الأربعاء 19 محرّم 1441 هـ :: 18 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

التواضع


عناصر المادة
مفهوم التَّواضع:
تعريف التَّواضع:
كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أشدَّ النَّاس تواضعاً:
من تواضعه عليه الصَّلاة والسَّلام مع الصِّبيان:
من تواضعه عليه الصَّلاة والسَّلام مع السَّائلين والمستفسرين:
من تواضعه عليه الصَّلاة والسَّلام: لعق الأصابع بعد الطَّعام:
من تواضعه عليه الصَلاة والسَلام: ذكره ما كان يفعل في صغره:
من تواضعه عليه الصَلاة والسَلام: إجابة الدَّعوة:
تواضع الصَّحابة رضوان الله عليهم:
صفحات من تواضع الصَّحابة رضوان الله عليهم:
صفحات من تواضع السَّلف الصَّالح رضوان الله عليهم:
من ثمرات التَّواضع: كسب محبَّة الخلق:
كيف يكتسب الإنسان التَّواضع:
من الأمور التي تُكسِب التَّواضع:
من علامة التَّواضع: الإذعان للحقِّ:
من الأمور التي يتعلَّم الإنسان منها التَّواضع: حصول حادث ونحوه:
من الأمور التي يتعلَّم الإنسان منها التَّواضع: قبول العذر:
ينشأ التواضع من معرفة الإنسان قدر عظمة الله:
من علامات التَّواضع: إطعامُ الخدم الاهتمام بهم:
من مواضع التَّواضع: في صلاة الاستسقاء، وعند الانتصار على العدو:
من مواضع التَّواضع: التَّواضع للعلماء:
أمورٌ ليست من التَّواضع:
  الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسوله محمد، وآله وصحبه، وبعد:
مفهوم التَّواضع:
00:00:06

فالخلق الذي سنتحدَّث عنه في هذه الليلة أيُّها الإخوة هو خُلقٌ عظيمٌ جليلٌ، من أخلاق الأنبياء والصَّالحين، ألا وهو: خُلقُ التَّواضع، وهذا الخُلق الذي يكسب الإنسان عزةً ورفعةً ومحبةً بين الخلق، وهو الخُلق الذي ذكره الله في محكم تنزيله بقوله:  وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88]. موصياً رسوله ﷺ، وخفض الجناح: هو الذُّلُّ للمؤمنين والتَّواضع لهم ورحمةً بعفِّتهم والتَّلطُّف معهم، وقال الله أيضاً واصفاً عباده المؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]. والمقصود بقوله تعالى:  أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  أي: متذلِّلين عاطفين على المؤمنين خافضين الجناح لهم، والأذلَّة: جمع ذليلٍ لا ذلول، الذَّلول نقيض الصَّعب، والذَّليل لأخيه المؤمن دليلٌ على قوِّة الإيمان عنده، وأمَّا على الكافر: فإنَّه غليظٌ شديدٌ، وهكذا صفة الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم، وقد أوصى الله تعالى عباده بالتَّواضع ونبَّههم إلى ذلك قائلاً : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى  فردَّهم إلى الأصل؛ حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ  وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  لا لتفاخروا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]. وقال عزَّ وجلَّ:  فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم:32]. وذلك لأنَّ المتواضِع لا يُزَّكي نفسه، وإنَّما يتواضع لله تعالى، والنَّبيُّ ﷺ تلقَّى وحياً من ربِّه، كما جاء في الحديث الصَّحيح وحيٌ خاصٌّ بهذه المسألة، فقال النَّبيُّ ﷺ:  إنَّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي [رواه مسلم2865]. فكلمة: أنّ: مفسِّرةٌ إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا، فسَّر الوحي الذي أوحاه إليه بأنَّه التَّواضع والتَّذلُّل والانكسار للمؤمنين، حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا يتباهى ولا يستعلي ولا يبغي أحدٌ على أحدٌ، فلا يتجبَّر عليه ولا يظلمه ولا يأكله حقَّه، وقال النَّبيُّ ﷺ حاثَّاً على التَّواضع أيضاً، ومبيِّناً عاقبته:  ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلَّا عزَّاً، وما تواضع أحدٌ لله إلَّا رفعه الله [رواه مسلم 2588]. رواه مسلم. والحديث الذي قبله كذلك رواه مسلم وفيه:  ولا يبغي أحدٌ على أحدٌ  فقوله ﷺ:  وما تواضع أحدٌ لله إلَّا رفعه الله  دليلٌ على أنَّ التَّواضع يكسب الإنسان الرِّفعة، عكس ما يتصوَّره بعض النَّاس من أنَّ التَّواضع ذلٌّ، فيقول لهم: إنَّ التَّواضع عزٌّ وإنَّك كُلُّما ازددت تواضعاً للمؤمنين؛ رفعك الله ، فبعض النَّاس يظنُّون أنَّ تواضع الإنسان ينزل من قدره وينقص من مكانته عند الخلق ونظرتهم إليه، وأنَّه يكون ذليلاً، ولكن في الحقيقة: أنَّ المتأمِّل للتَّواضع يجد أنَّه يكون هكذا في البداية ذلٌّ بين المؤمنين، لكن في النِّهاية تكون النَّتيجة والأثر هو رفعة في أعينهم؛ لأنَّ النَّاس جُبلوا على محبَّة من تواضع لهم، وكُره من تعالى عليهم، وإن كان في الظَّاهر يظهر أنَّه صاحب شأنٍ وأنه مستعلي وأنَّ له الغلبة والعلو، ولكن في الحقيقة أنَّه مكروهٌ منبوذٌ ممقوتٌ من الخلق؛ لأنَّ الخلق قد جُبلوا على كُره من تعالى عليهم، ومحبَّة من تواضع لهم.
تعريف التَّواضع:
00:05:24
 وإذا جئنا إلى تعريف التَّواضع الذي ذكره العلماء؛ فإنَّ العلماء رحمهم الله -كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله تعالى- قالوا: التَّواضع من الضَّعة، فما هو الارتباط بين الضَّعة والتَّواضع، إذا نظرنا إلى التَّعريف اللُّغوي لهذه الكلمة: فإنَّ التَّواضع لا شكَّ أنَّ فيه تنزيلاً من الإنسان لقدر نفسه، وهذه هي الضَّعة، وهي كما قال أهل العلم في تعريفها: الهوان وإظهار التَّنزُّل عن المرتبة من المسلم لأخيه، وقيل: هو تعظيم من فوقه لفضله، فإذا عظَّمت من فوقك لفضله، ودنوت لمن دونك رحمةً له؛ فهذا هو التَّواضع، فإذاً هو من الضَّعة، ومعناه في اللغة: الهوان، لكنَّه في الحقيقة ليس ذُلَّاً، وإنَّما هو ارتفاعٌ، والتَّواضع ضدُّ الكبرياء، والكبرياء من صفات الله تعالى، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ:   قال الله عزَّ وجلَّ: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النَّار  [رواه أبو داود4092، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود4090]. وهذا لفظ أبي داود رحمه الله تعالى. وقد جاء الحثُّ في الشَّريعة على هذا الخلق، فمن الأحاديث التي جاءت في الشَّريعة في الحثِّ على هذا الخلق: حديث رواه أحمد ورجاله ثقاتٌ عن عمر رضي الله عنه، يقول ابن عمر الرَّاوي عن أبيه: "لا أعلمه إلَّا رفعه" يعني: للنَّبيِّ ﷺ: ((يقول الله تبارك وتعالى: من تواضع لي هكذا)) وجعل الرَّاوي كفَّه إلى الأرض وأدناها إلى الأرض  رفعته هكذا [رواه أحمد309، وصححه الألباني في الترغيب والترهيب 2894]. هذا الحديث الذي رواه الإمام احمد رحمه الله حديثٌ قدسيٌّ يبيِّن فيه الرَّب تبارك وتعالى أن من تواضع لله تعالى، وأدنى وأنزل نفسه لله تعالى؛ فإنَّ الله يرفعه ، وقد جاء في الحديث الحسن كما ذكر السَّفاريني رحمه الله وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع، ورواه الطبراني والبزار عن ابن عباس مرفوعاً:  ما من آدميٍّ إلَّا في رأسه حكمةٌ بيد ملك  ما هي الحكمة ؟الحكمة: كاللِّجام الذي يُوضع في فم الدَّابة، وذكر في فيض القدير في شرح الجامع الصغير: الحكمة: هي التي تجعل تحت حنك الدَّابة لتمنعها من المخالفة، فالحكمة هذه التي يشدُّها راكبُ الدَّابة؛ لكي يمنعها من الاتجاه عكس المقصود، فالحكمة تحكم الخيط أو الحبل الذي يتحكَّم فيه بالدَّابة، فكُلُّ واحدٍ فينا له حكمةٌ قطعاً، حسب الخبر الذي جاء من الوحي، وبيد من هي؟ إذا كانت حكمةُ الخيل أو الدَّابة بيد الفارس أو الرَّاكب؛ فإنَّ حكمة كُلِّ واحدٍ منا بيد ملك، قال:  ما من آدميٍّ إلَّا في رأسه حكمة  وهذا شيءٌ لا نراه، لكنَّه غيبٌ فنصدِّقه  ما من آدميٍّ إلَّا في رأسي حكمة بيد ملك، فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبَّر قيل للملك: ضع حكمته [رواه الطبراني7793، وحسنه الألباني في الجامع الصغير10612]. فماذا يترتَّب على رفعها وإنزالها؟ يترتَّب على رفعها: أن يكون عزيزاً عالي الشَّأن، ويترتَّب على خفضها: أن يكون ذليلاً؛ لأنَّه كما قال الشُّراح: رفع الحكمة معناه رفع القدر والمنزلة، ووضع حكمة معناها الإذلال؛ لأنَّ صفة الذَّليل تنكيس رأسه، فهذا يبيِّن عظم خُلُق التَّواضع، وأنَّ الإنسان إذا التزم به رفعه الله عزَّ وجلَّ،
كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أشدَّ النَّاس تواضعاً:
00:11:35
 
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان خلقه القرآن، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ يفعل ما يقول، فإنَّه ﷺ كان أعظم النَّاس تواضعاً، ومن تواضعه ﷺ كما روى أبو أمامة ابن سهل بن حنيف: أنَّ مسكينة مرضت فأخبر رسول اللهﷺبمرضها، وكان رسول الله ﷺ يعود المساكين ويسأل عنهم، فقال رسول الله ﷺ:  إذا ماتت فآذنوني بها كانت تحتضر من شدَّة المرض، فأُخرج بجنازتها ليلاً فكرهوا أن يوقظوا رسول الله ﷺ ولا يزعجوه لأجل القيام لها، فلمَّا أصبح رسول الله ﷺأُخبر بالذي كان من شأنها، فقال:  ألم آمركم أن تؤذِنُوني بها لماذا لم تخبروني أنَّها ماتت؟ فقالوا: يا رسول الله كرهنا أن نخرجك ليلاً ونوقظك، فخرج رسول الله ﷺ حتى صفَّ بالنَّاس على قبرها وكبَّر أربع تكبيراتٍ[رواه النسائي1907، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي1907]. مع أنَّها امرأةٌ مسكينةٌ وفقيرةٌ، وكذلك جاء في الحديث: أنَّ امرأةً سوداء كنت تقوم بالمسجد تنظِّفه على عهد النَّبيِّ ﷺ، امرأةٌ سوداء فقيرةٌ، عملها تنظيف المسجد، فلمَّا ماتت ودفنوها ليلاً، أيضاً النَّبيُّ ﷺ عاتبهم لماذا لم يخبروه، لعلَّها هذه المرأة، وخرج ﷺ وصلَّى على قبرها، فكونه خرج في جنازة امرأةٍ سوداء تقم المسجد، بهذا العمل الذي يراه النَّاس عملاً وضيعاً، فهذه المرأة الفقيرة فالنَّبيُّ ﷺ أعظم الأمَّة وخيرها، يلتفت إليها، ويهتم بشأنها، ويسأل عنها، ويعاتبهم في عدم إخباره بها، ولماذا لم يوقظوه من أجلها، ثُمَّ يأتي قبرها ويصلِّي عليها، فهذا يدلُّ على أيِّ شيءٍ؟ رواه مالك رحمه الله في الموطأ القصَّة التي ذكرناها. وعن أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال وهو في رحل له:  لبيك لا عيش إلَّا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة  تواضعاً في رحله"[رواه أحمد13281، قال شعيب الأرنؤوط: "إسناده قوي" مسند أحمد13281].  فحتى الرَّحل الذي حجَّ عليه ﷺ كان رحلاً لا يكاد يساوي شيئاً، رحلاً رثَّاً حجَّ عليه ﷺ، وهو يدعو الله تعالى ويقول:  لا عيش إلَّا عيش الآخرة  هذا العيش  لا نسأل عنه، ولذلك لما دخل عليه عمر على فراش وأثر الحصير بجنبه، وهذا الشَّيء اليسير وجلدٌ معلَّق، وماذا كان فراشه ﷺ ورفض أن يكون عنده أيَّ نوعٍ من أنواع السُّتور التي فيها زيناتٌ ونقوشٌ، وكُلُّ ذلك تواضعاً لله تعالى؛ لأنَّ النَّاس يتكبَّرون اليوم بالأثاث والمفروشات والسَّيارات يرتفعون بها، فكان ﷺ يتواضع للخلق ،كان بإمكانه أن يتَّخذ منها ما يشاء، فحتى لو ما اشترى فقد جاءه هدايا من ملوك وعظماء الأرض، فوزَّع هذا ووزَّع هنا وهنا، وأهدى هنا وتصدَّق هنا، ما كان يترك لنفسه شيئاً صلَّى الله عليه وسلَّم.
من تواضعه عليه الصَّلاة والسَّلام مع الصِّبيان:
00:16:00
 
ومن تواضعه ﷺ أيضاً: أنَّه جاء عنه في الحديث الصَّحيح أنَّه ﷺ كان إذا مرَّ بصبيانٍ سلَّم عليهم"[رواه النسائي10162]. ولا شكَّ أنَّ السَّلام على الصِّبيان دليلٌ على التَّواضع؛ لأنَّ النَّاس يسلِّمون ويهتمُّون عادةً بالسَّلام على الكُبار وعلى العظماء، فكون النَّبيُّ ﷺ يقف في الطَّريق ليسلِّم على الصِّبيان، فهذا يعني أنَّه ﷺ تواضع لهؤلاء الصِّبية حتى سلَّم عليهم، وكذلك جاء عنه أنَّ الأمَة من إماء المدينة كانت تأخذ به ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، فإذا كانت الأمة وهي المخلوقة الضَّعيفة عند الخلق تنطلق بالنَّبيِّ ﷺ حيث شاءت، وهو ينقاد معها ويذهب لحاجتها، تقول له: تعال أُريدك يا رسول الله، فتذهب به لتشكو أو تطلب شيئاً، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقضي لها حاجتها، ونحن نعرف النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام ما صافح امرأةً ولا خلا بامرأةٍ، وهذا معروفٌ، وإنَّما معنى الحديث: هو رُبَّما انطلق هو وأصحابه كُلُّهم من أجل أمةٍ، ومن تواضعه ﷺم: أنَّه كان يعمل في البيت العمل الذي يأنف اليوم كثيرٌ منَّا أن يعمله، من تنظيف وغسيل وطبخ وترقيع، فقد كان ﷺ يفعله، ولذلك قال الأسود بن يزيد رحمه الله: "سألت عائشة رضي الله عنها ما كان النَّبيُّ ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله"[رواه البخاري644]. ومعنى مهنة أهله: أيُّ خدمة أهله ﷺ، وفي أيِّ شيءٍ كان يخدم أهله ﷺ ، مثل: عجن العجين، وما يكون في عمل البيت من تنظيف، والإعانة، مثلاً: يفري ثوبه ويحلب شاته ويرقع ثوبه ويخصف نعله، ويرقِّع دلوه ﷺ، يعلف النَّاضح، يحمل إلى السوق الحاجيات والأغراض، فإذاً هذا من تواضعه ﷺ "فإذا حضرت الصَّلاة خرج إلى الصَّلاة" فهذا العمل دليلٌ تواضع؛ لأنَّ النَّاس يتركون مثل هذه الأشياء للخدم، ويأنفون أن يعملوها بأنفسهم، فكون النَّبيَّ ﷺ عملها بنفسها؛ فهذا تواضع، لو قال قائل: كيف نتواضع؟ نقول هذه الأعمال إذا عملها إنسانٌ في بيته، كأن مثلاً: قام يوماً من الأيام وكنس البيت، أو غسل الصُّحون وخفَّف عن زوجته، وإذا رقَّع ثوبه بإبرة وأتى بأغراض وحملها إلى البيت، ونظَّف سيارته، فهذا الأشياء التي يأنف النَّاس أن يعملوها فلو أن الإنسان عملها لنفسه في بيته فهذا من حمل نفسه على التَّواضع، وهذا فعله صلَّى الله عليه وسلَّم، فالذي يريد أن  يقتدي به لا يتأفَّف ويأنف من هذه الأشياء، وإنَّما يعملها كما كان النَّبيُّ ﷺ يعملها.
من تواضعه عليه الصَّلاة والسَّلام مع السَّائلين والمستفسرين:
00:20:14
 
ومن تواضعه ﷺ: أنَّه كان يُعطي من نفسه ووقته للسَّائلين الذين يسألونه، سواءً يسأل مالاً أو يسأل علماً، ومن أعظم المناسبات التي تدلُّ على ذلك: أنَّه ﷺ كان مرَّةً يخطب، قال الصَّحابي: "انتهيت إلى النَّبيِّ ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ فأقبل عليَّ رسول اللهﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأتي بكرسيٍّ فقعد عليه، وجعل يعلِّمني"[رواه مسلم876]. إذاً هو ما أنف أن يقطع خطبته ﷺ والشَّأن الذي كان فيه، ويقبل على هذا الرَّجل المسكين الغريب، الذي جاء مظهراً حاله وجهله وحاجته إلى التَّعلم، وقعد يعلِّمه دينه، فلو قال قائل: قطع الخطبة على النَّاس والنَّاس كانوا في فائدة؛ فلماذا لم يؤخِّر؟ فنقول: رُبَّما أن تعليم النَّاس التَّواضع عملياً أهم من إكمال الخطبة، فالنَّبيُّ ﷺ كان قدوةً  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]. فعلَّمه وقطع الخطبة لكي يتعلَّم النَّاس أيضاً التَّواضع، وأتى بهذا الكرسي حتى يسمع باقي الحاضرين كلامه، فلا يُقال أتى بالكرسي يرتاح والرّجل واقفٌ! لا، أتى به لكي يراه بقية النَّاس ويستفيدون هم أيضاً من الكلام، ويروا شخصه الكريم ﷺ "وجعل يعلِّمني مما علَّمه الله، ثُمَّ أتى خطبته فأتمَّ آخرها" قطع الخطبة وقضى حاجة السَّائل ورجع إلى الخطبة وأكمل الخطبة[رواه مسلم876]. رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. فهذا من تواضعه ﷺ ورفقته بالمسلمين، وكمال شفقته عليهم، وخفض جناحه لهم، ومبادرته إلى جواب المستفتي، وتقديم الأمور الأهم فالأهم.
وكذلك كان ﷺيُسأل عن الإيمان وكيفية الدُّخول في الإسلام، من جاءك يسألك الآن عن الإيمان وكيف يدخل في الإسلام فتقطع كُلَّ شيءٍ وتجيبه؛ لأنَّ هذا هوا لأهم، الآن من يريد أن يدخل في الإسلام تقول: انتظر لا تدخل حتى نكمل! بل تعلِّمه الدُّخول في الاسلام وهذا من أوجب الواجبات عليك، ولذلك العلماء قالوا: من جاءك يريد أن يتعلَّم كيف يدخل في الإسلام؛ وجبت إجابته، وتعليمه على الفور، وقال بعض العلماء: إنَّه يحتمل أنَّ الخطبة التي كان النَّبيُّ ﷺ يخطبها لم تكن خطبة الجمعة، وإنَّما كانت خطبة أخرى، لكن لو قطع حتى خطبة الجمعة ونزل لحاجةٍ فلا حرج، ولا يبطل الخطة نزوله ذلك، ولا يضرُّه أنَّه مشى خطوات في أثنائها.
من تواضعه عليه الصَّلاة والسَّلام: لعق الأصابع بعد الطَّعام:
00:23:45
 
ومن تواضعه ﷺ ما كان يظهر في طعامه، ومن ذلك: لعق الأصابع، فالحركة هذه بعض النَّاس يأنف منها، ويقول: هذا مقرفٌ، ولكنَّه ﷺ كان يفعل ذلك، فقد جاء عن أنس رضي الله عنه: "أنَّ رسول الله ﷺ  كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثَّلاث"[رواه مسلم2034]. يعني: الإبهام والسَّبابة والوسطى؛ لأنَّه ﷺ كان يأكل بثلاثة أصابع مثل الثَّريد وغيره، والآن يأكلون بخمس ولا يلعقونها، فعليه الصَّلاة والسَّلام لعق أصابعه، وهذا فيه ردٌّ على من ترك ذلك استقذاراً، بعض النَّاس يستقذر مثل هذا الفعل ويأنف منه، ولذلك قال الإمام الخطابي رحمه الله: "عاف قوم أفسد قلوبهم الترفه، لعقها وزعموا أنَّه مستقبحٌ كأنَّهم لم يعلموا أنَّ الطَّعام الذي علق بالأصابع جزءٌ ممَّا أكلوه، وإذا لم يستقذر كُلُّه فلا يستقذر بعضه"[دليل الفالحين5/ 60]. يعني: هل هناك فرقٌ بين حبَّة الأرز أو شيءٌ من الطّعام الذي في أصبعك والذي أكلته؟ فأنت قد أكلت بأصبعك من هذا! فلماذا يأنف من هذا ولا يأنف من الذي أكله قبل قليل؟ وكُلُّه واحدٌ وليس فيه أكثر من مصِّها بباطن الشَّفة، ولا يشكُّ عاقلٌ أنَّه لابأس بذلك، وهذا يكون بعد الطَّعام، وليس الإنسان يدخل أصبعه يخلطها بريقه ثم في الطَّعام، بل هذا بعد أن ينتهي من الطَّعام يلعق أصابعه، وكذلك لعق الإناء فهذا فعل المتواضعين، وأن يترك شيئاً في الإناء دون لعقه مع قدرته على لعقه فهذا فعل الآنفين المستكبرين، تجد الواحد منهم لا بُدَّ أن يترك شيئاً، لكن العامَّة يسمونها شبعة الفُسقان؛ ولذلك فإنَّ مثل هذه  التَّصرُّفات على بساطتها ليظهر بعض النَّاس، لكن لها دليلٌ على شيءٍ عميقٍ في القلب وهو التَّواضع، اللقمة التي وقعت تأخذها وتميط عنها الأذى، تلعق القصعة وتمسح الإناء أو ما أمامك، وليس لابُدَّ تمسح كُلَّ الصَّحن العظيم، وإنَّما ما أمامك أنت وتلعق الأصابع؛ فهذا فعل المتواضعين، فينغي للإنسان أن يحافظ على ذلك.
من تواضعه عليه الصَلاة والسَلام: ذكره ما كان يفعل في صغره:
00:27:21
 
والنَّبيُّ ﷺ اعترف لأصحابه ماذا كان يعمل وهو صغير، وماذا كان يعمل في أول عمره وماذا كانت مهنته، ولم يأنف من ذلك، ولم يقل لن أكشف لهم الماضي المرَّ، كما يقول بعض النَّاس، ولذلك فإنَّه ﷺ لما حدَّث أصحابه قال:  ما بعث الله نبياً إلَّا رعى الغنم  قال أصحابه: وأنت؟ قال:  نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة [رواه البخاري2143]. أنا كنت مستأجراً آخذ قراريط وأرعى غنم أهل مكة، وهذا هو التَّواضع والقراريط: جزءٌ من الدَّراهم والدَّنانير، أو هو مكانٌ بمكة اسمه قراريط كان يرعى فيه الغنم، كان يكسب من عرق جبينه من رعي الغنم، وقال لهم ذلك وتكلَّم به، فإذاً لو رأيت الإنسان يخبر عن نفسه أيَّام قِلَّته وفقره وضعفه، ويقول: أنا كنت كذا وكذا، كنت أنا أسوق سيارة أجرة شاحنة، أو كنت حمَّالاً، أو كنت كذا، هذا من أدلَّة التَّواضع إخبار الإنسان عن حال القلَّة التي كان فيها من التواضع، وأنا الآن أعطاني الله وانعم عليَّ وأمدَّني وأغناني ونحو ذلك،؛ فهذا من التَّواضع أن يخبر الإنسان بحاله أيَّام قلَّته وفقره، وهذا من تواضعه ﷺ.
من تواضعه عليه الصَلاة والسَلام: إجابة الدَّعوة:
00:29:10
 ومن آيات تواضعه: أنَّه كان يجيب الدَّعوة إلى شيءٍ مهما كان قليلاً، ومن أيِّ شخصٍ كانت الدَّعوة، ولذلك جاء في صحيح البخاري أنَّه ﷺ  قال: لو دُعيت إلى كراعٍ أو ذراعٍ لأجبت، ولو أُهدي إليَّ كراعٍ لقبلت [رواه البخاري4883]. يقول ﷺ:  لو دُعيت إلى كراعٍ  والكراع: هو ما بين الرُّكبة إلى السَّاق، ماذا يوجد فيه من اللحم؟ شيءٌ قليلٌ، ولذلك النَّاس يأنفون منه يقول عزمنا على كراع وما جبت لنا شيئاً مما فيه لحمٌ كثيرٌ؟ والنَّبيُّ ﷺ يقول:  لو دُعيت إلى كراعٍ  الذي هي اللحم القليل  لأجبت ولو أهدي إليَّ كراع لقبلت  ومعلومٌ أنَّ اللَّحم الذي فيه أقل، فإذاً: لو رأيت الشَّخص يجيب دعوةَ أيِّ إنسانٍ بيته صغيرٌ أو كبيرٌ، وأهله يجيدون الطَّبخ أو لا يجيدون الطَّبخ، وعنده غنى أو ليس عنده غنى؛ فاعلم أنَّه متواضعٌ، وإذا رأيت الشَّخص يقبل الهدية أيَّاً كانت، ويثيب عليها بعض الأطفال، وتجده يلفَّها بأيِّ شيءٍ، يقول: هذا هدية هذا ممَّا في ذهنه وعقله، فإذا أكبرها الإنسان، وأعظمها، وأشعره بقيمة ما يفعل، وشكر له؛ فإنّ ذلك يدلُّ على تواضعه، وبعض النَّاس لا يقبلون الهدايا البسيطة، يمكن المهدي قليل ذات اليد، ورُبّما رماها أمامه، فإذا كان يكبِّر الشَّيء اليسير ويعظِّمه ويقبله؛ فإنَّ ذلك دليلٌ على تواضعه، وهكذا فعل النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
تواضع الصَّحابة رضوان الله عليهم:
00:31:20
 
وأمَّا السَّلف رحمهم الله فلا شكَّ أنَّهم مشوا على خطى النَّبيِّ ﷺ، كيف وهو الذي علَّمهم فضل التَّواضع؟ وهو الذي ذمَّ الكبر وأخبر أنَّه لا يدخل الجنَّة متكبِّرٌ، وأنَّ أهل الجنَّة هم الضُّعفاء، ولمَّا كان ﷺ قدوةً؛ صار أصحابه قدواتٍ، فبحسب المربِّي يكون الأتباع، وبحسب المعلِّم يكون الطُّلاب، وبحسب الشَّيخ يكون طلبة العلم وهكذا، فلمَّا كان النَّبيُّ ﷺ سيرته مكشوفة بينهم يمرُّ على الصِّبيان يُسلِّم عليهم، والأمة تأخذ به إلى أيِّ حاجةٍ هو معها وأصحابه، ويلعق أصابعه عند الطَّعام، ويكون في خدمة أهله، ويحلب الشَّاة، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهم، ويبدأ من لقيه بالسَّلام، فالآن إذا تواجهت مع أحدهم: من هو الأكثر تواضعاً؟ الذي يبدأ بالسَّلام قطعاً، فيرى لذلك الفضل فيبدأ بالسَّلام عليك، ولذلك من علامات التَّواضع  البدء بالسَّلام، لما رأى الصَّحابة رضوان الله عليهم كيف كان ﷺ يجيب دعوة الدَّاعي إلى أيِّ شيءٍ وأبسط شيءٍ يفعل ذلك ﷺ، فلمَّا كانت هذه هي أخلاقه بينهم؛ كان لا بُدَّ من التَّأثر بها، وكيف لا يتأثَّر الشَّخص وهو يرى مَن أمامه يفعل هذه الأشياء؟ وما معنى التَّربية؟ وما معنى الاقتداء؟ وما معنى التَّأثُّر إذا لم يكن هذا هو معناه؟ فإذاً هذا يبيِّن لنا أهمية وجود القدوات، وأهمية التَّعلُّم من النَّاس المتواضعين، فلما يروا النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام يجلس على الأرض وينصب رجله، ويقول:   آكل كما يأكل العبد أجلس كما يجلس العبد إنَّما أنا عبدٌ [رواه أبو يعلى4920، وصححه الألباني في الجامع الصغير8]. لا شكَّ أنَّ هذه الأشياء تورث في نفوسهم التَّخلُّق بهذا الخلق العظيم وتعلُّمه.
صفحات من تواضع الصَّحابة رضوان الله عليهم:
00:34:04
 والنَّبيُّ ﷺ لما كان في هذا المقام؛ كان أصحابه أيضاً في تلك المقامات العظيمة، فلنأخذ طرفاً من تواضع الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم: روى أبو داود رحمه الله عن محمد بن الحنفية، قال: قلت لأبي: أيُّ النَّاس خيرٌ بعد رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر، قال: قلت: ثُمَّ من؟ قال: ثُمَّ عمر، قال: ثُمَّ خشيت أن أقول: ثُمَّ مَن؟ فيقول: عثمان، يقول محمدٌ بن الحنفية: خشيت أن أقول له: ثُمَّ من؟ فيقول عثمان، فقلت: ثُمَّ أنت، قال: ما أنا إلَّا رجلٌ من المسلمين"[رواه البخاري3468]. فهذا تواضع عليِّ رضي الله عنه، وأبو هريرة رضي الله عنه كان يحمل الحزمة من الحطب على ظهره لما كان أميرًا ويقول: طرقوا للأمير طرقوا للأمير وكان ربما ركب على حمار ودخل ويقول: أوسعوا للأمير وهو راكب على حمار ويقول: "الحمد لله الذي جعل الدِّين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً" بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله"[رواه ابن ماجه2445]. أبو هريرة رضي الله عنه عمل فترةً من الفترات أجيراً عند ابنة غزوان، ما هو المقابل؟ يعطونه طعاماً يشبع بطنه، وأنَّه يسوق الدَّواب بهم طيلة الطَّريق، وأجرة حملة واحدة يعني: جزء من الطَّريق يركب هو الدَّابة، ثُمَّ مضت الأيام وتزوَّج أبو هريرة ابنة غزوان التي كان أجيراً عندها، وصار أميراً وما تغيَّر، وهذه هي العظمة أنَّه ما تغير بعدما صار أميراً، ولذلك إذا رأيت الشَّخص يتغيَّر بالمنصب وبالوظيفة وبالمال والتِّجارة؛ فهذا إنسانٌ تواضعه كان مزيَّفاً، أو قل: هشَّاً مهزوزاً، ولذلك لما جاءت ريح المنصب وجاءت ريح التِّجارة والمال وريح الوظيفة؛ قلبته على عقبيه، وانكشف على حقيقته، فبعض النَّاس لا ينكشفون على حقيقتهم في البداية، فيمضي بهم الحال فترةً من الزَّمن، يظنُّهم النَّاس أنَّهم على تواضع، فإذا جاءت هذه الأشياء كشفتهم، وظهر لك بشماخته وأنفته وكبريائه، وتعاظمه في نفسه، واختياله في مشيته، وتكبُّره على الخلق، فالعظمة في الصَّحابة: أنَّهم كانوا هم أمراء، وقبل ما يكونوا أمراء كان الوضع نفسه ما تغير، يحمل الحطب ويحمل حاجته بنفسه، قال عبد الله بن أبي الهذيل: رأيت عمَّاراً اشترى قتَّاً" وهو نوع من علف الدَّواب "بدرهمٍ وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة"[الطبقات الكبرى3/ 255]. فهو يستطيع أن يأتي بعبدٍ أو بغلامٍ أو بولده ليحملها له، هو يحملها وهو الأمير، تصوَّر: الأمير أمام النَّاس يحمل أغراضه، ويمشي في الطَّريق؛ لما كان المعلِّم الأوَّل متواضعاً صار المتعلِّمون متواضعين،
صفحات من تواضع السَّلف الصَّالح رضوان الله عليهم:
00:37:51
 
وصار التَّابعون أيضاً يسيرون على نفس الطَّريقة والمنوال، فمما جاء بعدهم قال سفيان بن عيينة عن الأعمش قال: "جهدنا بإبراهيم" أي: تعبنا مع إبراهيم، إبراهيم النَّخعي رحمه الله "حتى أن نجلسه إلى ساريةٍ فأبى"[رواه الدارمي 535]. يا إبراهيم يا شيخنا: أنت الشَّيخ تكون عند السَّارية أسند ظهرك لها؛ لأنَّك ستجلس طويلاً، فكن أنت المركز لكي يجتمع حولك النَّاس، فيأبى إبراهيم ولا يجلس إلَّا مع النَّاس، رواه الدارمي رحمه الله. وقال خيثمة: "كان الحارث بن قيس الجعفي وكان من أصحاب عبد الله" يعني: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، من أئمة المتواضعين تعلَّم منه "الحارث بن قيس الجعفي كان من أصحاب عبد الله وكانوا معجبين به فكان يجلس إليه الرَّجل  والرَّجلان فيحدِّثهما" الأحاديث والعلم "فإذا كثروا قام وتركهم"[رواه الدارمي521]. لأنَّ كثرة العدد عنده  مُدعاةٌ للتَّفاخر، وليس إعراضاً عن تعليمهم، فهناك من يعلِّمهم غيره، ولو كان هو الوحيد كان تعيِّن عليه ووجب أن يجلس إليهم، وهذه أشياء كان يفعلها بعض السَّلف احتياطاً ودرأ لأيِّ شائبةِ كبرٍ تقع في نفوسهم فيفعلون مثل هذا، وعن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: "قيل له حين مات عبد الله" وعلقمة من أكبر أكابر أصحاب ابن مسعود وبعد أن مات عبد الله الشَّيخ وهذا كبير تلاميذه وهو أولى النَّاس بمجلسه، قيل لعلقمة: "لو قعدت فعلَّمت النَّاس السُّنَّة، فقال: أتريدون أن يوطأ عقبي"[رواه الدارمي522]. يعني: يمشي النَّاس ورائي وأبجَّل؟ لا، فرفض ذلك، وعن سليم بن حنظلة قال: "أتينا أُبي بن كعب لنتحدَّث إليه، فلمَّا قام قمنا ونحن نمشي خلفه فرهَقَنا عمرُ فتبعه فضربه بالدرة فاتَّقاه بذراعيه، فقال: يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ قال: أما ترى فتنةً للمتبوع مذلَّةً للتَّابع"[رواه الدارمي540]. ولذلك كان بعضهم ينهى أن يمشي النَّاس وراءه ويقول: ارجعوا ارجعوا، فتنةٌ للمتبوع، لما يمشي النَّاس وراءه أعدادٌ، ومذلةٌ للتَّابع، ولذلك كانوا ينهون عنه، مع أنَّه من التَّواضع للعلماء أن نمشي وراءهم، وأن نسألهم وأن نلِّح عليهم بالأدب، وأن نحرص على التَّعلُّم منهم بالأدب، لكن العالم المتواضع يأبى ذلك، وطالب العلم المتواضع يصرُّ على ذلك، قال عبد الله بن زيد: "كنَّا نجلس إلى مكحول ومعنا سعيد بن عبد العزيز، فكان يسقي الماء في مجلس مكحول"[سير أعلام النبلاء15/ 30]. معروف سعيد بن عبد العزيز من الأكابر والعظماء في العلم، ومع ذلك كان سعيد بن عبد العزيز يُسقي الماء في مجلس مكحول ويضيِّف الموجودين، إذاً: فإضافة الضَّيف هذه الحركة التي يصرُّ عليها بعض النَّاس جيِّدةٌ، وهي قضية خدمة الآخرين القيام عليهم، يقول ذلك الرَّجل: صحبت ابن عمر لأخدمه في السَّفر فكان يخدمني، وفي سيرة أحمد بن حنبل رحمه الله: "أنَّه كان رُبَّما أخذ القدوم" الفأس "وخرج إلى دار السُّكَّان يعمل الشَّيء بيده، ورُبَّما خرج إلى البقَّال فيشتري الجزرة" الكومة "من الحطب والشَّيء فيحمله بيده"[سير أعلام النبلاء21/ 249-250]. فحمل الأغراض والأشياء كانت سيما الصَّالحين من قبلنا، وكُلَّما علا منصب الشَّخص وعلت منزلته، ثُمَّ فعل هذا؛ كان التَّواضع في حقِّه أكبر وتأثيره أكبر، قال رجاء بن حيوة: "قام عمر بن عبد العزيز ذات ليلةٍ فأصلح من السِّراج، فقلت يا أمير المؤمنين: لم لا أمرتني بذلك، أنت تقوم تصلح السِّراج وأنا موجود، أو دعوت من يصلحه، فقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر"[الطبقات الكبرى5/ 399]. يعني: ماذا نقص منِّي لما قمت وأصلحت السِّراج؟ قال الأصمعي: كتب محمد بن كعب نسبه: محمد بن كعب القرظي وهو أنصاري، فقيل له: قل الأنصاري، فقال: أكره أنَّ أمنَّ على الله بما لم أفعل"[قوت القلوب 293]. لأنَّ الأنصار نصروا الله ورسوله وهم معروفون، وكان بعض السَّلف رحمهم الله تعالى رُبَّما قال حفص بن غياث: رأيت الأعمش خارجاً إلى العيد على حمارٍ"[عيون الأخبار378-379]. وركوب الحمار كان من الدَّواب التي ليست بتلك التي لها قيمة ونفاسة، فكان بعضهم يتقصَّد الرَّكوب على حمارٍ تواضعاً لله تعالى، وشعارهم: إذا اتخذكم النَّاس رؤوساً فكونوا أذناباً، وهذه مسألةٌ تربويةٌ مهمَّة: كُلَّما كبر الإنسان بين النَّاس أن يزيد في التَّواضع حتى لا يغرُّه المنصب ولا المال، ولا شكَّ أنَّ النَّاس يحبِّون المتواضع ويألفونه بخلاف المستكبر، ثُمَّ إنَّ المتواضع لا يثير في النَّاس دافع المنافسة، فيكون مألوفاً بخلاف المستكبر الذي يثير فيهم المنافسة.
من ثمرات التَّواضع: كسب محبَّة الخلق:
00:45:17
 
ولذلك فإنَّ من أهم من ثمرات التَّواضع: كسب محبَّة الخلق، ولذلك فإنَّه لا بُدَّ للدَّاعية والمربِّي أن يكون متواضعاً؛ لأنَّ نجاح الدَّاعية في أيِّ شيءٍ؟ في كسب قلوب المدعوِّين، فكيف يكسب الدَّاعية قلوب المدعوِّين بأشياء كثيرة: من أعظمها تواضعه لهم، فيقوم بخدمتهم ونصحهم وتعليمهم والإصغاء إليهم، وكذلك المربِّي يصغي إلى مشكلاتهم، وينصت لها ويقدِّم الحلَّ، ويصبر على أذاهم، فهذا يتمرَّد، وهذا يستعجل، وهذا يعصي، وهذا يخالف، وهذا يحتقر، وهذا يواجه بشيءٍ يكره في الوجه، ومع ذلك فإنَّ التَّواضع يقتضي أن يحتمل أذاهم وأن يصبر على خطاياهم، وأن يقدِّم الخدمة لهم، ولذلك فإنَّ من مقاييس النَّجاح في عالم التَّربية: أن يكون المربِّي متواضعاً لمن معه، وبعض النَّاس يتَّكئون على قضية المسئولية، أو قل: درجة السُّلطة بين من معه، فيكسر التَّواضع اللَّازم للمربِّي، فيقودهم بالسُّلطة لا بالمحبَّة، وهذه قضيةٌ سيئةٌ أن توجد في الأوساط التَّربوية أن يقود الشَّخص بمسئوليته وسلطته، لا بمحبته ومكانته في القلوب، ففرقٌ بين أن يأتي إليك شخصٌ تحبه فيقول: افعل كذا، فأنت تفعل ذلك محبَّةً له، وتفعله وأنت تطلب المزيد من التَّكليفات، كأنَّك تقول زدني أعمالاً ومسئولياتٍ وتكليفاتٍ، وزدني أثقالاً فإنِّني محبٌّ لك، والعبارة التي تقول لي فيها افعل كذا من باب المحبَّة، وعندما يكون الشَّخص الذي يسوس النَّاس ومن معه يستخدم السُّلطة للأمر والنَّهي، ويستخدم القوَّة أو يستخدم المكانة التي وضع فيها، فإنَّ هذا العمل مدعاةٌ للتَّنفير، وكأن الواحد إذا انساق؛ ينساق وهو مرغمٌ، ويقول: ليته ما أمرني، وإذا كان جريئاً رُبَّما عصاه علانيةً، وإذا كان أقلَّ جرأةٍ قال: لا بأس، ولا يفعل الشَّيء الذي كلَّفه به، ورُبَّما عاند وفعل العكس، ولو فعل فإنَّه يفعله عن كرهٍ، نفِّذ ثُمَّ اعترض، وهذه قاعدةٌ ما يكون الاتِّباع إلَّا بالمحبَّة، ولا تكون الرَّغبة في تنفيذ الشَّيء إلَّا بالمحبَّة، أعظم الأشياء التي تكسب بها المحبة: التَّواضع، لذلك نقول أيُّها الإخوة: إنَّ تواضع المربِّي أمرٌ مهمٌّ جدَّاً في العلاقة بينه وبين من يربِّي، كذلك الدَّاعية إلى الله من أسباب كسبه للقلوب: تواضعه للمدعوِّين، والعالم من أسباب كسبه للطَّلبة: تواضعه لمن يعلِّمهم، فإذا رأيته مختالاً فخوراً ما جلس إليه أحدٌ، فبعض النَّاس رُبَّما إذا جاءه الأشخاص في حاجاتهم كره ذلك وأنف منه، فينغي أن يكون الموقف موقفاً تربوياً، فرُبَّما يردُّ شخصاً لسببٍ علةٍ في هذا الشَّخص، ولو كان سويَّاً لقضى له حاجته، لكن رُبَّما كان عنده شيءٌ من العلَّة فيردُّه لا كبراً، وهنا القضية: أنَّ بعض النَّاس يفهم الردَّ على أنَّه استكبارٌ، ينبغي على المتعلِّم وعلى المتربِّي أن يفهم أنَّ ردَّه من قبل شيخه أو من قبل مربِّيه أو معلِّمه لا يكون كبراً، ولا يكون دائماً علوَّاً، ولا يكون دائماً صدوداً وأنفةً، وإنَّما قد يكون لأمرٍ يحسه ذلك المعلِّم، ويرى أنَّ من مصلحة هذا الطَّالب أن يُردَّ ولا يُجاب في هذا الطَّلب، فرُبَّما يذهب ذلك المتعلِّم ويقول: هذا الشَّخص متعالٍ رفض طلبي، كيف نحكم هنا أنَّه متعال أو لا؟ إذا درسنا كُلَّ أحواله، فإذا وجدناه دائماً يُعطي لكن في أحوالٍ قليلةٍ يردُّ، معناها أنَّ ردَّه لمصلحة، وإذا كان غالب أحواله الردُّ فمعناه: أنَّ الرَّجل هذا غيرُ متواضعٍ.
كيف يكتسب الإنسان التَّواضع:
00:51:16
 
وتعالوا نستعرض بعض الأمور التي تكسب التَّواضع، كيف يكتسب الإنسان التَّواضع؟ مثلاً: لما نقول: أنَّ هذا خُلقٌ معيَّنٌ يجب أن نربِّي أنفسنا عليه، فكيف يربِّي الإنسان نفسه على التَّواضع؟ هناك أشياء معيَّنة إذا فعلها الشَّخص مثلاً: جاءت في الشَّريعة أو تُؤخذ من سير الصَّالحين، أو تؤخذ حتى بالعقل السَّليم، أنَّ من حرص عليها فإنَّه يربِّي نفسه على التَّواضع، مثلاً: ترك الملابس النَّفيسة مرتفعة الثَّمن والقيمة، فعن معاذ بن أنس الجهني أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم  قال:  من ترك اللِّباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه  ليس من فقرٍ ولا من قلَّةٍ ترك اللِّباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره من أيِّ حُلل الإيمان شاء يلبسها  قال الترمذي: "هذا حديث حسن" وفي صحيح الجامع: حلل الإيمان يعني: حلل الجنَّة التي توزع على أهل الإيمان" كما أشار إلى ذلك الترمذي في سننه تعقيباً على الحديث: "حُلل الإيمان: حلل الجنَّة التي تُوزَّع على أهل الإيمان"[رواه الترمذي2481، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي[رواه الترمذي2481، ]. إذًا هذه الحلل التي يخيَّر فيها من هو؟ الشَّخص الذي تركها في الدُّنيا تواضعاً لله، فبعض النَّاس يحرص على أنفس نوعٍ من قماش الثِّياب، وأنفس شماغٍ، فيريد من كُلِّ شيءٍ أغلاه، هذا شيء ٌ طيبٌ فنحن لا نقول أن هذا حرامٌ، لا، ما دام أنَّه لم يلبس حريراً ولا ذهباً ولا أسبل ولا مخيلة، لكن التَّواضع يقتضي أنَّ الإنسان  يترفَّع عن مثل هذه الأشياء، ودائماً يحرص على القمَّة فيأخذ الأغلى من مطعم ولباس وسيارة، معناه: هذا الإنسان يحبُّ المظاهر، ومعناه: قضية الزُّهد غير متأصَّلة في نفسه، وأحياناً يظهر ذلك بتتبُّع الموديلات وتتبُّع الأشياء، فيريد آخر طراز وآخر موديل، ولو كان اشتراه قبل ستة أشهر، إذاً: المسألة منافيةٌ للتَّواضع، ولو كان متواضعاً لرغب عن هذه الأشياء؛ لأنَّ كونه يحيط نفسه بكُلِّ هذه الأشياء الدُّنيوية من الكمالات والأشياء مرتفعة الثّمن، معناه: أنَّ الرَّجل يريد أن يترفَّع بهذه الأمور والحرص عليها، لا نقول يلبس متسخ الثِّياب، ولا نقول أن يكون كريه الرَّائحة، أو لا يغتسل؛ لا والله، ولا يصحُّ أن يُفهم حديث:  البذاذة من الإيمان [رواه ابن ماجه4118، وصححه الألباني في صحيح وضعيف ابن ماجه4118]. يعني: التَّواضع في اللِّباس، فالبذاذة من الإيمان لا يعني أن يكون الثَّوب وسخاً ولا رائحته كريهةً، ولا أنَّ الإنسان لا يتطيِّب حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء [رواه النسائي 3939، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي 3939]. لكن أن يكون على آخر طراز فهذا لا يُوافق قضية التَّواضع أو الزُّهد التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان المسلم.
من الأمور التي تُكسِب التَّواضع:
00:55:07
 ومن الأشياء أيضاً: مجالسة المساكين والفقراء، فهذا يكسر ما في نفسه من الكبر قطعاً، لو كان فيه ويزيده تواضعاً، وكذلك إجابة دعوتهم؛ لأنَّ  هؤلاء الضَّعفة يرغب عنهم النَّاس، ولذلك صناديد قريش لما جاءوا للنَّبيِّ ﷺوكان جالساً مع العبيد والضُّعفاء؛ كصهيب وبلال وعمار وخبَّاب، قالوا: أنجلس مع هؤلاء الأعبد، هم النَّبيُّ ﷺ لشيءٍ رآه في مصلحة الدَّعوة: أن يقوم عن هؤلاء ويجلس معهم في مجلسٍ منفصلٍ، فما تركه ربُّه وأنزل الآية:  وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]. إذاً: مجالس الأغنياء والكبراء والرُّؤوساء والعظماء والوجهاء، النَّاس يرغبون فيها، وإذا جاءتك دعوةُ وليمة من شخصٍ في صالةٍ فخمة، وجاءت وليمةُ عرسٍ أخرى من شخصٍ نصب خيمةً في الشَّارع فمن تجيب؟ فأنت تجيب الأسبق من جهة الأولوية الذي وصلت بطاقته ودعوته ومكالمته ورسوله إليك أولاً، لكن لو وصلت دعوة الفقير قبل وجاءت دعوة الشَّخص الآخر صاحب الصَّالة الفخمة بعد، فالنَّفس تدعو إلى أيِّ شيءٍ؟ إلى الذَّهاب إلى تلك الوليمة العظيمة، مع أنَّ الشَّرع يقتضي أن تجيب الأول، ورُبَّما قال شخصٌ لنفسه تخادعه وتقول: لا تكثِّر يمكن ليس عنده أكلٌ كثيرٌ، وقد ربما تحرجه فلا تذهب، وذاك عنده سفرةٌ طويلةٌ، فالمهم أنَّ النَّفس لها التَّواءات ولها مناوراتٌ لا يعرفها إلَّا الخبير بنفسه الحريص على نجاته، فقضية التَّواضع في اللِّباس وفي الدَّعوات، والتواضع للمساكين فيها آثار عن السَّلف لو رجعنا قليلاً إليهم؛ لأنَّهم قدوتنا وعمدتنا، قال: مرَّ الحسن على صبيان معهم كسر خبزٍ فاستضافوه، فنزل فأكل معهم، ثُمَّ حملهم إلى منزلهم فأطعمهم وكساهم، وقال: البدء لهم، يعني: المعروف والسَّبق بالفضل لهم؛ لأنَّهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني ما عندهم، إلَّا الخبز وأطعموني إيَّاه، ونحن نجد أكثر منه"[شذرات الذهب1/ 56]. نحن ماذا فعلنا أعطيناهم جزءً من الموجود وهم دعونا إلى كُلِّ الموجود، وبالنُّسبة للِّباس يقول رجاء بن حيوة: "قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي الله  عنه وهو يخطب باثني عشر درهماً، وكانت قباء وعمامة وقميصاً وسراويل ورداء وخفِّين وقلنسوة"[مدارج السالكين2/ 331]. فكُلُّها على بعضها اثنا عشر درهم، وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنَّ ابناً له اشترى له خاتماً بألف درهم فكتب إليه عمر: بلغني أنَّك اشتريت فصَّاً بألف درهم، فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم وأشبع به ألفَ بطن، واتخذ خاتماً بدرهمين واجعل فصَّه حديداً صينياً، وكتب عليه: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه"[مدارج السالكين2/ 331-332]. فهؤلاء هم المربِّون فعلاً، هؤلاء النَّاس الذي تأثَّر بهم أجيالٌ كثيرةٌ، كم أجيال بيننا وبين عمر بن عبدالعزيز؟ خمسة وعشرون جيلاً، يعني أعلى سندٍ موجودٍ في القراءات بين أكبر القرَّاء والنَّبيِّﷺ يمكن ثمانية وعشرون أو تسعة وعشرون شخصاً.
من علامة التَّواضع: الإذعان للحقِّ:
01:01:19
 
وكذلك من الأمور المهمَّة: أنَّ الإنسان يُذعن للحقِّ، ويمكن هذا أكبر علامة من علامات التَّواضع: التواضع للحقِّ، ولذلك سُئل الفضيل بن عياض رحمه الله عن التَّواضع؟ فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله"[مدارج السالكين2/ 329]. التَّواضع للحقِّ كثيرٌ من النَّاس إذا وجَّهت لهم نصائح يعتمد من الذي وجهَّها، فإذا وجهَّها شخصٌ أعلى منه قبل وسكت، وإذا وجهَّها شخصٌ أقلُّ منه قال: اشتغل بما يعنيك وانصح نفسك، ونحو ذلك من العبارات التي يردُّ بها هؤلاء السُّفهاء على الدُّعاة المصلحين، التَّواضع للدِّين وللحقِّ وللنَّصيحة: سواءً جاء من كبيرٍ أو من صغيرٍ أو من امرأةٍ أو من رجلٍ أو من حرٍ أو من عبدٍ، فلا يهم، نقبل الحقَّ من أيٍّ كان، وهذا من أكبر علامات التَّواضع، ومن الكبر أنَّ الإنسان لا يقبل الحقّ،َ أو يقبله من ناسٍ معيَّنين وناس لا يقبل منهم، كما قال ابن القيم رحمه الله: "ولا تصح لك درجة التواضع حتى تقبل الحقَّ ممن تحبُّ وممن تبغض، فتقبله من عدوِّك كما تقبله من وليِّك، بل حقيقة التَّواضع أنَّه إذا جاء قبلته منه، وإذا كان له عليك حقٌّ أدَّيته إليه، فلا تمنعك عداوته من قبول حقِّه، ولا من إيتائه إيَّاه"[مدارج السالكين2/ 337].
من الأمور التي يتعلَّم الإنسان منها التَّواضع: حصول حادث ونحوه:
01:03:33
 
من الأشياء أنَّ الإنسان قد يحصل له شيءٌ وحادثٌ يُرزق به أو يزداد به تواضعاً، وقد يكون الحادث أحياناً شيئاً من الانكسار، كفقرٍ أو مرضٍ، فإنَّ الله حكيمٌ، وهو الحكيم الخبير يجري أحداثاً على بعض العباد؛ لكي يعلِّمهم التَّواضع، فقد يكون تاجراً مستكبراً فينكسر فيتواضع، وقد يكون إنساناً جباراً فيمرض فيتواضع، ولذلك رؤية مشهد سقوط الشَّيء العظيم وانحداره فيه تربيةٌ على التَّواضع، وهذه قصَّة العضباء شاهدٌ على ذلك، فعن أنس قال: كانت ناقةٌ لرسول الله ﷺ تُسمَّى العضباء، وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابيٌّ على قعودٍ له فسبقها، فاشتدَّ ذلك على المسلمين إذ كيف ناقة الرّسول ﷺ تُسبَق، اشتدَّ ذلك عليهم ووجدوا في أنفسهم، وقالوا: سبُقت العضباء، فقال رسول الله ﷺ: إن حقَّاً على الله ألَّا يرفع شيئاً من الدُّنيا إلَّا وضعه [رواه البخاري 6136]. فالبخاري وضع الحديث في كتاب التَّواضع من صحيحه، ولذلك قال ابن حجر رحمه الله في الشَّرح ناقلاً ومعلِّقاً: " فيه إشارةٌ إلى الحثِّ على عدم التَّرفُّع والحثِّ على التَّواضع والإعلام بأنَّ أمور الدُّنيا ناقصةٌ غير كاملة، وقال ابن بطال: فيه هوان الدُّنيا على الله والتَّنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة، وأنَّ كُلَّ شيءٍ هان على الله فهو في محلِّ الضَّعة فحقٌّ على كُلِّ ذي عقلٍ أن يزهد فيه ويقلَّ منافسته في طلبه"[فتح الباري11/ 341]. وهذا شيءٌ دنيويٌّ؛ إذاً هذا هيِّنٌ على الله، إذاً لا تتبعه نفسك، سُبِقت العضباء: درسٌ للصَّحابة، فكُلُّ شيءٍ مهما كان فوق فلا بُدَّ يوماً من الأيام أن ينزل، فأيُّ شيءٍ من أصغر الأمور إلى أكبرها، سواءً آدميٌّ أو دابةٌ أو شركةٌ أو أيُّ شيءٍ في العالم مهما عظم فله يومٌ وينزل، ولا يمكن أن يستمر، وهذه سُنة الله في خلقه، ولا يدوم إلَّا الحيُّ القيِّوم، وهو سبحانه وتعالى الباقي عزَّ وجلَّ لا تنقص قوَّته ولا يضعف سبحانه، وخلقه يضعفون وتنقص قواهم.
من الأمور التي يتعلَّم الإنسان منها التَّواضع: قبول العذر:
01:06:36
 
ومن أعظم الأمور أيضاً التي تُربِّي على التَّواضع: قبول العذر، وهذا من علامات المتواضعين، فمن أخطأ عليك ثُمَّ جاء يعتذر فمن تواضعك أن تقبل اعتذاره، من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته، كما قال ابن القيم رحمه الله: "فإنَّ التَّواضع يُوجب عليك قبول معذرته حقَّاً كانت أو باطلاً" فما دام أنَّه جاء يعتذر حتى لو قال لك عذراً سخيفاً فالتَّواضع يقتضي أن تقبل عذره، ولا تفتِّش عن الاعتذارات اقبلها فالتَّواضع يقتضي قبول الاعتذار مهما كان، ولو كان كذب عليك اقبل الاعتذار، وما دام أنَّه ليس شيئاً ضد الدِّين، وإنَّما جاء معتذراً فاقبل عذره حتى لو كان كاذبًا "وعلامة الكرم والتَّواضع أنَّك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجّه" فهذه عبارةٌ دقيقةٌ لابن القيم رحمه الله "إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه، وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول"[مدارج السالكين2/ 337-338]. يعني: حتى الإنسان لا يكذب ويقول فعلاً يمكن أن يكون الأمر كما تقول إذا شككت فيه، والدَّليل على ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقبل الأعذار ولو كانت كذباً في المنافقين، فلمَّا جاء المتخلفون عن الغزو يعتذرون إليه قبل أعذارهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فما دام هكذا كان ﷺ يفعل تألُّفاً لهم فيفعله مع المنافقين، ونحن مع إخواننا أولى بأن نقبل الأعذار، لكن عندما تكون المسألة تتعلَّق بالدِّين فلا يقبل الاعتذار، وعندما لا تكون هناك مصلحة في التَّغاضي فلا نتغاضى، بل نوقفه عند حدِّه، ونفتِّش عليه، ونضيِّق عليه؛ لكي نوقفه على خطئه، ولكي يتربَّى على هذا الأمر.
ينشأ التواضع من معرفة الإنسان قدر عظمة الله:
01:09:09
 
والتَّواضع ينشأ من أيِّ شيءٍ؟ أن يعرف الإنسان قدر عظمة الله، ويعرف قدر نفسه، فإنَّ الإنسان إذا عرف قدر عظمة الله، وعرف قدر نفسه وقارن؛ حصل له التَّواضع، ومن الأشياء أيضاً: التَّواضع بالتَّنحِّي عن صدور المجالس، لقد جاء في الحديث وصحَّحه الألباني:  اتقوا هذه المذابح   يعني: المحاريب[رواه البيهقي 4102، وصححه الألباني في الجامع الصغير 120]. والمذابح يعني: أن تذبح الإخلاص والتَّواضع، المحاريب: صدور المجالس؛ لأنَّه مكان مرموق ومرغوب، وكُلُّ واحدٍ يريد أن يكون فيه، فالمتواضع  يرغب عنه ويجلس في طرف المجلس، والسُّنَّة أن يجلس حيث انتهى به المجلس، ولا ينتظر النَّاس أن يقوموا له، حيث أن بعض النَّاس من كبره يدخل من الباب ويقف حتى يقوم واحدٌ ويجلس مكانه، أو يقف حتى يقوموا له، فمن التَّواضع أن يأمرهم بالقعود وأن يجلس حيث انتهى به المجلس، وكذلك فالرِّضا بالدُّون من المجالس كما قلنا في الحديث الذي رواه الطَّبراني والبيهقي عن ابن عمرو مرفوعاً:  اتقوا هذه المذابح .
من علامات التَّواضع: إطعامُ الخدم الاهتمام بهم:
01:10:51
 
ومن علامات التَّواضع: إطعامُ الخدم والاهتمام بهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النَّبيِّ ﷺ:  إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلةً أو أكلتين، أو لقمةً أو لقمتين، فإنَّه ولي حره وعلاجه [رواه البخاري5144]. فهذا الذي طبخ والذي نفخ وتعب فلا أقلَّ من أن يُطعم نتيجة طبخه ويذوقه، رواه البخاري. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:  إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثُمَّ جاءه به وقد ولِي حرَّه ودخانه فليقعده معه فليأكل، فإنَّ كان الطَّعام مشفوها  يعني: قليلاً  فليضع في يده منه أُكلةً أو أُكلتين  قال داود: "يعني لقمةً أو لقمتين"[رواه مسلم1663]. رواه مسلم.
من مواضع التَّواضع: في صلاة الاستسقاء، وعند الانتصار على العدو:
01:11:50
 
ومن مواضع التَّواضع: التَّواضع في صلاة الاستسقاء، فالنَّاس إذا خرجوا في صلاة الاستسقاء، يكونون في غاية الذُّل لله ربِّ العالمين، وهذا من التَّواضع لله، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه لما أرسل إليه الوليد بن عقبة أمير المدينة يسأله عن استسقاء رسول الله ﷺ، قال عبد الله بن عباس: "إنَّ رسول الله ﷺ خرج متبذلاً" يعني ليس بملابس جديدةٍ أو نفيسة "خرج متبذلاً متواضعاً متضرِّعاً" يعني: حتى أتى المصلَّى وصلَّى الاستسقاء، قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ[رواه الترمذي558].
من مواضع التَّواضع المهمَّة: التَّواضع عند الانتصار على الأعداء، جرت عادة القادة والفاتحين إذا دخلوا المدن والبلدان أن يسفكوا الدِّماء ويجعلوا أعزة أهلها أذلَّة، ويرفعوا رؤوسهم أنفاً وغروراً، ويختالون ويعملون العروض -عروض الفاتحين- فالنَّبيُّ ﷺ لمَّا فتح مكة ودخلها، وقهر كفَّار قريش وأذلَّهم الله، وانتصر عليهم، ورغم أنفهم؛ دخل البلد حتى قيل: دخلها عنوةً، ماذا فعل ﷺ؟ هل عمل استعراضاتٍ؟ لا، وإنَّما كادت جبهته أن تمس عنق راحلته تواضعًا لله، دخلها مطأطئاً رأسه، ﷺ وهذا إرغام النَّفس في مواضع الانتصار، فالتَّواضع يكون عظيماً عندما يكون الوضع يستدعي التَّكبُّر، فتقابله بعكسه تماماً، وهذا من أعظم مواضع التَّواضع، حتى إذا تبوأ منصباً ماذا يفعل؟ فجأة يرفع ويضع ويعلن ولا يرفض، مثلاً: حصل على شهادة الدُّكتوراه فجاء واحدٌ وقال يا سعد مثلاً، فقال له لو سمحت قل: يا دكتور سعد، فبعض النَّاس الكبر موجود فيهم، لكن متى ينكشف؟ لما أخذ الدُّكتوراه انكشف، فإذا ما قال له يا دكتور فلان أقفل سماعة الهاتف ورده ما أجابه، أين التَّواضع للخلق؟ قيل لعبيد الله بن بسام -وهذا تحليلٌ نفسيٌّ من عبيد الله بن بسام في قضية المنصب- قيل لعبيد الله بن بسام: فلان غيَّرته الإمارة، فقال: "إذا ولي الرَّجل ولاية فرآها أكثر منه تغيَّر" لما كانت نفسه ضعيفةً والمنصب أكبر منه "وإذا ولي ولايةً يرى أنَّه أكثر منها لم يتغيَّر هو" متى يتغيَّر الشَّخص؟ إذا كان المنصب أو الولاية أكبر منه وهو أضعف وأقلُّ، فيصير في حالة من عدم التَّوازن، مثل: الطَّائرة في الجو  إذا هناك مطبات هوائية فتجد صعود وهبوط واضطراب وتخلخل وارتجاج، وهذا الذي يحدث يرتج عقله، ولذلك واحدٌ  من النَّاس قيل له: أنت عُيِّنت في منصب فأُغمي عليه خمس ساعات، وقع على السَّرير، لماذا؟ لأنَّه أُصيب بحالة من عدم الاتزان، فهذه أشياء أمور دنيوية ينبغي على الإنسان أن يتواضع فيها، ولو قيل: وضعناك في أعلى مكان فالمتواضع يعرف أنَّ هذا شيءٌ دنيويٌّ وزائل، وأنَّ المسألة ككرسي الحلَّاق يأتي هذا ويترك ثُمَّ يأتي عليه غيره، فالمسألة إذاً: من عرف قدر عظمة الله وضعفه هو؛ تواضع لله عزَّ وجلَّ.
من مواضع التَّواضع: التَّواضع للعلماء:
01:16:00

أيضاً من المجالات العظيمة في التَّواضع: التَّواضع للعلماء، لما جاء زيدٌ بن ثابت وكان من كبار علماء الصَّحابة على راحلته قام ابن عباس إليه ليأخذ بركابه، يرِّحب بالعالم وينزله إكراماً واحتفاءً، فقال زيد -انظر العالم يتواضع- قال: لا تفعل يا ابن عم رسول الله، فقال عبد الله بن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا" نذهب إلى العالم ونقوم له ونتلقاه وننزله من الدَّابة ونساعده وننزل له متاعه، فقال زيد: "أرني يدك" فأخرج يده فقبَّلها زيدٌ وقال: "هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله ﷺ"[المجالسة وجواهر العلم1314]، ومن الصُّور العظيمة للتَّواضع التي حصلت للعلماء: تواضع الحافظ ابن عبد القوي رحمه الله تعالى، وابن عبد القوي هذا رحمه الله شيخُ ابن تيمية شيخ الإسلام، حيث تتلمذ على ابن عبد القوي، فلما نظم ابن عبدالقوي منظومةً في  الفقه -وهو شيخ ابن تيمية- يقول في مسألة مسافة القصر:
وعند إمام العصر لا حجَّة لهم *** على ذا ولكن باسمه فليحدد

يقول ابن عبد القوي: بعض النَّاس حدَّدوها بمسافة كذا، وبعض النَّاس حدَّد السَّفر بمسافة كذا، ثُمَّ قال ابن عبد القوي عن تلميذه ابن تيمية: "وعند إمام العصر" يقصد ابن تيمية "لا حجة لهم" الذين قالوا بالتَّحديد "على ذا، ولكن باسمه فليحدد" إذا صار اسمه سفر فهو سفر، وعندما ذكر قتال البغاة: هل يقاتل الابن أباه إذا كان الأب مع البغاة؟ يقول:
ويكره شيخ العصر أن يقصد الفتى *** بغاةَ ذوي الأرحام لا ذو المجرد
فالذي ليس له رحم لا يكره، وصاحب الرَّحم يكره أن يخرج في القتال، لما ذكر عادة النِّساء في الحيض لمن لها عادة وتغيَّرت قال:
وعند إمام الوقت تجلس مطلقاً *** لظاهر ما يُروى بغير تقيُّد
يعني: امرأة عدَّتها ستة ويوم من الأيام صارت على التَّسعة فاختلف العلماء هل تبقى على السِّتة أو تزيد؟
وعند إمام الوقت تجلس مطلقاً *** لظاهر ما يروى بغير تقيُّد
يعني: ما ورد من تقييد الحائض إذاً تبقى على الحال إذا جاءها الحيض، مهما مكثت، ما لم تبلغ خمسة عشر يوماً، فإنَّها حائض، فانظر إلى تواضعه رحمه الله، حيث يصف تلميذه بأنَّه إمام العصر، ويصف تلميذه بأنَّه إمام الوقت، فتَواضُع المعلم من الأهمية بمكان، وتواضع العالم كذلك دالٌّ على طيب نفسه، وقصة ابن عباس وزيد عظيمةٌ.
والتَّاجر ما هو تواضع التَّاجر؟ مخالطته للنَّاس وللفقراء، وعدم التَّرفُّع عليهم، وإعطاء المحتاجين، وتفقُّد النَّاس، وهو في ملابسه لا ينسى من في البرد، وفي شبعه لا ينسى من في الجوع، فهكذا تواضع التُّجَّار.
أمورٌ ليست من التَّواضع:
01:20:04
 وأخيراً فإنَّ هناك بعض الأشياء التي هي ليست من التَّواضع، حيث يظنُّها النَّاس تواضعاً، فمثلاً: الضَّعف في المشي ومشية العاجز والكسلان، فبعض النَّاس يقول هذا تواضع، لا، فالنَّبيُّ ﷺ كان يمشي كأنَّما يهوي في صبوب، الصبوب: يعني المنحدر من الأرض، يمشي ويتعبون وراءه، ويمشي مشية النَّشاط ولا يُقال: هذه مشية النَّشاط تكبراً، والتَّواضع أن يمشي مشية المريض الكسلان، لا، فالمسلم يمشي مشية نشاط لا مشية الميت الكسلان، ولا مشية الجبَّار العنيد  إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37]. ولا تمت علينا ديننا، في المقابل: جاء رجلٌ إلى ابن عباس فقال: إنَّ مولاك إذا سجد وضع جبهته وذراعيه وصدره بالأرض، أي: ألصق نفسه بالأرض، فابن عباس استدعاه وقال: ما يحملك على ما تصنع؟ قال: التَّواضع، قال: هكذا ربضة الكلب"[رواه أحمد2935]. والنَّبيُّ ﷺ نهانا عن الانبساط كانبساط الكلب: أن يضع مرفقيه على الأرض عند السَّجود، ارفع فهذا المولى كان يتخيَّل أنَّ هذا تواضع وهذا ليس من التَّواضع، كذلك التَّواضع لأجل الغني لغناه مذمومٌ، قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الرُّوح: "والفرق بين التَّواضع والمهانة" فلو قال قائل: التَّواضع مهانة؟ قال ابن القيم: "أنَّ التَّواضع يتولَّد من بين العلم لله ومعرفة أسمائه بحيث يؤدِّي إلى انكسار القلب لله وخفض جناح الذُّل لعباد الله تعالى، ويرى الحقَّ لهم وليس له، وأمَّا المهانة فهي الدَّناءة والخسَّة وبذل النَّفس وامتهانها في الشَّهوات، والله يحب التَّواضع ويكره المهانة"[الروح 233-233]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ.