَّلالة، ليتبين للعباد عدله وحكمته، وليظهر ما كمن في الطِّباع البشرية من الخير والشَّرِّ، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتمُّ ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء[تفسير السعدي392]. انتهى. قال شيخ الإسلام:  وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119]. أي: خلق قوماً للاختلاف وقوماً للرَّحمة، واللام: لبيان العاقبة الكونية: ولذلك  خلقهم"[مجموع الفتاوى4/ 236]. وسئِل مالك عن هذه الآية قال: "خلقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ في الجنَّة وفريقٌ في السَّعير" وقال ابن حزم: "وقد نصَّ الله تعالى على أنَّ الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنَّه تعالى لم يرض به، وإنَّما أراده إرادةَ كون كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي" فهذه إرادةٌ كونيةٌ وليس إرادةُ شرعٍ "كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي"[الإحكام5/ 65]. انتهى. فإذاً الاختلاف قضاه الله وقدَّره نعم كوناً، لكن شرعاً أمر بالوحدة والجماعة، وإتِّباع الحقِّ وذمَّ التَّفرُّق ونهى عن إتِّباع الباطل، وأمر عند التَّنازع بالرُّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة، فقال:  وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]. وقال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]. فإذاً: كون الاختلاف يقع بإرادةٍ من الله إرادةً كونيةً لا يعني عدم الإنكار؛ وإنَّما يجب أن نُحارب الباطل، عمر يعلم أنَّ الأمَّة ستفترق على ثلاثة وسبعين فرقة وأنَّ البدع ستخرج، لكن ماذا كان موقفه من البدع؟ كان حازماً قويَّاً، ما ظهرت بدعةٌ في عهد عمر وما أحدٌ تجرأَ أن يبتدع، فهل قال عمر بما أنِّي سمعت حديثَ: أنَّ الأمَّة ستفترق على ثلاثة وسبعين فرقة [رواه أبو داود 4598، والترمذي 2640، وابن ماجه 3991، وابن حبان6731، وأحمد 8377، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة3227]. وأنَّ البدع ستحدث فسأفتح الباب؟ وهل إذا أراد شخصٌ أن يبتدع فهذا قضاء الله وهذه إرادة الله؟ هذه حُجَّة الجبرية الضُّلَّال، فإذاً قول العلمانيين اليوم: بما أنَّ الاختلاف شيءٌ أراده الله احترموا الرَّأي الآخر، هذا كلامٌ باطلٌ؛ لأنَّ معنى ذلك إلغاءُ إنكار المنكر، وإلغاءُ تخطئة الباطل، كون الله أخبرنا أنَّ هذا سيقع فلا يعني أن نسكت، فالله قد أخبرنا عن أشراط السَّاعة بأشياءٍ مهولة: فشو الزِّنا وبما أنَّه سيقع فهل نُقرُّ ذلك؟ لا، ولماذا يقع في عهدنا بكثرةٍ وبلا إنكار؟ فلا بُدَّ أن نُنكر، ألم يأمرنا ربُّنا في آياتٍ ونصوصٍ أخرى أن نُنكر؟ ولذلك نهاية دعوة هؤلاء أنَّ احترموا الرَّأي والرَّأي الآخر سواءً كان كفراً أو باطلاً أو شاذَّاً، فنهاية قولهم الانحلال والزَّندقة، فلذلك تراهم يُشيدون بمسائل الخلاف وينادون بتعميقها وتأصيلها، وأنَّه يجب أن تدوم وتُعمَّم، وأنَّها ظاهرةٌ صحيةٌ، وأن كُلَّ واحدٍ قال قولاً خالف وشذَّ هذه ظاهرةٌ صحيةٌ تدلُّ على الحرِّية، إذاً نفتح الباب للكفر! فواحدٌ سيقول الله واحد الثَّاني يخالفه ويقول الله اثنان الثَّالث يقول لا الآلهة ثلاثةٌ، وذلك يقول الآلهة عشرة، احترموا الأقوال فالتَّعدُّدية مطلوبةٌ وهذا الخلاف يدلُّ على أنَّ المناخ صحيٌّ، الله أكبر! ولذلك لا بُدَّ أن تنكشف القضية؛ لأنَّ كلام هؤلاء من أبطل الباطل، وهذا سماحٌ بالكفر والزَّندقة والانحلال، فليكن الحال كما قال الشَّاعر الماجن:
فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج*** في كُلِّ مسألة بقول إمام
فهذا يقول: ليس هناك حدٌّ في اللِّواط، وهذا يقول: الوطء في الدُّبر جائزٌ، وهذا يقول: القِمار على قول يجوز.
استغلال المسائل الخلافية من قبل المنافقين:
01:06:43
 ثانياً: من خبث هؤلاء كثرة الحديث عن المسائل الخلافية، واختلاف العلماء وتضخيم القضية حتى يُخيَّل للنَّاس أنَّ الدِّين كُلُّه خلافاتٌ، وأنَّه لا اتِّفاق بين العلماء على شيءٍ، مما يوقع في نفوس العامَّة أن الدِّين ليس فيه شيءٌ يقينيٌّ، وكُلُّها مجموعة خلافات فتضخيم الخلاف قصدهم فيه: تهوين الدِّين في نفوس النَّاس، وإلَّا فانظر المنافقين العلمانيين لا يمكن أن يقولوا أجمع العلماء على مسائل كثيرة ومنها كذا كذا، أو قد اتَّفق العلماء على مسائل كثيرة منها كذا كذا، لا يذكرون هذا لكن جُلُّ تركيزهم على الخلاف وعلى الاختلاف فقط؛ لأجل المآرب الخبيثة، مع أن دائرة المتَّفق عليه بين العلماء كبيرةٌ جداً، والاختلاف أضيق دائرتهم من المتَّفق عليه، ولكن القوم يريدون تصوير العكس، قال شيخ الإسلام: "جمهور مسائل الفقه التي يحتاج إليها النَّاس، ويفتون بها هي ثابتةٌ بالنَّص أو الإجماع، وإنَّما يقع الظَّنُّ والنِّزاع في قليلٍ ممَّا يحتاج إليه النَّاس"[مجموع الفتاوى13/ 118]. إذاً من فضل الله على هذه الأمَّة أنَّ الخلاف بقي منحصراً في فروع فقهيةٍ معينةٍ ومسائل جزئيةٍ، أمَّا الأُصول والعقيدة وأركان الإيمان والإسلام وأصول التَّشريع متفقٌ عليها، فهل تجد خلافاً في أنَّ مثلاً الأمَّ والبنت والأخت محرَّمةٌ؟ لا يوجد.
تمييع الدِّين تحت لافتة: "خلافٌ بين العلماء":
01:08:15
 ثالثاً: محاولة تمييع كثيرٍ من القضايا على اعتبار أنَّ فيها خلافٌ بين العلماء، والتَّذرُّع بالخلاف للتَّرخُّص بالأقوال الضَّعيفة، وتسويق الآراء الشَّاذة وتعميمها ونشرها بين النَّاس والجمهور، وجعل النَّاس يأخذون بالشُّذوذات، ولا شك أنَّ هذا من إفساد الدِّين، ويفتح لذوي الأغراض السَّيئة والنُّفوس المريضة الباب للفساد، وما تُوحي به شياطينهم إليهم لتعميمه على العالمين، وسيجد الباحث منهم شذوذاً، فهذا شذَّ وقال بكذا وهذا شذَّ وقال بكذا، فيجمعون هذه الشُّذوذات ويؤيدونها ويعتبرونها ظاهرةً صحيةً ويجب احترامها، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: "لو راعينا كُلَّ خلافٍ يطرأ لما استقرَّ الدِّين على قاعدة" وقال الشَّيخ بكر رحمه الله: "ولم يفلح من جعل من  هذا الخلاف سبيلاً إلى تتبُّع رخص المذاهب ونادر الخلاف وندرة المخالف والتقاط الشَّواذ وتبنِّي الآراء المهجورة والغلط على الأئمَّة ونصبها للنَّاس ديناً وشرعاً، ومنها إصدار الفتاوى الشَّاذة الفاسدة، مثل: الفتوى بجواز الفوائد الرَّبوية، وشهادات الاستثمار، وسندات الخزينة، وإباحة التَّأمين بأنواعه، وإباحة الاختلاط، وكُلُّها فتاوى شاذةٌ فاسدةٌ تُمالئ الرَّغبات، وبعض التَّوجهات"[المدخل المفصل1/107-108]. انتهى من مقدمة الشَّيخ بكر أبو زيد رحمه الله لكتابه المدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل.
وبعضهم يجعل الاختلاف سبباً لتجويز الفعل، فإذا قيل لفلان من النَّاس لم تفعل هذا؟ قال فيها خلافٌ، وإذا قلت له: الخلاف هذا شاذٌّ مرجوحٌ ضعيفٌ، والقول الذي أنت تفعله غير معتبر، يقول: فيها خلافٌ ولا زال يقول: فيها خلاف، يدفع بها كُلَّ من ينكر عليه، وكُلَّ ناصحٍ يدفعه بقول: وسِّع مخك فيها خلاف، قال الشَّاطبي: "وقد زاد الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار الخلاف في المسائل معدوداً في حُجج الإباحة، ووقع فيما تقدَّم وتأخَّر من الزَّمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم، ورُبَّما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع؛ فيقال: لم تمنع والمسألة مختلفٌ فيها، فيجعل الخلاف حُجَّة في الجواز لمجرَّد كونها مختلفاً فيها، لا لدليلٍ يدلُّ على صحة الجواز ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهذا عين الخطأ على الشَّريعة"[الموافقات5/ 92].
من استغلال المنافقين للخلاف: العبور من المختلف فيه إلى المتَّفق على منعه:
01:10:58
 رابعاً: وهو خطيرٌ جداً: العبور من المختلف فيه إلى المتَّفق على منعه، أضرب لك مثالاً عليه: كلام العلمانيين والمنافقين اليوم في قضية كشف الوجه، والخلاف في كشف وجه المرأة، فبدؤوا في قضية أنَّ كشف وجه المرأة فيه خلافٌ، ثُمَّ التَّطبيق العملي لهم، والصُّور التي يريدونها، ماذا فيها كشف مقدِّمة الشَّعر، ثُمَّ كشف نصف الرَّأس، ثُمَّ يقع الغطاء على الكتفين وتعيده ثم يقع بعدها يوضع مجاملةً على الكتف، فأنتم بدأتم الآن يا أيُّها العلمانيون بقضية إنَّ غطاء الوجه فيه خلافٌ فقهيٌّ ونحن نقول ذلك، ثُمَّ تريدون التَّوصُّل من وراء ذلك إلى ما بعده وكشف مقدّشمة الشَّعر وكشف الرَّأس بعد ذلك، فهذا كُلُّه عند المرأة فما دليله؟ ومَن الذي أباح هذا؟ وفي أيِّ مذهب؟ في مذهب إبليس، وماذا بعد ذلك؟ علماً أن لو جئت إلى قضية الوجه فإنَّ العلماء متَّفقون على وجوب تغطية ما عدا الوجه والكفين للمرأة، يعني: حتى القدمين فلا أحد يقول بكشفهما، الثَّاني: أجمع العلماء على أنَّ تغطية الوجه والكفين فضيلةٌ مأمورٌ بها، وأنَّه مستحبٌّ، حتى الذي يقول بجواز الكشف يقول: أنَّ التَّغطية مستحبةٌ؛ لأنَّ أقلَّ شيءٍ خروجٌ من الخلاف، الثَّالث: مجمعون على أنَّ المرأة الجميلة التي تخشى الفتنة بسببها يجب عليها تغطية وجهها وكفيها، ومجمعون على أنَّ الوجه الذي يجوز كشفه هو الذي ليس فيه مكياجٌ، والعلمانيون لا يقولون بهذا، فتجدهم يكشفون الوجه الذي فيه مكياجٌ والذي ليس فيه مكياج، ويتوصَّلون إلى ما بعده، ولذلك لما ترى في النِّهاية ماذا بقي لدينا من كشف وجه المرأة؟ يعني: كشف وجه المرأة الكبيرة في السن أو التي لا تفتن فهذه التي فيها الخلاف، وجهٌ لا يفتن وليس جميلاً، إذاً وجه الشَّابة إذا ما فيه مكياجٌ هذا الذي وقع فيه الخلاف مع اتِّفاق العلماء كُلُّهم على أنَّ الأفضل ستره، فكيف إذا عرفت أنَّ الأدلَّة أيضاً تُرجِّح التَّغطية؟ فالذي لا يفتن عندك ممكن يفتن عند غيرك، والذي ليس هو جميلٌ في نظرك هو جميلٌ عند غيرك، وهذا يدفعنا أيضاً إلى عمل مقاييس جمال، ونعمل استفتاء، نقول هذا الوجه الفلاني يفتن أو لا؟ عندما تقوم بالتَّطبيق العملي فستكشف أنَّه ليس حلٌّ إلَّا التَّغطية؛ لأنَّك كيف تقول هذا يفتن وهذا لا يفتن؟ إذاً هي تكشف أمام هذا ولا تكشف أمام هذا، فما يمكن تطبيقه عملياً، فما هو الحلُّ؟ التَّغطية ستبقى القواعد من النِّساء والعجوز التي لا أمل لها بالزَّواج هذه متفقٌ عليها أنَّها لا تفتن، الله قال:  وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]. يعني: هذه فيها نصٌّ، فالعجوز ليس عليها جناح، فماذا بقي؟ فتأمَّل القضية لتجد كيفية عبور الخبثاء في مسألة: إثارة الخلاف الفقهي من المسائل المختلف فيها إلى قضية الضَّرب في المسائل المجمع عليها، وهذه القضية الخطيرة، ولذلك يُروِّجون لمسائل الخنا والفسوق وتهييج الشَّهوات، إطلاق وفتح القضية، حتى الغناء من رقصٍ والتَّكسُّر والاختلاط الماجن؛ كُلُّه يعبرون من الخلاف إلى إباحة هذه الأشياء، وبالتَّالي: فإنَّ التَّصدي لهذا من أعظم العبادات، وهو واجبٌ على جميع المسلمين التَّصدي لمن أراد أن يدخل من بوابة الخلاف الفقهي لتوسيع الدَّائرة لتشمل المسائل القطعية والمجمع عليها والمتفق عليها، ولا شكَّ أنَّ فعلهم هذا سيؤدِّي في النِّهاية إلى تعطيل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ونشر الانحلال بين المسلمين.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسترنا بستره، وأن يثبِّتنا على دينه، وأن يقينا شرَّ أنفسنا، وأن يجعلنا ممن هداهم إلى الحقِّ، اللهمَّ أرنا الحقَّ حقاً وارزقنا إتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ.