الأحد 23 محرّم 1441 هـ :: 22 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

قصة الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود


عناصر المادة
نص القصة:
شرح القصة والفوائد المستفادة منها:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قصة من أجمل القصص هي قصة الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود، وسوف نسرد القصة إن شاء الله، ثم نتدارسها معكم مقطعًا مقطعًا.
نص القصة:
00:00:37
 روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى بإسناده إلى صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر يعني الساحر، قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب ، كان في طريق الغلام إذا سلك إلى الساحر راهب.
 فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه  لأنه يتأخر عن موعد الدرس درس السحر.
 فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة؛ حتى يمضي الناس، فرماها، فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمئشار، فوضع المئشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المئشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور  والقرقور: هو السفينة  فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق  [رواه مسلم: 3005].
هذا الحديث من أجمل القصص التي يمكن أن يسمع بها إنسان، الذي رواها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي المصدق عن ربه عز وجل، هذا القصة رواها بالإضافة للإمام مسلم، الإمام أحمد [23931]، والنسائي [السنن الكبرى: 11597]، والترمذي،[3340]، ولكن رواية الترمذي فيها اختلاف عن هذا السياق الذي سقناه.
قال ابن كثير رحمه الله عن سياق الترمذي: وهذا السياق ليس فيه صراحة أن هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخنا أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى, انتهى". [تفسير ابن كثير: 8/ 368].
قال الحافظ في الفتح: "صرح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، ومن طريقه أخرجها مسلم والنسائي وأحمد" بهذا الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، "ووقفها معمر عن ثابت على صهيب، ومن طريقه أخرجها الترمذي". [فتح الباري: 8/698].
شرح القصة والفوائد المستفادة منها:
00:09:55
 فهذا السياق سياق الإمام مسلم سنعتمد عليه في شرح القصة، وسنأخذ من سياق الترمذي ما يكون فيه تفاصيل زيادة، بحيث لا تكون تتعارض مع نص القصة؛ لأن القصة التي نشرحها الآن رواية مسلم هي المرفوعة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهي المعتمدة.
أيها الإخوة: لو أن أوكلنا كتابة مثل هذه القصة إلى أعظم روائي في العالم، فهل يا ترى سيكتب لنا قصة مثل هذه في جمالها، ودقتها، وعظم الفوائد المحتوية عليها، ومدى تأثيرها في النفس، لا يستطيع أحد مطلقًا، لا يمكن أن يأتي بشر بأجمل مما رواه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه قصص ليست قصص حكايات، ليست روايات تسلية، لا، هذه قصة مجتمع بأسره، مجتمع كان في فترة من الزمن موجودًا على ظهر الأرض.
ابتلينا في هذه الأيام بروايات سخيفة، وقصص ماجنة، يقبل عليها الكبار والصغار يقرؤون القصص، وفيها فساد عظيم، وفي بعضها خرافات وشعوذات تفسد واقعية الأطفال، لذلك كان مما ينصح به لكل أب لديه طفل، لكل أخ أو أخت عنده أخ أصغر منه أن يقرأ عليه هذه القصة حتى قبل أن ينام، أو يجزئها له.
هذه الأحداث عظيمة جداً، ومثل هذه القصة فيها فوائد مباشرة وفوائد غير مباشرة، قد لا يحس بها القارئ أنه يستفيد، ولكنه يستفيد: فمن القضايا الخفية أننا نتعلم درسًا عظيمًا في التواضع من هذه القصة، كيف لأننا نحن الآن الكبار نتعلم هذه الفوائد العظيمة من غلام.
قال ابن علان رحمه الله في دليل الفالحين في شرح الحديث: والغلام في لغة العرب: من كان بعد سن الفطام وقبل البلوغ" [دليل الفالحين: 1/188].
يطلق عليه غلام في لغة العرب: نحن الآن الكبار والشيوخ نتعلم من هذا الغلام المؤمن، هذا فيه فائدة عظيمة في التواضع، ونبدأ معكم باستعراض هذه القصة جزءًا جزءًا، مقطعًا مقطعًا، كلمة كلمة.
هذه القصة تمثل دعوة كاملة من بدايتها إلى نهايتها:
هذه القصة أيها الإخوة من أهميتها أنها تمثل دعوة كاملة من بدايتها إلى نهايتها، ابتداء من مرحلة الاستضعاف -لما كان الحق لا يعرفه إلا شخص واحد فقط- وحتى نهاية القصة، وهي مرحلة إيمان الناس كلهم الذين آمنوا في آخر القصة، مرورًا بالمرحلة السرية التي طلب فيها الراهب أن يكتم خبره، مرورًا بالمرحلة العلنية، وهي أن يصدع الغلام بالحق على الناس كافة، وفيها تنوع الأساليب من الفردية إلى الجماعية، وغير ذلك، فيحتاج أصحاب الدعوات لدراسة هذه القصص جيدًا، هذه القصص التي تمثل واقعًا متكاملاً، هذه التجارب الدين الإسلامي من عظمته أنه لا يبدأ بك -أيها المسلم- من الصفر، بل يعطيك خلاصات تجارب الأمم السابقة، يقول لك: هذه تجارب استفد، عندنا أرصدة في الإسلام، أرصدة هائلة من ضمن الأرصدة، رصيد التجربة، تجارب الأمم السابقة مجموعة في القرآن والسنة.
علاقة القصة براويها:
نبدأ من البداية عن صهيب رضي الله عنه من هو صهيب؟ صهيب الرومي نلاحظ في بعض الأحاديث أن بعض الصحابة يتخصصون في رواية أنواع معينة من الأحاديث، هذا التخصص نابع من الواقع الذي عاشوه، فلو عرفنا واقع صهيب الرومي كيف كان واقعه، صهيب الرومي كان مسلماً مضطهداً في قريش يعذب ويطارد ويشرد، ويستولى على ماله، وقصة هجرته إلى المدينة معروفة، فإذا عرفنا واقع صهيب ما نستغرب، لماذا بالذات صهيب الرومي الذي روى هذا الحديث الذي فيه ابتلاء وفتن ومحن؟
هذه العلاقة بين الراوي والمروي بين الصحابي والحديث الذي رواه هذه الصحابي، وإذا علمنا أيضاً أن خباب بن الأرت رضي الله عنه روى جزءًا من هذا الحديث في صحيح البخاري، لما قال: جئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ويوضع المنشار في مفرق رأسه فيشق حتى يقع نصفاه لا يصده ذلك عن دينه  [رواه البخاري: 3612]، فروى خباب رضي الله عنه جزء من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  كان ملك فيمن كان قبلكم .
تجريد القصة من التفاصيل الإضافية:
هل ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم التاريخ الذي حدث بالضبط في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني في السنة الفلانية؟
لا.
هل ذكر فيها المكان في البلدة الفلانية؟
لا.
نلاحظ هنا أن القصة جردت عن أي تفاصيل إضافية تشتت ذهن القارئ أو السامع، واقتصرت القصة على أهم التفاصيل المتعلقة بالموضوع حتى لا يتشتت ذهن القارئ، هذا من ناحية لا يوجد تفاصيل، مجردة عن الزمان والمكان، الزمان الوحيد الموجود قبلكم، والراجح من كلمة راهب أنها وقعت بعد عهد عيسى، لما تفرق الناس وحصل الضلال في شريعة عيسى، وبقي رهبان قلة على دين عيسى على دين التوحيد، وقبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم تقريبًا.
هذه القصة تجربة حية غير مرتبطة بزمان أو مكان معين:
تجربة حية كأنها قائمة اليوم يعيشها كل المسلمين، كأنها قائمة يستفيد المسلمون منها إلى قيام الساعة، لو ذكر فيها زمان أو مكان معين فسيقول الناس: هذه يمكن خاصة بذلك الزمان، مثل الناس اليوم لما نقول لهم: هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لك: ذاك الزمان مختلف نحن الآن تطورنا تغيرنا.
 كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر  فالآن بكلمة ساحر تحدد نوع الملك، هل ملكًا صالحًا مثل سليمان عليه السلام؟ لا، وإنما كان كافرًا، وكان يستخدم الساحر هذا في استعباد الناس، يستخدم السحر والشعوذة والتضليل والخرافات للسيطرة على عقول الناس، وهذا الساحر واحد من أعوان الباطل الذين كانوا يساعدون هذا الملك الظالم في استعباد من تحته من الرعية، والسحر دائمًا في كل زمان ومكان ضد الدين والعقل؛ لأن السحر قائم على الخرافة والشعوذة، والدين قائم على الوضوح، الدين واضح جدًا عقيدة صافية، فالسحر ضد الدين على طول الخط، وهو كذلك ضد العقول الصحيحة، العقول الصحيحة ترفض السحر والشعوذة والخزعبلات والخرافات، هكذا العقول الصحيحة المستنيرة بنور الله عز وجل.
 فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إليّ غلامًا أعلمه السحر : في لغة العرب تستعمل كبِر للسن، يعني إذا واحد تقدم في السن يقال: كبِر، أما بضم الباء: فتستعمل للقدر، يعني: إذا الشيء صار عظيم القدر كبير القدر يقال: كبُر، ما هو الدليل من القرآن؟  كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ [غافر: 35]،  كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ  [الكهف: 5]، هذه الكلمة قدرها في الشرك عظيم، فالله عز وجل قال:  كَبُرَتْ كَلِمَةً  بضم الباء.
محاربة أهل الباطل للفطر السليمة:
وفي رواية الترمذي في هذا المقطع يقول الساحر:  انظروا لي غلامًا فطنًا لقنًا، فأعلمه علمي، فأني أخاف أن أموت، فينقطع منكم هذا العلم  [رواه الترمذي:3340، وصححه الألباني صحيح الترمذي:2661] سبحان الله! الساحر هذا خائف العلم المهم هذا يضيع، وينقرض، فيريد غلام يعلمه السحر حتى يحصل استمرارية لهذا السحر في الأرض، فانظروا كيف تفسد الجاهلية؟ كيف تفسد أجواء الكفر الفطر السليمة الأطفال؟ الآن عندما يخرجون إلى الدنيا يخرجون صفحات بيضاء، ما فيها شيء أبداً، فطرة سليمة.
من الذي يخرب فطر الأطفال؟ هذه الجاهليات الممتلئة بالكفر، والسحر، والزندقة، والشعوذة، والضلال، والبدع، والخرافات، والإلحاد، والشهوات، والأهواء هذه التي تفسد عقول الأطفال الصغار، ينشئون على مثل ما أرادوا لهذا الغلام أن ينشئ على الكفر؛ إفساد لفطرته الله، فطر الناس على التوحيد،  فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا  [الروم: 30].
فإذًا رصيد الفطرة مهم للدعاة إلى الله عز وجل لعرض الحق، من رحمة الله أنه جعل لك يا أخي الداعية عندما تعرض الكلام على ناس ما تأثروا بشيء مطلقًا صفحات بيضاء يقبلون الحق مباشرة؛ لأن الله فطرهم على هذا، لذلك الطفل ما يعارضك لو قلت له: الله أمرك بكذا أن تفعل كذا تصادف موقع في نفسه، يقتنع؛ لأنه موافق للفطرة، لكن انظر إلى الطفل الذي يعيش في أجواء الشرك والكفر كيف ينشئ، الآن أطفال المسلمين في أقطار كثيرة من الأرض يتعرضون لأخطار، ما سمعنا أن أطفال المسلمين في أفغانستان يرسلون إلى روسيا ليتعلمون الإلحاد والشيوعية، وهناك مؤسسات تنصيرية في العالم قائمة على تجميع أطفال المسلمين، الأيتام، وضحايا الحرب، والذين ليس لهم معيل، ولا من ينفق عليهم، مثل أطفال المسلمين في لبنان، يؤخذون إلى الخارج إلى سويسرا، وغيرها من البلاد لكي يدخلوا في مدارس تنصيرية، فتتلف فطر هؤلاء الأطفال، ويرجع إذا رجع شيوعي، أو يرجع نصراني، كافر ملحد لا عقيدة له، هذا من هنا من هذه الكلمة  فابعث إليّ غلامًا أعلمه السحر ، نستنتج خطورة تعريض الأطفال لأجواء الكفر، والشرك، والبدع الذين يأخذون أطفالهم إلى الخارج يتقون الله عز وجل، يأخذ الطفل للخارج ويدخل في متاحف، ويرى في المتاحف الأصنام، ويذهب في المعابد على أنها آثار، ويدخله المعبد الفلاني، ويشاهد الآلهة الفلانية، والطفل هذا صفحة بيضاء تتسطر فيه الآن سطور الشرك في نفسه، فإذًا مسؤولية أمام الله عز وجل الاهتمام بأطفالنا، وأطفال المسلمين الذين يحتاجون إلى إعانة حتى لا يتسلط عليهم الكفرة، فيأخذوهم.
الملاحظ هنا أيضاً استنتاج لما قال: انظروا لي غلامًا فطنًا لقنً  يعني: ذكي يفهم بسرعة، أهل الجاهلية إذًا يحرصون على انتقاء العينات من الأطفال التي لها استعداد للفهم سريع، وعندها ذكاء؛ لكي يعلموها الباطل، أفلا يكون أحرى بنا نحن المسلمين أن نوجه الطاقات النادرة في بعض الأطفال إلى وجهات الخير، لو واحد وجد من  طفل حافظة قوية جداً لماذا ما يوجهه لحفظ القرآن، لماذا لا ننتقي من أطفال المسلمين الناس الذي فيهم نبوغ، فنعلمهم شرع الله عز وجل ونعلمهم الأشياء المفيدة، حتى الأشياء الدنيوية نوجه طاقاتهم، نوجه هذه العقلية الجبارة التي تكون موجودة في بعض الأطفال إلى معرفة الحق، ودراسة الحق، والتمرن عليه، والسير عليه، وتطبيقه، لا نحتقر أنفسنا، مجتمعات المسلمين فيها طاقات كثيرة تحتاج إلى من يوجه ويستغل فقط، فإذًا شعور المسلمين بالمسؤولية تجاه أولادهم من الأمور المهمة.
ملاحظة أخرى في هذا المقطع:  فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إليّ غلامًا أعلمه السحر  ما هو الشيء الغريب؟ هذا أن هذا الساحر إذا مات ماذا سيستفيد الساحر من تعليم الغلام بعد موته؟ لا يوجد فائدة.
إذًا لماذا يعلم الغلام السحر؟ لأنه لو طبعت النفس على الباطل فإن أهل الباطل يتبرعون مجانًا لتعليم باطلهم، تصور لو الواحد منطبع ومنغمس في الباطل بكامله هذا يصل إلى مرحلة -والعياذ بالله- أنه يتبرع تبرعا بدون مقابل ليضل الناس، انطبع الكفر في قلبه فصار شيء طبيعي يعلم الناس الكفر حتى بدون مقابل حتى بدون أجر.
تيسير الله عز وجل الأسباب لكي يهتدي هذا الغلام:
 فبعث إليه غلامًا يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب هذا الغلام  لما يخرج من بيته للساحر ليتعلم كان في طريقه إذا سلك راهب، والراهب كما ذكرنا: هم النصارى الذين كانوا على دين عيسى الصحيح، ثم تحرف بعد ذلك، هذا الراهب كان موحدًا كما هو واضح من سياق القصة، يعني: لا يقول عيسى ولد الله، ولا يقول عيسى ثالث ثلاثة، على دين عيسى الأصلي بغير تحريف، والراهب كلمة تقال على الإنسان المنقطع عن الدنيا وملذات الدنيا، ومتفرغ للعبادة، والرهبانية كانت في دين النصارى، لكن في الإسلام لا يوجد انقطاع عن الدنيا، وانقطاع للعبادة، وما تتصل بالدنيا، لا الإسلام طريق الآخرة والدنيا مع بعض، إذا احتسبت نومتك لله عز وجل أجرت على النوم، مع أنه شيء دنيوي، إذا احتسبت في أكلك التقوي على طاعة الله صار الأكل هذا فيه أجر، ليس الأجر فقط في الصلاة، والدعاء، والزكاة، والصيام، يكون الأجر حتى في الأكل، والشرب، والنوم، والنكاح إذا نوى الإنسان أن يعف نفسه، قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين؛ لأن هذا الراهب كان في صومعة، يعني: بناء معتكف فيه.
انظر كيف ييسر الله عز وجل الأسباب لكي يهتدي هذا الغلام، أقدار الله تجري بطرق عجيبة، ما يمكن يتوقعها البشر، كيف بدأ معرفة التوحيد؟ القصة انتهت أن الناس كلهم آمنوا لكن كيف كانت البداية؟ كيف جرى قدر الله حتى تحصل هذه النهاية؟ كيف أنه كان في الطريق راهب؟ لو كان الساحر في مكان ثاني فالولد سيروح من طريق آخر، كان يمكن ما مر على هذا الراهب، وما عرف التوحيد أصلاً، ولا عرف الله، فانظر كيف يسر الله الأسباب أن جعل مكان الراهب في الطريق حتى الغلام يمر عليه، ويتعلم منه، ويتربى على هذا التوحيد، فقعد إليه، وسمع كلامه، فأعجبه، الغلام لما سمع صوت الراهب تعرف المكان، ودخل وسلم عليه، وجلس إليه يستمع منه.
وفي رواية الترمذي:  فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به  يسأله، يقول له: ماذا تعبد؟  فلم يزل به ملحًا ومصرًا حتى أخبره حتى الراهب أخبر الغلام، فقال: إنما أعبد الله والناس الذين في المجتمع ما كانوا يعبدون الله أبداً، التوحيد ما كان معروف، الراهب  قال: إنما أعبد الله ، فالآن ننظر أيها الإخوة في الجاذبية التي تعرض بها العقيدة الصافية الصحيحة، العقيدة الموافقة للفطرة، إذا عرضت بطريقة صحيحة تدخل القلب وتستقر فيه.
الفرق بين عرض المتكلمين للعقيدة وبين عرض السلف:
هناك فرق جذري مهم بين عرض المتكلمين أصحاب علم الكلام من الأشاعرة وغيرهم للعقيدة، وبين عرض السلف للعقيدة، السلف يعرضون العقيدة بنصوص القرآن والسنة مع شرح الأشياء التي ينبغي شرحها، أهل الكلام كيف يعرضون العقيدة يعرضونها بقواعد كلامية، يسمونها: قواطع كلامية، أو براهين عقلية، ما فيها شيء من القرآن والسنة، واجب الوجود، وجائز الوجود، والعدم، والجوهر والعرض، ومصطلحات: ما أنزل الله بها من سلطان، هكذا يعرضون العقيدة على الناس، يقولون: الناس عرض والله جوهر، والجوهر ما تعريفه، والعرض كذا تعريفه، وضاع الناس لا يمكن للعقيدة التي تعرض بهذه الطريقة أن تنجح في دخول القلب، ولذلك يصبح إيمان هؤلاء الناس الذين تعرض عليهم العقيدة بطريقة الفلسفة، وعلم الكلام عقيدة باردة معقدة، لا تؤدي إلى تحريك الإنسان للعمل، ولا إلى خوف الله -عز وجل-، فالآن هذا الراهب كيف عرض العقيدة ببساطة شديدة جداً، بالبساطة التي يعرفها هو، والفطر السليمة دائمًا عندها ما يدفعها لتقبل الحق، وسمع كلامه.
شاء الله لهذا الغلام أن يتربى على الابتلاء:
 فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه ، لماذا يضربه؟ لأنه تأخر، هذا الضرب الذي تعرض له الغلام منذ البداية يدلنا على أن الله عز وجل شاء لهذا الغلام أن يتربى على الابتلاء منذ صغره، يضرب من البداية، الساحر يضرب الغلام؛ لأنه يسمع الحق، يتربى هذا الغلام على الابتلاء من البداية، والشخصية المتكاملة هي التي يؤثر فيها الابتلاء تأثيرًا إيجابيًا، هذا الغلام تعرض للابتلاء في لحظات التكوين، وزمن التربية، وفترة النمو، يعني: منذ صغره تعرض للابتلاء فصبر على هذا الابتلاء، فكانت النتيجة شخصية قوية، ومؤثرة، وفاعلة في الواقع.
والابتلاء يناسب طبيعة الدين.
الإسلام دين ابتلاءات، لأن الناس يفكرون يقولون: نحن نريد إسلام سهل، إسلام ما نتعرض فيه للإيذاء، ما نريد واحد يسخر منا إذا طبقنا الإسلام، نريد دين إذا طبقناه لا نتعرض لمصاعب ومشاكل، ومن قال لك: إن الإسلام دين الراحة، وأنك ما تتعرض يقول الله عز وجل:  الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا [العنكبوت:1-2] يعني: يتركوا يعلنون إيمانهم  وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، الناس كذا يفكرون،  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2].
ما هي فائدة الابتلاء والفتن؟
تمحيص. لو كان الدين مسألة سهلة ما في متاعب، ولا مصاعب، ولا إيذاء، ولا سخرية، ولا لمز، ولا غمز، ولا سجن، ولا ضرب، ولا شيء كان كل الناس دخلوا في الدين، ولا يوجد أهل نار والنار غير موجودة، لكن لما كان الدين فيه تمحيص، وفيه ابتلاء، وفيه شدة، وفيه واقع يضغط عليك، وهناك شهوات وأهواء تحاربك من كل جانب، وأنت تصبر على هذه الابتلاءات، هنا تتميز الشخصيات، وهنا يرى الصادق من الكاذب.
 فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب  هذا الغلام شكا الضرب هذا للراهب، هذه الشكوى ليست اعتذارًا عن مواصلة الطريق، ولا تذمرًا، يعني لم يقل له: أنا ضربت من أجلك لن آتيك ولا راح أتعلم منك، يكفيني الذي وقع فيَّ، ويترك، وإنما شكوى لأصحاب الخبرة؛ لإيجاد الحلول المناسبة للمشكلة، فالناس اليوم عندما يتعرضون لأدنى أذى يتركون الدين، الواحد إذا قال له مديره في العمل: لا تصلِ، لو صليت طردتك من العمل لأدنى إيذاء، تهديد بالطرد من العمل ترك الصلاة أجمعها.
فإذًا الإيذاء الذي يحصل للإنسان من جراء التمسك بالدين إذا صبر عليه هذا يعني أنه مسلم حقيقي، وإذا ما صبر هذا يعني أنه مسلم مزيف.
إباحة الكذب في بعض الحالات:
فقال الراهب بعد الشكوى هذه:  إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر ، لأن هذا الغلام يضرب من جهتين: إذا ذهب إلى الساحر جلس عند الراهب وتأخر على الساحر ضربه الساحر، وإذا رجع من عند الساحر إلى أهله تأخر عليهم فيضربه أهله، فما هو الحل الذي أوجده له الراهب؟
قال له: إذا قال لك الساحر: لماذا تأخرت؟ قل له: أهلي شغلوني، وإذا قالوا لك أهلك: لماذا تأخرت؟ قل: والله اليوم كان في معلومات زيادة تأخرنا.
هنا يسأل سائل فيقول: أليس هذا بكذب؟ لماذا يكذب الغلام؟ ولماذا الراهب يعلم الغلام الكذب والكذب محرم؟
فنقول: من رحمة الله عز وجل أنه ما حرم الكذب تمامًا، لكن الله أباح الكذب في مواضع: فأباح الكذب مثلاً للإصلاح بين الناس، وأباح الكذب في الحرب، حادثة نعيم بن مسعود الثقفي معروفة، لما أسلم في معركة الأحزاب، وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال:  خذل عنا ما استطعت إنما أنت رجل  [البيهقي في دلائل النبوة: 1329، وضعفه الألباني سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3777].
يعني: أفعل ما تقدر علية، واليهود محيطين بالمسلمين من الوراء، والأحزاب من كفار قريش وغطفان وغيرهم من الأمام، والمسلمون بين كفي الكماشة، هذا رجل واحد ماذا فعل في الحرب؟ كذب كذبة أنهت الحرب كلها لصالح المسلمين، ومن شاء التفاصيل فليرجع إلى كتب السيرة.
فإذًا الكذب في الحرب على الكفرة جائز لمصلحة الدين، لمصلحة المسلمين، حرب لو واحد مثلاً سب إنسان في مجلس، وهذا السب بلغ الشخص الذي وقع عليه، وجاءك وأنت أحد الذين كنتم في المجلس، وقال لك: صحيح فلان شتمني، فأنت لو أتيت من باب الإصلاح بينهما، وقلت له: لا ما شتمك أنا كنت موجود، وما تكلم عليك، تكلم على واحد ثاني أنت أيش قصدت بالكذبة هذه الإصلاح حتى لا يحدث بينهما شقاق، هل أحد تضرر من هذه الكذبة؟ لا.
هل فيها مصلحة؟ نعم فيها مصلحة عظيمة الإصلاح بين المسلمين، فإذًا في هذه الحالة أباح الإسلام الكذب في حالات ضيقة جداً، ما هي حالات مفتوحة كل واحد يكذب على كيفه، لا، في حالات ضيقة جدًا أبيح الكذب.
فالآن مصلحة الدين عند الراهب وعند الغلام تقتضي أن الغلام يكذب، لو لم يكذب هل يمكن أن يتعلم؟ لا، كان سيقول: أنا أمر على راهب يعلمني، فيأخذوا الراهب، لكنه من أجل مصلحة الدين، والسلامة من الشر، وتعلم العلم، الكذب في هذه الحالة جائزًا.
اهتمام الراهب بإيجاد الحل للغلام الذي اشتكى إليه:
نلاحظ هنا أيضاً أن الراهب اهتم بإيجاد الحل للغلام الذي اشتكى إليه، هذا يفيدنا لو أحد من الناس اشتكى إلينا في ضائقة يجدها بسبب تمسكه بدينه، فإن من واجبنا نحن أن نسعى في إيجاد حل لمشكلة هذا الرجل من باب الإخوة الإسلامية، لا بدّ من إيجاد الحلول لمشاكل المسلمين، ليس أن تعرض المشكلة فقط، ثم يكون المصير في سلة المهملات، يجب أن نوجد الحلول للمشاكل.
الأخذ بالرخص الشرعية:
كذلك مما نستفيد منه في هذا المقطع أننا إذا وجدنا رخصة شرعية تيسر أمور الناس، ولا تخالف الشريعة، وليست أمرًا محرمًا، وفي نفس الوقت تيسر على الناس ضائقة يعيشونها، فإننا في هذه الحالة نقدم الرخصة لهم إذا كانت الرخصة شرعية، ولا نجعلهم يستمرون في معيشتهم بالحرج، لا نجبرهم على أخذ العزيمة، نقول لهم: هناك رخصة، لو واحد في الصحراء عنده ماء لا يكفيه إلا للشرب كيف يتوضأ؟ ما نقول: تتوضأ ولو هلكت في سبيل الله، نقول له: هناك رخص شرعية التيمم، واحد يشق عليه أن ينزع الجوارب دائمًا وهو في العمل وفي البرد ويغسل قدميه، نقول له: هناك رخصة إذا كانت الرخصة شرعية، فنيسر على الناس في حدود الشرع، وليس أن نسلك مسلك الجهلة، فنيسر على الناس بالحق والباطل، بعض الناس يقول: يا شيخ: يسروا ولا تعسروا، الدين يسر، وبالتيسير هذا نبيح للناس شراء الأسهم الربوية، والتعامل بالحرام، وسماع المنكرات، وحضور مجالس اللغو والباطل باسم التيسير، يجب أن يكون التيسير شرعيًا موافق للشريعة.
ثم يقول في الحديث:  فبينما هو كذلك إذا أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال الغلام: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل  هذا القلق جعل الغلام ينتظر اليوم الذي فيه يحصحص الحق، ويتميز الهدى من الضلال، جلس ينتظر لأن نفسه فيها جذب، فيها قلق وحيرة واضطراب، يريد أن يعرف أين الحق.
فالآن هنا عدة نقاط:
النقطة الأولى: أن القلق والاضطراب نتيجة التلقي من أكثر من مصدر متضادة هو علامة صحيحة تبين صحة التلقي.
يعني: لو أن الغلام هذا يأخذ الدين والسحر لكن ما عنده مشكلة، خلاص الدين لأهل الدين، والسحر لأهل السحر، لا يوجد إشكال، هل هذا واقع صحيح؟ لا، لابدّ أن يحدث التناقض ما دام مصدر التلقي فيه تضاد واختلاف، فإذًا نفكر الآن نحن في واقعنا أجيال المسلمين اليوم تتلقى الإسلام بطريقة، يتلقون الدين بطريقة لا تشعرهم بمخالفة الواقع لهذا الدين، الآن بعض المسلمين يتلقون الدين بطريقة عجيبة لا تشعرهم مطلقًا أن واقعهم إذا كان واقع منكرات، وواقع جاهلي يخالف ما يتلقونه، فلذلك ما عندهم مشكلة، ولا قلق، ولا اضطراب، ولا تحير، ولا شيء، الدين للدين، وهذا الباطل في له مجال، ولا يوجد إشكال، هذا التلقي عندهم تلقي مرضي غير صحيح، يجب أن يثور القلق والاضطراب في النفس إذا كان يتلقى شيئين متضادين، فلابدّ أن يتحرك أهل الدين لتحديد مواقفهم من الواقع إذا كانت طريقة تلقيهم للدين صحيحة، أما إذا كان لا يوجد تميز، ولا يوجد تحديد موقف، فعند ذلك نقول طريقة تلقيكم للدين أو هذا الدين الذي تتلقونه فيه أخطاء، وإلا كان أحسست أنت بالتناقض، واحد مثلاً يتعلم أحكام الإسلام لا يجوز الاختلاط والأدلة والأحاديث وهو  واقعه في البيت اختلاط في اختلاط، ورجال ونساء يجلسون مع بعض، والأمور ماشية عنده لا يوجد إشكال، ما يشعر بأي نوع من القلق والاضطراب، هل هذا شيء صحيح؟
لا. نقول له: إن طريقة تلقيك خطأ، عندك مبدأ في داخل رأسك خطأ، أنه يمكن التعايش بين الحق والباطل، أو أن الشيء الذي أنت قاعد تتلقاه خطأ، مثلاً أنت فاهم أن الاختلاط مكروه، خلاف الأولى، الأحسن الواحد ما يختلط، بينما هو في حقيقته الاختلاط حرام مائة في المائة، فإذًا شعور الغلام بالتناقض الذي يجعله يترقب بالشدة اليوم الذي يأتي ليتبين فيه أين الحق؟ جاء اليوم أخيرًا، جاء هذا اليوم الذي طالما ترقبه هذا الغلام بلهفة وطول انتظار، جاء اليوم هذا والناس محبوسين في الطريق.
 فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس  هنا نلاحظ أن الغلام عنده ترجيح أو إحساس على الأقل بأن أمر الراهب أفضل، كيف عرفنا؟ لأنه بدأ به قال:  اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس  لم يقل: اللهم إن كان أمر الساحر أحب، ثم رماها ونظر ماهي النتيجة؟ بل بدأ  باللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر ، معناه أن عنده في نفسه ترجيح أو إحساس على الأقل بأن أمر الراهب أفضل، وهذه نتيجة طبيعية، تبين أن الحق عليه علامات، وأن الفطرة السليمة إذا سمعت بالحق فعلى أقل تقدير ترجحه على الباطل، وهذا يدل على رسوخ الإيمان.
وأيضاً أول كلمة قالها الغلام لما أخذ الحجر:  اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك  كلمة اللهم تعني أن الغلام أقر ضمنيًا بأن الله موجود، ولذلك يسأل الله يقول:  اللهم إن كان أمر الراهب  هذا نتيجة التعليم الذي تلقاه، ونتيجة التربية على العقيدة، فرسخت في نفسه فظهرت النتيجة، عرف يتوجه لمن  اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك .
وهذه القضية وجود الله عز وجل مركوزة في الفطرة، ولا يمكن أن يجحد فيها أي واحد حتى الشيوعي الكافر بداخل فطرته يعلم أن الله موجود؛ لكنه يعاند ويكابر، فطرته تخبره بأن هناك الله خالق، مثلاً الحادثة -إن كانت حدثت- التي تروى أن واحد ملحد تناقش مع واحد موحد مسلم، والموحد المسلم يقول للشيوعي: هناك خالق، الطبيعة ما خلقت، لا يمكن للطبيعة أن تخلق، الله الذي خلق كذا وكذا، والشيوعي يقول: لا مستحيل لا يوجد خالق ولا يوجد دين، والطبيعة هي التي خلقت، ونحن جئنا من الطبيعة، فلما احتدم النقاش بينهما، وثارت ثائرة الملحد، يقولون أنه في عرض كلامه حلف بالله، فإذًا قال الله تعالى:  وَجَحَدُوا بِهَا  [النمل: 14]، حقيقة الألوهية  وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا [النمل: 14]، هم مستيقنين لكنهم يجحدون بألسنتهم  ظُلْمًا وَعُلُوًّا  [النمل: 14] سببين هنا.
حب هذا الغلام لمنفعة قومه:
في الحديث يقول:  فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس ، فالآن الغلام سأل الله عز وجل أن يقتل الدابة لكي يعرف الحق، وإلا لكي يمضي الناس؟
قالوا في شرح الحديث: يحتمل أن تكون حتى هنا ما بعدها علة للسؤال، يعني سبب الطلب من الله عز وجل، فيكون اجتمع الأمرين، واحد لنفسه يريد أن يعرف الحق، وواحد من أجل مصلحة الناس أنهم يمروا.
وقيل: أن هنا ما بعد حتى غاية للسؤال، يعني: الهدف من السؤال كذا، وليس الذي أثار السؤال، هذا الفرق بينهما الذي أثار السؤال يمكن أن نقول النقطة الأولى، وغاية السؤال التوجيه الثاني، المهم المعنى متقارب ليس ببعيد وفي قول الغلام:  حتى يمضي الناس ، إشارة إلى حب هذا الغلام لمنفعة قومه، وما كان أناني يريد يعرف الحق فقط، يعني ما دام يمكن أن يجتمع الأمران: يعرف الحق، وينفع الناس، فليفعل، فلذلك قال في دعائه  فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس .
إثبات كرامات الأولياء:
فيها فائدة أخرى:  حتى يمضي الناس فرماه فقتلها  هذه فيها إثبات حاجة في عقيدة أهل السنة والجماعة، ما هي؟ كرامات الأولياء، أن الله عز وجل من قدره أنه يخرق العادة لبعض أوليائه، ما يمكن حجر صغير يقتل دابة عظيمة، ما يمكن أن يحصل في العادة هذا، لكن كرامة لهذا الغلام المتمسك بدينه أجرى الله على يديه خارقة من الخوارق، كرامة له، فالإيمان بكرامات الأولياء من عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن المشكلة خلط الناس يبن أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ لأن أولياء الشيطان من السحرة، والدجالين، والمشعوذين، وأرباب الطرق الصوفية المنحرفة يمكن أن يحصل عندهم خوارق للعادة، فتجد بعضهم يضرب نفسه بسيف يدخل في بطنه ويخرج من ظهره، ويسحب السيف ما نزلت منه قطرة دم واحدة، أو يدخل في نار موقدة، ويخرج منها سليمًا، هذا يكون باستخدام الشياطين، إما أنها تلعب بأعين الناس الذين يشاهدون، أو أنها تمنع الحرق عن هذا الرجل بالقدرة التي عند الشيطان؛ لكي يتوهم الناس إن هذا الدجال، وهذا الساحر، وهذا المشعوذ، وشيخ الطريقة أنه ولي من أولياء الله، بينما الحقيقة أنه ولي من أولياء الشيطان، فإن قلت لي: كيف نميز أولياء الله لهم خوارق، وأولياء الشيطان لهم خوارق؟ كيف نميز بينهما بين الحالتين؟ نقول: واقع  هؤلاء وواقع هؤلاء هو الدليل، فإن رأيت الرجل الذي حصلت على يديه خارقة من خوارق العادة رجل مؤمن، تقي صالح، عابد مستقيم، ليس بصاحب بدعة، ولا صاحب هوى، هو الذي صارت له الخارقة، فتعرف أنه من أولياء الرحمن لكن لو لقيت دجال، ومشعوذ، ويأكل أموال الناس، ويستخدم الخرافات، ويتعامل مع الشياطين، وعنده طلاسم، وهذه الأشياء والحجابات، فهنا تعرف أنه من أولياء الشيطان، ثم قال في الحديث:  قتلت الدابة ومضى الناس .
في رواية الترمذي التي أشرنا إليها آنفًا  فقال: الناس من قتلها؟ قالوا: الغلام، ففزع الناس، فقالوا: قد علم هذا الغلام علمًا لم يعلمه أحد  يعني: المهم أن الناس الذين حضروا الحادثة الآن اشتهر هذا الغلام عندهم، فأتى الراهب فأخبره بالخبر.
وهذا الإخبار للراهب نتيجة طبيعية لكل من رأى حدثًا مثيرًا أن يذهب لمن تلقى منه الدين ليطلعه على ما حصل، أو يطلب منه تفسيرًا على ضوء الشريعة على ما حصل، لو الناس اليوم رأوا حادث مثير فكل واحد يرى الحادث يذهب لمن تلقى منه الدين، أو للعالم، أو لمن يثق به من أهل العلم والخير والدعوة إلى الله عز وجل، فيطلعه على ما حدث، أو يطلب منه تفسيرًا إن كان الأمر فيه غموض، يطلب منه تفسيرًا أو رأيًا فيما يحدث.
تواضع الراهب وتجرده من الحسد:
فقال له الراهب جواب لما أخبره الخبر  أي بني أنت اليوم أفضل مني ، هذه الكلمة كلمة عظيمة جداً يحتاج أن نقف عندها وقفة مهمة، نتأمل في هذه الكلمة التي قالها الراهب:  أنت اليوم أفضل مني ، طيب كيف هذا الشيخ، هذا مصدر العلم، هذا الذي يعلم ويوجه، هذا الكبير كيف يقول لغلام صغير:  أنت اليوم أفضل مني ؟ هذه الكلمة لها وزن ضخم، هذا الموقف من الراهب موقف الاعتراف للغلام أنه قد صار اليوم أفضل منه يدل على تجرد كامل من هذا الراهب من الحسد، ما قال: صارت له خارقة صار أحسن مني أحسده، وأكتم مواهبه، قال:  أنت اليوم أفضل مني .
النفوس فيها مداخل شيطانية كثيرة:
منها حب التميز، وحب أنه ما في أحد يفوقك، فليس الإشكال أن تحب أن تكون متفوقًا، لكن الإشكال إذا واحد تفوق عليك أن تعاديه وتحسده، وتحاول أن تمنع عنه الخير الذي جاءه، هذا الإشكال، فالآن الراهب هل قال أترك تعليم الغلام لأنه سيكون أحسن مني، أو صار أحسن مني؟ لا. قال له بكل صراحة وبكل وضوح:  أي بني أنت اليوم أفضل مني ، إذًا القضية ليست قضية كبر وصغر، وإنما القضية فهم الدعوة، وتحقيق مصلحة الدعوة، تحقيق منهج الله في الأرض.
فلو أن إنسانًا اليوم طالب علم فاق شيخه بطلب العلم، وهذا ممكن يحصل قد يؤتيه الله -عز وجل- ملكات وقدرات، فيتفوق على شيخه في طلب العلم، ما هو الموقف الصحيح للشيخ هنا؟ يقول له: يكفي أعطيتك إجازة ما في داعي تتعلم، يقول: هذا بكره الناس يتحولوا مني وينتقلوا لهذا الطالب الذي صار أحسن مني، فتأخذه العزة بالإثم، ويتغلب الحسد والجشع، والنفسية السيئة، ولكن الراهب تجرد من هذا كله تجرد بلا حرج مطلقًا.
فتح الطريق أمام المواهب الناشئة التي وفقها الله عز وجل:
وفتح الطريق أمام المواهب الناشئة التي وفقها الله عز وجل، والناس طاقات يتفاوتون هذه المسألة، اليوم تلعب أدوار سيئة في واقعنا، فتجد مثلاً رئيس وتحته موظف، وهذا الموظف مثلاً نشيط، وفاهم، ويتعلم بسرعة، ويأخذ شهادات، ودورات مثلاً، فالرئيس يخاف بعد فترة يأخذ محلي، فيدب الحسد والبغضاء، ويبدأ يحجب عن هذا الموظف كل المعلومات التي تفيده، بل قد يشغله بأشياء تافهة جداً، أشياء لا تنفع العمل بشيء، لكن إبعاد هذا الموظف النشيط عن حيز المسؤولية؛ حتى لا يأخذ مكانه، وقس على ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تحدث في ممارستنا اليومية، وواقع الحياة اليوم بين الناس من جراء الحسد عندما يتفوق إنسان على إنسان.
فلله در هذا الراهب ما أطيب قلبه، وما أشد تجرده لله عندما اعترف لهذا الغلام، قال له:  أنت اليوم أفضل مني ، وقد بلغ من أمرك ما أرى من الصدق والاعتقاد الحسن، والكرامة التي أجراها الله على يديك.
لما قال له:  أنت اليوم أفضل مني   هذه الكلمات ماذا تنتج في نفس الغلام؟ قد تنتج نوع من الزهو، أو الغرور، لكن قد تنتج أشياء من هذا، فلكي يحدث هذا الراهب المربي التوازن في نفس الغلام،
ماذا قال له بعدها مباشرة حتى لا يصيب الغلام غرور؟
ماذا قال الراهب بعدها لكي يزيل السلبيات الناشئة عن الإخبار بالحقيقة الأولى؟ التي لابدّ من الإخبار منها لكن فيها سلبية؟ كيف تزال؟ قال له:  وإنك ستبتلى  فالآن كلمة  إنك ستبتلى  تحدث نوع من الإحجام، أن هذه الأفضلية وهذا التشريف الذي حصل الآن ليس بلا مقابل، وإنما سيعقبه تكليف وابتلاء، ما جاءت المسألة كذا فقط أفضلية هذه الأفضلية لها ثمن، وإنك ستبتلى فلما يشعر الغلام أنه سيبتلى فالسلبية التي كانت موجودة قد يكون غرور أو شيء ثاني ستنتقل إلى نقطة أخرى، الآن العملية متسلسلة، كلمة إنك ستبتلى تحدث خوف، فالآن الغلام يخاف، يمكن يترك، المسألة فيها ابتلاء، لكن الابتلاء حقيقة لا بدّ من الإخبار عنها.
فماذا قال له الراهب بعد ذلك:  فإن ابتليت فلا تدل عليّ ، لماذا الراهب في البداية أخبره بشكل قاطع أنه سيبتلى وفي العبارة التي بعدها فإن؟ وإن تدل على التشكيك؟ لكي يخفف من الخوف الذي قد ينبعث في نفسه، حتى لا يقع الكرب في نفس الغلام قبل حلول البلاء الحقيقي، فقال:  فإن ابتليت فلا تدل عليّ  هذه كلمة طلب من الغلام أن يتكتم على الأمر، قال: إن ابتليت إن عذبت إن ضربت لا تخبر عني؛ لأنك لو أخبرت عني أنا عدو ولا بدّ أن أقتل، فحفاظًا على نفسي، ولمصلحة الدين بقاء الراهب لا شك، فلا تدل عليّ، فهذا الكتمان الذي طلبه الراهب من الغلام هل هو هدف وغاية أو وسيلة؟ وسيلة.
فإذًا الكتمان في طريق السير إلى الله ليس غاية وهدفًا، بل الدين يحتاج إلى وضوح دائمًا، الوضوح أفضل، لكن في هذه الحالة التي كان فيها مصلحة الإسلام أن هذا الراهب لا يفشى أمره، فصار التكتم هنا وسيلة لجأ إليها الراهب لجوء واضطرارًا، وإلا بروز الشخصيات وكونها قدوات في المجتمع هو الأساس، ولذلك الرسل كانوا واضحين للناس، خرجوا أمام الناس، ما قعد الرسول يدعو من طرف خفي وما أحد يدري من هو الرسول، بل كان الرسول يخرج ويظهر أمام الناس، ويعلم الناس.
كيف استخدم الغلام هذه القدرات التي أعطاه الله إياها؟
 وكان الغلام يبرئ الأكمة  الأكمة: هو الذي ولد أعمى، والأبرص: البرص مرض معروف، ويداوي الناس من سائر الأدواء، هنا الله عز وجل أعطى الغلام مقدرة على أن يشفي الأمراض بإذن الله، كما أن الله أعطى عيسى القدرة على إحياء الموتى بإذن الله، فأعطى الله الغلام القدرة على علاج المرضى، وإبراء المرضى بإذنه عز وجل، كيف استخدم الغلام هذه القدرات التي أعطاه الله إياها؟ انتشر بين الناس يستخدم القدرة التي أعطاه الله إياها يعالج هذا، يبرئ هذا بإذن الله، ويزيل علة هذا، ويداوي هذا، ويداوي الناس من سائر الأدواء، كل الأمراض، ولا شك هنا بأن الغلام سيستخدم هذه القدرة في إقناع الناس بالتوحيد، وعرض العقيدة الصحيحة عليهم.
ماذا سببت عملية المداواة للغلام؟
أن ذاع صيته، وشاع أمره بين الناس،  فسمع به جليس للملك ، وكان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، عند كلمة  فسمع به جليس للملك ، وقفة بسيطة ذيوع الدعوة، وانتشار صيت الدعاة، ومعرفة مصدر النور يؤدي إلى استقطاب الناس بشتى طبقاتهم ومستوياتهم، فعند ذلك يقتنع بالعقيدة الصحيحة الغني والفقير, والأمير والحقير, والصعلوك والعظيم, إذا ذاع أمر الدعوة يقبل الناس إليها زرافات ووحدانًا, صحيح أن هناك تفاوتًا في التقبل,  أول من يدخل الجنة الفقراء  هناك تفاوت الفقراء يقبلون أكثر من الأغنياء، والمستضعفين يقبلون أكثر من الجبارين، هذا معروف لكن ذيوع الدعوة مهم حتى تستقطب الناس كافة.
 فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة  فقال هذا الأعمى للغلام  ما ها هنا كل الهدايا هذه لك أجمع ، كلها لك  إن أنت شفيتني ، قال الغلام:  إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله عز وجل .
وجوب تصحيح أخطاء الناس في العقيدة:
هنا في حاجة ملفتة للنظر: أن الغلام تجاهل أمر الهدايا تمامًا، وكأنه لا يوجد هدايا، قال:  إني لا أشفي أحدًا  ركز على المقطع المهم من الكلام الذي هو كلام الأعمى  إن أنت شفيتني  ومعروف أن الشفاء بيد الله عز وجل،  وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  [الشعراء: 80].
من أفعال الله عز وجل أنه يشفي، أما الناس فلا يشفون، فركز الآن على الخطأ في العقيدة في العبارة، وهذا يدلنا على وجوب تصحيح أخطاء الناس، العامة أحيانًا يقولون: ألفاظ فيها عبارات خطأ، وتدخل أحيانًا حتى هذه العبارات التي نعلمها للأطفال، أحيانًا إذا دققت النظر تجد فيها أشياء من هذه الأناشيد البسيطة المتداولة، أذكر لكم مثال مرة
  • ابوعبدالرحمن

    جزاك الله خيرا ياشيخ وجاري تحميل جميع القصص