الثلاثاء 15 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 12 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

قصة المائدة


عناصر المادة
نص القصة:
المعنى الإجمالي للقصة:
معنى الإسلام:
هل كان سؤال الحواريين عن شك:
قصة رفع عيسى عليه السلام إلى السماء:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
نص القصة:
00:00:12
 فيقول الله سبحانه وتعالى في قصة من قصص الكتاب العزيز:  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ * إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ  [المائدة: 111-115]
المعنى الإجمالي للقصة:
00:01:18
 هذه قصة المائدة التي تنسب إليها سورة المائدة، وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية باهرة، وحجة قاطعة، وذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست موجودة في الإنجيل، وأن النصارى لم يعرفوها إلا من المسلمين، والله أعلم.
معنى الإسلام:
00:01:53
 وقوله:  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ  [المائدة: 111 ]، أي ألهمتهم، أو أوحيت إليهم على لسان عيسى بن مريم عليه السلام  قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ  [المائدة: 111] ما هو الإسلام هذا؟
وما معنى قول الله سبحانه وتعالى:  وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ  [يونس: 84].
وما معنى قول الله سبحانه وتعالى:  يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا  [المائدة: 44]
وما معنى قول بلقيس:  رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  [النمل: 44]؟
وما معنى قول الله عن إبراهيم:  إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  [البقرة: 131]؟
وما معنى قول يعقوب لبنيه:  يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  [البقرة: 132]؟ إذا كان هذا كله هو الإسلام، فما هو الفرق بيننا وبين ديننا إذًا؟
وقول الله تعالى:  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ  [المائدة: 111]، ذكر العلماء رحمهم الله كشيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين الإسلام العام والإسلام الخاص، فقال: "إن الإسلام العام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم لله ولغير الله كان مشركًا، ومن لم يستسلم لله كان مستكبرًا، والاستسلام له وحده هو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وحده لا شريك له، هذا الإسلام العام، هذا الإسلام هو دين جميع الرسل بهذا المعنى". [الرسالة التدمرية: 2/99].
يعني: كلهم متفقون على الإسلام، بهذا المعنى دين الأنبياء جميعًا هو الإسلام،  إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ  [آل عمران: 19].
ولكن تتنوع شرائع الأنبياء، وتختلف الأحكام الشرعية أو الفقهية فيها، وإن كان دينهم في الأصل واحدًا وهو التوحيد، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء إنهم إخوة علات:  الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي  [رواه أحمد: 9259، وصححه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2182].
فما معنى  إخوة لعلات العلات في اللغة: أبناء الرجل الواحد من نساء شتى، فإذا كان هناك رجل واحد تزوج عدة زوجات، وأنجب من كل زوجة أولادًا، فإن هؤلاء الأولاد يكونون إخوة علات، ليسوا إخوة أشقاء من أب وأم واحدة، لكن من أب واحد وأمهات مختلفات، فيقال: هؤلاء إخوة لعلات، هناك إخوة لأب وإخوة لأم وإخوة أشقاء، الإخوة لأب إخوة لعلات، فالنبي عليه الصلاة والسلام شبه الأنبياء بإخوة العلات من جهة أن الأب واحد والأمهات مختلفات، كأن الدين واحد، والعقيدة واحدة، التوحيد نفسه، لكن الأحكام تختلف.
فإذا لو قال قائل: ما الفرق بين دين هذا الأمة الإسلام وبين الإسلام الذي هو دين موسى وعيسى ويعقوب وأبناء يعقوب؟
فيقال: الدين بمعناه العام التوحيد، الإسلام العام إسلام جميع الأنبياء، الإسلام الخاص هو دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين أمته آخر الأمم، ولذلك لو قيل الموحدون قبلنا هل هم مسلمون؟
فيقال: بمعنى الإسلام العام، والإسلام الخاص هو دين أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا هو الفرق إذًا بين الإسلام العام، والإسلام الخاص.
هل كان سؤال الحواريين عن شك:
00:07:12
  إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ  [المائدة: 112]، الحواريون هم الأنصار، كل من ناصر النبي فهو حواري له، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام في معركة الأحزاب قال:  من يأتيني بخبر القوم؟  فقال: الزبير أنا، ثم قال:  من يأتيني بخبر القوم  فقال الزبير: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  إن لكل نبي حواريًا وحواريي الزبير  [رواه البخاري: 2846، مسلم: 2415].
كل نبي كان له أصحاب يقلون ويكثرون، منهم الحواريون الذين كانوا مع عيسى، قالوا لعيسى:  هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ  [المائدة: 112].
وفي قراءة:  هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ  [المائدة: 112]، تستطيع أنت أن تطلب من ربك، أو تسأل ربك،  أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ  [المائدة: 112].
المائدة: الطاولة، والخوان الذي عليه الطعام، ما تسمى الطاولة مائدة بدون أكل ما تسمى مائدة في اللغة
فإذا قال قائل: هات المائدة؟ وما عليها شيء يقال: هذا غلط في اللغة، المائدة الخوان أو الطاولة التي عليها الطعام، بدون طعام لا تسمى مائدة، هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ  [المائدة: 112] هنا اختلف العلماء هل كان الحواريون يشكون في قدرة الله؟ وما معنى سؤال  هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ  [المائدة: 112]؟ كلمة  هَلْ يَسْتَطِيعُ  [المائدة: 112]، تدل على أنهم يشكون، أو أنهم أرادوا أن يرتقوا بإيمانهم كما قلنا في قصة الرجل الذي مر على قرية، وإبراهيم -عليه السلام-، والرجل الذي مر على قرية الراجح أنه كان كافرًا، ولما أراه الله الآيات في نفسه وحماره وطعامه أسلم.
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "هذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك، وإنما ذلك من باب العرض، والأدب". [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/248]،  هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ  [المائدة: 112]، ويؤيده قراءة:  هَلْ تسْتَطِيعُ رَبُّكَ  [المائدة: 112]، هل تستطيع سؤال ربك؟
وذهب آخرون من العلماء إلى أنهم كانوا شاكين في قدرته، واختار هذا القول إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله وأيده بقوله:  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ  [المائدة: 111].
فرى ابن جرير رحمه الله أن هؤلاء خالط قلوبهم شك ومرض، وأنهم سألوا ذلك اختبارًا، وأن الله كره سؤالهم، وأمرهم بتجديد الإيمان، والتصديق بعيسى عليه السلام، ومن الأسباب التي قالوا: أن الحواريين شكوا فعلاً أن عيسى استعظم السؤال، و  قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  [المائدة: 112]. [جامع البيان: 11/220].
فقوله: اتَّقُوا اللَّهَ  يعني: لا تسألوا هذا السؤال عسى أن يكون فتنة لكم {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، لأن المؤمن يحمله إيمانه على ملازمة التقوى والانقياد لأمر الله، ولا يقترح الآيات والمعجزات؛ لأنه لا يدري ماذا سيكون بعدها، فذكر الحواريون أنهم طلبوها لأربع فوائد وأربعة أسباب:  قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَ  [المائدة: 113]، لحاجتنا للطعام،  وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا  [المائدة: 112].
إذا شاهدنا نزولها من السماء، ويرتقي إيماننا كما قال عن إبراهيم:  أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  [البقرة: 260].
والثالث:  وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا [المائدة: 113] فيما جئت به،  وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ  [المائدة: 113]، نشهد بأنها آية ومعجزة من الله تدل على صدقك يا عيسى، وأنك نبي من عند الله حقًا، فيكون في ذلك مصلحة لمن بعدنا، عندما تأتي هذه المعجزة لك يا عيسى ابن مريم، فأجابهم عيسى إلى طلبهم،  قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا  [المائدة: 114].
نتخذ يوم نزول المائدة عيدًا نعظمه نحن ومن بعدنا،  وَآيَةً مِنْكَ  [المائدة: 114]، طبعًا لما جاء دين الإسلام نسخ الأديان، ونسخ دين عيسى، ونسخ الأعياد، وما بقي إلا هذان العيدان، قال:  تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ  [المائدة: 114]، معجزة، ودليل على قدرتك،  وَارْزُقْنَا  [المائدة: 114] من عندك هنيئا بلا كلفة ولا تعب،  وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة: 114]، فسألها عيسى ليكون نزولها لهاتين المصلحتين: مصلحة الدين تكون آية ومعجزة باقية، ومصلحة الدنيا بأن تكون رزقًا.
 قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ  [المائدة: 115] لأنه كفر بعدما رأى الآيات، وهذا الكفر يكون عظيمًا عند الله، ولذلك جاء عن عبد الله بن عمر أنه قال: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون". [تفسير الطبري: 11/233].
هل هو من طعام أهل الجنة أو هو من طعام أهل الدنيا؟ هل هو سمك وخبز؟ أو من ثمار الجنة؟ لكن هذا الاختلاف لا يضر، وليس من ورائه طائل، ولا ينفع العلم به، ولا يضر الجهل به، لأن المهم الإقرار بأن المائدة نزلت من السماء، وعليها الطعام كما هو ظاهر التنزيل.
ثم إن العلماء اختلفوا هل نزلت أو لا؟
فقال بعضهم مثل مجاهد والحسن: إنها لم تنزل، وثبت ذلك عنهما، وأنه لما قيل للحواريين  فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ  [المائدة: 115]، قالوا: لا حاجة لنا فيها. [تفسير الطبري: 11/230].
وقال بعض هؤلاء: أن خبر هذه المائدة غير معروف عند النصارى.
لكن جمهور المفسرين قالوا: إن المائدة نزلت، واختاره ابن جرير، وابن كثير، والقرطبي، وغيرهم من العلماء، وذكروا آثاراً عن السلف أنها نزلت فعلاً، نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى، وقالوا: هذا ظاهر القرآن العزيز، إذ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ  [المائدة: 115].
إذًا ستنزل نزلت، وأما عدم ورود القصة في الإنجيل، قالوا: الإنجيل أصلاً محرف، ويحتمل أنهم تناقلوا خبر المائدة جيلاً عن جيل بدون ما يذكر في الإنجيل، ويدل على هذا قوله:  وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ  [المائدة: 113]، نحن نشهد، ونخبر الآخرين، ويحتمل أن تكون في الإنجيل، وكان من الأشياء التي حرفت وحذفت، وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ  [المائدة: 14]. [تفسير الطبري: 11/230].
لقد كانت هذه القصة أيضاً فيها ميزة لأصحاب نبينا، إذا ما قارنا أصحاب نبينا بهؤلاء فإنهم لم يكونوا يطلبون الآيات والمعجزات، يعني: بنو إسرائيل سألوا موسى آيات ومعجزات، والحواريون أصحاب عيسى سألوا آيات ومعجزات، لكن أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ما كانوا يسألون ذلك لإيمان قلوبهم، واطمئنان نفوسهم، وتصديقهم بنبيهم، فلا يحتاجون إلى آيات.
وقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك، قال:  وتفعلون ، قالوا: نعم، فدعا، فأتاه جبريل، فقال:  إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة ، قال:  بل باب التوبة والرحمة  [رواه أحمد: 2166، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 3388].
كذلك يظهر أدب أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم معه، أنهم ما كانوا يقولون يا محمد، أو يا محمد بن عبد الله، وإنما كانوا ينادونه يا نبي الله، يا رسول الله، أما أصحاب عيسى  إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ  [المائدة: 112]، باسمه المجرد، وقد أدب الله أصحاب نبينا، فقال لهم:  لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا  [النور: 63]، لا تقولوا: يا محمد باسمه مثلما تنادون أي واحد منكم، قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله.
قصة رفع عيسى عليه السلام إلى السماء:
00:18:33
 هؤلاء الحواريون كان لهم مع عيسى عليه السلام، قصة كان لهم قصة، وهذه القصة جاءت عن ابن عباس بإسناد صحيح: "لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج عيسى على أصحابه وفي البيت اثني عشر رجلا من الحواريين، يعني: فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشر مرة، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سنًا، فقال: أنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء".  [تفسير ابن كثير: 2/450].
إذًا اغتسل عيسى، وأخبر أصحابه الذين معه أن منهم من سيكفر به، وطلب واحدًا منهم يلقى عليه الشبه عيسى، وكان المتطوع لهذا واحد شاب صغير في السن، أصغرهم سنًا ثلاث مرات، حتى عينه عيسى، وألقي شبه عيسى على هذا الشاب، ثم إن الله عز وجل رفع عيسى من فتحة في السقف، روزنة في البيت إلى السماء.
وجاء الطلب من اليهود تفسره قصة أخرى: أن اليهود آذوا عيسى -عليه السلام- بكل ممكن حتى جعل لا يساكنهم في بلد، وينتقل هو وأمه، حتى أن اليهود سعوا إلى ملك مشرك في ذلك الزمان، وشوا بعيسى، وافتروا عليه حتى أن ذلك الملك قال لنائبه: خذه واصلبه، وضع الشوك على رأسه، فبدأ اليهود مع هذا النائب يبحثون عن عيسى، وعيسى كان في المنزل مع اثني عشر رجلاً من أصحابه، قيل كان ذلك يوم الجمعة بعد العصر، فحاصروهم في البيت، فقال عيسى لمن معه: أيكم يلقى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة، فقال ذلك الشاب: أنا ثلاث مرات، وفتحت روزنة في سقف الباب أو البيت، وأخذ عيسى عليه السلام إلى السماء". [تفسير ابن كثير: 2/449].
وتكملة القصة من رواية ابن عباس: "فأخذوا الشبيه، فقتلوه، دخل اليهود، ومعهم هذا النائب أو هذه الجنود جنود الملك وأخذوا الذي يظنونه عيسى، وقتلوه، ثم صلبوه، ربطوه على الصليب، فكفر به بعضهم اثني عشر مرة، بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق:
فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، هؤلاء أكفر طائفة في النصارى، الذين يقولون: إن الله كان بنفسه في الأرض ثم صعد إلى السماء.
وقالت فرقة: هو ابن الله كان فينا ما شاء الله، ثم رفعه إليه، وقالت فرقة: كان عبد الله ورسوله ثم رفعه إليه، فتظاهرت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة الموحدة فقتلوها، حتى لم يعد من المؤمنين بدعوة عيسى والتوحيد إلا قلة قليلة جداً من الناس، فلم يزل الإسلام طامسًا، يعني دين التوحيد حتى بعث الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذًا الذي حصل بعد عيسى لما ألقي الشبه على ذاك الشاب، وأخذ، وقتل. [تفسير ابن كثير: 2/449].
وقالت اليهود: نحن قتلنا عيسى وصلبناه، وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه لهم، ألقي شبهه على شخص آخر، فأخذ وقتل، وأما عيسى فقد رفعه الله إليه، وسينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان،  وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا  [النساء: 159].
إذًا في ناس من أهل الكتاب سيؤمنون بعيسى قبل أن يموت عيسى، وعيسى ما مات، متى سيؤمنون به بعدما ينزل، فعند نزول عيسى سيحكم الأرض بالإسلام، ولا يقبل الجزية، الإسلام أو السيف ما في جزية، فعند ذلك كل النصارى الموجودين واليهود ما عندهم خيار إما الإسلام وإما القتل، ولذلك يأتي وقت على الأرض كلها، كل أهل الأرض مسلمون، الذي يظهر كفره يقتل، ويكسر الصليب، ويذبح الخنزير، فلا يبقى في الأرض ولا صليب، ولا يبقى في الأرض ولا خنزير، ولا يعبد إلا الله، كل الأرض يعبد الله فيها، وعند ذلك توضع الجزية أصلاً، ما في أحد يؤخذ منه الجزية، ويهلك المسيح الدجال في زمن المسيح عيسى بن مريم، وإذا صارت الأرض كلها إسلام ما في شرك، ولا كفر، زالت كل الأضرار والشرور، والعداوات، وحلت البركة والخير والرزق الوفير، فترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، فيمكث عيسى في الأرض أربعين سنة، حتى يتوفى ويصلي عليه المسلمون.
إذًا عيسى عليه السلام لم يمت بعد، موجود في السماء، وقد قابله نبينا صلى الله عليه وسلم متى قابله في المعراج في  أي سماء في السماء الثانية، قابله نبينا عليه الصلاة والسلام سيقاتل مع عيسى صحابة، سيأتي جيل في الأرض فيه خير عظيم جداً، الذين يقاتلون مع عيسى من أهل الإيمان والدين، صحابة نبي، أليسوا سيلقوا نبيًا ويصحبوه، ويقاتلوا معه.
بالنسبة للنصارى ظنوا أن نزوله ومجيئه مرة أخرى إنما يكون يوم القيامة، فغلطوا في مجيئه الثاني، كما غلطوا في مجيئه الأول، حيث ظنوا أنه الله، أو ابن الله، اليهود أنكروا مجيئه الأول، وظنوا أنه غير المبشر به، وصاروا ينتظرون غيره، وإنما بعث إليهم أولاً، فكذبوه فجاء القرآن بالحق من أمره، وأنه باق حي في السماء عليه السلام، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى، الذين تباينت أقوالهم، وخرجوا عن الحق، فاليهود ينتقصون عيسى ويرمونه بالعظائم، والنصارى يطرونه، ويرفعونه فوق منزلته، فادعوا له الربوبية تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، والنصارى لما لم يؤمنوا بنزوله قبل يوم القيامة لم ينفصلوا عن شبه اليهود المأخوذة من نعت زمان المسيح المذكور في التوراة، والمسلمون واليهود والنصارى يقول ابن تيمية: "متفقون على أن الأنبياء أنذرت بالمسيح الدجال". [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 5/250].
يعني: لاحظ خبر المسيح الدجال موجود عند اليهود والنصارى كما عند المسلمين، ومتفقون اليهود والنصارى والمسلمون على أن مسيح الضلالة له آيات، وعلى أن مسيح الهدى سيأتي أيضاً، كل الثلاثة متفقون أن المسيح الهدى سيأتي أيضاً، والنصارى متفقون على أنه عيسى، واليهود تنكر ذلك مع إقرارهم أنه من ولد داود، قالوا: لأنه تؤمن به الأمم كلها والنصارى، يقولون: إنه سيأتي يوم القيامة ليجزي الناس بأعمالهم، أما المسلمون فيؤمنون بما أخبرت به الأنبياء على وجهه دون تحريف، ولا تبديل، ونزوله سيكون في آخر الزمان،  وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا  [النساء: 159].
أصلاً عندما ينزل عيسى لا يحل لكافر يجد ريح عيسى نفس عيسى إلا مات مباشرة، وإن ريحه ليوجد عند منتهى طرفه، أقصى نظره سيكون ريحه واصلا هناك.
فأول ما ينزل عيسى عند المنارة البيضاء، وهي من مآذن الجامع الأموي الآن في دمشق، موجودة عندما ينزل عيسى عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، كل الكفار في دائرة نصف قطرها منتهى نظر عيسى سيموتون مباشرة كلهم، ثم بعد ذلك يبدأ الجهاد، يبدأ مشوار عظيم في الجهاد في سبيل الله، والله تعالى أعلم.