الأحد 18 ربيع الآخر 1441 هـ :: 15 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

القارئ الصغير


عناصر المادة
نص قصة القارئ الصغير "عمرو بن سلمة":
خلاف العلماء في صحبة عمرو بن سلمة -رضي الله عنه-:
شرح قصة القارئ الصغير "عمرو بن سلمة":
بعض الفوائد المستفادة من قصة القارئ الصغير "عمرو بن سلمة - رضي الله عنه-: 00:29:03
بعض الفوائد المستفادة من قصة القارئ الصغير "عمرو بن سلمة - رضي الله عنه-:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
نص قصة القارئ الصغير "عمرو بن سلمة":
00:00:09
 فهذا حديث الصحابي الصغير عمرو بن سلمة -رضي الله تعالى عنه-، يقول راويا قصته التي أخرجها الإمام البخاري والنسائي وأبو داود وأحمد -رحم الله الجميع- يقول: "كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يغرى "يقر" في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق.
فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبادر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم، قال: جئتكم والله من عند النبي -صلى الله عليه وسلم- حقا، فقال:  صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا .
فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت على بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم، فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص" [رواه البخاري:4302].
فأما رواية النسائي -رحمه الله-: "عن عمرو بن سلمة قال: لما رجع قومي من عند النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: إنه قال: ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن  قال: فدعوني، فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلي بهم، وكانت علي بردة مفتوقة، فكانوا يقولون لأبي: "ألا تغطي عنا است ابنك؟" [رواه النسائي: 767، وصححه الألباني في وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي: 789].
وفي رواية له أيضاً: "قال: كان يمر علينا الركبان -عمرو بن سلمة الجرمي -رضي الله عنه-، فنتعلم منهم القرآن، فأتى أبي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال:  ليؤمكم أكثركم قرآنا  فجاء أبي، فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  ليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فكنت أكثرهم قرآنا، فكنت أؤمهم وأنا ابن ثمان سنين [رواه النسائي: 789، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي: 789].
وأما رواية الإمام أحمد -رحمه الله-، فإنه رواها عن عمرو بن سلمة، قال: "كنا على حاضر -وهم القوم الذين ينزلون بمكان لا يرحلون عنه- فكان الركبان يمرون بنا راجعين من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -الناس الذين يذهبون إلى المدينة ويرجعون طريقهم على هؤلاء- فأدنو منهم فأسمع حتى حفظت قرآنا، وكان الناس ينتظرون بإسلامهم فتح مكة، فلما فتحت جعل الرجل يأتيه، فيقول: يا رسول الله، أنا وافد بني فلان، وجئتك بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام قومه، فرجع إليهم، فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  قدموا أكثركم قرآنا  فنظروا وأنا لعلى حواء عظيم، فما وجدوا فيهم أحداً أكثر قرآنا مني، فقدموني وأنا غلام، فصليت بهم وعلي بردة، وكنت إذا ركعت أو سجدت قلصت فتبدو عورتي، فلما صلينا تقول عجوز لنا دهرية: "غطوا عنا است قارئكم، قال: فقطعوا لي قميصاً، فذكر أنه فرح به فرحاً شديدا" [رواه أحمد: 20348، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"].
وأما رواية أبي داود -رحمه الله-، فإنه رواه عن عمرو بن سلمة: "قال: "كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا اتوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا، فأخبرونا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: كذا وكذا.
وكنت غلاماً حافظاً، فحفظت من ذلك قرآناً كثيرا، فانطلق أبي وافداً إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفر من قومه، فعلمهم -يعني النبي -عليه الصلاة والسلام-، فعلمهم الصلاة، فقال:  يؤمكم أقرؤكم  وكنت أقرأهم لما كنت أحفظ، فقدموني فكنت أؤمهم وعلي بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني، فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم. فاشتروا لي قميصاً عمانيا، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين" [رواه أبو داود: 585، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 599].
وفي رواية أخرى لأبي داود، عن عمرو بن سلمة: "أنهم وفدوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما أرادوا أن ينصرفوا، قالوا: يا رسول الله من يَؤُمُّنا ؟ قال:  أكثركم جمعاً للقرآن، أو أخذاً للقرآن  فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعته، قال: فقدموني، وأنا غلام وعلي شملة لي، فما شهدت مجمعا من جرم -أي: قومه بني جرم- إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي علي جنائزهم إلى يومي هذا" [رواه أبو داود: 587، وصححه الألباني في صحيح أبي داود:601].
خلاف العلماء في صحبة عمرو بن سلمة -رضي الله عنه-:
00:07:53
 هذا الحديث الذي يرويه عمرو بن سلمة -رضي الله تعالى عنه- وهو رجل مختلف في صحبته، أبوه صحابي؛ لأنه وفد على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يوجد في الراوية: أنه وفد مع أبيه.
ولعله قيل: أنه وفد ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقيل: إنه لم يصبح، ولم يكن في عداد الصحابة.
تعريف الصحابي:
لأن تعريف الصحابي: من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمناً به، ومات على ذلك.
شرح تعريف الصحابي:
لماذا قلنا: "من لقي" ولم نقل: من رأى؟
لأنه قد يكون ضريراً.
فلو قلنا: "من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم-" فمعنى ذلك: أننا أخرجنا ابن أم مكتوم، وأخرجنا فلانا وفلانا من الصحابة الذين لم يكونوا من المبصرين.
فقال العلماء: "من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم-" واللقيا، هي: أن يجتمع هو وإياه في مكان واحد، ولو لم يتحدث معه، ولو لم يسمع منه شيئاً، فبمجرد التقائه بالنبي -عليه الصلاة والسلام- يصير من الصحابة الذين لهم الميزات العظيمة -رضي الله عنهم ورضوا عنه-، ومن أهل الجنة، والقدح فيهم قدح في نقلة الوحي، ولا يسأل عن أحدهم في الحديث هل هو ثقة أو غير ثقة؛ لأنهم عدول كلهم، وهم قومٌ اختارهم الله؛ كل واحدٍ لقي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو صحابي.
وقلنا: "لقي النبي -صلى الله عليه وسلم-" فيشمل من لقيه في الأرض، أو لقيه في السماء، ولذلك، فإن بعض الأنبياء صحابة، لقوه مؤمنين به.
لكن عندما نقول في التعريف: "من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمناً به، ومات على ذلك" فإن عيسى -عليه السلام- يكون بناءً على ذلك ينطبق عليه تعريف الصحابي؛ لأنه لقي النبي -عليه الصلاة والسلام- مؤمناً به، وسيموت على هذا؛ لأن عيسى لم يمت بعدُ -عليه السلام-، لم يمت إلى الآن. عمره فوق ألفي سنة، وسيكون عمره فوق ألفي إذا نزل ومات -عليه السلام-.
ولا يهم أين لقي النبي -صلى الله عليه وسلم-، في طريق الهجرة، في مكة، في المدينة، في الأرض، في السماء.
واللقاء يمكن أن يكون بنظرة، أو اجتماع في مكان واحد، سواءً كلمه، أو لم يكلمه.
و "مؤمناً به" حتى نخرج الكافر الذي لقيه ولم يؤمن به، ومات كافراً، مثل أبي لهب، وأبي جهل، وغيرهم، لقوا النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولكنهم ليسوا مؤمنين به، فلذلك ليسوا من الصحابة؛ لأن الصحابي من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمناً به، ومات على ذلك.
فخرج من هذا كل المرتدين الذين ماتوا مرتدين ممن لقي النبي عليه الصلاة والسلام كـمسيلمة ، فقد لقي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه مات على الردة، وعدد من العرب ماتوا على الردة.
"ومات على ذلك، ولو تخللته ردة على الأصح" فلو أنه ارتد ثم رجع، فإنه يعتبر صحابياً؛ لأن العبرة بالخاتمة، والتوبة تجب ما قبلها، فتمحى فترة الردة بالتوبة، فيتصل الإسلام الأول بالإسلام الثاني، فكأن الردة لم تكن، ومات على ذلك.
وهناك أناس حصل بينهم وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- مراسلات، وآمنوا به وماتوا على ذلك، لكن ليسوا صحابة، كـ "النجاشي"؛ لأنه لم يلتق معه، حصل بينه وبينه مراسلات، لكن ما لقيه.
ثم إن العلماء بحثوا مسألة: هل إذا لقيه يشترط أن يكون في سنٍ معينة؛ لو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى شخصاً، والشخص هذا كان عمره سنة، من الذي لقي الآخر، النبي -صلى الله عليه وسلم- لقي الصبي، أو حنكه، أو دعا له، ونحو ذلك؟!
وكذلك الجن، فإن تعريف الصحابة لا يختص بالإنس، فمن الجن صحابة التقوا بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، وعلمهم القرآن، قرأ عليهم سورة الرحمن، وانطلق مع وفدهم، واجتمع بهم، وأرى الصحابة آثار نيرانهم، وأعطاهم كل عظمٍ ذُكر اسم الله عليه عند ذبحه.
فكل عظم ذبيحة ذُكر اسم الله عليها عند ذبحها، ينقلب في أيديهم لحماً أوفر ما يكون، طعاماً للمسلمين منهم، وكل روث علف لدوابهم.
ولذلك نهينا: أن نستجمر بالروث والعظم؛ لأن العظم زاد إخواننا من الجن، ينقلب لحماً في أيديهم، والروث علف لدوابهم؛ لأن الجن لهم دواب، وعلف دوابهم الروث، فلا نستجمر لا بعظم، ولا بروث.
ثم بحثوا أيضاً مسألة: الملائكة الذين لقوا النبي  -عليه الصلاة والسلام-.
ولا شك أن الملائكة سيموتون عندما ينفخ في الصور، كل من في السماوات ومن في الأرض، حتى جبرائيل وميكائيل، وحتى إسرافيل الذي ينفخ في الصور، سيموت.
ثم بحثوا أيضاً مسألة: من وصل إلى المدينة وقد مات عليه الصلاة والسلام، ورآه بعد ما مات قبل أن يُدفن، هل يكون صحابياً أو لا؟ وينبغي معرفة: هل حصل أصلاً هذا أو لا؛ لأن إثباته قد يكون من الصعوبة بمكان.
فالمهم أن هناك حالات متفق عليها: أنهم من الصحابة، وحالات مختلف فيها: هل هم من الصحابة أم لا، وحالات قطعاً ليسوا من الصحابة.
وهناك أناس وفدوا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، فكان قد مات قبلها بليالٍ، كالشاعر أبي ذؤيب الهذلي، والصنابحي، وغيرهم، ممن جاؤوا بعد وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام- بقليل جداً.
وبعضهم أكبر من الصحابة في العمر، عمرو بن ميمون الأودي عمره، مثل عمر ناس من كبار الصحابة، لكن لم يكتب له أن يلقى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وصل إلى المدينة بعدما مات النبي -عليه الصلاة والسلام-.
عدد الصحابة مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والذين حجوا معه في حجة الوداع عددهم قريب من هذا العدد، حج معه كل المسلمين القادرين على الحج، مائة وأربعة وعشرون ألفاً، رأوه في عرفة، ونظروا إليه.
ومؤكد أن هذا العدد الذي نقله العادون في الحج في عرفة، اجتمع معه صلى الله عليه وسلم.
أما المنافقون، فليسوا من الصحابة، إذا ماتوا على النفاق، كـ "عبد الله بن أبي بن سلول" وغيره من المنافقين.
والحمد لله، لا يوجد في نقلة الأحاديث منافق، ما أذن الله لمنافق أن يروي حديثاً، ولذلك كل رواة الحديث عدول من الصحابة، لا يوجد حديث رواه منافق، ما مكنهم الله من رواية الأحاديث، وأصلاً هم لا يقصدون نشر العلم بأي طريقة، بل يريدون الطعن في نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
شرح قصة القارئ الصغير "عمرو بن سلمة":
00:18:09
 وليس لعمرو بن سلمة في صحيح البخاري إلا هذا الحديث، وله ذكر مع مالك بن حويرث -رضي الله عنه- في حديث مالك بن حويرث، في صفة الصلاة.
يقول: "كنا بممر الناس"  كل واحد يرجع من المدينة يمر علينا "وكنا نسمع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج، فنقول: ما للناس؟ ما للناس؟ ما لهذا الرجل؟" وهكذا كثير من العرب كانوا في موقف المتفرج، يقولون: ننتظر ماذا تسفر عنه المواجهة بين هذا الرجل وبين قومه قريش، إن انتصرت قريش ارتحنا، وإن انتصر هو تبعناه.
كانت العرب تمشي على قاعدة: المشي مع الغالب، ولذلك كانت المعارك التي بين النبي -عليه الصلاة والسلام- وقريش معارك حاسمة، يتوقف عليها المستقبل للإسلام؛ مثل معركة بدر، وفتح مكة، فهي معارك حاسمة جداً، يتوقف عليها مستقبل الدين، ليست مثل المعارك الآن، الآن مهما هزم المسلمون فالإسلام باق منتشر، ولا يمكن اقتلاعه من الأرض.
أما في أول الإسلام، فالإسلام محصور في المدينة، وفي بعض القبائل، وفي مكة، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم يوم بدر:  اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض  [رواه مسلم: 4687].
إذا قضي عليها في بدر، فلن تقوم للإسلام قائمة.
ولذلك الصحابة الذين شهدوا بدراً أجرهم أعظم ممن يشهد المعارك الأخرى؛ لأن هذا داخل في معركة ينبني عليها مستقبل الإسلام في الأرض.
ولما انتصروا في المعارك، ونصرهم الله، كان هذا النصر سبباً في انتشار الدين.
ومن حساسية هذه القضية وخطورتها، يقول عمرو بن سلمة -رحمه الله ورضي عنه-: "إن كثيراً من العرب كانوا يتلومون" أي: ينتظرون ويؤخرون البت في الأمر، حتى يروا ما ستسفر عنه المواجهة، ومن الذي سيحسم الموقف، ولمن سيستقر الأمر، ثم بعد ذلك يحددون موقفهم.
فلذلك كانوا يقولون: ما للناس؟ ما للناس؟ ما لهذا الرجل، أوحي إليه كذا؟ فيأتي العائدون من المدينة بقرآن، وكل مسافر يرجع وقد سمع شيئاً ويقول: إن محمداً يزعم أن الله أرسله، أوحي إليه الله إليه بكذا.
من الذي كان يهوى الجلوس إلى هؤلاء المسافرين، ويجلس معهم، ويسمع كلامهم؟
إنه عمرو بن سلمة، وكان غلاماً حافظاً، رزقه الله ذاكرةً قوية.
يقول: "فحفظت من ذلك قرآناً كثيراً، فكأنما يقر" [رواه البخاري:3963] أي: هذا القرآن "فكأنما يقر في صدري" يجمع.
وفي رواية: "يغري" [رواه البخاري:4302] أي: يلصق بالغراء، كأنك لصقت شيئاً بالغراء، فليس بقابل للإزالة.
"وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح" أي يؤخرون.
وهذا يدل على مسألة مهمة، وهي: أن على الدعاة وأهل الإسلام أن يقدروا أن هناك أناساً موقفهم متوقف على من سينتصر، هناك كثيرٌ من المتفرجين في الأرض إسلامه يتوقف على من الذي سينتصر.
فالضعفاء والمتشككون في الدعوة، والمنتفعون، وأهل الدنيا، يقولون: ننتظر من الذي سيفوز، من الذي سينتصر.
وهذا موقف يتكرر كثيراً، وهو أن بعض الناس يتربصون لمن سيكون الانتصار، إن كان للإسلاميين كانوا معهم، وإن كان مع العلمانيين المنافقين كانوا معهم، وهكذا هم مع الغالب.
قال: فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيٌ صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح -أي حين فتحت مكة وحسم الأمر للنبي -عليه الصلاة والسلام- بدأت أفواج العرب تأتي، كل المتفرجين مالوا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وحسموا موقفهم معه؛ لأن قريشاً هي القيادة في العرب، فما دامت القيادة قد سقطت، وآل الأمر للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وصارت القيادة للعرب، جاء كل العرب يبايعونه، ولذلك قال تعالى:  لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا  [الحديد:10].
وقد كان صلح الحديبية بالذات نقطة تحول، ولذلك سمي: فتحاً مبيناً.
قال: "وبادر أبي قومي بإسلامهم" وكان من هؤلاء المتفرجين بنو جرم -قوم عمرو بن سلمة- وكان أبو عمرو بن سلمة من زعمائهم، فانتقى بعض الأشخاص من بني جرم، وذهب بهم إلى المدينة، يبايعون الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويعلنون الدخول في الدين، ولقيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسمع منهم، وعلمهم الصلاة، وسمع منهم ما سمع، وكان من ضمن المعلومات التي نقلها أبو عمرو بن سلمة: قوله صلى الله عليه وسلم:  وليؤمكم أكثركم قرآنا .
لأنهم قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟ عرفنا الصلاة، فمن الإمام؟ قال:  أكثركم جمعاً للقرآن .
قال: فنظروا إلى حوائنا -مكان النازلين يسمى: حواء- من أحفظ واحد، فإذا به عمرو بن سلمة، فكانت المفاجأة أن هذا الغلام الذي لم يكن يُعمل له حساب وفقه الله أنه كان يحفظ من المسافرين، ويسمع من المسافرين، وعنده ذاكرة قوية، واتضح أنه هو أبرز واحد في حفظ القرآن، فكان هو المستحق لئن يكون إماماً، ولذلك قدم في الصلاة، فالأحداث تبرز الأشخاص.
لم يكن في الحسبان أن عمرو بن سلمة يؤم قومه، لكن جاء حديث:  ليؤمكم أكثركم جمعاً للقرآن .
وعُمل مسح للقوم، فإذا بالفائز والمتقدم والمتصدر عمرو بن سلمة، لكن القوم كان فيهم فقر، ما كان على الغلام إلا شملة مشقوقة -إزار مشقوق قصير- وكانت النساء يصلين خلف الرجال، وكذلك ربما يرين الرجال من الخيام، ومن النُزل التي ينزلن فيها، فكان إذا سجد انكشفت عورته، فقالت امرأة: ألا تغطون عنا است قارئكم.
وفي رواية: "واروا عنا عورة قارئكم" [رواه أبو داود: 585، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 585].
بما أن هذا هو الإمام وهو القارئ، فغطوا عورته.
ربما لم يكن عندهم علم بأن كشف العورة يبطل الصلاة، أو أن هذا الغلام ما كان له شيءٌ يستره، أو ما كانوا يأبهون كثيراً بتغطية عورات الغلمان، لكن لما اقترحت العجوز تغطية عورة الغلام، اشتروا له ثوباً.
وفي رواية: "قميصاً عمانياً" [رواه أبو داود: 585، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 585].
وعمان تابعة لمنطقة البحرين التي سبق ذكرها.
وقد ورد في الحج من عمان، حديثٌ لا بأس به: أن الحج من عمان يعدل حجتين، أي أن أجره مضاعف.
وعمان، هي المنطقة المعروفة.
وهذا من فضائل عمان -نسأل الله أن يشيع السنة فيها-.
فيقول: اشتروا لي قميصاً عمانياً.
ويبدو أن هذه المنطقة كانت تصنع فيها القُمص.
والقميص، يشبه الثوب الذي نلبسه الآن، كان يطلق عليه في الماضي: قميص، قال: "فما شهدت مجمعاً من جرمٍ إلا كنت إمامهم".
فاستمر عمرو بن سلمة يصلي بقومه ما شاء الله من الفرائض والنوافل والجنائز.
بعض الفوائد المستفادة من قصة القارئ الصغير "عمرو بن سلمة - رضي الله عنه-:
00:29:03
 إمامة الصبي المميز:
وهذا الحديث حجة لمن ذهب إلى أن إمامة الصبي المميز صحيحة، فهذا دليل على ذلك، فابن سبع سنين مميز، وقد كان عمره سبع سنين، أو ثمان سنين.
والتمييز أيضاً فيه تفاوت بين الغلمان، والنباهة تختلف، لكن الحد المتوسط سبع سنين، ولذلك قال العلماء بصحة صلاة ابن سبع سنين إماماً، وأذان ابن سبع سنين.
فإذا أذن ابن سبع سنين، صح أذانه، وإذا صلى ابن سبع سنين إماماً، صحت إمامته أيضاً.
وهذه مسألة إمامة المميز بمن هو أكبر منه من البالغين؛ مسألة خلافية مشهورة، ولكن الدليل مع من قال بصحتها.
وبعضهم حاول أن يطعن في المسألة، قال: لعل النبي -عليه الصلاة والسلام- ما اطلع، ولعل .. ولعل..
ولكن الوحي ينزل، ولو كانت الإمامة باطلة، لكان أوحي إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- بتغيير ذلك، وأرسل إليهم يغير ذلك.
وجابر استدل بجواز العزل لكونهم فعلوه على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "كنا نعزل والقرآن ينزل" [رواه البخاري: 5208، ومسلم:3632].
ولا يقال: ما كان عليه الصلاة والسلام يدري، أو لعله ما اطلع، الصحابي يقول: "كنا نعزل والقرآن ينزل" أي: أن الصحابي يفهم أن نزول القرآن والعزل موجود، دون إنكار من الوحي عليهم؛ حجة، ولذلك فإن الذي يحتج بهذا أيضاً يحتج بهذا، فالطريق واحد.
إمامة الأقرأ:
وكذلك من الفوائد: أنه يؤم القوم أحفظهم للقرآن.
فلو قيل: من الذي يؤم؟ هل هو الأعلم؟ هل هو الأجود؟ هل هو الأحفظ؟
فالجواب:
أن قراءة الشخص إذا كانت صحيحة، وهو أحفظ الناس بالقرآن، فهو أولى بالإمامة؛ كما دل عليه هذا الحديث؛ لأنه قال:  أكثركم أخذاً للقرآن أكثركم جمعاً للقرآن أكثركم قرآناً .
ما معنى:  أكثركم جمعاً ؟
أي: أكثركم حفظاً.
فأولى الناس بالإمامة: أحفظهم للقرآن، ولو كان صغيراً.
وأبوه قد يكون أعلم منه، فقد ذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وصار صحابياً، وتلقى العلم من النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن من الذي تقدم للصلاة؟
ولده الأصغر الأقل علماً، الذي لم يكن صحابياً على قول.
والسبب: أنه أحفظ للقرآن.
فالأحفظ هو الذي يتقدم، إذا كانت قراءته صحيحة.
إكرام حامل القرآن:
وهذا يدلنا على تكريم الإسلام لحامل القرآن، ومكانة حامل القرآن في الإسلام، أنه يؤم من هو أكبر منه سناً، وأقدم منه إسلاماً؛ لأنه أحفظ.
وقد ورد في تكريم جامع القرآن، وحافظ القرآن، مناسبات كثيرة في السنة؛ ومنها:
تكريم حامل القرآن بالإمامة في الدنيا.
أما بالنسبة لتكريم حامل القرآن في الآخرة، فإنه يقال له:  اقرأ وارق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها [رواه الترمذي: 2914، وأحمد: 6799، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته: 14082، وفي صحيح الجامع: 8122].
ثانياً: لما كثُر القتلى في أحد، وجعلوا القبر الواحد لأكثر من شخص؛ لأن القوم بهم جراحات، ويشق عليهم أن يحفروا لكل قتيل قبراً، والقتلى سبعون، ولذلك، قال:  قدموا أكثرهم قرآناً  [رواه النسائي: 2010، وأحمد: 23706، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته: 202].
أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الدفن بتقديم أكثرهم قرآناً.
فإذا مات جماعة في قتال، أو في معركة، أو في زلزال، ودفنوا جماعياً، قدم الأحفظ.
ثالثاً: التقديم في الدنيا بالنكاح؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للرجل:  زوجتكها بما معك من القرآن  [رواه البخاري: 5029].
سأله: ماذا تحفظ؟ قال: سورة كذا وسورة كذا -ذكر سوراً- فجعل مهرها أن يعلمها ما يحفظ، فكان حفظه شفيعاً له في زواجه.
فقيل: ما عنده خاتم حديد، زوجه قرآنه الذي يحفظه.
رابعاً: لما قدم والي مكة على عمر -رضي الله عنه- قال عمر: من استخلفت؟ قال: ابن أبزى مولى لنا، قال: استخلفت مولى؟! هؤلاء أشراف قريش استخلفت عليهم مولى؟ فذكر له أنه آخذ لكتاب الله، فقال عمر: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين" [رواه مسلم: 1934].
فلذلك من أخذ الكتاب أكرم حتى من جهة الإمارة.
قال في الحديث: "فلما صلينا، تقول عجوزٌ لنا دهرية: غطوا عنا است قارئكم، فقطعوا لي قميصاً" فذكر أنه فرح به فرحاً شديداً، فهو ما زال في سن الطفولة، والصغير يفرح بالثوب الجديد.
فالفرحة الطبيعية بالثوب الجديد كانت عليه رضي الله -تعالى- عنه، وهذا يعني أن الصغار يكرمون، بالذات إذا صار أحدهم حافظاً للقرآن، يُكرم بشيء يتجمل به أمام الناس، مادام هو إمام الناس؛ لأن الإمام يُنظر إليه، ويتقدم بين يدي الناس، فلذلك أُكرم بهذا القميص.
وفي بعض البلدان حافظ القرآن عندهم له مكانة خاصة، مثل الهند، أو باكستان؛ فالذي يحفظ القرآن عندهم يعطونه لقب: قارئ.
وربما يُكتب ذلك في الاسم: فلان بن فلان، القارئ، أو القاري، أو قارئ.
ويُكتب في الوثائق الرسمية، وفي جواز سفره، ويُبجل بين الناس.
أي تكون له مكانة خاصة عندهم، حتى لو كان عاملاً يجمع القمامة. وبعض الأعاجم أشد احتراماً لحامل القرآن من العرب، ويعرفون قيمة الحافظ أكثر من كثيرٍ من العرب.
فينبغي إجلال حامل القرآن لأجل القرآن، واحترامه لأجل القرآن، وعدم إيذائه لأجل القرآن الذي يحمله.
إمامة الصبي المميز في الفرائض والنوافل:
وكذلك في هذا الحديث: أن هذا الإمام صلى بهم، والظاهر أنه صلى الفرائض، وليس النوافل، كما قال بعضهم؛ لأن بعضهم قال: يؤم الصبي في النوافل فقط.
والصحيح: أنه يؤم في الفرائض وفي النوافل.
والشافعي -رحمه الله- قال: "يؤم الصبي غير المحتلم إذا عقل الصلاة إلا في الجمعة".
وأجاز إمامة الصبي الحسن وإسحاق بن راهوية.
وبعض العلماء ذهبوا إلى تضعيف أمر عمرو بن سلمة، ولم يحتجوا بذلك [انظر: معالم السنن: 1/169].
ولكن مادام الحديث قد ثبت، فينبغي المصير إليه.
اقتداء المفترض بالمتنفل:
ولكن يمكن أن يؤخذ من الحديث: جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، كما قال بعض العلماء؛ لأن صلاة الصبي نافلة، وهؤلاء يصلون وراءه فرضاً، إذا كان الفرض لا يُسمى فرضاً إلا في حق البالغ فقط، وأن هذا الصغير صلاته صلاة نفل، على من يقول بذلك، فيستدل به على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ذكر هذا صاحب [عون المعبود شرح سنن أبي داود: 2/295].
أهمية تلقي العلم:
وفي هذا الحديث كذلك: أهمية تلقي العلم، وأن الإنسان لا يحتقر المعلومات التي تأتيه من مسافرين؛ فربما يكون فيها خير عظيم، كما كان من شأن هذا الصبي الغلام -رضي الله عنه ورحمه-، فإنه بسبب قعوده إلى المسافرين في الطريق، جمع هذا القرآن.
اكتشاف الطاقات وتنمية المواهب وتشجيعها:
وكذلك في هذا الحديث: أن بعض الطاقات والمواهب في القبيلة، أو في المجتمع، أو في البلد، أو في المدرسة، لا تبرز إلا بأحداث؛ فلقد كان هذا الغلام مغموراً، فهو حافظ، لكن أحداً لم ينتبه إلى أنه حافظ، يسمع من ناس مسافرين ويحفظ، ما انتبهوا لمكانته، متى انكشفت مكانته؟
لما ذهب أبوه للقاء النبي -عليه الصلاة والسلام-، وعلمه ألا يؤم إلا الأقرأ، الأحفظ، فمسحوا الناس في القبيلة، فوجدوا أن هذا هو الأحفظ فقدموه.
وقد يُوجد هناك طاقات مختفية، أو طاقات غير ظاهرة في المجتمع، فينبغي استكشافها؛ لأن لها شأناً، أصحاب الطاقات هؤلاء من الصغر يظهرون، وأهمية اكتشافها تكمن في أن الطاقات ينبغي أن تأخذ حظها من العناية والرعاية منذ البداية، حتى تكبر، ويكون لها شأن في المستقبل.
والحمد لله أن هذا الدين فيه من المناسبات التي تُظهر الطاقات، مثل قضية حفظ القرآن والإمامة، ولذلك تجد الآن بسبب الحديث عدداً من الأطفال، أو من الصغار، يبرزون في المجتمع.
فصار -بحمد الله- هناك مجالٌ لظهور الطاقات التي تحفظ وتفهم، بحيث تتلقف وتُشمل بالرعاية التي تهيئ خروج هذه الطاقة، وهذه الشخصية في المستقبل، لتكون شخصية كبيرة.
والغربيون انتبهوا حديثاً لقضية استكشاف الطاقات، وجعلوا للمتفوقين والنوابغ فصولاً خاصة، ومناهج خاصة.
أما في الإسلام، فإن طبيعة الدين، وطبيعة أحكامه، تبرز الطاقات، وتبرز المتفوقين؛ مثل مسألة إمامة: الأحفظ؛ فإمامة الأحفظ من وسائل اكتشاف الطاقات، والشخصيات الماهرة من الصغر.
وجعله الإسلام في موقع تسلط عليه الأضواء، فهو إمام للناس، أي: ينتبهون إليه.
والذي يتمعن لمسألة مثل هذه المسائل، فعلاً يكتشف جوانب عَظَمَة في هذا الدين، لم يكن قد انتبه إليها من قبل.
اقتراح وجيه من عجوز:
كذلك في الحديث: أن الاقتراح الوجيه جداً قد يأتي من امرأة عجوز، فالذي قال: "غطوا عنا است قارئكم" إنما هي امرأة دهرية عجوز.
ستر عورة الصبي المميز:
وفيه: قبح ظهور العورة.
والاست معروف، وهو: فتحة الدبر.
فقبح ظهور العورة أمر شائع ومنتشر، ولذلك إذا كان الصبي مميزاً وجب ستر عورته.
أما ابن سنتين، فلا حكم لعورته، بمعنى لا يجب ستر عورة طفل عمره سنة، فلو رأى عورته أحد فلا إثم عليه، ولا ينطبق عليها حكم وجوب التغطية، ولمسها لا ينقض الوضوء.
أما المميز، فيجب أن تستر عورته، على الأقل ستر السوءتين، لا بد من ذلك.
التكامل في أداء المهام:
كذلك في هذا الحديث: أنه قد يكون الشخص مناسباً لئن يقوم بالمهمة، لكن تحتاج المهمة إلى تكميل، فهذا حافظ، لكن يحتاج إلى معرفة كيفية الصلاة، فكمل حتى يقوم بالمهمة، قال: "فدعوني وعلموني الركوع والسجود" فقد كان عنده مقدرة، لكن تحتاج إلى تكميل، فحفظ القرآن موجود، بقي تكميل المسألة، بتعليمه صفة الصلاة، وكيفية الركوع والسجود.
الحرص على تلقي العلم مشافهة:
وكذلك في الحديث: الحرص على التلقي من الأفواه، فهذا الغلام كان يسمع فقط، ولم يكن له كتاب، كان يسمع من المسافرين، ومن المارين، يتلقفه، ويقر في صدره.
حسم المواقف واتباع غالبية الناس للأقوياء:
وكذلك في هذا الحديث: قضية حسم المواقف؛ لأن هناك متفرجين ينتظرون الحسم، وأن أجر الاتباع للذين يحسمون الأمور؛ لأن كل الذين ينتظرون سيتبعونهم إذا انتصروا.
ولذلك، فإننا نمر بمواقف كثيرة تحدث فيها صراعات بين أهل الخير وأهل الشر، ويكون هناك طائفة من المتفرجين ليسوا من أهل الخير ولا في معسكر أهل الخير، وليسوا من أهل الشر الخلص، ولا مع أهل الشر، تحدث المعركة، وتحدث المجابهة، ثم بعد ذلك يحسمون مواقفهم، حسب النتيجة، ويتابعون المنتصر، حتى ولو في مناظرة.
هبها مناظرة بين عالم من علماء المسلمين وراهب من رهبان النصارى كافر، هناك طائفة من المتفرجين ينتظرون هذه المناظرة عن أي شيء ستسفر، حتى يتابعوا المنتصر.
وهنا تبرز أهمية من يمثل الإسلام في المعارك، هناك الآن معارك وجبهات كثيرة في النقاشات، وحوارات ومناظرات، وتحدث أحياناً مؤتمرات، أو لقاءات وتنشر، وقد تبث على الهواء مباشرة، من الذي يمثل الإسلام فيها؟ وهذه مسألة مهمة جداً؛ لأن هناك متفرجين ينتظرون من الذي سينتصر في هذا النقاش، وفي هذه المناظرة.
ولذلك، ينبغي ألا يدخل فيها إلا المتمكنون من أهل العلم والدين؛ لأنهم يمثلون الإسلام.
وبناءً على النتيجة سيحسم كثيرٌ من الناس مواقفهم من المتفرجين والمتشككين والمترددين، وهذه مسألة من أخطر المسائل في عصرنا هذا الذي نعيش فيه.
أخذنا هذه الفائدة من قوله رضي الله عنه: "كان العرب يتلومون" أي ينتظرون حسم المواقف.
كثير من الناس يطلق عليه: إمعة، يرون من المنتصر.
وقد يكون بعضهم ذكياً، لكن ما عنده علم يصل به إلى النتيجة، فهناك كثير من الأذكياء ينتظرون أشياء تُحسم، ليتبعوا.
هذا، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا من الذين ينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، إنه سميع مجيب.