الإثنين 24 محرّم 1441 هـ :: 23 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

بين حياتنا وحياة الصحابة


عناصر المادة
الخطبة الأولى
فتنة الحياة الدنيا
الفرق بين عيشنا وعيش النبي ﷺ والصحابة رضي الله عنهم
الخطبة الثانية
أسباب طرق هذا الموضوع
الخطبة الأولى
00:00:07

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فتنة الحياة الدنيا
00:00:30

فإن الله سبحانه وتعالى قد ذكر لنا أن الحياة الدنيا متاع الغرور، وحذرنا من فتنتها وزينتها، وأخبرنا رسوله ﷺ أن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وذلك كي لا نغتر بها، ولا نسكن إليها ونطمئن فننسى الدار الآخرة، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه في غاية التباعد عن فتنة الدنيا، ومعرفة هذا الكلام مهم في خضم الانخراط في أغمار الدنيا، وزخرفها وزينتها التي شغلت الناس في هذا الزمان، وعن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قالت: قلت له: مالك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن إمامكم عقبة كئوداً لا يجوزها المثقلون، فأحب أن أتخفف لتلك العقبة  [رواه الحاكم 8713]، إن تلك العقبة أيها الأخوة هي نار جهنم، لا يجوزها إلا المخفون، ولذلك قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: إن خليلي ﷺ عهد إليَّ أن دون جسر جهنم طريقاً ذا دحض ومزلة، وإنا أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أي خفيفة أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير؛ أي ذوي أحمال ثقيلة، إنه دحض أي تنزلق عليه الأقدام ولا تثبت، والله سبحانه وتعالى قد شاء أن يجعل أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء فقال ﷺ: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء [رواه البخاري3241]، وقال ﷺ لأصحابه: هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله عز وجل ، قالوا الله ورسوله أعلم: قال:  الفقراء المهاجرون الذين تُسد بهم الثغور ويتقى بهم المكاره  فهم أول الناس في الجهاد في الصف الأول في المعركة،

الذين تسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء ، فهو لا يسأل الناس، فيموت وحاجته لا تزال في صدره لم تقضى،  فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم فتقول الملائكة ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم، قال إنهم كانوا عباداً يعبدوني ولا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور ويتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، قال فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار [رواه أحمد6570]، وأخبر ﷺ أن حوضه أكوابه عدد نجوم السماء ماؤه أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل،

وأكثر الناس وروداً عليه فقراء المهاجرين، قال ﷺ للصحابة لما قالوا صفهم لنا قال: شعث الرءوس، دنس الثياب، الذي لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد، الذي يعطون ما عليهم، ولا يُعطون ما لهم [رواه الطبراني في الكبير1443]،  يجمعون فيقال أين فقراء هذه الأمة فيقال ما عندكم فيقولون ربنا ابتليتنا فصبرنا، ووليت السلطان والأموال غيرنا، فيقول الله عز وجل صدقتم، قال فيدخلون الجنة قبل سائر الناس، ويبقى شدة الحساب على ذوي الأموال والسلطان [رواه ابن أبي شيبة34028]، حديث صحيح. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال كنت عند رسول الله ﷺ يوماً وطلعت الشمس فقال: يأتي الله قوم يوم القيامة نورهم كنور الشمس  قال أبو بكر نحن هم يا رسول الله قال: لا ولكم خير كثير ولكنهم الفقراء المهاجرون الذين يحشرون من أقطار الأرض [رواه أحمد 7072]، هؤلاء فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، ونصف يوم عند الله خمسمائة عام، هكذا عامة من يدخل الجنة، المساكين، ولذلك كان سلمان وصهيب وبلال من هؤلاء النفر العظام الذين مضوا إلى الله عز وجل ولم يتلوثوا بهذه الدنيا شيئاً يشغلهم عن طاعة الله تعالى، يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقروؤا: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا [رواه البخاري4729]، مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده جالس  ما رأيك في هذا؟  فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله، قال فسكت رسول الله ﷺ، ثم مر رجل فقال رسول الله ﷺ ما رأيك في هذا؟  فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله،

فقال رسول الله ﷺ: هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا [رواه البخاري5091]. وهكذا قال ﷺ يوماً لأبي ذر  أترى كثرة المال هو الغنى  قلت: نعم يا رسول الله، قال:  فترى قلة المال هو الفقر  قلت: نعم يا رسول الله، قال:  إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ، ثم سألني عن رجل من قريش  هل تعرف فلاناً  قلت: نعم يا رسول الله، فقال: كيف تراه  قلت إذا سأل أُعطي، وإذا حضر أُدخل، ثم سألني عن رجل من أهل الصفة فقال:  هل تعرف فلاناً  قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله، فما زال يحليه وينعته حتى عرفته، فقلت قد عرفته يا رسول الله، فقال: كيف تراه  قال: هو رجل مسكين من أهل الصفة قال: هو خير من طلاع الأرض من الآخر  [رواه ابن حبان 685]، وطلاع الأرض ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل، وقد قال ﷺ أيضاً لأبي ذر مرة  انظر أرفع رجل في المسجد  فنظرت فإذا رجل عليه حُلة قلت هذا، قال قال لي:  انظر أوضع رجل في المسجد ، فنظرت فإذا رجل عليه أخلاق أي ثياب بالية، قلت هذا، قال فقال رسول الله ﷺ: لهذا عند الله خير يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا [رواه أحمد21395]،

هؤلاء الضعفاء تنصرون وترزقون بهم، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم تنصر هذه الأمة، ليبشر فقراء المهاجرين، هؤلاء المستضعفون في الأرض هؤلاء الذين نظنهم من المطرودين ومن كان في مثل حالهم من المستضعفين لا يؤبه لهم ولا ينصرون، لكنهم عند الله منصورون، رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره، الناس يكرهون قلة المال، لكنه في الحقيقة خير، فقال محمود بن لبيد قال النبي ﷺ: اثنتان يكرههما ابن آدم الموت،والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال،وقلة المال أقل للحساب [رواه أحمد23625]، وقد نصح النبي ﷺ أصحابه بالزهد في الدنيا، ازهد في الدنيا  صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل [رواه ابن بشران534]، إن الدنيا حلوة خضرة، خرج رسول الله ﷺ ليلاً فمر على أبي عسيب رضي الله عنه فدعاه، قال فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر رحمه الله فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر رحمه الله فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطاً يعني بستاناً لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط،  أطعمنا بُسراً ، فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه ثم دعا بماء بارد فشرب، فقال رسول الله ﷺ:  لتسئلن عن هذا يوم القيامة ، قال فأخذ عمر رحمه الله العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البُسر قِبل رسول الله ﷺ، ثم قال يا رسول الله إنا لمسؤلون عن هذا يوم القيامة قال:  نعم، إلا من ثلاث ، هي التي لا يٍُسأل عنها الإنسان  خرقة كف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته أو حجر يتدخل فيه من الحر والقر [رواه أحمد20768]، والقر هو البرد،

ولذلك سأل عمرو بن العاص عبد الله بن عمرو بن العاص رجل سأل عبد الله بن عمرو بن العاص رجل سأله مالاً فقال له عبد الله بن عمرو ألك امرأة تأوي إليها قال نعم قال ألك مسكن تسكنه قال نعم قال فأنت من الأغنياء، قال فإن لي خادماً قال أنت من الملوك، وقال ﷺ: أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له ألم أصح لك جسمك وأروك من الماء البارد [رواه الحاكم7203]، جاء سعد رضي الله عنه إلى سلمان يعوده فبكى فقال سعد ما يبكيك يا أبا عبد الله، توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ، وترد عليه الحوض، تلقى أصحابك، قال: ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا، لكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهداً قال: ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب ، ما تأخذونه من الدنيا كزاد الراكب، والراكب المسافر، والمسافر ماذا يأخذ معه في الطريق؟ قال: وحولي هذه الأساود، سعد يبكي لأنه لم يرع العهد ما هي الأساود التي كانت حول سعد، قال: وإنما حوله إجانة وعاء يغسل فيه الثياب وجفنة ومطهرة فقط. [رواه أبو نعيم1/195]وهكذا بكى رضي الله عنه لأجل هذه الأشياء اليسيرة، فماذا يوجد في بيوتنا أيها الإخوة، ماذا يوجد فيها؟ مخازن للملابس، إسراف وتفاخر في الولائم، والإكثار من أصناف الطعام، وألوان الشراب، وأنواع من المراكب، وموديلات للسيارات تجدد، ويكون الإسراف حتى في الأدوات القرطاسية التي يلعب بها صبياننا، ماذا يوجد في بيوتنا، قال ﷺ:  يتبع الميت ثلاث أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله [رواه الترمذي2379]، هذا إذن الذي يبقى معه فماذا يجمع الواحد منا وقد قال الله تعالى: "ألهاكم التكاثر" يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت،أو لبست فأبليت،أو تصدقت فأمضيت [رواه مسلم2958]. مر النبي ﷺ بشاة ميتة قد ألقاها أهلها فقال:  والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها [رواه الترمذي2321]. للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها، جاء قوم إلى رسول الله ﷺفقال لهم: ألكم طعام  قالوا: نعم، قال:  فلكم شراب ، قالوا: نعم، فقال:  فتصفونه  قالوا: نعم، قال:  وتبرزونه ، وفي رواية:  وتبردونه ، قالوا: نعم، قال: فإن معادهما كمعاد الدنيا ، يعني عاقبة الطعام والشراب بعدما تكون في البطن ماذا تخرج من الدبر والقبل هذا مثال كيف تعود الدنيا،  يقوم أحدكم إلى خلف بيته فيمسك أنفه من نتنه [رواه الطبراني في الكبير6119]، رواه الطبراني ورواته محتج بهم في الصحيح. ولذلك قال ﷺ:  إن مطعم ابن آدم جُعل مثلاً للدنيا وإن قزحه وملحه فانظروا إلى ما يصير [رواه أحمد21239]، ما هي النهاية، إلى أي شيء يصير، الانشغال بالدنيا مصيبة، الدنيا والآخرة ضرتان إن أرضيت أحدهما أسخطت الأخرى، حلاوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلاوة الآخرة، وقال ﷺ:  إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال [رواه الترمذي2336]، ولذلك لم يخش علينا الفقر، وإنما خشي علينا التكاثر ﷺ، خشي علينا زهرة الدنيا وما يُفتح علينا منها، فكيف تكون الأحوال إذن؟

الفرق بين عيشنا وعيش النبي ﷺ والصحابة رضي الله عنهم
00:16:35

 كيف تكون الأحوال إذا تأملت الحال والفرق بين عيشة النبي ﷺ وعيشنا نحن؟ قال أبو هريرة: "والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله ﷺ وأهله ثلاثة أيام تباعاً من خبز حنطة حتى فارق الدنيا"، كان وأهله لا يجدون عشاءً، وأكثر ما يجدون خبز الشعير، ما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين، النبي ﷺ كما جاء في صحيح مسلم. ولذلك كان أبو هريرة يحن إلى تلك الأيام، مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية مشوية فدعوه فأبى أن يأكل وقال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وما رُفع بين يديه كسرة فضلاً، ما زاد عن طعام كسرة لقلته حتى قُبض ﷺ، ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط كما في رواية البخاري، ولم يأكل خبزاً مرققاً حتى مات، ولم يأكل ﷺ على خيوان -ما يوضع عليه الطعام-، لم يأكل الخبز الدقيق الحواري النظيف الأبيض، وأم أيمن غربلت دقيقاً فصنعته للنبي ﷺ رغيفاً فقال:  ما هذا؟  قالت: طعام نصنعه بأرضنا فأحببت أن أصنع لك منه رغيفاً، قال: رديه فيه ثم اعجنيه [رواه ابن ماجه3336]ويقول النعمان بن بشير: ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل -التمر الردئ- ما يملأ بطنه.[رواه مسلم2977]رواه مسلم، وذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه"، ماذا يوجد اليوم في قوائم المطاعم، كم صنفاً موجود، عد من فوق الثمانين من الأطعمة، والأشربة، والحلويات، والشوربات، والمقبلات إلى آخر ذلك، وما هو شكر النعمة؟ نحن بالنسبة لنا ما هو شكر النعمة، وكم نوعاً من المعجنات فقط،

ويهولك وأنت ترى اللوحة المعروضة في المطاعم ذاك الكم والعدد الكبير، تقول عائشة لعروة: "والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة، وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار، لا يوجد شيء يطبخ، لماذا توقد النار، قلت يا خالة فما كان يعيشكم، قالت" الأسودان التمر والماء، إلا أنه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منايح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقينا" [رواه البخاري2567]، وهي التي قالت من حدثكم: "أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم"، حتى من التمر لم يكونوا يشبعون، يجيء ضيف إلى النبي ﷺ فيرسل إلى أهله تقوله زوجته الأولى، ما عندي إلا ماء، الثانية ما عندي إلا ماء، الثالثة ما عندي إلا ماء، فيتغير وجه رسول الله ﷺ وهو الذي كان دائماً يكرم الضيف في تلك الحال لا يوجد إلا الماء، حتى يستدرك البدوي ذلك، ويقول: نحن قوم معانون أهل الصحراء الشدة تعلمناها وعشنا عليها فلا يضر ألا يوجد شيء، نحن تكفينا عصرة اللبن على كوم هذا طعامنا، والنبي ﷺ اختار أن يكون عبداً رسولا، ولم يختر أن يكون ملكاً نبيا، لقد أثر الحصير في جنبه ﷺ فماذا يوجد في الغرفة؟ قال عمر في وصف أثاث البيت النبوي في الأثاث، قال: قرض في ناحية الغرفة، وإهاب معلق فقط، جلد مدبوغ وإهاب معلق هذا كل ما يوجد في غرفة النبي ﷺ، حصير من الخوص، وقرض في ناحية الغرفة، إناء وجلد هذا كل الأثاث في البيت النبوي،

ماذا يوجد الآن في بيوتنا من أنواع التحف من أنواع النجف، من أنواع الكنب، من أنواع السجاد، من أنواع الفرش، حجم سوق الأثاث عندنا ثلاث بلايين ريال، تغير الأسر المتوسطة الدخل أثاثها في كل خمس إلى سبع سنوات، وهناك أناس يغيرون أثاثهم سنوياً، يوجد مائة وأربعة وثلاثين مصنع تنتج خمسة وثلاثين ألف طن من الأثاث سنوياً، وأما الملابس فإن سوق الملابس الرجالية لدينا يتجاوز أربعة بلايين ريال سنوياً، مائتين وستة وسبعين مليون دولار فقط للشماغ والغترة، قالت عائشة رضي الله عنها: إنما كان فراش رسول الله ﷺ الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف، بُعث إليه مرة بفراش حشوه صوف، فدخل عليه ﷺ قال لعائشة: ما هذا؟  قلت: يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فذهبت فبعثت إليَّ بهذا، قال:  رديه يا عائشة فإني لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة [رواه الطبراني في الأوسط6029]، فراشه ﷺ لما مسوه وجدوه خشناً داخله ليف هكذا كان، ورأته عائشة مرة خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود، كساء من صوف، والمرحل الذي فيه صور الرحال، كساء ملبد، وإزار غليظ، قُبض فيهما، مات في أي شيء؟ في كساء ملبد، وإزار غليظ ﷺ.

اللهم إنا نسألك الرحمة لنا يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
00:24:17

الحمد لله رب العالمين، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحي القيوم، وأشهد أن محمداً رسوله صلى الله عليه وعلى آله، وصحبه أجمعين، صلى الله عليه، وعلى آله، وأزواجه، وذريته الطيبين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله:

تقول عائشة رضي الله عنها: "توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ فكلته ففني"، وكيل الطعام لمعرفة كم هو ربما يؤدي إلى ذهاب شيء من بركته، والنبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، لماذا؟ نفقة لأهله؛ لأن الرجل مكلف أن يأتي بنفقة أهله، وطعام أهله، يقول أنس: رأيت عمر وهو يومئذ أمير المؤمنين، وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبد بعضها على بعض، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم، أو خمسة، وريطة ملاءة كوفية ممشقة، هكذا كان عثمان رضي الله تعالى عنه، يقول أبو هريرة: "والله الذي لا إله إلا الله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع"، في مثل هذا اليوم يوم الجمعة كانت هناك امرأة عجوز من المسلمين لها زرع على حافة جدول ماء منه سلق، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدر ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها، قال سهل: فكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها فتقرب ذلك الطعام إلينا فنلعقه فكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذاك،

يقول ليس فيها شحم ولا ودك، أثر اللحم غير موجود حتى الشحم غير موجود، أصول سلق عليها حبات من شعير يفرحون بيوم الجمعة لأجل ما تقدمه إليهم من هذا الطعام البسيط، والبسيط جداً فهكذا عاشوا، يقول أبو هريرة: إني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العُكة وعاء الجلد الذي يوضع فيه السمن أو العسل يخرج إلينا العُكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها، البقايا العالقة بالجلد يلعقونها بعد شق القربة الفارغة، قال فضالة بن عبيد: كان رسول الله ﷺ إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة، من الجوع يخرون يغشى عليهم، لا يستطيع الواحد الوقوف، فيقول لهم ﷺ: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة [رواه الترمذي2368]، والنبي ﷺ كان يعرف كيف يواسي أصحابه في هذه الضائقة. نظر يوماً إلى الجوع في وجوه أصحابه فقال:  أبشروا فإنه سيأتي عليكم زمان يغدى على أحدكم بالقصعة من الثريد ويُراح عليه بمثلها ، في الغدو في الصباح قصعة ثريد، ويراح عليه مثلها قصعة أخرى، قالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير، قال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ [رواه البزار1941]،

يقول محمد بن سيرين: "إن كان الرجل من أصحاب النبي ﷺ يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد شيئاً يأكله فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها فإذا لم يجد شيئاً أخذ حجراً فشد صلبه". طعامهم هذا السمُر يقول سعد بن أبي وقاص: "إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر"، إذن ما وجدوا إلا هذين الصنفين من أشجار البادية، ورق الحبلة والسمر، "حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاء ما له خلط"، ما معنى هذا؟ يعني البراز الذي يتبرزه الواحد يعني مثل بعر الشاة، ما له خلط لا يختلط ببعضه لجفافه ويبوسته، كيف تضع الشاة البعر غير مختلط لا يوجد شيء يطبخ في البطن حتى يخرج هذا خليطاً وإنما يضع الواحد شيئاً يسيراً كما تضع الشاة، هذا ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ. مصعب بن عمير لا يوجد ما يُكفن به، ماذا يوجد لدينا نحن، رسوم على الحائط ساحرة توحي باتساع المكان، وأنواع من ديكورات المنازل، وألوان، ومشغولات خشبية، وقواعد زجاجية، ومزهريات أنيقة، ومناظر خلابة، وطراز كلاسيكي، الطراز الكلاسيكي، والطراز الفلاني والفلاني هذا الموجود،

 

ماذا يوجد لدينا نحن، رسوم على الحائط ساحرة توحي باتساع المكان، وأنواع من ديكورات المنازل، وألوان، ومشغولات خشبية، وقواعد زجاجية، ومزهريات أنيقة، ومناظر خلابة، وطراز كلاسيكي، الطراز الكلاسيكي، والطراز الفلاني والفلاني هذا الموجود

 

لما حضرت أبو ذر الوفاة، وكان بالربذة بكت امرأته فقال: ما يبكيك، قالت: أبكي فإنه لا يد لي بنفسك، وليس عندي ثوب يسع لك كفناً، أبكي أنك لو مت أنت الآن ما عندي كفن أكفنك فيه، قال: لا تبكي فإني سمعت رسول الله ﷺذات يوم وأنا عنده في نفر يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين ، أبو ذر كان مع زوجته في مكان ليس فيه أحد في برية، هذه قرية خارج المدينة لم يكن فيه إلا هو وزوجته، قال أبو ذر: فكل من كان معي في ذلك المجلس مات، فلم يبق منهم غيري، والحديث أنا سمعته يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين، وبما أن كل الذين كانوا في المجلس معي ماتوا إذاً الذي سينطبق عليَّ الحديث، وليس حولهم أحد من الناس، قال: وقد أصبحت بالفلاة أموت الآن أموت بالفلاة فراقبي الطريق اخرجي إلى طريق المسافر فإنك سوف ترين ما أقول فإني والله ما كذبت ولا كُذبت، قالت أي امرأته: وأنى ذلك كيف يمكن أن يحصل وقد انقطع الحاج طريق الحجاج انتهوا، لا يوجد حجاج في الطريق، قال: راقبي الطريق، قال: فبينما هي كذلك إذا هي بالقوم تخب بهم رواحلهم، تخب بهم ناس من بعيد تعدو بهم رواحلهم، كأنهم الرخم، الطير المعروف، هكذا من بعيد، لونهم مثل الرخمة بسبب السفر، وغباره، ووعثائه، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها فقالوا: مالك؟ فقالت: امرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه، قالوا: ومن هو، قالت: أبو ذر ففدوه بآبائهم، وأمهاتهم، ووضعوا سياطهم في نحورها، أي نحور الدواب لكي يستعجلوها للوصول إلى بيت الرجل يبتدرونه، فلما وصلوا إليه وهو في الرمق الأخير، قال: أبشروا فإنكم النفر الذين قال رسول الله ﷺ فيكم ما قاله، ثم قد أصبحت اليوم حيث ترون، ولو أن لي ثوباً من ثيابي يسع كفني لم أكفن إلا فيه، فأنشدكم بالله لا يكفنني رجل منكم كان عريفاً، أو أميراً، أو بريداً، فكل القوم قد نال من ذلك شيئاً، واشتغل في إحدى هذه الأشياء إلا فتى من الأنصار، وكان مع القوم، قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي في وعاء السفر في الحقيبة من غزل أمي، وأجد ثوبيَّ هذين الذين عليَّ، قال: أنت صاحبي فكفني. [رواه أحمد21467]رواه الإمام أحمد ورجاله رجال الصحيح.

فهكذا مضى أصحاب النبي ﷺ، أبو هاشم بن عتبة وهو مريض يعاد فيبكي فيقول له من حضر: يا خال ما يبكيك أوجع يشئزك، أم حرص على الدنيا، قال: كل لا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إليَّ عهداً لم آخذ به، قال: إنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله ، وأجدني اليوم قد جمعت.[رواه الترمذي2327].

أيها الأخوة:

هكذا كان حالهم فما هي حالنا؟ مستحضرات التجميل عالية الجودة تضفي نعومة دائمة، وعطراً منشق كلون البراق الأزرق وهذا وهذا من الأشياء الرجالية والنسائية.

المستحضرات وما أدراك ما المستحضرات في عام 95 كان المستوردات إلى الخليج مائة وتسعين ألف طن من العطور، ومواد التجميل إلى جانب الإنتاج المحلي البالغ خمسة وستين ألف طن.

المرأة وأدوات التجميل استهلكت البلد، في عام 95 خمسمائة وثمانية وثلاثين طناً من أحمر الشفاه، وثلاثة وأربعين طناً من طلاء الأظافر، وواحد وأربعين طناً من مزيلات هذا الطلاء، ومائتين واثنين وثلاثين طناً من مستحضر تجميل العيون، وأربعمائة وخمسة وأربعين طناً من صباغة الشعر.

ويُستهلك في البلاد ثلاث بلايين دولار سنوياً من الذهب، وينفق ثلاثة عشر بليون دولار في سوق شراء السيارات وقطع الغيار منها، وحجم السوق لدينا في المشروبات الغازية أكثر من بليون دولار سنوياً، المشروبات الغازية للتهضيم. هكذا الكماليات وهكذا الترف، وهكذا الإسراف وهكذا التبذير ما يلقيه الفرد في اليوم 2 كيلو من النفايات، تجمع النفايات مرتين أسبوعياً في بعض دول العالم حتى المتقدمة وتجمع ولا بد أن تجمع يومياً لدينا وإلا لحصلت الأكوام الهائلة، قارن بين جوالاتنا وأنواعها والرهيب والعنيد وبين ما كان عليه حال أصحاب النبي ﷺ.

أسباب طرق هذا الموضوع
00:37:41

أيها الأخوة:

لماذا يُطرق الموضوع، أولاً حتى نعرف نعمة الله، ثانياً حتى نشكر هذه النعمة، ثالثاً حتى لا نركن إلى الدنيا، رابعاً حتى نستشعر الحال التي كان عليها سلفنا، خامساً حتى نعين الفقراء والمضطهدين اليوم الذين تقطعت بهم السبل في الأرض هؤلاء اللاجئين المساكين، المغبرين، المطرودين، المطاردين، المنهكين، المتعبين، الجائعين، العطشانين، الذين خرجوا من ديارهم لا يلوون على شيء، الهاربين المساكين، كم في الأرض اليوم من فقراء المسلمين، أنى اتجهت إلى الإسلام في مكان تجده كالطير مقصوصاً جناحاه.

أيها الأخوة:

قليل من المال الذي نترف به أنفسنا لنمد به يد العون إلى إخواننا، قضية مهمة جداً يجب أن نشعر بها اليوم، وأيضاً نستعد للحساب ما دام هناك حساب طويل على أموال كثيرة، فلتكن هناك حسنات كثيرة، لنقاوم بها ذلك الحساب الطويل على هذه الأشياء الطائلة التي تنفق وتهدر.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وتجاوز عنا تقصيرنا، اللهم إنا ضعفاء فارحمنا، اللهم لا تفتنا بالدنيا يا رب العالمين، اللهم اجعلنا مسلمين، وأحينا مؤمنين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، اجعلنا ممن بذلوا في الخير أيديهم يا أرحم الراحمين، وضاعف لنا الأجر والثواب إنك أنت الكريم، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم اجمع على الحق كلمتهم، وأعل راية التوحيد بينهم، اللهم قو سواعدهم، اللهم سدد رميتهم، وبلغها في ظهور عدوهم، اللهم إنا نسألك لهم النصر العاجل يا رب العالمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، وانصرهم على من بغى عليهم وظلمهم، اللهم أهلك أعداء الدين، وقاتل اليهود والصليبيين، اجعل بأسهم بينهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، دمر عليهم صواريخهم، اللهم وحطم طائراتهم، واجعل قنابلهم تنفجر فوق رؤوسهم، احصهم عددا، واقتلهم بددا، اللهم عاجلهم بمكرك وعذابك، صب عليهم العذاب صبا، اللهم اضرب قلوب بعضهم ببعض، واجعلهم عبرة للمعتبرين، لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم زلزل قواعدهم، وأنزل عليهم عذاباً من فوقهم، وأئتهم من حيث لا يحتسبون، اللهم إنهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم سوط عذاب، اللهم أنت أقوى منهم، وأنت على كل شيء قدير، فاهزمهم هذه الساعة يا رب العالمين، وعجل فرج المسلمين يا أرحم الراحمين، أزل الكروب يا علام الغيوب، ونفس عن هؤلاء المسلمين، اللهم أطعم جائعهم، واحمل حافيهم، وأكس عاريهم، وأوي شريدهم، وأبرئ جريحهم، وارحم ميتهم، اللهم ثبت أقدامهم، وانصرهم على القوم الكافرين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه الحاكم 8713
2 - رواه البخاري3241
3 - رواه أحمد6570
4 - رواه الطبراني في الكبير1443
5 - رواه ابن أبي شيبة34028
6 - رواه أحمد 7072
7 - رواه البخاري4729
8 - رواه البخاري5091
9 - رواه ابن حبان 685
10 - رواه أحمد21395
11 - رواه أحمد23625
12 - رواه ابن بشران534
13 - رواه أحمد20768
14 - رواه الحاكم7203
15 - رواه أبو نعيم1/195
16 - رواه الترمذي2379
17 - رواه مسلم2958
18 - رواه الترمذي2321
19 - رواه الطبراني في الكبير6119
20 - رواه أحمد21239
21 - رواه الترمذي2336
22 - رواه ابن ماجه3336
23 - رواه مسلم2977
24 - رواه البخاري2567
25 - رواه الطبراني في الأوسط6029
26 - رواه الترمذي2368
27 - رواه البزار1941
28 - رواه أحمد21467
29 - رواه الترمذي2327