الجمعة 11 ربيع الآخر 1442 هـ :: 27 نوفمبر 2020 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

صاحب القبر المنفرد


عناصر المادة
نص قصة صاحب القبر المنفرد:
شرح قصة صاحب القبر المنفرد "حديث البئر":
الفوائد المستفادة من قصة صاحب القبر المنفرد "حديث البئر":

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
وبعد:

نص قصة صاحب القبر المنفرد:
00:00:26

فنعيش لحظات طيبة -إن شاء الله- مع ثلة، هم أعظم الناس في هذه الأمة؛ مع قصة من قصص الصحابة مع نبيهم ﷺ؛ يرويها لنا أبو موسى الأشعري : "أنه توضأ في بيته، ثم خرج، فقلت: لألزمن رسول الله ﷺ، ولأكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد، فسأل عن النبي ﷺ، فقالوا: خرج ووجهه هنا، فخرجت على إثره أسأل عنه، حتى دخل "بئر أريس"، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على "بئر أريس"، وتوسط قفها، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت، فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لـ "أبي بكر": ادخل، ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف، ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ، وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً -يريد أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ، فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة فجئت، فقلت: ادخل، وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة، فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر.
ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به -يعني: أخاه- فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه فجئته، فقلت له: ادخل، يبشرك رسول الله ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل، فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاهه من الشق الآخر".
قال شريك بن عبد الله: قال سعيد بن المسيب؛ راوي الحديث عن أبي موسى: "فأولتها قبورهم" [رواه البخاري: 3674، 6367].
وفي رواية له أيضاً عن أبي موسى قال: "كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ: افتح له وبشره بالجنة  ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ: افتح له وبشره بالجنةففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فإذا عثمان ، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ، فحمد الله، ثم قال: "الله المستعان!" [رواه البخاري: 3693].
وفي رواية له أيضاً عن أبي موسى: "أن النبي ﷺ دخل حائطاً وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن -وذكر القصة إلى أن بشر عمر - ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة، أي: النبي ﷺ هذه المرة سكت هنيهة لما جاء عثمان ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه[رواه البخاري: 3695].
وفي رواية: أن النبي ﷺ: "كان قاعدا في مكان فيه ماء، قد انكشفت عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها"[رواه البخاري: 3695].
هذه الروايات كلها قد رواها الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-.
وقد روى هذا الحديث الإمام مسلم عن أبي موسى قال: "خرجت أريد رسول الله ﷺ فوجدته قد سلك في الأموال فتبعته، فوجدته قد دخل مالاً" أي: بستاناً "فجلس في القف وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر" [رواه مسلم: 6368].
وفي رواية لـ "مسلم" أيضاً قال ابن المسيب: "فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا، وانفرد عثمان "[رواه البخاري: 7097، ومسلم: 4417].
وقد روى الحديث أيضاً الإمام أحمد -رحمه الله- عن أبي موسى الأشعري، قال: "كنت مع النبي ﷺ في حائط، فجاء رجل فسلم، فقال النبي ﷺ: اذهب فائذن له وبشره بالجنة  فذهبت، فإذا هو أبو بكر ، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة، فما زال يحمد الله، حتى جلس، ثم جاء آخر فسلم، فقال: ائذن له وبشره بالجنة فانطلقت، فإذا هو عمر بن الخطاب ، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة، فما زال يحمد الله حتى جلس، ثم جاء آخر فسلم، فقال: اذهب فائذن له وبشره بالجنة على بلوى شديدة قال: فانطلقت، فإذا هو عثمان ، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة على بلوى شديدة، قال: فجعل يقول: "اللهم صبراً" حتى جلس"[رواه أحمد: 19527، وقال محققو المسند: تعليق شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"].

شرح قصة صاحب القبر المنفرد "حديث البئر":
00:09:52

قوله في الحديث: "إنه -أي: أبو موسى الأشعري توضأ في بيته ثم خرج" يتوضأ الإنسان في بيته، ثم يخرج، فلعله يصادف وقت صلاة، ولعله يذهب إلى مجلس علم، فوضوؤه قبل خروجه من بيته خير، وقد نوى عند خروجه من البيت أن يلزم النبي ﷺ، فسأل عنه، فقالوا: "خرج ووجهه هاهنا" يعني: توجه إلى هذه الجهة.
وقوله في الرواية: "حتى دخل بئر أريس" هذا بستان معروف بـ "المدينة" بالقرب من قباء.
وفي "بئر أريس" في هذا البستان سقط خاتم النبي ﷺ من إصبع عثمان ؛ لأن خاتم النبي ﷺ كان عند الخلفاء، فلما صار الخاتم إلى عثمان ، ذهب عثمان إلى هذا البئر مرة فوقع منه الخاتم في البئر، ثم لم يعثر عليه.
قوله في الحديث: "إن النبي ﷺ لما جاء إلى البئر توسط قفها".
القف، هو المكان المرتفع الذي يجعل حول البئر.
وفي رواية مسلم: "بينا رسول الله ﷺ في حائط من حوائط المدينة، وهو متكئ ينكت بعود معه بين الطين والماء" فجلس على هذا القف ومعه عود ينكت به بين الطين والماء، قال أبو موسى الأشعري: "لأكونن اليوم بواب النبي ﷺ" ولم يأمرني"[رواه البخاري: 7097].
وجاء في رواية: "أن النبي ﷺ دخل حائطا، وأمرني بحفظ باب الحائط"[رواه البخاري: 3695].
وفي رواية قال: "يا أبا موسى أملك علي الباب، فلا يدخلن علي أحد إلا بإذن"[رواه الترمذي: 3710، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 2927].
فكيف نجمع بين هذه الروايات؟
أنه لما جاء بنية: أن يحرس النبي ﷺ من دون أمر -تطوع من عنده-، فلما رآه النبي ﷺ أمره بالشيء الذي قد جاء من أجله، فصادف الأمر النبوي رغبة مسبقة عند أبي موسى الأشعري.
هل يعارض هذا حديث أنس : أن النبي ﷺ لم يكن له بواب؟.
لا يعارض؛ لأن عدم البواب هو الأصل، وهذا شيء طارئ، لما مر النبي ﷺ بقبر، ووجد عنده امرأة تبكي، فقال: اتقي الله واصبري فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، فتركها عليه الصلاة والسلام ومشى، فقيل لها: إنه رسول الله ﷺ، فأخذها مثل الموت-يعني: من الرعب، كيف ردت عليه، وهي لم تنتبه أنه النبي ﷺ فجاءت إلى بابه، فلم تجد عنده بوابين- وهذا موضع الشاهد- فاعتذرت، فقال النبي ﷺ: إنما الصبر عند الصدمة الأولى[رواه البخاري: 7154].
فالنبي ﷺ لم يكن عنده بوابون.
وفي هذا الحديث: أنه أمر أبا موسى أن يكون بواباً على هذا البستان في هذه المرة، وقد أمره النبي ﷺ أن يكون بواباً قدر ما يقضي حاجته ويتوضأ، حتى لا يدخل عليه أحد، وهو يقضي حاجته، ثم إن أبا موسى استمر في الحراسة من تلقاء نفسه، فجاء أبو بكر فدفع الباب.
ولا يتصور أنه دفع الباب من غير استئذان؛ لأن الروايات تفسر بعضها بعضاً، فقد جاء في رواية أخرى قوله: "فجاء رجل يستأذن"[رواه البخاري: 3695].
وفي رواية: "فجاء إنسان فحرك الباب"[رواه مسلم: 6367] يستأذن، فالنبي ﷺ أذن له، وبشره بالجنة.
ثم رأى ذلك في عمر أيضاً.
وكان أبو موسى الأشعري قد ترك في بيته أخاً له يتوضأ، ويلحق به.
وقد كان ل "أبي موسى" أخوان: أبو رهم، وأبو بردة، وأشهرهم: أبو بردة، واسمه: عامر.
قال: فإذا إنسان يحرك الباب، وهذا هو الاستئذان، والله قد قال:لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا[النور: 27].
فجاء رجل واستفتح.
فإذاً حركه مستأذناً لا دافعاً له ليدخل بغير إذن، فإن الصديق والفاروق لا يمكن أن يفعلا ذلك.
بلوى ابتلى الله بها "عثمان بن عفان :
ثم جاء عثمان ، فقلت: على رسلك، وذهب يستأذن له، فالنبي ﷺ سكت هنيهة -يعني: قليلاً- ثم بشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عثمان : "اللهم صبرا، أو الله المستعان"[رواه مسلم: 6365].
وهذه البلوى التي أخبر بها ﷺ هي ما أصاب عثمان في آخر خلافته من الشهادة يوم الدار، وثوران المنافقين عليه.
وقد جاء عن ابن عمر في حديث صحيح رواه الإمام أحمد، وقال ابن حجر: "إسناده صحيح": "ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل، فقال عليه الصلاة والسلام: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما قال-ابن عمر-: "فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه-"[رواه أحمد: 5953،وقال محققو المسند: "تعليق شعيب الأرنؤوط : صحيح لغيره وهذا إسناد محتمل للتحسين"].
وهذه الفتنة المشهورة التي ألبها وأوقد نارها عبد الله بن سبأ اليهودي، فقد تنقل في البلدان يؤلب الناس على عثمان ، ويحرك الطغام، والدهماء، والسفهاء، والمنافقين على عثمان ، ويقول: حرق المصاحف وأبقى مصحفه! ووظف أقاربه واستعملهم! وفعل .. وفعل!.
فاجتمع خلق من هؤلاء المنافقين، وساروا إلى المدينة، وتسلحوا، واقتحموا المدينة، وعاثوا فيها فساداً، وتسوروا دار عثمان ، يريدون اقتحامه، وكان الصحابة قد حرسوا دار عثمان ، ولكن عثمان  أصدر الأمر للصحابة بأن لا يحرسوه، ولا يقاتلوا دونه، وأن ينصرفوا.
أراد عثمان  أن يفتدي بدمه، حتى لا يحصل قتال بين الصحابة وبين هؤلاء الثوار.
فلما أمرهم، وهو الخليفة، وكان لزاماً عليهم أن يطيعوه، اقتحم داره هؤلاء.
وكان عثمان  قد نشر مصحفه يقرأ، فضربوه بالسيف، فوقع على يد امرأته: "نائلة" فقطع أصابعها، ثم ضربوه بالسيف، وهو يقرأ القرآن!.

ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا

فقتل عثمان  مظلوماً، وذهب شهيداً إلى ربه.
لماذا لم يتنازل عثمان عن الخلافة؟
ولو قال قائل: لماذا لم يتنازل عثمان عن الخلافة ما دام أنهم يريدون خلعه؟
فالجواب: أن النبي ﷺ كان قد أوصى عثمان بوصية، وهي: يا عثمان إن الله مقمصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه [رواه أحمد: 24510، وصححه الألباني في ظلال الجنة: 1179].
هذه وصية نبوية لـ "عثمان " قبل أن يموت، فـ "عثمان " كان يتصرف ويتحرك بناءً على أمر النبي ﷺ: لا تخلعه وهكذا حدث، وصارت البلوى الشديدة التي أصابت عثمان .
فراسة سعيد بن المسيب:
قال سعيد بن المسيب -راوي الحديث-: "فأولتها قبورهم" هذا يدل على أن التأويل يقع في اليقظة أيضاً، وهو ما يسمى: بالفراسة.
الفراسة: التأويل الذي في اليقظة.
ما هو قصد سعيد بن المسيب ؟
-الآن- النبي ﷺ جلس على دكة البئر، على القف، وجلس أبو بكر وعمر عن جانبيه، وعثمان جلس على الجهة الأخرى؛ لأن المكان قد امتلأ.
سعيد بن المسيب قال: "أولتها قبورهم" أولت جلوسهم في الحديث هذا؛ مآلهم في القبور الذي صاروا عليه بعد ذلك، فإن القبور الثلاثة للنبي ﷺ وصاحبيه متجاورة في حجرة عائشة، أما قبر عثمان ، فهو بـ "البقيع" منفصل.
إذاً، كان جلوسهم على حافة البئر متجاورين، وعثمان في الطرف الآخر، قال: "فأولتها قبورهم" أي: اجتمعوا في الدفن، وانفرد عثمان في البقيع.
وفي رواية سعيد: "فأولت ذلك انتباذ قبره من قبورهم".
وفي رواية: "اجتمعت هاهنا، وانفرد عثمان " [فتح الباري: 7/38].
وقد جاء خبر رواه أبو نعيم عن عائشة في صفة قبور الثلاثة: أن أبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره" لو كان هذا ثبت كان فيه تمام التشبيه، قبورهم متجاورة، قبر أبي بكر عن اليمين، وقبر عمر عن الشمال، ولكن هذا ليس بثابت، والسند ضعيف، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو ما أخرجه أبو داود من طريق القاسم بن محمد، قال: قلت لـ "عائشة": يا أماه! اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه؟ فكشفت لي"الحديث.. وفيه: "فرأيت رسول الله ﷺ يعني قبره، فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ"[رواه أبو داود: 3222، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: 2803]. [انظر: فتح الباري: 7/38].
إذاً، قبور الثلاثة على خط واحد: النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم أبي بكر رأسه بين كتفي النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذه الجهة.
فلو فرضنا: أن قبر النبي -عليه الصلاة والسلام- خط هكذا أفقي، من هنا جهة الرأس، كيف يكون قبر أبي بكر الصديق هكذا بين كتفي النبي -عليه الصلاة والسلام- على خط واحد؟
لكن قبر أبي بكر، رأسه بين كتفي النبي -عليه الصلاة والسلام-، إذاً، بجانب رأس النبي -عليه الصلاة والسلام- على خط واحد.
وعمر قبره من هاهنا من جهة رجلي النبي -عليه الصلاة والسلام-، رأس عمر من جهة النبي ﷺ من هذه الجهة، امتداد الخط من الجهة الأخرى، هذا هو الثابت والصحيح في قبورهم.

الفوائد المستفادة من قصة صاحب القبر المنفرد "حديث البئر":
00:26:06

شدة حياء عثمان :
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ: "كان قاعدا في مكان فيه ماء قد انكشفت عن ركبتيه ، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها"[رواه البخاري: 3695].
وورد حديث آخر مشابه عن عائشة -رضي الله عنها-: "كان رسول الله مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال"[رواه ابن حبان في صحيحه: 6907، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 6060].
وفي الحديث: "ثم دخل عثمان ، قالت: ثم دخل عثمان فاستويت وغطيت، قال رسول الله ﷺ: ألا استحيي من رجل تستحيي منه الملائكة [رواه البيهقي في السنن الكبري: 3059، والطبراني في الكبير: 13075]، وفي رواية لـ "مسلم": إن عثمان رجل حيى وإنى خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلى فى حاجته [رواه مسلم: 6363].
يعني: يأتي إلي فيراني على هذه الحال، فيستحي وينصرف، ولذلك غطيت، حتى لا يستحي عثمان وينصرف بدون أن يبلغني حاجته، أي: حتى يتكلم عثمان ، ويأخذ راحته في الكلام والحديث، ويفضي إلي بما يريد.
وهاتان قصتان؛ لأن مخرج الحديثين مختلف، كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، فلا مانع أن يتفق للنبي ﷺ في واقعتين أن يدخل عليه عثمان ، وقد كشف عن ساقيه، فيغطيهما، في هذه الحالة، وفيهذه الحالة.
إمساك العصا والاعتماد عليها:
وقوله في الحديث: "إنه كان مع النبي ﷺ في يده عود يضرب به بين الماء والطين".
كان معه عود يضرب به بين الماء والطين، فجاء رجل يستفتح.
قال ابن بطال -رحمه الله-: "من عادة العرب: إمساك العصا، والاعتماد عليها عند الكلام، وغيره، وقد عاب ذلك عليهم بعض من يتعصب للعجم، وفي استعمال النبي ﷺ لها الحجة البالغة"[فتح الباري: 10/597].
إذاً، لو أن إنساناً متحدثاً، أو خطيباً، أمسك عصا بيده، واتكأ عليها، أو ضرب بها، فإنه لا حرج عليه مطلقاً في ذلك.
ولا يقال: هذا من العبث؛ لأن النبي ﷺ قد فعله، فلا يعد هذا من العبث المذموم، إنما ذلك يقع من العاقل عند التفكر في الشيء.
ثم إن هذا استعمال لا يضر، بخلاف من يتفكر وفي يده سكين -مثلاً-، فيستعملها في خشبة غيره.
وفرق بين من يأخذ عصا، أو يعتمد على عصا، أو يطرق بها، وبين من يكون بيده سكين، فيفكر، وهو يخرب في خشبة غيره، فهذا من العبث المذموم.
فضل أبي بكر وعمر وعثمان وأبي موسى :
وكذلك فإن في هذا الحديث فضيلة لهؤلاء الثلاثة، وأنهم من أهل الجنة، وكذلك فضيلة لـ "أبي موسى" ؛ لأنه حرس النبي ﷺ.
وفي الحديث أيضاً: جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب؛ لأنك لو أثنيت على رجل في وجهه، وكان لا يؤمن عليه، يصيبه العجب، فإذا أصابه العجب هلك واغتر، وترك العلم، ورأى نفسه شيئاً عظيماً.
الأصل المدح في الوجه منهي عنه، فإذا أمنت الفتنة على الشخص، فإنه لا بأس أن يمدح، خصوصاً إذا كان هناك مصلحة، كأن يكون مدحه مدعاة لاقتداء الآخرين به.
معجزة ظاهرة للنبي ﷺ:
وكذلك في هذا الحديث: معجزة ظاهرة للنبي ﷺ، وهي: إخباره عن الغيب قبل وقوعه، في البلوى التي أصابت عثمان .
وهذه البلوى الشديدة التي حصلت لعثمان رأها الناس في الواقع -فعلاً-.
وأيضاً من جهة: أن الثلاثة الآخرين يستمرون على الهدى إلى الموت، لا ينحرف، ولا يزيغ منهم أحد، فقد استمر الثلاثة على الهدى إلى أن ماتوا .
الذكر المشروع عند المصيبة:
وفي الحديث: أن الإنسان إذا أخبر عن مواجهة شيء شديد، يقول: الله المستعان!" أي: الله الذي أستعين به، وأطلب منه العون على مواجهة ما سيصيبني.
شدة حياء عثمان :
وكذلك من الفوائد في هذا الحديث: حياء عثمان ، فإنه كان من شدة حيائه لا يكشف عورته، حتى عند الاغتسال، وكان يغتسل وعليه إزاره ، ولا يكاد يرى شيء من جلده -.
والحياء خير كله، وهو الذي أخبر عنه النبي ﷺ عن عالم الغيب: أن الملائكة تستحي منه.
البشارة بالخير:
ثم في هذا الحديث: بشارة الشخص بالخبر السار، فإذا حصل لإنسان خبر سار، فمن السنة: أن تبشره بذلك، كما فعل النبي ﷺ، وأمر أبا موسى أن يبشر هؤلاء الثلاثة.
محبة الخير للأقربين:
وفي هذا الحديث أيضاً: محبة الإنسان الخير لأخيه، فإن أبا موسى لما رأى التبشير بالجنة، تمنى في الحال واللحظة أن أخاه يأتي ليبشر مع هؤلاء. ولذلك، فإن المسلم يحب لأخيه الشقيق -من أبويه- أو من أحدهما: الخير.
ولا يعلم أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هارون -عليهما السلام-، فإنه لا زال يدعو ربه، ويقول: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي ۝ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ۝ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ۝ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ۝ وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً[طه: 29-34].
واستجاب الله دعاء موسى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي[طه: 29].
وهذا من إرادة الخير للأخ.
فموسى دعا ربه حتى أعطي ما سأل، وصار هارون نبياً معه.
فلا يعلم أحد أعظم منة من موسى على هارون، من شقيق على شقيقه؛ لأن بعض الناس -الآن- ربما يكون بينه وبين أخيه حقد وحسد وبغضاء، وعداوة وتنافس، ومشاجرات ومخاصمات.
وكثير من الإخوان اليوم تقطعت بهم الأحوال، والعلاقات، وعاب بعضهم على بعض، مع أنهم أشقاء من رحم واحد!.
وأعرف حالة من هذه الحالات، مجموعة -إخوان- فرق بينهم المال، تنافسوا فيه، وتخاصموا عليه، في مؤسسة مالية، فصار يلعن بعضهم بعضاً، ويسب بعضهم بعضاً، ويداعي بعضهم في المحاكم، وعند القضاة، وسيرتهم تلوكها ألسنة الناس، وكل واحد يدعو على الآخر بالفقر وبالشلل، وبالمرض وباللعن.
وواحد ذهب في رمضان هذا إلى مكة عمرة، ليدعو على أخيه عند باب الكعبة، ورجع، وقال: ودعوت عليه عند باب الكعبة!.
يذهب مشواراً إلى مكة في رمضان لعبادة جليلة، وهي العمرة التي تعدل حجة، ليدعو عند باب الكعبة على أخيه وشقيقه من أبيه وأمه! وما سبب ذلك إلا الأموال التي فرقت بينهم!.
وهذا أبو موسى الأشعري، يحترق ويغلي من الداخل، ويقول: وقد تركت أخي يتوضأ، ويلحقني، وقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به، ويريده أن يأتي، ويتمنى أن يأتي، ليدرك أخاه بشارة، يسعد بها يوم الدين.
لكن هؤلاء يتقاطعون، ويتدابرون، ويتهاجرون، ويتحاسدون، ويتباغضون، مع أنهم إخوة وأشقاء -فنسأل الله العافية-.
والله إن هذه من كبار المصائب: أن يتفكك البيت الواحد، ويتشقق، ويصبح أهله وأعضاؤه وأفراده أعداءً.
حراسة وحماية أهل العلم والفضل:
وفي هذا الحديث كذلك: حماية أهل العلم والفضل، وحراستهم، والمحافظة عليهم، ولذلك، فإن أبا موسى الأشعري تقرب إلى الله، خرج من بيته ناوياً لعبادة يتقرب بها إلى الله، وهي: أن يلزم النبي ﷺ، ويكون معه، يحرسه، ويخدمه، وهذا من فضله ، وأبو موسى الأشعري، صاحب الصوت الحسن بالقرآن.
ملازمة أبي بكر وعمر للنبي ﷺ ومرافقتهما له:
وكذلك في هذا الحديث: كيف كان أبو بكر وعمر مع النبي ﷺ في حياته وبعد الموت، كانوا قرناء، يقول الصحابي: كثيراً ما أسمع: جاء أبو بكر وعمر، ذهب أبو بكر وعمر مع النبي ﷺ، جاء رسول الله وأبو بكر و عمر، ذهب رسول الله وأبو بكر وعمر.
الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر يذهبون، أخرجهم الجوع معاً، وكانوا في المعارك معاً، أبو بكر وعمر والنبي ﷺ الذين أخرجهم الجوع، دفنوا معاً متجاورين، قبورهم متجاورة، وكلهم أعمارهم ثلاثة وستون سنة: النبي ﷺ ثلاثة وستين سنة، وأبو بكر الصديق ثلاثة وستين سنة، وعمر ثلاثة وستين سنة، وقبورهم متجاورة.
وهما وزيراه في حياته، وجاوراه بعد مماته، وأفضل الناس بعده، ورفقاؤه في الجنة.
ابتلاء الله لعثمان  ورفعه لمنزلته:
وكذلك في هذا الحديث: البلوى التي أصابت عثمان ، فرفع الله بها منزلته، فإن عثمان ولي من أولياء الله، فكانت البلوى هذه رفعاً لدرجاته، وكانت شهادة له عند ربه، وهكذا بقي على العهد الذي عهد به إليه ﷺ، وهذه البلوى التي تصيبه، وكانت تلك الشهادة التي ختم له بها - وأرضاه-.
حمد الله على النعمة:
وفي هذا الحديث: حمد الله على النعمة، فإنه في الحديث لما بُشِّر أبو بكر الصديق وعمر، حمدا الله، ليس مرة، بل كررا الحمد حتى جلسا، بجانب النبي ﷺ.
اجتماع الأخيار:
وفيه اجتماع الأخيار معاً، وأن الله إذا بعث نبياً جعل له بطانة خير تأمره بالخير، وتعينه عليه.
وهؤلاء بطانة النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان ، الذين لعنهم أهل البدع، وسبوهم، ولا زالوا يقولون: تبت يدا أبي بكر وتب، تبت يدا عمر وتب، تبت يدا عثمان وتب.
سبعون آية يسبون فيها صحابة النبي ﷺ!.
ويقولون بعد الصلاة ذكر خاص: دعاء لعن صنمي قريش، يقصدون أبا بكر وعمر.
تذكير المسلمين بفضل أبي بكر وعمر وعثمان   وبغض من يسبهم:
ففي هذا الحديث: تذكير لنا بفضل هؤلاء، ونجاسة الذين يسبونهم، وبغضنا وكراهيتنا لمن يسب الشيخين وعثمان  -رضي الله عن الجميع-.
فراسة سعيد بن المسيب -رحمه الله-:
وفي الحديث أيضاً: فراسة سعيد بن المسيب الذي ربط بين الحديث وبين القبور، وهذا ربما لا يخطر ببال أي شخص، لكن الذي رزقه الله بصيرة يربط بين الأحاديث وبين الواقع.
فانظر كيف ربط سعيد بن المسيب بين الحديث وبين الواقع.
خطر بباله الحديث، فأول هذه القصة بالقبور الموجودة، ولذلك ابن حجر -رحمه الله- ذكر فراسته، وتأويله للواقع في اليقظة[انظر: فتح الباري: 7/38].
شدة استحضار السلف للأحاديث:
الحديث هذا يدل على أن السلف يستحضرون الأحاديث، وعندما يتفكرون في الواقع، تقفز إلى أذهانهم الأحاديث الموجودة في أذهانهم.
نسأل الله أن يجمعنا بهم في جنات النعيم، وأن يرزقنا شفاعة النبي الأمين محمد -عليه الصلاة والسلام-.
والله -تعالى- أعلم.

  • محمد

    جزاك الله خيرا يا شيخ محمد.

  • Mohammed

    جزاك الله خيرا يا شيخ محمد.