السبت 19 ربيع الآخر 1442 هـ :: 5 ديسمبر 2020 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

حديث مال البحرين


عناصر المادة
نص حديث مال البحرين
شرح حديث مال البحرين
 
نبذة مختصرة "عمرو بن عوف الأنصاري"
نبذة مختصرة عن البحرين
نبذة مختصرة عن "العلاء بن الحضرمي"
شدة فقر المهاجرين والأنصار
استحباب تبشير المسلم بما يسره
عدم خوف النبي ﷺ على أمته من الفقر
خوف النبي ﷺ على أمته من الغنى
الحذر من الدنيا وفتنتها
أيهما أفضل الفقر أم الغنى؟
علم من أعلام النبوة نبوة النبي عليه الصلاة والسلام
مفاسد التنافس على المال
رواية أخرى في مال البحرين
وضع الطعام والصدقات في المسجد
عدم التعلق بالمال
نعم المال الصالح للرجل الصالح
تعامل المؤمنين والفاجر مع المال
الصدقة ولو بالقليل
عدم الحزن على قلة المال
اختيار الشخص المناسب للمهمة المناسبة له
حسن ملاطفة الإمام لأتباعه
انتهاز الوقت المناسب لتبيين المفهوم والتصور الصحيح
الاعتبار بمصير السابقين
نص حديث مال البحرين
00:00:04

ففي هذه السلسلة من أحاديث الرقائق نتناول -إن شاء الله- حديثًا منها، وهو: حديث عمرو بن عوف الأنصاري، وكان شهد بدرًا: أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين ليأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافت صلاة الصبح مع النبي ﷺ، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، وقال: أظنكم قد سمعتكم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله، قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم.
وهذا الحديث قد أخرجه الإمام البخاري-رحمه الله تعالى- في كتاب الجزية من صحيحه، وكذلك في كتاب الرقاق، وأخرجه الإمام مسلم-رحمه الله-، فهو حديث صحيح [رواه البخاري: 3158، 4015، 6425، ومسلم: 7614].

شرح حديث مال البحرين
00:02:03
 
نبذة مختصرة "عمرو بن عوف الأنصاري"
00:02:03

يقول فيه عمرو بن عوف الأنصاري، وهو معروف أنه من المهاجرين، وصف بالأنصاري لعل أصله من الأوس والخزرج، ثم نزل بمكة، وحالف بعض أهلها، فيكون هذا الصحابي أنصاريًا مهاجريًا.

نبذة مختصرة عن البحرين
00:02:32

يقول: إن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين.
والبحرين هي المنطقة التي بين البصرة وهجر، وهذه المنطقة كانت تابعة لأرض العراق، فالعلماء يعرفونها من القديم بأنها من أعمال العراق بين البصرة وهجر.
النبي ﷺ صالح أهلها، وكانوا كفارًا غالبهم مجوس، وأرسل العلاء الحضرمي إلى المنذر بن ساوى، وكان المنذر بن ساوى هو حاكم البحرين، يدعوه إلى الإسلام، فأسلم هذا الرجل، وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية، يؤدونها للنبي ﷺ، وكان هذا الصلح في عام الوفود، سنة تسع  من الهجرة.

نبذة مختصرة عن "العلاء بن الحضرمي"
00:03:51

والعلاء بن الحضرمي صحابي شهير، وكان من أهل حضرموت في الأصل، ثم إنه قدم مكة وحالف بني مخزوم، وصار مع بني مخزوم.
وكان هذا الصحابي يسمى في الجاهلية: زهرمز، وذكر عمر بن شبة: أن كسرى لما أغار بنو تميم وبنو شيبان على ماله، أرسل إليهم عسكرًا عليهم زهرمز هذا، فكانت وقعة ذي قار التي انتصر فيها العرب على الفرس، فأسروا أميرهم، وهو هذا، فاشتراه صخر الديلي، فسرقه منه رجل من حضرموت، فتبعه صخر حتى افتداه منه، فقدم به مكة، وكان صناعًا يجيد الصناعة، فعتق وأقام بمكة، وولد له أولاد نجباء، وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة، فصارت دعواهم في أهل حرب، ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان، وعثمان والد طلحة، أحد العشرة، فولدت له طلحة[ينظر: فتح الباري، لابن حجر: 6/262].
المهم أن هذا الرجل -رضي الله تعالى عنها- الحضرمي الذي كان أصله من حضرموت فيما قيل، حتى غلب ذلك على اسمه، هذا الرجل قد أسلم، وكان من أمانته، ولا زال في أهل حضرموت الأمانة معروفة إلى الآن، في كثير منهم الأمانة عنصر مشهور، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- استعمل على أهل البحرين العلاء الحضرمي، وهو الذي يجبي جزيتها، ويأخذها ليجمعها ويرسلها إلى النبي ﷺ.

شدة فقر المهاجرين والأنصار
00:06:01

أبو عبيدة ذهب ليأتي بالجزية التي جمعها العلاء الحضرمي -رضي الله عنهما-، فجاء أبو عبيدة بالجزية إلى المدينة، وكان الأنصار والمهاجرون فيهم شدة وفقر، وكانوا محتاجين في غاية الحاجة، ومعلوم كيف كانوا يعيشون، كانوا بأشد الحاجة إلى المال، سمعت الأنصار أن أبا عبيدة قدم بالمال، وكان الأنصار في أماكن متفرقة حول المدينة، منهم من كان قرب المسجد، ومنهم من كان بأعالي المدينة، ومنهم من كان بقباء، ومنهم من كان في الحرتين في أعالي الحرتين، فلما قدم أبو عبيدة وسمعت الأنصار أن أبا عبيدة قد قدم، اجتمعوا، وجاءوا إلى مسجد النبي ﷺ، فصلوا معه صلاة الصبح، يعني أنهم في العادة كانوا لا يجتمعون كلهم إلا لأمر يطرأ، كانوا يصلون في مساجدهم؛ لأن في كل قبيلة من قبائل الأنصار كان يوجد مسجد يجتمعون فيه، لما النبي ﷺ صلى الصبح رأى معه العدد زيادة على المعتاد، ولما قدم المال رأوا أن لهم فيه حقًا، باعتبار أنهم من المسلمين، وهذا بيت مال المسلمين، وبيت مال المسلمين فيه نصيب للمسلمين، فجاءوا، ولعل النبي ﷺ كان وعدهم أن يعطيهم إذا جاء المال، وكان قد وعد جابر بن عبد الله، كان على أبيه دين، فوعده النبي ﷺ إذا قدم مال البحرين أن يعطيه منه، وجاء الأنصار صلوا مع النبي ﷺ، فتعرضوا له، ولعلها بإشارة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: لعلكم سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بمال من البحرين؟ قالوا: أجل يا رسول الله، نعم سمعنا ذلك، فالنبي ﷺ- بشرهم، قال لهم: فأبشروا مقصودكم سيحصل.

استحباب تبشير المسلم بما يسره
00:08:34

وهذا التبشير منه ﷺ فيه فائدة عظيمة، وهي: استحباب تبشير المسلم إخوانه بما يسرهم.
والبشارة تستعمل في الخير وفي الشر، ولكنها في الخير أكثر، لكن تستعمل في الشر كما قال الله: فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[الإنشقاق: 24]. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ[النحل: 58].
فبشرهم ﷺ بما يريدون وما يشتهون.

عدم خوف النبي ﷺ على أمته من الفقر
00:09:18

ثم قال لهم موجهًا إليهم النصيحة القيمة: فوالله ما الفقر أخشى عليكملا أخشى عليكم الفقر، لكن ما الذي يخشاه عليهم؟
الدنيا.
إن الناس في وقت الفقر يكون فيهم ترابط، وفيهم محبة، وفيهم إيثار على القلة التي عندهم، وفيهم عطف على بعضهم، ومراعاة لشأن بعضهم البعض، وقت القلة يجتمع الناس ويتكافلون، لكن سبحان الله إذا زاد المال، وانفتحت الدنيا، مع أن المال زاد إلا أنك تجد القلوب تتفرق، والقطيعة تحصل، والتنافس على الدنيا يقوم سوقه، والخلافات تنشأ بين الناس، وهكذا من أجل المال، كانت فائدة ونصيحة قيمة من والد مشفق، الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال، فأعلمهم ﷺ، أعلم أصحابه، أنه وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب، وكان قد قال لهم من قبل: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد[رواه أبو داود: 8، وحسن إسناده الألباني في صحيح أبي داود: 6] لكن حاله ﷺ في أمر الوالد يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد.
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ [النساء: 9]الوالد يخشى على أولاده من بعده من الفقر، يخشى أن يضيعوا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- بمنزلة الوالد، لكنه لا يخشى على أولاده مثلما يخشى الوالد على أولاده من الفقر.

خوف النبي ﷺ على أمته من الغنى
00:11:08

لكنه يخشى عليه من شيء مناف ومناقض تمامًا على الطرف الآخر، إنه يخشى عليهم الغنى، مع أن الغنى هو مطلوب الوالد لولده، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- مع أن شفقته أعظم من شفقة الوالد، لكن لا يخشى عليهم الفقر الذي يخشاه الآباء عادة إنما يخشى عليهم الغنى.
والمقصود مضرة الغنى؛ لماذا؟
لأن مضرة الفقر دنيوية غالبًا، ومضرة الغنى دينية غالبًا: أخشى عليكم الغنى الدنيا تفتح عليكم فتنافسوها يعني تتنافسوا فيها.
والمنافسة هي الرغبة في الشيء، والاستئثار به، والانفراد به، والمغالبة عليه.
وأصلها من الشيء النفيس، يقال: نافست في الشيء منافسة، وصار الشيء نفيسًا، يعني مرغوبًا فيه، فتنافسوها كما تنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم فالمال مرغوب فيه، والنفس ترتاح لطلبه، ولذلك تريد أن تجمعه، وتستأثر به دون الآخرين، فيقع صدامات نتيجة الرغبات المتفاوتة المتصادمة، ويؤدي ذلك إلى المقاتلة المفضية للهلاك.

الحذر من الدنيا وفتنتها
00:13:00

وفي هذا  الحديث: أن من فتحت عليه الدنيا، أي واحد فتحت عليه الدنيا كان فقيرًا ثم اغتنى، كان قليل ذات اليد ثم صار عنده مال أن عليه أن يحذر من سوء عاقبة الدنيا وشر فتنتها، ولا يطمئن أبدًا إلى زخرفها.

أيهما أفضل الفقر أم الغنى؟
00:13:23

وقد استدل بعض العلماء على أن الفقر أفضل من الغنى؛ لأن فتنة الدنيا مقرونة بالغنى، والغنى مظنة الوقوع في الفتنة المؤدية إلى الهلاك.
والحقيقة أن الفقير الصابر، والغني الشاكر، أفضلهما عند الله أتقاهما، في كل خير، هذا يؤجر لصبره، وهذا يؤجر لشكره، لكن الشاكرون في الأغنياء أقل من الصابرين في الفقراء، لماذا؟ لأجل فتنة الغنى.
وهذا الحديث فيه: أن الطلب من الإمام لا غضاضة فيه، إذ هو يطلب حقه.

علم من أعلام النبوة نبوة النبي عليه الصلاة والسلام
00:14:16

وفيه كذلك علم من أعلام النبوة نبوة النبي ﷺ في إخباره أصحابه بما يفتح الله عليهم، يقول: أنا ما أخشى عليكم الفقر، معناه لن يأتي فقر، أخشى عليكم الغنى معناه سيأتي غنى، وقد أتى الغنى، لما فتحت الفتوحات، وجيء بكنوز كسرى وقيصر إلى الصحابة، وقطعت بعض السجاجيد التي كانت عند كسرى في إيوانه، وعند أمرائه في دواوينهم وقصورهم، القطعة الواحدة كانت تباع بآلاف، وأخذ الصحابة وجدوا تلالاً من الكافور فحسبوه ملحًا، فوضعوه في الطعام لما طبخوه، فإذا به مر، لما ذاقوه، فعرفوا أنه كافور، والكافور في العادة كان قليل، فيه شح، لكن من الأشياء التي وجدوها عند الروم والفرس من الغنائم تلال من الكافور، حسبوها ملحًا، وأتي بفضة الروم، وذهب الفرس، إلى أمير المؤمنين عمر، والأساور والخواتم والحرير أتي بأشكال من النعيم، فتحت الدنيا فعلاً، فتحت الدنيا على الصحابة في الفتوحات، وحدث ما أخبر به ﷺ من الغنى الذي جاءهم، ولكنهم رضوان الله عليهم كانوا قد وعوا الدرس، فلم يتنافسوا فيها، ولم يتقاطعوا فيما بينهم، ولكن أنفقوها في سبيل الله، وكان قد حذرهم، قال: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون[رواه مسلم: 7616].

مفاسد التنافس على المال
00:16:27

وهذه هي المراحل التي تحصل لمن دخل في الأموال تتنافسون كل واحد يريد المال لنفسه ثم تتحاسدونكل واحد يحسد الآخر على المال الذي عنده ثم تتدابروننتيجة هذه المحاسدات تتدابرون وتتفرقون وتتهاجرون ثم تتباغضون تقع بينكم العداوة والبغضاء، وإذا وقعت العداوة والبغضاء، فكيف يصلح ذات البين؟ فكل خصلة من هذه الخصال مترتبة على فتح الدنيا.

رواية أخرى في مال البحرين
00:17:04

وقد حصل أن النبي ﷺ في هذه القصة، جاء في بعض الروايات قال البخاري-رحمه الله- في مال البحرين هذا، قصة أخرى، عن أنس بن مالك قال: "أتي النبي ﷺ بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس -عمه- فقال: يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلاً؟ فقال له رسول الله ﷺ: خذ فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله -يحمله- فلم يستطع -من ثقله، لم يستطع العباس أن يحمله- فقال: يا رسول الله اؤْمُرْ بعضهم يرفعه عليّ؟ قال: لا قال: فارفعه أنت علي؟ قال: لا فنثر منه، ثم ذهب يقله -لم يستطع- فقال: يا رسول الله اؤْمُرْ بعضهم يرفعه عليّ؟ قال: لا قال: فارفعه أنت علي؟ قال: لا، فنثر منه ثم احتمله، فألقاه على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبًا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثم منها درهم" [رواه البخاري: 421، 3165]وزعت كلها في نفس المجلس.

وضع الطعام والصدقات في المسجد
00:19:30

هذه التكملة للقصة لما جيء بهذا المال، مال البحرين، وضع في المسجد أول خراج أرسل به العلاء الحضرمي، أول خراج حمل إلى النبي ﷺ جيء به فوضع في المسجد.
العلماء أخذوا من هذا الحديث فائدة، وهي: أنه يجوز وضع الطعام والصدقات، وحاجات المسلمين في المسجد، وضع المال في المسجد ليأخذ منه المحتاجون.
ومن الأدلة على وضع الطعام في المسجد: أن النبي ﷺ خرج مرة وبيده عصا، وقد علق رجل قنوا من حشف، وهو العذق، العرجون بما فيه من الثمر، هذا علقه من حشف، والحشف هو التمر اليابس، وهي منزلة دنيئة من التمر، النبي ﷺ لما رأى القنو هذا معلقا، وفيه هذا التمر اليابس جعل يطعن في ذلك القنو، ويقول: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا يعني كأن فيه لومًا له، لماذا لم يتصدق بأطيب من هذا؟ وهذا إسناده قوي[رواه أبو داود: 1610، والنسائي: 2493، وابن ماجه: 1821، وأحمد: 24022، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"].
وكان النبي ﷺ أمر كل من له حائط بقنو يعلق في المسجد، يعني للمساكين، من كل حائط، يعني من كل بستان، يعني كان عندهم في المسجد مساكين، مثل أهل الصفة يزيدون وينقصون، يمكن يتراوحون بين السبعين والثلاثمائة، يأتون على المدينة لا لهم أهل ولا مال، يؤون إليهم، فأين طعامهم؟ في المسجد، أين مبيتهم؟ في المسجد، فقراء، منهم أبو هريرة .


لحل هذه المشكلة النبي ﷺ أمر كل صاحب بستان يأتينا بعذق من بستانه يعلقه في المسجد لطعام الفقراء [انظر الحديث في مسند أحمد: 14910، وقال محققو المسندك "إسناده حسن"]فهذا يدل على جواز وضع الطعام في المسجد للفقراء، ثم بعد ذلك يقسم بينهم، ومال البحرين لما جاء وضع في المسجد، ولا شك أن موضع هذا، إذا كان لا يمنع المصلين من الصلاة، يعني أنه لا يحجز مكان الصلاة من هذا، فإذا جيء بما يشترك فيه المسلمون من الصدقة وضعت في المسجد في مكان لا يضايق المصلين، مثل زكاة الفطر، من السنة جمعها في المسجد، فأخذ العلماء منه أن كل ما يعم نفعه في المسجد، كالماء للشرب، يجوز أن يوضع، وفرق العلماء بين ما يوضع للتخزين، ويأخذ مكانًا، وبين ما يوضع للتفريق، فأجازوا الثاني دون الأول، قالوا: الذي يوضع للتفريق يؤتى بمال يؤتى بطعام يوضع في المسجد للتفريق جائز، لكن يوضع للتخزين فلا إذا كان يأخذ مكانًا؛ لأن الأصل أن المسجد كله مكان للصلاة، والتفريق يمكن يفرق في ساعتها، أما التخزين يأخذ وقتًا.

عدم التعلق بالمال
00:23:25

لما جيء بهذا المال من البحرين النبي ﷺ خرج إليهم لم يلتفت إليه، وهذا الموقف وحده ثروة من الدروس والعبر أن النبي ﷺ لما خرج إلى الصلاة لم يتلفت إليه، يعلمهم درسًا في عدم التعلق بالمال، مع أنه ﷺ في حاجة وفي فقر وفي شدة، ومع ذلك لما خرج للصلاة ما التفت إليه أبدا، ولا أعاره نظرة، هذا منه ﷺ تربية لأصحابه في عدم التعلق بالمال، وكان قد قال لهم: انثروه في المسجد [رواه البخاري: 421]صبوه، وبدأ بعد الصلاة يفرق على المسلمين، جاء عمه العباس، العباس كان في جيش المشركين في غزوة بدر، فأسر وأسر معه ولده عقيل، لما حصل فك الأسرى العباس دفع فديته وفدية ولده عقيل للمسلمين، دفع مثله مثل غيره، مع أنه عم الرسول ﷺ، لما أسلم العباس وجاء بعد ذلك، و-ذكرنا- أن هذه القصة في عام 9 من الهجرة في عام الوفود، والقصة متأخرة، جاء العباس مسلمًا، فكان فيمن جاء إلى المسجد، يقول: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلاً؟ عوضني، أنا أنفقت فديتي وفدية ولدي في بدر، عوضني الآن، أنا بعدما أسلمت عوضني عن المال الذي خسرته في الفدية، فقال له ﷺ: خذهذا المال خذ، لما حمله وجعله في ثوبه، وعبأ منه، لما أراد أن يحمله لم يستطع أن يرفعه، أراد من النبي ﷺ أن يأمر شخصًا بمساعدته ليرفعه له على كتفه، رفض ﷺ، قال: ساعدني أنت ابن أخي؟ رفض ﷺ، وهذه كلها تربية، فصار العباس ينقص منه وينقص حتى استطاع أن يحمله في النهاية، فأتبعه ﷺ بصره عجبًا منه، والعباس أسلم وحسن إسلامه، وصار بعد ذلك من كبار أولياء الله الصالحين، ولذلك استسقى عمر بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا يعني بدعاء نبيك على حياته، فنسقى، والآن قد مات النبي ﷺ: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؟[رواه البخاري: 1010]نستقي بدعائه وهو الرجل الصالح من آل البيت، عم النبي ﷺ هذا الرجل الشيبة الصالح الولي من آل البيت الذي يحب مرتين: مرة لصلاحه، ومرة لأنه من آل النبي -عليه الصلاة والسلام-، فيسقون بدعاء العباس والمسلمين.
فالشاهد أن العباس قد أسلم، وحسن إسلامه، وكانت له مواقف مشرفة جداً، حتى لما كان في مكة من قبل يدافع عن النبي ﷺ ويقول مستحثًا أهل يثرب: أن لم تكونوا تريدون أن تنصروه فاتركوه نحن ننصره ونمنعه".


فكان يعمل المواقف الكثيرة في مصلحة الدعوة.
وقيل: إنه أسلم قديمًا وأخفى إسلامه، ولكنه لم يستطع أن يجاهر بذلك، وحضر معركة بدر.
وعلى أية حال: أعلن الرجل إسلامه بعد ذلك ، وكان من كبار الصالحين.
وفي هذا الحديث: أنه ينبغي تفريق أموال المصالح العامة في المسلمين، وعدم تأخيرها، إذا جيء بمال المسلمين يفرق مباشرة.

نعم المال الصالح للرجل الصالح
00:28:00

وكذلك في هذا الحديث: أن الغنى فتنة إلا إذا كان الرجل صالحًا؛ لأن النبي ﷺ قال: نعم المال الصالح للمرء الصالح[رواه أحمد: 17798، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، والبخاري في الأدب المفرد: 299].

تعامل المؤمنين والفاجر مع المال
00:28:16

وفيه كيف يغير المال النفوس، فإن الإنسان قد يكون طالبًا حاله ضعيف، ثم يفتح الله عليه بالوظيفة، قد يكون الشخص ذا دخل عادي، فيفتح الله عليه بالتجارة، تتغير نفوس كثير من الناس إذا فتحت عليهم الدنيا، بمال، بمنصب، جاه، تتغير النفوس، بسبب أنها لم تتسلح بالإيمان، ولم تتربى على هذا الدين.
لكن إذا أراد الله بعبده خيرًا لا تتغير حاله حتى لو كان قد فتحت عليه الدنيا، ولذلك ترى عددًا من هؤلاء الذين في قلوبهم دين وإيمان لا يزال يذكر فقره ولو بعدما يغتني، كلما جلس يقول: كنا كذا! وكنا كذا! كنا حفاة! كنا لا نجد! كنا كذا! وهكذا.. هذا دليل على أن الرجل يعرف النعمة.
لكن لو أن الإنسان ما فيه إيمان، إذا جاءته النعمة ماذا يقول؟
"ورثت هذا المال كابرًا عن كابر" مثل ما حصل للأبرص والأقرع والأعمى.
الأبرص والأقرع لما جاءهم الملك ماذا قالا؟
"ورثنا هذا المال كابرًا عن كابر".
الأعمى ماذا قال؟
"كنت فقيرًا فأغناني الله"[انظر الحديث في مسلم: 7620].
فالذي يقول لك: أنا كنت فقيرًا، وأغناني الله! كنت ضيق ذات اليد! كنت لا أجد! الآن فتح الله عليّ! والآن وسع عليّ! هذا في قلبه دين وإيمان، وهذا لم تفتنه الدنيا:  أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ۝ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ۝ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى[الضحى: 6 - 8].
فإذا كان الإنسان يذكر نعمة ربه عليه، فإن هذا المال لا يضره.
كذلك إذا قال به هكذا وهكذا وهكذا، كما أخبر النبي ﷺ، ونصح أبا ذر، يعني في وجوه الخير.
ثالثًا: إذا أدى حق الله فيه، أدى الزكاة، حق الله فيه.
كذلك إذا كان هذا الإنسان الذي أعطي هذه النعم يصرفها فيما يرضي الله من نفقة على زوجة أو ولد، أو في أمور من العبادات والطاعات، وأنواع الصدقات.


وبعض الناس يغفل عن تنويع الأمكنة التي يضع فيها صدقاته، وبعضهم يوفقه الله -تعالى- لأشياء كثيرة، فتجده يكفل يتيمًا، ويبني مسجدًا، ويطبع كتبًا، ويعطي فقراء ومساكين، وينفق في الدعوة إلى الله ، وفي كفالة الدعاة، ولا ينسى أيضاً المحتاجين أو الفقراء في البرد، لا ينسى أيضاً جميع بنود الخير التي يمكن أن يصل إليها لينفق فيها، هؤلاء أناس وفقهم الله .
ولذلك ينبغي على أن من آتاه أن يساهم في كل مجال يستطيع أن يساهم فيه.

الصدقة ولو بالقليل
00:31:33

ثم إن بعض الناس يقولون: ما عندنا إلا القليل؟
نقول: سبق درهم مائة ألف درهم[رواه النسائي: 2527، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 883]رجل كان عنده درهمين أنفق واحدًا في سبيل الله، كم أنفق من ماله؟ النصف،وواحد عنده ملايين أخذ من عرضها مائة ألف وأخرجها، يمكن ما تجي واحد على مائة، أو واحد على ألف، أو واحد على مائة ألف مما عنده، هذه المائة ألف وهذا الواحد أيهما أعظم عند الله؟
الذي تصدق بالواحد بدليل قوله ﷺ: سبق درهم مائة ألف درهم[رواه النسائي: 2527، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 883]واحد سبق مائة ألف.

عدم الحزن على قلة المال
00:32:14

وكذلك فإن الإنسان إذ لم يعطه الله فلا يأسف؛ لأن قلة المال أقل الحساب، وأخف على الإنسان يوم القيامة.
وكذلك لا يتأخر في الانصراف من المحشر؛ لأن الأغنياء يتأخرون في الانصراف من المحشر، ولذلك قال: يدخل فقراء المهاجرين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام قال في الحديث: وأصحاب الجد محبوسون[رواه البخاري: 5196، 6547، ومسلم: 7113]أصحاب الغنى محبوسون للحساب؛ لأن كل ريال، كل دينار، كل درهم: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وهذه عملية تأخذ وقتًا طويلاً بحسب كثرة المال.
ولذلك بعض الناس يظنون أن قلة المال شر، وليست شرًا، بل هي خير، قلة المال أقل للحساب، فلا تأس على ما فاتك من الدنيا.

اختيار الشخص المناسب للمهمة المناسبة له
00:33:12

وفي هذا الحديث كذلك: أن الأشياء التي تحتاج إلى حفظ ينتقى لها الأمين، فالعلاء الحضرمي كان معروفًا بالأمانة، وأبو عبيدة الذي ذهب يأتي بالمال معروف بالأمانة أيضاً، فهو أمين هذه الأمة.
ففيها انتقاء الشخص المناسب للمهمة المناسبة له، كل واحد يعطى مهمة تناسبه.
وهذا كان يجيده ﷺ غاية الإجادة، فيعين قادة من الشجعان والمدبرين في الحرب.
ويعين للمهمات الإعلامية الشعراء المجيدين في الشعر، ككعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وسيدهم حسان بن ثابت-رضي الله عن الجميع-.
وكان ﷺ يعتني بمن يطلب العلم، يقربهم عنده، ليحفظوا منه، ويقول لأبي هريرة: ابسط رداءك[رواه البخاري: 119، 3648] متفرغ عنده، يلزم النبي ﷺ على شبع بطنه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يدرك أن هذا الرجل سيكون من بعده ناقلاً لحديثه.
وكذلك كان ﷺ يرسل الدعاة مثل معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري، وهو يختارهم، يختار الدعاة لإرسالهم، يختار الذين يظن بهم تأثيرًا، وعندهم علم لأجل الدعوة، وواضح هذا من إرساله ﷺ للصحابة.
وكان كذلك ﷺ في المهمات الخطيرة ينتقي الشخص المناسب، مثلما أرسل عثمان إلى أهل مكة، وكان ذا منعة فيهم، ولذلك كان المناسب أن يرسل عثمان، المهمة خطيرة، والرسول قد يقتل، بل قد أشيع أن عثمان قد قتل.


وكذلك فإن ﷺ كان يجعل عنده دائمًا أبا بكر وعمر الوزيران يستشيرهما ﷺ، كان يبقيهما عنده؛ لأن المشورة مسألة مهمة، جاء رسول الله ﷺ وأبو بكر، ذهب رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، فكانا عنده وزيرا صدقا، أبو بكر وعمر، يستبقيهما عنده.
وكذلك كان ﷺ يؤمر على بطون الجيوش، أو على فرق الجيش من يستحق التولية من الخبراء بالحروب، كما أرسل خالد بن الوليد في عدد من المهمات.
وإذا كانت القضية تحتاج إلى سرية بالغة انتقى للمهمات السرية صحابة يناسبون الموقف، كما أرسل المقداد والزبير وعلي في أخذ الخطاب من الظعينة التي أرسلها حاطب إلى أهل مكة، ثقات وأمناء في هذه المهمة.
وكذلك فإنه ﷺ كان يؤمر على البلدان من يناسب الإمارة، من الناس المتصفين بالشخصية القيادية، وأصحاب العدل، وما ولى مثلاً أبا ذر الغفاري، قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة[رواه البخاري: 4823] لا تولين مال يتيم[رواه مسلم: 4824]؛ لأن أبا ذر كان ينفق الأموال، ولا يبقي شيئًا، وكان عنده نوع من الشدة في قضية إهلاك المال في سبيل الله.
وكذلك لم يكن يناسبه أن يقود، ولذلك قال: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم[رواه مسلم: 4824]مع أن الرجل ما فيه شيء يعيبه في دينه؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الغبراء ما أقلت أصدق لهجة من أبي ذر -[رواه أحمد: 6630، وقال محققو المسند: "حسن لغيره"]إنسان متجرد في سبيل الله، زاهد جداً في الدنيا، لكن الشدة التي هو عليها في الزهد لا تتحمله رعيته لو ولاه عليهم؛ لأنه سيسود الجميع بطريقته هو، التي أخذ بها نفسه في الشدة في الزهد، ولذلك لم يؤمره، بل نصحه بعدم تولي الإمرة.


وكان ﷺ يولي الإمرة من يحسن الإمرة، ويحسن القيام في الرعية برعايتهم.
وكذلك فإنه ﷺ لما أراد مقرئين يقرئون الناس القرآن، يختار المجيدين في الإقراء، ليقرئوا الناس.
وإذا أراد ناساً يعظون، لما أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة، كان اختيارًا مهمًا جدًا وصائبًا للغاية، مع أن مصعب بن عمير على حداثة سنه، لكنه فتح المدينة بالقرآن، ما فتحت بالسيف، فتحت بالقرآن، مهد الأمر للنبي ﷺ، وأسلم على يدي مصعب سادات الأنصار، كسعد بن عبادة .
ولذلك فإنه عليه الصلاة والسلام كان بارعًا للغاية في اختيار الأشخاص المناسبين للمهمات.
وكذلك فإنه كان يختار في إرسال الرسائل إلى الملوك الآخرين، يختار المناسب في إرسال الرسائل، كان إذا أراد أن يترجم أتى بمن يترجم، من عنده علم بالترجمة، أو أمره أن يتعلم، مثل ما أمر زيدًا أن يتعلم له السريانية، وأنه عليه الصلاة والسلام لا يأمن اليهود إذا استعملهم أن يحرفوا ويغيروا، فتعلمها زيد، فكان انتقاؤه ﷺ له في تعلم اللغة، تعلمها في بضع عشرة يومًا، تعلم لغة كاملة أتقنها في بضعة عشرة يومًا، انتقى ثقفًا لقنًا يتعلمها.
ولما أراد أن يهاجر انتقى دليلاً يدله على الطريق ولو كان مشركًا، لكنه لما كان ثقة مأمونًا لا يسرب الأخبار، ولا يفشي الأسرار، رضي به ﷺ بعامر بن فهيرة يدله على الطريق، اختار الرجل المناسب في المكان المناسب.
ولما كان الوحي ينزل عليه يحتاج الوحي إلى كتابة، يأخذ من كتبة الوحي ممن يحسن الكتابة يجعلهم عنده، هؤلاء كتبة للوحي.
هذا أبو هريرة عنده إتقان وأمانة يحفظ المال، هو يبقى حارس على المال.


لما أراد أن يعذب أحد اليهود الذي كتم الأموال، وادعى أنه صرفها، أعطاه للزبير فمسه بعذاب، فاعترف، واحد يعرف كي يستخرج خبايا الأمور من هذا اليهودي، ويعرف المواجع فيأتي عليها، ويعرف كيف بالحق، الاعتراف الحقيقي للنبي ﷺ.
كان هناك أناس يستخدمون كثيرًا في المهمات، ومن ضمنهم الستة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، هؤلاء كثيرًا ما كانوا يستخدمهم النبي ﷺ في مهمات متعددة.
الآذان يوليه بلال، ويولي أبا محذورة الذي هداه الله، وكان يستهزئ بالآذان فهداه الله، ويولي كذلك ابن أم مكتوم.
لما يخرج عليه الصلاة والسلام من المدينة يترك وراءه خليفته، مرة ولى عليًا، ومرة ولى ابن أم مكتوم، وولى غيرهما.
وكان ولى أسامة بن زيد على جيش خرج بعده عليه الصلاة والسلام لما آنسه في أسامة من القدرة على ذلك، وفي الجيش أبو بكر وعمر.
وهكذا كان ﷺ يعرف الرجال، يعرف أصحابه، ويعرف قدراتهم، ومن الذي يصلح لكل مهمة فيختاره ﷺ.
وكذلك في هذا الحديث: أن الإنسان جبل على جمع المال، والحرص عليه، ولذلك فإنه إذا أتيحت الفرصة له يأخذ على قدر ما يحتاج، ولا يستكثر حتى لا يفتن.

حسن ملاطفة الإمام لأتباعه
00:42:42

وكذلك فيه حسن ملاطفة الإمام لأتباعه، فإنه قال لهم لما تعرضوا له، يعني الآن الصحابة على استحياء، يريدون أن يأخذوا من المال، ولكن لا يجدوا من المناسب أن يقولوا: أعطنا، واقسم لنا، هذا فعل الأعراب، تعرضوا للنبي -عليه الصلاة والسلام- بالإشارة، فتبسم رسول الله ﷺ، التبسم لوحده هذا موقف ودرس، وقوله لهم حين رآهم: أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء؟[رواه البخاري: 6425]هذه وحدها درس أيضاً، قالوا: أجل يا رسول الله.
وإعطاء البشارة: فأبشروا وأملوا ما يسركم تطمين للنفوس؛ لأن النفوس متلهفة، الآن تريد أن تعرف ما هو المصير، هل ستأخذ شيئًا من هذا المال أم لا؟ قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم معناه الآن، كلمة: يسركم هذه تعني ما تعني من قضية الفرج بتوزيع المال عليهم.

انتهاز الوقت المناسب لتبيين المفهوم والتصور الصحيح
00:44:00

ثم كذلك من التربية الإنسان يبين المفهوم في وقته والتصور الصحيح ينتهز الفرصة لتبيينه، فلما جيء بالمال وقبل القسمة أعطاهم موعظة، قال: ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها[رواه البخاري: 4015].
فإذًا، قبل التوزيع النفوس متعلقة، الآن من المناسب أن يعطيهم درسًا في تهذيب النفس، وعدم التعلق بالدنيا، وعدم التعلق بالمال.

الاعتبار بمصير السابقين
00:44:37

وكذلك في هذا الحديث: الاعتبار بمصائر من قد سبق، فإنه قال في الحديث: ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم[رواه البخاري: 3158] وفي رواية: وتلهيكم كما ألهتهم[رواه البخاري: 6425] فمعنى ذلك أن المال يلهي؛ لأن الواحد إذا صار عنده مال، قال: نبني بيتاً؟ بنينا بيتاً، نسوي مسبحاً؟ سوينا مسبحاً، قالوا: ونسوي مزرعة واستراحة؟ نسوي مزرعة واستراحة، قال: نريد أن نجعل فيها خيلاً ودواباً؟ جعلنا فيها، ثم قال: نعمل ملاعباً؟ نعمل ملاعباً، ثم قال: نجعل بيتاً في منطقة أخرى حتى إذا أردنا أن نذهب إلى أبها وجدنا بيتًا؟ ثم .. وهكذا الدنيا ما تنتهي عند حد، كل ما جاء مال وجد له مجالاً، ونعم قد تكون الأشياء مباحة ليست بمحرمة، لكنيكفي أنها تشغل عن الآخرة، ولذلك قال: وتلهيكم كما ألهتهم فالقضية في الغنى ليست الإهلاك فقط، وإنما الإلهاء، يعني الانشغال بالكماليات، وهذا ما نراه نحن في الواقع، لو واحد جاءه مال زيادة يحتار، ماذا يشتري به؟، وأين يضعه؟، وكيف يستثمره؟، وكيف ينميه؟، والمكان هذا يعطي أكثر، والشركة هذه تعطي أحسن.
إذًا، أي مال يفتح عليك لا بدّ أن تنشغل به، أن ينشغل ذهنك الآن بحراسته وتنميته واستثماره، وأن تضعه، وماذا تشتري به، وهكذا..
فإذًا، قوله في الرواية هذه الحقيقة فيها فائدة مهمة، وهي قوله: وتلهيكم كما ألهتهم.
فنسأل الله أن يغنينا ولا يطغينا، وأن يجعل ما أعطانا قوة لنا على طاعته؛ إنه سميع مجيب.