السبت 20 صفر 1441 هـ :: 19 أكتوبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

قصة دخول آدم عليه السلام الجنة والخروج منها


عناصر المادة
نص القصة:
تفسير القصة:
الفوائد المستفادة من القصة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
ففي قصص القرآن عبرة، جعله الله سبحانه وتعالى ثلث القرآن، وكان في هذه القصص من الذكرى للمؤمنين والعظات والعبر ما تهفو إليه النفوس؛ لترى ما فيه مما أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه.
نص القصة:
00:00:38
 ومن ذلك قصة دخول آدم الجنة، وخروج آدم عليه السلام منها، قال تعالى:  وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  [البقرة: 35-39].
وكذلك جاء في سورة الأعراف:  وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا [الأعراف: 19-21]، أي: حلف لهما، وأقسم بالله.
 إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ * يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  [الأعراف: 21-26].
تفسير القصة:
00:02:47
 وقوله تعالى:  وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ  [البقرة: 35].
أباح لهما السكنى في الجنة يأكلان منها حيثما شاءا، وكان ذلك من فضل الله على آدم وعلى زوجه بعدما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، وخلق زوجه منه ليسكن إليها، ويستأنس بها،  هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا  [الأعراف: 189].
فأسكنهما الجنة، وأباح لهما الأكل من أي مكان، فلم يحرم عليهما بعض المواضع، ما حرم عليهما الأكل إلا من شجرة واحدة،  اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا  واسعًا هنيئًا طيبًا،  حَيْثُ شِئْتُمَا من أصناف الثمار والفواكه، كما قال تعالى في الآية الأخرى:  إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى  [طه: 118-119].
أنت لا تتعرض للحر، ولا تصاب بالجوع، ولا بالعري، ولا بالظمأ، وخلق حواء من ضلع من أضلاع آدم لتكون سكنًا له في دار الكرامة، لقد أكرم الله آدم إكرامًا عظيمًا، وأعطاه هذا النعيم الكبير، وكل الذي منعه هو شجرة واحدة،  وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ، المتعدين المخالفين للأمر الإلهي، فكل معصية إذًا هي ظلم للنفس، وكان هذا النهي امتحانًا وابتلاء من الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية دليل على أن الأصل في النهي التحريم، وأن الله إذا نهى عن شيء فإنه محرم، وقد أكد الله النهي والمنع بأنه نهى عن قربانها، وليس عن الأكل منها فقط،  وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ . والنهي عن الاقتراب من الشيء أبلغ من النهي عن الأكل منه أو الوقوع فيه، والله لما قال  وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا  [الإسراء: 32] أبلغ من قوله لا تزنوا، لأن النهي عن الاقتراب من الشيء يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يترك كل ما يجعله قريبًا من هذا الشيء،  وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا  [الإسراء: 32] لا تخلوا بامرأة، لا تلمس امرأة أجنبية، لا تفعل أي شيء يؤدي إلى الزنا، وقال عز وجل عن العدو:  فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  [البقرة: 36].
حسد إبليس آدم كيف يكون في هذا النعيم المقيم؟ يأكل ويشرب، لا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، كيف يتركه يسر وينعم؟ حسده وأراد أن يخرجه من هذا النعيم،  فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ  أي: عن الجنة، أبعدهما وأذهبهما بعيدًا، وعن الطاعة ونقلهما عنها إلى المعصية.
هل أزلهما من الزلل أو أزلهما أبعدهما؟ كلاهما قريب أزلهما بالزلل والمعصية، فأبعدهما عن الجنة، "فأزالهما" كما في قراءة أوقعوهما  في الزلل، فزالا عنها.
قال ابن القيم رحمه الله: "الله سبحانه مهد الأرض لآدم وذريته قبل خلقه، فقال:  إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، وقضى أن يعرفه قدر المخالفة، وأقام عذره بقوله:  فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ  وتداركه برحمة بقوله:  ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ [طه:122]، يا آدم لا تجزع كأس خطأ كان سبب" -أي هذا الذنب- "فقد استخرج منك داء العجب وألبسك رداء العبودية، لا تحزن بقولي لك:  اهْبِطُوا مِنْهَا  [البقرة: 38]، فلك خلقتها، ولكن اخرج إلى مزرعة المجاهدة، واجتهد في البذر، واسق شجرة الندم بساقية الدمع، فإذا عاد العود أخضر فعد كما كنت إلى الجنة". [بدائع الفوائد: 3/742].
 فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف:20]، يعني: من جنس الملائكة، أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ  [الأعراف: 20]، كما في الآية الأخرى:  هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى  [طه: 120] وأقسم لهما بالله  وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ  [الأعراف: 21]، فاغترا به وأطاعاه، حلف إنه ناصح، وغلبت الشهوة على العقل في تلك الحالة، وخدعهما باليمين، والمؤمن قد يخدع بالله، كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك، يظهرون أمام سيدهم بالصلاة الطويلة، وحسن العبادة طلبًا للعتق، فكان ابن عمر يعتقهم، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال الكلمة المشهورة: "من خدعنا بالله انخدعنا له". [صفة الصفوة: 1/290].
والمسلم يرضى ويسلم إذا حلف له بالله، قال النبي صلى الله عليه وسلم:  من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله حديث صحيح. [رواه ابن ماجه: 2101، وصححه الألباني صحيح الترغيب:2951].
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا. والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله، وكذبت عيني  [رواه البخاري: 3444].
حاول بعض العلماء أن يقول: إن كلمة عيسى  أسرقت  يعني: للاستفهام، وليس لتقرير السارق على ما فعل، وقال بعضهم إن معنى  كذبت عيني : يحتمل أن يكون هذا الرجل ما له حق، أو أذن له فيه، أو أخذه ليقلبه، ولم يقصد سرقته، لكن هذا بعيد، لقد رأى رجلا يسرق حقيقة، وهذه تأويلات متكلفة.
قال ابن القيم: "والحق أن الله كان في قلبه" يعني: قلب عيسى، "أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا". [فتح الباري: 14/179].
يعني: ما تبادر إلى عيسى عليه السلام أن هناك أحد يتجرأ أن يحلف بالله كاذبًا، فلما حلف له بالله صدق، فدار الأمر بين تهمة الحالف وتهمة البصر، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم صدق إبليس لما حلف أنه له ناصح، إذًا لو قال قائل: كيف انخدع آدم؟ لا شك أنها زلة، وأنه خطأ، نحن لا نقول: إن آدم لم يعص، ولكن هناك فرق بين من يعصي بأسباب ومن يعصي بغير سبب، بين واحد يقع في المعصية بخطة ماكرة يدبرها له غيره، وبين واحد يقع في المعصية هو يدبرها لنفسه، أو يدبرها لغيره، فمن ضمن الأسباب التي أوقعت آدم في المعصية القسم والحلف الذي حلفه له إبليس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الصواب أن آدم عليه السلام لما قاسمه عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع التأكيدات،  وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ اللام للتأكد  لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، ظن آدم أنه لا يتجرأ أحد أن يحلف بالله كاذبًا، ولذلك صدق وأقدم على ما أمره به ودله عليه، قال:  فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ  [الأعراف: 22]. [الفتاوى الكبرى: 5/33].
أنزلهما من رتبتهما العالية إلى التلوث بالمعاصي،  فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ  أطمعهما في شيء وهو في الحقيقة لا نفع فيه، واهبط آدم وحواء من الدرجة العالية إلى الرتبة السافلة، والشيطان يغر بني آدم كما غر الأبوين، فيصغر المعصية في عين الإنسان، فإن لم يستطع أن يقنع الإنسان بهذا مناه بالتوبة بعد المعصية، قال: إذًا أنت تعصي ثم تتوب.
 فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا  [الأعراف: 20]، يعني: ليظهر لهما العورة المستورة، ليبدي: ليظهر هذه العورة، فكشف العورة من عظائم الأمور، ومن تزيين الشيطان، وهو قبيح في الطبع، وسميت العورة سوأة لأنه يسوء الإنسان أن تنكشف، قال:  فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا  [الأعراف: 20].
ما أخفي وغطي، فأوقعهما في المعصية لينكشف المستور الذي يسوء الإنسان أن ينكشف، إنها العورة، إنها السوأة.
وقد روى الترمذي رحمه الله عن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي قال: قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال:  احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك  [رواه ابن ماجة: 1559]، فقال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال:  إن استطعت ألا يراها أحد فافعل ، قلت: والرجل يكون خاليًا، قال:  فالله أحق أن يستحيا منه  حديث حسن [رواه أبو داود: 4019، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 1706].
 فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  [البقرة: 36] من النعيم، واللباس، والمنزل الحسن الرحب، والرزق الهنيء، والراحة، وأهبطهما إلى دار التعب،  والنصب، والمجاهدة.
 وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  [البقرة: 36]، الخطاب للجميع لآدم وحواء وإبليس، ولآدم وذريته، وهم في ظهره.
وذكر المفسرون أماكن قالوا: إن آدم وحواء هبطا فيها، ولكن لم يثبت بها دليل صحيح، الهند، جدة، عرفات، ما ثبت بها دليل صحيح، ولذلك فإنه لا يضرنا الجهل بها.
لو قال قائل: هل يترتب على معرفة المكان الذي التقى فيه آدم بحواء بعد الهبوط؟ فيقال: لا يضرنا الجهل بها، ولو كانت المعرفة تفيدنا لعرفنا بذلك ربنا سبحانه وتعالى.
 وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ  [البقرة: 36]، يعني قرار، وأرزاق، وآجال  إِلَى حِينٍ  إلى وقت معين، وهو يوم القيامة، ما هو الفرق بين {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} وبين ولكم مستقر في الأرض، تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر،  وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ  يعني: فيها وليس في غيرها، لكن إذا قلنا: لكم مستقر في الأرض، ممكن يكون لكم مستقر في أماكن أخرى، أو كواكب أخرى، لكن  وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ، يعني: فيها فقط وليس في غيرها، وبذلك تعلم بأن كل الأبحاث التي تعملها وكالة الفضاء ناسا أو غيرها من الوكالات في العالم عن: إمكانية أن يكون البشر يعيشون في كوكب آخر؛ أنها إهدار أموال  بلا فائدة، لأن النتيجة معروفة سلفًا.
لو قال قائل: هل يمكن أن يعيش البشر في كوكب آخر؟
لا يمكن لأن الله قال:  فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ  [الأعراف: 25]،  وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ، كله في الأرض وليس في غيرها، وبناء عليه فلا يمكن أن يعيش البشر في غير الأرض، يعني: يستقرون ويتوالدون يكون لهم مستقر يتناسلون، وأجيال، ما يمكن، ممكن يطأ كوكبًا آخر لكن ما يمكن يستقر فيها، يعني: يعيش ما يمكن، وهذا الفرق بين المسلم وغير المسلم، المسلم عندما يبحث ويستكشف إذا عرف أشياء بالعلم الشرعي أنها مستحيلة، لماذا ينفق الأموال في التجارب عليها هو يعرف سلفًا أنه لا يمكن؟ وأما غير المسلم يبقى يهدر أموال في أشياء على ضلاله، حتى في النهاية يكتشف أن الأبحاث أو المجال الذي دخل فيه أصلاً  غلط، وأهدرت فيه أوقات وأموال بلا فائدة، وبناء على ذلك فإنه لا يمكن العيش لبني آدم إلا في الأرض، كما قال العلماء، ولا دوام لبني آدم في الأرض أيضاً؛ لأن الله قال:  إِلَى حِينٍ .
فلو قال قائل: هل البشر يخلدون في الأرض؟
يقال: لا، لماذا؟ لأن الله قال:  إِلَى حِينٍ .
في أي يوم أخرج آدم من الجنة؟
ذلك كان يوم الجمعة، كما أنه دخلها في يوم الجمعة أيضاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم:  خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها  [رواه مسلم: 854].
ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة، إذًا خلق آدم يوم الجمعة، وإدخال آدم الجنة كان يوم الجمعة، وإخراج آدم من الجنة كان يوم الجمعة، ولم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة عقوبة له، لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته، وإنما أهبطه للحكمة البالغة، وللتكليف والامتحان، ورتب على ذلك الثواب والعقاب الأخروي، لقد كان إخراج آدم من الجنة عقوبة، لكن الاهباط إلى الأرض كان لحكمة عظيمة يريدها الرب عز وجل، والله يفعل ما يشاء،  فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا  [الأعراف: 22]، الذوق: وجود الطعم في الفم، مجرد الذوق  فَلَمَّا ذَاقَا  أول ما بدأ الأكل ما هو لما انتهى وشبع،  فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ، مباشرة ظهرت السوأة، وكانت مستورة من قبل بستر الله، فبمجرد الذوق من الشجرة المنهي عنها ظهرت العورة، فرأى كل واحد منهما عورته وعورة الآخر باديًا ظاهرة، فساءهما ذلك جداً، وشق عليهما غاية المشقة، ولذلك سارعا إلى قطع أوراق من شجر الجنة لكي يلزقاه على العورة ليستترا به، وفي هذا أن ستر العورة كان من شريعة آدم عليه السلام، وجعلا يخصفان على عوراتهما خجلاً من أوراق الجنة ليستترا بذلك.
 وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا  أي: موبخًا ومعاتبًا.
 أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ  [الأعراف: 22]، فلما اقترفتما هذا المنهي، وأطعتما هذا العدو.
وقد قيل في الشجرة أقول: هل هي النخلة، وإلا التين، أو العنب، أو الحنطة؟ لكن الخوض في هذا تكلف لا نحتاج إليه، ونحن مستغنون عنه، ولو كان فيه فائدة لعينه ربنا سبحانه وتعالى، فالجهل به إذًا لا يضر، والله أعلم بتلك الشجرة وما نوعها.
وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:  وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ  [الأعراف:19]، فعرفهما بأنهما من الظالمين لو أكلا منها، ولكن كما تقدم غرهما اليمين، وظنا أنه لا يقسم أحد بالله كاذبًا، ولعل آدم ظن أن الأكل من الشجرة يزيده قربًا من ربه؛ لأنه قال لهما:  إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف:20].
والملك قريب من الله، فأراد أن يكونا قريبين من الله مثل الملائكة، ويخلدا فيما هما فيه من الجنة، وقد ادعى بعضهم -ولعل أحسن ما يمكن أن يكون حال هذه الرواية أنها من الإسرائيليات- أن حواء سقت آدم خمرًا، فسكر ففعل ما فعل، وهذا فاسد نقلاً عقلاً، فإنه لا يصح بحال، والله عز وجل وصف خمر الجنة أنه لا غول، لا يذهب العقل، لا فيها غول، فكيف تذهب العقل.
لكن نقول: إننا لا نحتاج إلى أن نؤتى برواية أنه سكر، وأكل وهو سكران، وإنما نقول مع القسم والتأكيد والرغبة أن يكون من الملائكة قريبين من الله نسي فأكل، كما قال تعالى:  وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا  [طه: 115]، فهذا جواب سؤال كيف وقع آدم بالرغم من تحذير الله له؟ وأنه أخبره أنه يكون من الظالمين لو أكل؟
فيقال: إنه أكل نسيانًا، أنساه الشيطان بتلك المؤامرة القضية والاحتراز من هذا فوقع فيها وأكل، ولعله تأول أن مصلحة الخلود أعظم من مفسدة الأكل من الشجرة، ولعله جاء في نفسه أنه يستدرك هذا بالتوبة والاعتذار، والأعذار لآدم كثيرة، لكن لما عرف آدم أنه عصا رجع إلى الله وتاب إلى الله، والله هو الذي علمه التوبة، وهو الذي علمه كيف يتوب،  فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ  [البقرة: 37] تلقفهن، وتلقن هذه الكلمات.
ما هي الكلمات لم تذكر لنا هنا، فالله أعلم ما هي، هل هي مثلاً سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ربي ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم؟ هل هي لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين؟ الله أعلم.
لكن بعضهم قد ادعى دعوة عجيبة، فقال: إن آدم لما اقترف الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي؟ قال: يا آدم كيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا ربي لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك   [المستدرك: 4228، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 25]، فهذا حديث باطل، موضوع، مكذوب، واه، لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أبدًا، إنما يروجه هؤلاء الصوفية الذين يصرفون للنبي صلى الله عليه وسلم عبادات لا تجوز، ولا تنبغي إلا لله -سبحانه وتعالى-، أهل الغلو الذين يرفعون محمدًا صلى الله عليه وسلم فوق منزلته التي أنزله الله إياها.
إذًا  فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  [البقرة: 37]، علمه الله تلك الكلمات، فرجع إلى ربه وأناب،  أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ  [التوبة: 104] وهذه الكلمات قال بعض العلماء: إنها  المذكورة في قوله تعالى:  قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  [الأعراف: 23]، وأولى ما يفسر به القرآن القرآن، فإن قال قائل: ما هي الكلمات؟ فيقال: هذه هي لأنها مذكورة في القرآن.
والإقلاع حصل من آدم عليه السلام بعد الندم، وتذكر الخطأ الذي فعله، وكذلك كان من زوجه أيضاً، وإنما كانت امرأة، وأراد الله الستر لها، فقال:  وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى  [طه: 121]، مع أن زوجه قد عصت أيضاً، لكن لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر.
قلنا:  قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا  [البقرة: 38] آدم وحواء وإبليس والذرية،  فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى  [البقرة:38]، هناك هبوط من الجنة إلى السماء الدنيا، ومن السماء الدنيا إلى الأرض.
 فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ  [البقرة: 38] وآمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، من صدق أخبار الرسل والكتب،  فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  [البقرة: 38]، لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا،  فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى  [طه: 123]، نفى الخوف والحزن.
وما هو الفرق بينهما؟
إن كان على شيء مضى فهو حزن، وإن كان من شيء يأتي في المستقبل فهو خوف، فنفى الله الخوف والحزن عما اتبع هداه، وإذا انتفى الخوف فيكون الأمن، وإذا انتفى الضلال والشقاء  سيكون بدلاً منهما الهدى والسعادة، إذًا الذي يتبع هدى الله يحصل له الأمن والسعادة في الدنيا والآخرة، وينتفي عنه الخوف والحزن، والضلال والشقاء،  وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  [البقرة: 39]، كما قال تعالى:  وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: 124].
في سورة الأعراف قال الله تعالى:  يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: 26]، فنبه الله سبحانه وتعالى إلى لباس الباطن لما ذكر لباس الظاهر، وإلى اللباس المعنوي لما ذكر اللباس الحسي، لباس الظاهر يبيد ويفنى، أما لباس التقوى فإنه لا يبيد ولا يبلى، بل هو يستمر.
وقد حذر تعالى بني آدم أن يفعل بهم الشيطان كما فعل بأبيهم، فقال:  يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ  [الأعراف: 27]، بأن يزين لكم المعصية، ويدعوكم إليها فتنقادون له،  كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ  [الأعراف: 27]، وأنزلهما من المحل العالي إلى الهابط، حذرنا تعالى منه وقال:  إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ  [الأعراف: 27] شياطين الجن، هو وجنوده،  مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: 27].
الفوائد المستفادة من القصة:
00:29:37
 وهذه الآيات فيها فوائد:
ومنها أن إدخال آدم الجنة كان مؤقتًا إلى مدة، ولم يكن خلودًا.
من أين أخذنا هذه؟ من قوله:  اسكن  لأن السكن ليس تمليكًا، اسكن في هذا المكان ليس تمليكًا له، وإنما يكون مدة ثم ينقطع، فكان دخول آدم الجنة دخول سكنى، وليس دخول إقامة.
ونأخذ من هذه الآيات أنه لا يوفق للتوبة إلا الله، كثيرون يذنبون لكن الذي يتوب من وفقه الله للتوبة،  إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  [القصص: 56]،  وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  [المائدة:41]، ومن الذي يقبل التوبة عندما يبذلها التائب؟ إنه الله عز وجل،  أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ  [التوبة: 104]، فهو الذي يوفق للتوبة، ويشرح صدر المذنب للتوبة، ويعلمه كيف يتوب، ثم إذا تاب قبلها منه، فله المنة أولاً وآخرًا عز وجل.
ونلاحظ أن التوبة كانت إلى الله مباشرة، ما كانت عن طريق وسيط لا جبريل، ولا غيره،  هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ  [التوبة: 104].
مباشرة قال العلماء: وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم من الدين، فجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئًا ليحط عنه ذنوبه، قد ضلوا وما كانوا مهتدين، وما قضية صكوك الغفران بخافية، وقد قيل إنه في بلد من البلدان كان فيه نصارى، وكان لهم كنيسة، وكان الناس يذهبون إليها ليشتروا صكوك الغفران، ومحلات في الجنة، وهؤلاء الرهبان يستغلون سذاجة العامة، وجهل هؤلاء الناس، ويبيعون عليهم أراض في الجنة، وحيث أن الناس يريدون الجنة ويحبون الجنة، فكانوا يدفعون لشراء أراض وعقارات الجنة، وصكوك مغفرة في الجنة، فجاء يهودي إلى الكنيسة، فقال لذلك الراهب، أنا أريد أن أشتري النار؟
وحيث أن الراهب ما تفرق معه، يعني: تشتري جهنم، اشتر جهنم، المهم أن يدفع مال، فباع جهنم لذلك اليهودي، وقال اليهود: أنا أريد صكًا من الكنيسة أنني اشتريت جهنم، فأعطوه صكًا أنه اشترى جهنم، ولما خرج هذا اليهودي جمع الناس، وناداهم أهل البلد، ثم قال: يا أيها الناس لقد اشتريت جهنم وصار عندي صك ملك على جهنم، وإني أعلن لكم الآن أنني أغلقتهما، فاطمأنوا لا يدخل أحدكم منكم جهنم، لأني قد منعت الدخول، فعند ذلك توقف الناس عن الذهاب إلى الكنيسة لشراء صكوك في الجنة، لأنهم ما عادوا يخافون من دخول النار، حيث أن اليهودي قد أغلقها، فاكتشف الرهبان الحيلة، فذهبوا يتوسلون من اليهودي أن يعيد بيعهم جهنم فلم يبعها عليهم إلا بأغلى الأثمان، وهذا الفرق بين اليهود والنصارى، النصارى ضلال وفيهم غباء وجهل، واليهود فيهم مكر واحتيال وخديعة، فأما المسلم فإنه يعلم بأن الجنة لله يورثها من يشاء، والنار دار عذابه، يعذب فيها من يشاء.
وقد اختلفوا هل الجنة التي أسكنها الله آدم في السماء أم في الأرض؟ هل هي جنة الخلد المعروفة أو هي جنة أخرى؟
قال ابن مفلح رحمه الله: أكثر الناس -العلماء- على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة الخلد دار الثواب.
قال شيخ  الإسلام ابن تيمية: وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال: إنها جنة في الأرض في الهند, أو جدة، أو غير ذلك، فهو من الملاحدة المبتدعين، والكتاب والسنة يرد هذا القول. [مجموع الفتاوى: 4/346]، فظاهر الكتاب والسنة أنها جنة الخلد، وليست سواها.
وقوله:  اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  [البقرة: 35] أل هذه للعهد الذهني، تدل على الجنة المعروفة.
فإن قال قائل: كيف تكون جنة الخلد ولم يخلد فيها بل خرج منها؟
فالجواب: إن جنة الخلد لمن دخلها بعد يوم القيامة، وليس من دخلها قبل يوم القيامة، إنما يكون خالدًا فيها لا يموت، ولا يخرج من دخلها بعد يوم القيامة، كما دل على ذلك النصوص.
فحي على جنات عدن *** فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
[حادي الأرواح: 1/7].
منازلك الأولى لأن أبانا كان فيها، ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد، أو قالوا: إنه في مكان آخر وبستان ونحو ذلك، فإن الجنة التي دخلها آدم هي الجنة المعروفة.
وقد قال موسى لآدم: أخرجتنا ونفسك من الجنة، فأي جنة يقصد موسى عليه السلام هي الجنة المعروفة.
ومن فوائد الآيات العمل بسد الذرائع، لقوله تعالى:  وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ  [البقرة: 35]، فكل ذريعة كل طريق يوصل إلى الشر يسد يغلق، ولما أراد الله النهي عن أكل الشجرة لم يقل: لا تأكلا فقط، وإنما لا تقربا سدًا للذريعة؛ ولذلك الإنسان لا يقرب المشتبهات لئلا يقع في الحرام.
ومن فوائد الآيات الترهيب من المعصية، فإن آدم عليه السلام قد أخرج من الجنة بلقمة أكلها.
قال ابن القيم: "لعن إبليس وطرد من رحمة الله تعالى إلى الأبد بترك سجدة واحدة أمر بها، وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها، وأمر الله تعالى بقتل الزاني المحصن أشنع القتلات بشهوة ساعة، وأمر بإيساع الظهر سياطًا بكلمة قذف، أو بقطرة مسكر، وأبان عضو من أعضائك بثلاثة دراهم، حد السرقة، فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيك، ولا يخاف عقباها". [الفوائد: 63].
فيبغي للمؤمن أن يطيع الله ورسوله، ويحذر المعاصي؛ لأنه يمكن معصية واحدة فقط توردها المهالك،  ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: 208]، طبقوا جميع شرائع الإسلام ما استطعتم،  وإياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه  [رواه أحمد: 3818، وصححه الألباني صحيح الترغيب:2470].
وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة:  إياك ومحقرات الأعمال، فإن لها من الله طالبًا  [رواه أحمد: 24460، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 2731]،  والشيطان قد رضي منكم بما تحقرون [رواه أحمد: 8796، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 471]، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بالمعاصي التي نقول عنها هذه بسيطة، هذه هينة، هذه صغيرة، ومن كان يعظم أوامر الله ورسوله، فإنه لا يقع لا في الكبائر ولا في الصغائر، ومن علامات المؤمن أن يخشى على نفسه، ومن علامات المنافق اللامبالاة.
روه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:  إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا   [رواه البخاري: 6308].
وقال أنس رضي الله عنه: "إنكم لتعلمون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات" [رواه البخاري: 6492].
ولذلك قال بلال بن سعد: "لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت". [تاريخ بغداد: 3/280]. انظر إلى عظمته وجلاله، تعرف ماذا فعلت؟
خل الذنوب صغيرها *** وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أرض *** الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى

[التذكرة: 1/298].
 دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض  [رواه البخاري: 2365، ومسلم: 904].
 إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب  [رواه البخاري: 6112، ومسلم: 2988].
إن التفريط في محقرات الأعمال والاستهانة بالذنوب يؤدي إلى ركوب الإنسان العظائم، والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة.
لا تحقرن من الذنوب صغيرة *** إن الصغير غدًا يعود كبيرًا
إن الصغير ولو تقادم عهده *** عند الإله مسطرًا تسطيرًا

ثم من دروس الآيات أن الذنب قد يكون في النهاية خيرًا على صاحبه إذا ندم، وتاب، واستغفر، ورجع، وآب، ربما يكون الذنب يصلح الله به خللاً في قلب الإنسان، قد يكون مصاب بالعجب مما يعمل من الصالحات يرى نفسه فوق، فيبتليه الله بذنب يعرفه قدر نفسه، وأنه مذنب، وأنه مقصر، وأنه وقع سقط، وأن الشيطان نال منه، وعند ذلك يشعر بحقارة نفسه، وضعفه، ويشعر بالتواضع، ولذلك اجتبى الله آدم بعد المعصية،  وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى  [طه: 121-122].
وليس في أفعال الله شر محض، بل يمكن أن يكون فيه خيرًا بوجه من الوجوه، وقد يعود الإنسان بعد المعصية أفضل مما كان قبل المعصية، إذا عصى سينزل عن الرتبة التي كان عليها عند الله، يمكن أن المعصية تضعف إيمانه فيظل تحت، ويمكن أن يتوب فيرجع مثلما كان، ويمكن أن يحدث عنده خوف من هذا الذنب مستمر يجعله دائمًا يعمل ويعمل لتعويض ما فات، وخوفًا من عقاب الله، فيكون أحسن مما كان، فبعض الناس لو وقع في ذنب يرجع مجتهد اجتهادًا عظيمًا في الطاعات، وبعضهم إذا وقع في الذنب بقي في عالم الذنوب لا يغير ولا يتوب، وبعضهم يرجع مثلما كان، وقد تصح بعض الأجساد بالأمراض، حمى تذهب عنه شيئًا خطيرًا، والله-عز وجل أفرح بتوبة عبده من أحدنا إذا أضل راحلته، وعليها طعامه وشرابه.
من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، ومنهم من يعود إلى أنقص، فإن كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة، وأشد حذرًا، وأعظم تشميرًا، وأعظم ذلة وخشية وإنابة عاد إلى أرفع مما كان، وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور، ولم يعد بالتوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان، وإن كان بعد التوبة مثلما كان قبل الخطيئة  رجع إلى منزلته، هذا ملخص كلام شيخ الإٍسلام رحمه الله الذي نقله عنه تلميذه ابن القيم.
ثم نستفيد من هذه الآيات أهمية الاعتراف بالذنب،  قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا  [الأعراف: 23]،  رَبَّنَا  توسل بالربوبية، و ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا  اعتراف بالظلم،  وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا  [الأعراف: 23]، تفويض الأمر إلى الله،  لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  [الأعراف: 23]، يظهر فقر العبد إذا تخلى عنه الرب.
وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقول المذنب؟ قال: يقول ما قاله الأبوان،  قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  [الأعراف: 23].
ماذا قال موسى؟  رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [القصص: 16]، وماذا قال؟ يونس  لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  [الأنبياء: 87]، وما هو دعاء سيد الاستغفار؟  أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي [البخاري: 6306]، يعني: اعترف بذنبي إذًا الاعتراف بالذنب مهم جداً.
سعد ابن آدم بخمسة أشياء: هي التي سعد أبوه بها، اعترف بالذنب، وندم عليه، ولام نفسه، وسارع إلى التوبة، ولم يقنط من الرحمة.
وشقي إبليس بخمسة أشياء: لم يقر بالذنب، ولم يندم عليه، ولم يلم نفسه، بل أضافه إلى الرب، فلم يتب عليه، فقنط من الرحمة. 
وإن قال قائل: كيف تمكن إبليس من دخول الجنة، وقد طرد منها؟
فيقال: إنه منع دخول الجنة إكرامًا، أو دخوله على وجه السرقة والإهانة، فلا يمتنع، ويحتمل أن يوسوس ومن خارج الجنة، يعني: وسوسة إبليس بعيدة المدى، يمكن تصل إلى ناس من بعيد.
ونعرف من هذه القصة عداوة إبليس لآدم وذريته،  إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا  [فاطر: 6].
والتزود للآخرة  وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  [البقرة: 36]، إذًا هناك آجال ستنقضي.
وفي هذه القصة ارتباط الظاهر بالباطن، وأن الإنسان يجب أن يكون ظاهرًا وباطنًا صالحًا، والارتباط بين الظاهر والباطن ارتباط دائم، ولا بد أن يكون المسلم صالحًا في ظاهره وباطنه، وهناك تأثير للباطن على الظاهر وللظاهر على الباطن، تأثير الباطن على الظاهر واضح إذا القلب ما فيه خشوع تجد الإنسان يقضم أظافره، ويلعب بأصابعه ويفرقعهما، ويحك ويعبث بالملابس، وبالساعة، وبالنظارة، وبأنفه، وبالقلم، وبكل شيء بسبب القلب ليس فيه خشوع، انعكس على الظاهر.
ما هو انعكاس الظاهر على الباطن؟ هذا أصعب لكن قال عليه الصلاة والسلام:  عباد الله لستوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم [رواه أبو داود: 662، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 32]، فإذا كان الظاهر مختل ممكن يؤدي إلى اختلال في الباطن، إذًا كلاهما يؤثر في الآخر، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما نزل منزلاً ومعه أصحابه تفرقوا في الشعاب والأودية، قال:  إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان  [رواه أبو داود: 2630، وصححه الألباني صحيح الترغيب: 3127].
فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم. فإذًا تباعد الأجساد ممكن يؤدي إلى تباعد القلوب.
وكذلك وجدنا في هذه القصة أثر المعصية في كشف العورة، وإظهار العوة.
وينبغي الحذر من كل التسويلات.  إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ  [الأعراف: 20]، فالشيطان له مداخل على الإنسان  يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا  [النساء: 120].
عرفنا من القصة الاعتراف السريع بالذنب، والمبادرة إلى التوبة، وهكذا فعل آدم وزوجه، فعلى المسلم ألا يسوف ولا يؤخر التوبة، بل يبادر إلى العودة إلى الله سبحانه وتعالى.
زعم بعضهم أن هذه الشجرة المذكورة في القصة شجرة التفاح، وفي بعض القنوات الفضائية التنصيرية -التي تبث برامجها سمومًا- في أحد برامج الأطفال تصوير لقصة آدم على طريقة أفلام الكرتون، فانظر إلى هؤلاء النصارى كيف يفعلون، فأتوا في القصة بآدم وحواء بدون ثياب، وانظر ماذا سيكون في ذهن الولد ومخيلته وهو يرى هذه الصورة المرسومة بعورات مكشوفة، ثم حوار باللهجة العامية، وإن آدم ذهب وأتت حية لحواء وأغرتها وأنها ستحيا حياة أبدية، وأن الله لم يرد لهما هذا كما ادعت الحية، وأنه إذا أكلت منها لم يحدث لها شيء، فأكلت منها ثم جاء آدم فعرضت عليه أكل التفاحة، يعني حواء أكلت أولاً ثم أغوت آدم، وعرضت عليه أكل التفاحة وأقنعته، فقال: لها وأنا آكل التفاحة لماذا؟ فقالت: لأني مراتك ولازم تسمع كلامي، فقال: أيوه أنتِ حبيبتي, ولازم أطيعك، فانظر إلى هذا السخف العظيم الذي انطوى عليه هؤلاء النصارى الضلال، الذين يمثلون الأنبياء في أفلام الكرتون بهذا السخف، ولذلك حرم العلماء تمثيل الأنبياء في المسلسلات والتمثيليات، وواضح أنه عندما يقوم بتمثيل دور نبي أحد الفسقة،  يمثل أدوار غرامية في مسلسل، ويأتي يمثل دور نبي في مسلسل كيف ستكون النتيجة؟
ولو مثلوا آدم وحواء سيأتون بامرأة أجنبية عن هذا الممثل لتمثل دور حواء، فكيف ستكون النتيجة ظلمات بعضها فوق بعض، فالواجب الحذر من هذه الأشياء، وعدم إطلاع الأولاد عليها، لأنها بالتأكيد تخرب حتى ما استقر في النفوس من هيبة الأنبياء، وسمعة الأنبياء عليهم السلام، والله تعالى أعلم.