الخميس 24 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 21 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

صاحب القبر المنفرد


عناصر المادة
نص قصة صاحب القبر المنفرد:
شرح قصة صاحب القبر المنفرد "حديث البئر":
الفوائد المستفادة من قصة صاحب القبر المنفرد "حديث البئر":
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
وبعد:
نص قصة صاحب القبر المنفرد:
00:00:26
 فنعيش لحظات طيبة -إن شاء الله- مع ثلة، هم أعظم الناس في هذه الأمة؛ مع قصة من قصص الصحابة مع نبيهم -صلى الله عليه وسلم-؛ يرويها لنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: "أنه توضأ في بيته، ثم خرج، فقلت: لألزمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولأكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد، فسأل عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: خرج ووجهه هنا، فخرجت على إثره أسأل عنه، حتى دخل "بئر أريس"، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاجته وتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على "بئر أريس"، وتوسط قفها، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت، فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن، فقال:  ائذن له وبشره بالجنة  فأقبلت حتى قلت لـ "أبي بكر": ادخل، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معه في القف، ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً -يريد أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال:  ائذن له وبشره بالجنة  فجئت، فقلت: ادخل، وبشرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، فدخل فجلس مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر.
ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به -يعني: أخاه- فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان -رضي الله عنه- بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فقال:  ائذن له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه  فجئته، فقلت له: ادخل، يبشرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل، فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاهه من الشق الآخر".
قال شريك بن عبد الله: قال سعيد بن المسيب؛ راوي الحديث عن أبي موسى: "فأولتها قبورهم" [رواه البخاري: 3674، 6367].
وفي رواية له أيضاً عن أبي موسى قال: "كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  افتح له وبشره بالجنة  ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  افتح له وبشره بالجنة ففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي:  افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فإذا عثمان -رضي الله عنه-، فأخبرته بما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فحمد الله، ثم قال: "الله المستعان!" [رواه البخاري: 3693].
وفي رواية له أيضاً عن أبي موسى: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل حائطاً وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن -وذكر القصة إلى أن بشر عمر - ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة، أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-هذه المرة سكت هنيهة لما جاء عثمان -رضي الله عنه- - ثم قال:  ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه [رواه البخاري: 3695].
وفي رواية: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كان قاعدا في مكان فيه ماء، قد انكشفت عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان -رضي الله عنه- غطاها"[رواه البخاري: 3695].
هذه الروايات كلها قد رواها الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-.
وقد روى هذا الحديث الإمام مسلم عن أبي موسى قال: "خرجت أريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجدته قد سلك في الأموال فتبعته، فوجدته قد دخل مالاً" أي: بستاناً "فجلس في القف وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر" [رواه مسلم: 6368].
وفي رواية لـ "مسلم" أيضاً قال ابن المسيب: "فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا، وانفرد عثمان -رضي الله عنه-"[رواه البخاري: 7097، ومسلم: 4417].
وقد روى الحديث أيضاً الإمام أحمد -رحمه الله- عن أبي موسى الأشعري، قال: "كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حائط، فجاء رجل فسلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  اذهب فائذن له وبشره بالجنة  فذهبت، فإذا هو أبو بكر -رضي الله عنه-، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة، فما زال يحمد الله، حتى جلس، ثم جاء آخر فسلم، فقال:  ائذن له وبشره بالجنة  فانطلقت، فإذا هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة، فما زال يحمد الله -عز وجل- حتى جلس، ثم جاء آخر فسلم، فقال:  اذهب فائذن له وبشره بالجنة على بلوى شديدة  قال: فانطلقت، فإذا هو عثمان -رضي الله عنه-، فقلت: ادخل وأبشر بالجنة على بلوى شديدة، قال: فجعل يقول: "اللهم صبراً" حتى جلس"[رواه أحمد: 19527، وقال محققو المسند: تعليق شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"].
شرح قصة صاحب القبر المنفرد "حديث البئر":
00:09:52
 قوله في الحديث: "إنه -أي: أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- توضأ في بيته ثم خرج" يتوضأ الإنسان في بيته، ثم يخرج، فلعله يصادف وقت صلاة، ولعله يذهب إلى مجلس علم، فوضوؤه قبل خروجه من بيته خير، وقد نوى عند خروجه من البيت أن يلزم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسأل عنه، فقالوا: "خرج ووجهه هاهنا" يعني: توجه إلى هذه الجهة.
وقوله في الرواية: "حتى دخل بئر أريس" هذا بستان معروف بـ "المدينة" بالقرب من قباء.
وفي "بئر أريس" في هذا البستان سقط خاتم النبي -صلى الله عليه وسلم- من إصبع عثمان -رضي الله عنه-؛ لأن خاتم النبي -صلى الله عليه وسلم- كان عند الخلفاء، فلما صار الخاتم إلى عثمان -رضي الله عنه-، ذهب عثمان -رضي الله عنه- إلى هذا البئر مرة فوقع منه الخاتم في البئر، ثم لم يعثر عليه.
قوله في الحديث: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما جاء إلى البئر توسط قفها".
القف، هو المكان المرتفع الذي يجعل حول البئر.
وفي رواية مسلم: "بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حائط من حوائط المدينة، وهو متكئ ينكت بعود معه بين الطين والماء" فجلس على هذا القف ومعه عود ينكت به بين الطين والماء، قال أبو موسى الأشعري: "لأكونن اليوم بواب النبي -صلى الله عليه وسلم-" ولم يأمرني"[رواه البخاري: 7097].
وجاء في رواية: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل حائطا، وأمرني بحفظ باب الحائط"[رواه البخاري: 3695].
وفي رواية قال: "يا أبا موسى أملك علي الباب، فلا يدخلن علي أحد إلا بإذن"[رواه الترمذي: 3710، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 2927].
فكيف نجمع بين هذه الروايات؟
أنه لما جاء بنية: أن يحرس النبي -صلى الله عليه وسلم- من دون أمر -تطوع من عنده-، فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بالشيء الذي قد جاء من أجله، فصادف الأمر النبوي رغبة مسبقة عند أبي موسى الأشعري.
هل يعارض هذا حديث أنس -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له بواب؟.
لا يعارض؛ لأن عدم البواب هو الأصل، وهذا شيء طارئ، لما مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقبر، ووجد عنده امرأة تبكي، فقال:   اتقي الله واصبري  فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، فتركها عليه الصلاة والسلام ومشى، فقيل لها: إنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخذها مثل الموت-يعني: من الرعب، كيف ردت عليه، وهي لم تنتبه أنه النبي -صلى الله عليه وسلم- فجاءت إلى بابه، فلم تجد عنده بوابين- وهذا موضع الشاهد- فاعتذرت، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  إنما الصبر عند الصدمة الأولى [رواه البخاري: 7154].
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن عنده بوابون.
وفي هذا الحديث: أنه أمر أبا موسى أن يكون بواباً على هذا البستان في هذه المرة، وقد أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون بواباً قدر ما يقضي حاجته ويتوضأ، حتى لا يدخل عليه أحد، وهو يقضي حاجته، ثم إن أبا موسى استمر في الحراسة من تلقاء نفسه، فجاء أبو بكر فدفع الباب.
ولا يتصور أنه دفع الباب من غير استئذان؛ لأن الروايات تفسر بعضها بعضاً، فقد جاء في رواية أخرى قوله: "فجاء رجل يستأذن"[رواه البخاري: 3695].
وفي رواية: "فجاء إنسان فحرك الباب"[رواه مسلم: 6367] يستأذن، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أذن له، وبشره بالجنة.
ثم رأى ذلك في عمر أيضاً.
وكان أبو موسى الأشعري قد ترك في بيته أخاً له يتوضأ، ويلحق به.
وقد كان ل "أبي موسى" أخوان: أبو رهم، وأبو بردة، وأشهرهم: أبو بردة، واسمه: عامر.
قال: فإذا إنسان يحرك الباب، وهذا هو الاستئذان، والله -سبحانه وتعالى- قد قال: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور: 27].
فجاء رجل واستفتح.
فإذاً حركه مستأذناً لا دافعاً له ليدخل بغير إذن، فإن الصديق والفاروق لا يمكن أن يفعلا ذلك.
بلوى ابتلى الله بها "عثمان بن عفان- رضي الله عنه-:
ثم جاء عثمان -رضي الله عنه-، فقلت: على رسلك، وذهب يستأذن له، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- سكت هنيهة -يعني: قليلاً- ثم بشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عثمان -رضي الله عنه-: "اللهم صبرا، أو الله المستعان"[رواه مسلم: 6365].
وهذه البلوى التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم هي ما أصاب عثمان -رضي الله عنه- في آخر خلافته من الشهادة يوم الدار، وثوران المنافقين عليه.
وقد جاء عن ابن عمر في حديث صحيح رواه الإمام أحمد، وقال ابن حجر: "إسناده صحيح": "ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتنة، فمر رجل، فقال عليه الصلاة والسلام: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما  قال-ابن عمر-: "فنظرت فإذا هو عثمان -رضي الله عنه- بن عفان -رضي الله تعالى عنه-"[رواه أحمد: 5953،وقال محققو المسند: "تعليق شعيب الأرنؤوط : صحيح لغيره وهذا إسناد محتمل للتحسين"].
وهذه الفتنة المشهورة التي ألبها وأوقد نارها عبد الله بن سبأ اليهودي، فقد تنقل في البلدان يؤلب الناس على عثمان -رضي الله عنه-، ويحرك الطغام، والدهماء، والسفهاء، والمنافقين على عثمان -رضي الله عنه-، ويقول: حرق المصاحف وأبقى مصحفه! ووظف أقاربه واستعملهم! وفعل .. وفعل!.
فاجتمع خلق من هؤلاء المنافقين، وساروا إلى المدينة، وتسلحوا، واقتحموا المدينة، وعاثوا فيها فساداً، وتسوروا دار عثمان -رضي الله عنه-، يريدون اقتحامه، وكان الصحابة قد حرسوا دار عثمان -رضي الله عنه-، ولكن عثمان -رضي الله عنه-أصدر الأمر للصحابة بأن لا يحرسوه، ولا يقاتلوا دونه، وأن ينصرفوا.
أراد عثمان -رضي الله عنه-أن يفتدي بدمه، حتى لا يحصل قتال بين الصحابة وبين هؤلاء الثوار.
فلما أمرهم، وهو الخليفة، وكان لزاماً عليهم أن يطيعوه، اقتحم داره هؤلاء.
وكان عثمان -رضي الله عنه-قد نشر مصحفه يقرأ، فضربوه بالسيف، فوقع على يد امرأته: "نائلة" فقطع أصابعها، ثم ضربوه بالسيف، وهو يقرأ القرآن!.
ضحوا بأشمط عنوان السجود به *** يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
فقتل عثمان -رضي الله عنه-مظلوماً، وذهب شهيداً إلى ربه.
لماذا لم يتنازل عثمان -رضي الله عنه- عن الخلافة؟
ولو قال قائل: لماذا لم يتنازل عثمان -رضي الله عنه- عن الخلافة ما دام أنهم يريدون خلعه؟
فالجواب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد أوصى عثمان -رضي الله عنه- بوصية، وهي:  يا عثمان -رضي الله عنه- إن الله مقمصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه  [رواه أحمد: 24510، وصححه الألباني في ظلال الجنة: 1179].
هذه وصية نبوية لـ "عثمان -رضي الله عنه-" قبل أن يموت، فـ "عثمان -رضي الله عنه-" كان يتصرف ويتحرك بناءً على أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-:  لا تخلعه  وهكذا حدث، وصارت البلوى الشديدة التي أصابت عثمان -رضي الله عنه-.
فراسة سعيد بن المسيب:
قال سعيد بن المسيب -راوي الحديث-: "فأولتها قبورهم" هذا يدل على أن التأويل يقع في اليقظة أيضاً، وهو ما يسمى: بالفراسة.
الفراسة: التأويل الذي في اليقظة.
ما هو قصد سعيد بن المسيب -رضي الله عنه-؟
-الآن- النبي -صلى الله عليه وسلم- جلس على دكة البئر، على القف، وجلس أبو بكر وعمر عن جانبيه، وعثمان -رضي الله عنه-جلس على الجهة الأخرى؛ لأن المكان قد امتلأ.
سعيد بن المسيب قال: "أولتها قبورهم" أولت جلوسهم في الحديث هذا؛ مآلهم في القبور الذي صاروا عليه بعد ذلك، فإن القبور الثلاثة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه متجاورة في حجرة عائشة، أما قبر عثمان -رضي الله عنه-، فهو بـ "البقيع" منفصل.
إذاً، كان جلوسهم على حافة البئر متجاورين، وعثمان -رضي الله عنه- في الطرف الآخر، قال: "فأولتها قبورهم" أي: اجتمعوا في الدفن، وانفرد عثمان -رضي الله عنه- في البقيع.
وفي رواية سعيد: "فأولت ذلك انتباذ قبره من قبورهم".
وفي رواية: "اجتمعت هاهنا، وانفرد عثمان -رضي الله عنه-" [فتح الباري: 7/38].
وقد جاء خبر رواه أبو نعيم عن عائشة في صفة قبور الثلاثة: أن أبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره" لو كان هذا ثبت كان فيه تمام التشبيه، قبورهم متجاورة، قبر أبي بكر عن اليمين، وقبر عمر عن الشمال، ولكن هذا ليس بثابت، والسند ضعيف، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو ما أخرجه أبو داود من طريق القاسم بن محمد، قال: قلت لـ "عائشة": يا أماه! اكشفي لي عن قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه؟ فكشفت لي"الحديث.. وفيه: "فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني قبره، فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه عند رجلي النبي -صلى الله عليه وسلم-"[رواه أبو داود: 3222، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: 2803]. [انظر: فتح الباري: 7/38].
إذاً، قبور الثلاثة على خط واحد: النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم أبي بكر رأسه بين كتفي النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذه الجهة.
فلو فرضنا: أن قبر النبي -عليه الصلاة والسلام- خط هكذا أفقي، من هنا جهة الرأس، كيف يكون قبر أبي بكر الصديق هكذا بين كتفي النبي -عليه الصلاة والسلام- على خط واحد؟
لكن قبر أبي بكر، رأسه بين كتفي النبي -عليه الصلاة والسلام-.إذاً، بجانب رأس النبي -عليه الصلاة والسلام- على خط واحد.
وعمر قبره من هاهنا من جهة رجلي النبي -عليه الصلاة والسلام-، رأس عمر من جهة النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذه الجهة، امتداد الخط من الجهة الأخرى، هذا هو الثابت والصحيح في قبورهم.
الفوائد المستفادة من قصة صاحب القبر المنفرد "حديث البئر":
00:26:06
 شدة حياء عثمان -رضي الله عنه-:
وفي هذا الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كان قاعدا في مكان فيه ماء قد انكشفت عن ركبتيه ، أو ركبته، فلما دخل عثمان -رضي الله عنه- غطاها"[رواه البخاري: 3695].
وورد حديث آخر مشابه عن عائشة -رضي الله عنها-: "كان رسول الله مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال"[رواه ابن حبان في صحيحه: 6907، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 6060].
وفي الحديث: "ثم دخل عثمان -رضي الله عنه-، قالت: ثم دخل عثمان -رضي الله عنه- فاستويت وغطيت، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  ألا استحيي من رجل تستحيي منه الملائكة   [رواه البيهقي في السنن الكبري: 3059، والطبراني في الكبير: 13075].وفي رواية لـ "مسلم":  إن عثمان -رضي الله عنه- رجل حيى وإنى خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلى فى حاجته  [رواه مسلم: 6363].
يعني: يأتي إلي فيراني على هذه الحال، فيستحي وينصرف، ولذلك غطيت، حتى لا يستحي عثمان -رضي الله عنه- وينصرف بدون أن يبلغني حاجته، أي: حتى يتكلم عثمان -رضي الله عنه-، ويأخذ راحته في الكلام والحديث، ويفضي إلي بما يريد.
وهاتان قصتان؛ لأن مخرج الحديثين مختلف، كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، فلا مانع أن يتفق للنبي -صلى الله عليه وسلم- في واقعتين أن يدخل عليه عثمان -رضي الله عنه-، وقد كشف عن ساقيه، فيغطيهما، في هذه الحالة، وفيهذه الحالة.
إمساك العصا والاعتماد عليها:
وقوله في الحديث: "إنه كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في يده عود يضرب به بين الماء والطين".
كان معه عود يضرب به بين الماء والطين، فجاء رجل يستفتح.
قال ابن بطال -رحمه الله-: "من عادة العرب: إمساك العصا، والاعتماد عليها عند الكلام، وغيره، وقد عاب ذلك عليهم بعض من يتعصب للعجم، وفي استعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- لها الحجة البالغة"[فتح الباري: 10/597].
إذاً، لو أن إنساناً متحدثاً، أو خطيباً، أمسك عصا بيده، واتكأ عليها، أو ضرب بها، فإنه لا حرج عليه مطلقاً في ذلك.
ولا يقال: هذا من العبث؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد فعله، فلا يعد هذا من العبث المذموم، إنما ذلك يقع من العاقل عند التفكر في الشيء.
ثم إن هذا استعمال لا يضر، بخلاف من يتفكر وفي يده سكين -مثلاً-، فيستعملها في خشبة غيره.
وفرق بين من يأخذ عصا، أو يعتمد على عصا، أو يطرق بها، وبين من يكون بيده سكين، فيفكر، وهو يخرب في خشبة غيره، فهذا من العبث المذموم.
فضل أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنه- وأبي موسى -رضي الله عنهم-:
وكذلك فإن في هذا الحديث فضيلة لهؤلاء الثلاثة، وأنهم من أهل الجنة، وكذلك فضيلة لـ "أبي موسى" -رضي الله عنه-؛ لأنه حرس النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفي الحديث أيضاً: جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب؛ لأنك لو أثنيت على رجل في وجهه، وكان لا يؤمن عليه، يصيبه العجب، فإذا أصابه العجب هلك واغتر، وترك العلم، ورأى نفسه شيئاً عظيماً.
الأصل المدح في الوجه منهي عنه، فإذا أمنت الفتنة على الشخص، فإنه لا بأس أن يمدح، خصوصاً إذا كان هناك مصلحة، كأن يكون مدحه مدعاة لاقتداء الآخرين به.
معجزة ظاهرة للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
وكذلك في هذا الحديث: معجزة ظاهرة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي: إخباره عن الغيب قبل وقوعه، في البلوى التي أصابت عثمان -رضي الله عنه-.
وهذه البلوى الشديدة التي حصلت لعثمان -رضي الله عنه- رأها الناس في الواقع -فعلاً-.
وأيضاً من جهة: أن الثلاثة الآخرين يستمرون على الهدى إلى الموت، لا ينحرف، ولا يزيغ منهم أحد، فقد استمر الثلاثة على الهدى إلى أن ماتوا -رضي الله عنهم-.
الذكر المشروع عند المصيبة:
وفي الحديث: أن الإنسان إذا أخبر عن مواجهة شيء شديد، يقول: الله المستعان!" أي: الله الذي أستعين به، وأطلب منه العون على مواجهة ما سيصيبني.
شدة حياء عثمان -رضي الله عنه-:
وكذلك من الفوائد في هذا الحديث: حياء عثمان -رضي الله عنه-، فإنه كان من شدة حيائه لا يكشف عورته، حتى عند الاغتسال، وكان يغتسل وعليه إزاره -رضي الله عنه-، ولا يكاد يرى شيء من جلده -رضي الله عنه-.
والحياء خير كله، وهو الذي أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عالم الغيب: أن الملائكة تستحي منه.
البشارة بالخير:
ثم في هذا الحديث: بشارة الشخص بالخبر السار، فإذا حصل لإنسان خبر سار، فمن السنة: أن تبشره بذلك، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمر أبا موسى أن يبشر هؤلاء الثلاثة.
محبة الخير للأقربين:
وفي هذا الحديث أيضاً: محبة الإنسان الخير لأخيه، فإن أبا موسى لما رأى التبشير بالجنة، تمنى في الحال واللحظة أن أخاه يأتي ليبشر مع هؤلاء. ولذلك، فإن المسلم يحب لأخيه الشقيق -من أبويه- أو من أحدهما: الخير.
ولا يعلم أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هارون -عليهما السلام-، فإنه لا زال يدعو ربه، ويقول: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً [طه: 29-34].
واستجاب الله دعاء موسى - عليه السلام-:  وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي [طه: 29].
وهذا من إرادة الخير للأخ.
فموسى -عليه السلام- دعا ربه حتى أعطي ما سأل، وصار هارون نبياً معه.
فلا يعلم أحد أعظم منة من موسى على هارون، من شقيق على شقيقه؛ لأن بعض الناس -الآن- ربما يكون بينه وبين أخيه حقد وحسد وبغضاء، وعداوة وتنافس، ومشاجرات ومخاصمات.
وكثير من الإخوان اليوم تقطعت بهم الأحوال، والعلاقات، وعاب بعضهم على بعض، مع أنهم أشقاء من رحم واحد!.
وأعرف حالة من هذه الحالات، مجموعة -إخوان- فرق بينهم المال، تنافسوا فيه، وتخاصموا عليه، في مؤسسة مالية، فصار يلعن بعضهم بعضاً، ويسب بعضهم بعضاً، ويداعي بعضهم في المحاكم، وعند القضاة، وسيرتهم تلوكها ألسنة الناس، وكل واحد يدعو على الآخر بالفقر وبالشلل، وبالمرض وباللعن.
وواحد ذهب في رمضان هذا إلى مكة عمرة، ليدعو على أخيه عند باب الكعبة، ورجع، وقال: ودعوت عليه عند باب الكعبة!.
يذهب مشواراً إلى مكة في رمضان لعبادة جليلة، وهي العمرة التي تعدل حجة، ليدعو عند باب الكعبة على أخيه وشقيقه من أبيه وأمه! وما سبب ذلك إلا الأموال التي فرقت بينهم!.
وهذا أبو موسى الأشعري، يحترق ويغلي من الداخل، ويقول: وقد تركت أخي يتوضأ، ويلحقني، وقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به، ويريده أن يأتي، ويتمنى أن يأتي، ليدرك أخاه بشارة، يسعد بها يوم الدين.
لكن هؤلاء يتقاطعون، ويتدابرون، ويتهاجرون، ويتحاسدون، ويتباغضون، مع أنهم إخوة وأشقاء -فنسأل الله العافية-.
والله إن هذه من كبار المصائب: أن يتفكك البيت الواحد، ويتشقق، ويصبح أهله وأعضاؤه وأفراده أعداءً.
حراسة وحماية أهل العلم والفضل:
وفي هذا الحديث كذلك: حماية أهل العلم والفضل، وحراستهم، والمحافظة عليهم، ولذلك، فإن أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- تقرب إلى الله، خرج من بيته ناوياً لعبادة يتقرب بها إلى الله، وهي: أن يلزم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويكون معه، يحرسه، ويخدمه، وهذا من فضله -رضي الله عنه-. وأبو موسى الأشعري، صاحب الصوت الحسن بالقرآن.
ملازمة أبي بكر وعمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- ومرافقتهما له:
وكذلك في هذا الحديث: كيف كان أبو بكر وعمر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته وبعد الموت، كانوا قرناء، يقول الصحابي: كثيراً ما أسمع: جاء أبو بكر وعمر، ذهب أبو بكر وعمر مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، جاء رسول الله وأبو بكر و عمر، ذهب رسول الله وأبو بكر وعمر.
الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يذهبون، أخرجهم الجوع معاً، وكانوا في المعارك معاً، أبو بكر وعمر والنبي -صلى الله عليه وسلم- الذين أخرجهم الجوع، دفنوا معاً متجاورين، قبورهم متجاورة، وكلهم أعمارهم ثلاثة وستون سنة: النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة وستين سنة، وأبو بكر الصديق ثلاثة وستين سنة، وعمر ثلاثة وستين سنة، وقبورهم متجاورة.
وهما وزيراه في حياته، وجاوراه بعد مماته، وأفضل الناس بعده، ورفقاؤه في الجنة.
ابتلاء الله لعثمان -رضي الله عنه-ورفعه لمنزلته:
وكذلك في هذا الحديث: البلوى التي أصابت عثمان -رضي الله عنه-، فرفع الله بها منزلته، فإن عثمان -رضي الله عنه- ولي من أولياء الله، فكانت البلوى هذه رفعاً لدرجاته، وكانت شهادة له عند ربه، وهكذا بقي على العهد الذي عهد به إليه صلى الله عليه وسلم، وهذه البلوى التي تصيبه، وكانت تلك الشهادة التي ختم له بها -رضي الله عنه وأرضاه-.
حمد الله على النعمة:
وفي هذا الحديث: حمد الله على النعمة، فإنه في الحديث لما بُشِّر أبو بكر الصديق وعمر، حمدا الله، ليس مرة، بل كررا الحمد حتى جلسا، بجانب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
اجتماع الأخيار:
وفيه اجتماع الأخيار معاً، وأن الله إذا بعث نبياً جعل له بطانة خير تأمره بالخير، وتعينه عليه.
وهؤلاء بطانة النبي -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنه-، الذين لعنهم أهل البدع، وسبوهم، ولا زالوا يقولون: تبت يدا أبي بكر وتب، تبت يدا عمر وتب، تبت يدا عثمان -رضي الله عنه- وتب.
سبعون آية يسبون فيها صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-!.
ويقولون بعد الصلاة ذكر خاص: دعاء لعن صنمي قريش، يقصدون أبا بكر وعمر.
تذكير المسلمين بفضل أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنه--رضي الله عنهم- وبغض من يسبهم:
ففي هذا الحديث: تذكير لنا بفضل هؤلاء، ونجاسة الذين يسبونهم، وبغضنا وكراهيتنا لمن يسب الشيخين وعثمان -رضي الله عنه--رضي الله عن الجميع-.
فراسة سعيد بن المسيب -رحمه الله-:
وفي الحديث أيضاً: فراسة سعيد بن المسيب الذي ربط بين الحديث وبين القبور، وهذا ربما لا يخطر ببال أي شخص، لكن الذي رزقه الله بصيرة يربط بين الأحاديث وبين الواقع.
فانظر كيف ربط سعيد بن المسيب بين الحديث وبين الواقع.
خطر بباله الحديث، فأول هذه القصة بالقبور الموجودة، ولذلك ابن حجر -رحمه الله- ذكر فراسته، وتأويله للواقع في اليقظة[انظر: فتح الباري: 7/38].
شدة استحضار السلف للأحاديث:
الحديث هذا يدل على أن السلف يستحضرون الأحاديث، وعندما يتفكرون في الواقع، تقفز إلى أذهانهم الأحاديث الموجودة في أذهانهم.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجمعنا بهم في جنات النعيم، وأن يرزقنا شفاعة النبي الأمين محمد -عليه الصلاة والسلام-.
والله -تعالى- أعلم.
 
  • محمد

    جزاك الله خيرا يا شيخ محمد.

  • Mohammed

    جزاك الله خيرا يا شيخ محمد.