الإثنين 24 محرّم 1441 هـ :: 23 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

الإحساس العلمي بإعجاز القرآن - الجزء الأول


عناصر المادة
الله عليم حكيم:
تأملات في أحكام الإيلاء:
أحكام الطلاق في القرآن:
ولهن مثل الذي عليهن:
بعولتهن أحق بردهن:

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

الله عليم حكيم:
00:00:26

فإن ربنا عليم حكيم، قضى سبحانه وتعالى بحكمته في عباده ما يكفل لهم السعادة لو أطاعوه، وهو الخبير بهم، البصير بشؤونهم، العليم بما يصلحهم، وهو عز وجل لما خلقهم من ذكر وأنثى، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، وأراد أن يتناسل البشر من الذكر والأنثى، فإنه سبحانه وتعالى يعلم بأنه قد يحدث الشقاق بينهما، وقد يكون بينهما ما يكون من النفور والخلاف، ونحو ذلك، ولذلك فإنه عز وجل لما أمر بالنكاح، وحث عليه، وبين أن سكينة النفس تكون به، وأن منه التناسل في هؤلاء الأولاد الذين يكونون قرة عين، وسروراً، وبهجة للأبوين، فإنه سبحانه وتعالى بيَّن أيضاً حكم الشقاق والخلاف، وكيف تساس الأمور بين الزوجين عند حدوث اضطراب وقلق في هذه العلاقة التي تربط بينهما، وجاء في سورة البقرة آيات عظيمة في تحديد هذا الأمر وبيانه، وطريقة علاجه ليعلم البشر بأن الله تعالى لم يترك أمراً إلا بينه، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا فوت عليه شيء سبحانه، وهؤلاء البشر لا يعلمون مصلحة أنفسهم في كثير من الأحيان، وتفوت عليهم كثير من الأمور، ويفاجؤون بقضايا لم تكن في حسبانهم، ثم يتورطون كيف يكون علاجها، وأعني خصوصاً هؤلاء الذين نحَّوا شرع الله جانباً،  وجعلوا شرائع البشر الحاكم بينهم، والقوانين الوضعية التي تحكم في شؤونهم بزعمهم، وأما رب العالمين فإنه لا يغيب عنه شيء سبحانه.

تأملات في أحكام الإيلاء:
00:03:02

قال سبحانه في هذه الآيات: لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ، والإيلاء: هو الحلف على ترك وطء الزوجة، لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فالله سبحانه وتعالى علم ما يكون بين الزوج والزوجة من المباغضة، وأن بعض الأزواج ربما يمتنع عن إتيان زوجته بالحلف، فجعل ذلك أمداً وهو أربعة أشهر، لا يجوز للزوج أن يزيد على ذلك

 

الإيلاء: هو الحلف على ترك وطء الزوجة، لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فالله سبحانه وتعالى علم ما يكون بين الزوج والزوجة من المباغضة، وأن بعض الأزواج ربما يمتنع عن إتيان زوجته بالحلف، فجعل ذلك أمداً وهو أربعة أشهر، لا يجوز للزوج أن يزيد على ذلك

 

، قال: فَإِنْ فَآؤُوا أي: رجعوا إلى زوجاتهم، فأعطاهم أربعة أشهر قمرية، تربص وانتظار، فإن رجعوا إلى الزوجات، فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ لما حصل من التقصير في حق الزوجات، والتجرؤ على الحلف بحرمانهم من حقهن، رَّحِيمٌ سورة البقرة:226أي: بالأزواج حيث بين لهم الحكم والكفارة، وبالزوجات رحيم أيضاً حين جعل أمد الإيلاء لا يزيد على أربعة أشهر.

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌسورة البقرة:226، وفي هذه الآية تحريم ظلم الزوج للزوجة، وقد كان الواحد من أهل الجاهلية إذا أغضبته زوجته حلف ألا يطأها، وربما تركها معلقة السنة والسنتين، فأبطل الله هذه العادة، وجعل للممتنع عن زوجته أمداً، فإما أن يرجع، وإما أن يطلق حتى لا يقع عليها الضرر فتبقى معلقة لا زوج، ولا خلية.

وفي الآية أن الإيلاء والحلف على ترك وطء الزوجة ليس من المعاشرة بالمعروف لكنه قد يكون أحياناً وجيهاً إذا لزم للتأديب، كما حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم آلا من نسائه شهراً، وذلك لما آذينه بالإكثار من سؤال النفقة، وهو لا يملكها، وبما حصل بينهن بسبب شدة الغيرة كما في قصة العسل، وتحريم مارية، فانتهز فرصة علة نزلت به، فامتنع عنهن شهراً تأديباً لهن، كما روى أنس رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلا من نسائه، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة له" في غرفة علوية "تسعاً وعشرين، ثم نزل" يعني: إلى أهله، "فقالوا: يا رسول الله، آليت شهراً، فقال: (الشهر تسع وعشرون)" [رواه البخاري (5289)].

وفي الآية في قوله: فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ سورة البقرة:226أن رجوع الإنسان عن خطئه سبب للمغفرة من الله، فلا تصر على موقفك الخاطئ -يا عبد الله- إذا تبين لك أنك مخطئ، فلا تكابر، ولا تركب رأسك، ولا تظنن أن العودة عن الخطأ والاعتذار أنه ضعف ومهانة، كلا، بل إنه عز ورفعه، ألم تر أن الله قال: فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ سورة البقرة:226، إنه أفضل ولا شك من الاستمرار في الخطأ والمعاندة.

إن حقوق العباد لا تضيع عند الله، قال عز وجل: وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ إن رجعوا إلى الزوجات، فالله غفور رحيم، وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ أي: قصدوه، فماذا؟ قال: فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ سورة البقرة:227، وإنْ: هذه شرطية، عَزَمُواْ: فعل الشرط، فأين جوابه؟ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ إذا قصدوه، وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ، فليوقعوه، هذا جوابه محذوف، تقديره: فليوقعوه، وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ، فليوقعوه، فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ لأقوالهم، عَلِيمٌ بنياتهم سبحانه وتعالى، وفي هذا دليل على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأشهر الأربعة للذي امتنع عن زوجته، وقد ثبت عن عبد الله بن عمر أنه قال: "إذا آل الرجل من امرأته لم يقع عليها الطلاق، وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف" عند انتهائها يوقف عند القاضي، "فإما أن يطلق، وإما أن يفي" يرجع على معاشرة زوجته رواه البخاري.

فإن رفض الطلاق أجبره القاضي عليه؛ لأنه لا يجوز تعليق الزوجة، إنه ظلم في الإسلام، والطلقة تكون رجعية عند جمهور العلماء، فله أن يراجع زوجته في العدة، وقد قال عز وجل في آخر الآية: فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ لأقوالهم من الإيلاء والطلاق وغيره، عَلِيمٌ سورة البقرة:227بنياتهم وأحوالهم، وفي هذه الآية الكريمة أن الطلاق بيد الزوج لقوله: وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ سورة البقرة:227.

وفيها أن الإيلاء بعد الأربعة أشهر حرام؛ لأن الله لا يرضى بالظلم، وفي الآية أن الله لا يحب الطلاق؛ لأنه قدم الفيئة عليه قال: فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌسورة البقرة:226-227، قدم الرجوع عليه، وأن الرجوع إلى الزوجة أحب إلى الله من الطلاق؛ لأن الله ذكره أولاً، وقال بعده: غَفُورٌ رَّحِيمٌ، والمغفرة للرحمة للذي يرجع إلى زوجته هو الأحسن، والجزاء من جنس العمل، وفيها أنه لا يجوز للزوج أن يتأخر عن وطء زوجته أربعة أشهر إلا برضاها، كما لو أذنت في السفر في طلب الرزق، أو حصول الأمر الطارئ، ونحو ذلك.

أحكام الطلاق في القرآن:
00:09:28

ثم قال عز وجل آيات بينات تنظم المجتمع والعلاقات، آيات لو تحاكم إليها الناس لزالت الشرور والأحقاد بينهم، ولعرفوا كيف ينظمون أمورهم.

وَالْمُطَلَّقَاتُ، التي أوقع عليها زوجها الطلاق ما هي عدتها؟ كم فترة الانتظار التي تبقى فيها للنظر ومراجعة الحال، فقد يراجعها زوجها، فتعود إليه زوجة كاملة، وقد يترك العدة تنقضي، فتخرج من عصمته، والمطلقات أنواع، وفي هذه الآية بيان حال المطلقة الحرة -وليست الأمة المدخول بها، وليست غير المدخول بها-، غير الحوامل، -وليست الحامل-، من اللائي يحضن -وليست الكبيرة أو الصغيرة التي لا تحيض-؛ لأن أولئك الأنواع قد بينتها آيات أخرى، ولم يترك ربنا شيئاً.

قال: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ، ينتظرن، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ يحبسن أنفسهن في العدة، لا يمكن إحداث زواج جديد، ولا خطبة، إنها مدة انتظار، وتروي، وتقليب الأمور، وتفكير، وإمعان، وبعد نظر، وتدبر في المآلات والعواقب.

إنها رحمة ربانية، إنها شيء كبير يريده سبحانه وتعالى في هذه العدة، وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَهناك فترة تربص لا بد منها، يَتَرَبَّصْنَإنه أمر لهن، ينتظرن في العدة، كم؟ قال: ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ، ثلاث حيضات، وهو قول: أبي حنيفة وأحمد، وكثير من العلماء، وقال آخرون: أطهار، ويدل على أن الأقراء هي الحيضات قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها لما شكت إليه الدم -يعني النزيف- المستمر قال: (إذا أتاك قرؤكِ فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري، ثم صلي ما يبن القرء إلى القرء)[رواه النسائي (211)]رواه النسائي، فهذا الحديث الصحيح يبين أن القرء هو الحيضة.

ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍيعني: ثلاث حيضات، هذه فترة التربص، وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّلهؤلاء المطلقات أَن يَكْتُمْنَيخفين ويوارين، مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ، ماذا يوجد في الرحم؟ دم حيض، أو جنين، حمل، وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فإذا كانت تؤمن بالله، وتخاف الله، وتخشى عقابه في اليوم الآخر فلا تكتم هذا، إن كتمان خطير جداً، ولذلك أغراهن بالتزام الحكم بقوله: إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، إن كن صادقات بالإيمان بالله واليوم الآخر، فإن كثيراً من الناس يقول: أنا مؤمن بالله واليوم الآخر، لكنه كاذب منافق، أو إيمانه ناقص فهو فاسق.

إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِفلا يكتمن أمر الحمل، أو حقيقة الحيض، فلا يجوز للمطلقة أن تقول: إني حائض، وليست بحائض، أو إني حبلى، وليست بحبلى، أو إني حائل -لست بحامل-، وهي حامل، لا يجوز لها ذلك.

ثم قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ، أزواج المطلقات، البعل هو السيد المالك في اللغة، ومعنى ذلك أن للزوج سيادة على زوجته وملك، فهو ملك عليها، وَبُعُولَتُهُنَّأزواج المطلقات أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّأولى، حتى لو ما رضيت، حتى لو ما وافقت، حتى لو كرهت، حتى لو رفضت الرجعة، وهي في العدة، لا تريده؟ حتى لو كان ذلك؛ لأن الله قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّيعني: حتى من أنفسهن، وحتى من وليها، وحتى من أهلها: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّهذا الفعل، هذه الصيغة في أفعل التفضيلأَحَقُّأولى، والقضية قضية حق،أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّبإرجاعهن فِي ذَلِكَالآية، قال سبحانه وتعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا، ما معنى فِي ذَلِكَ، وبعولتهن أحق بردهن وإرجاعهن، وإنهاء العدة أثناء العدة بردهن وإرجاعهن، فِي ذَلِكَيعني: في فترة العدة، ثلاثة قروء للتي تحيض، أو مدة الحمل حتى تضع الحمل إن كانت حاملاً، أو ثلاثة أشهر إن كانت كبيرة لا تحيض أو صغيرة، هذه فترة العدة، وغير المدخول بها لا عدة لها، إذن أثناء العدة هو أحق بردها، وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَفي تلك العدة، في ذلك الوقت الذي تتربص فيه، وتنتظر، وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ، في زمن عدة الطلاق الرجعي، لو كان الطلاق الأول أو الثاني، فِي ذَلِكَ.

لكن الله تعالى لم يترك الإرجاع هكذا مطلقاً دون تقييد، بل قيد ذلك بقيد، متى يكون الزوج أحق برجعة زوجته وإنهاء العدة؟ متى يملك الرجعة؟ متى يصح أن يرجع؟ متى يكون رجوعه صحيحاً شرعاً؟ قال: إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا، وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا، إذن المسألة مشروطة، مشروطة بماذا؟ بإرادة الإصلاح، ما هو الإصلاح؟ المعاشرة بالمعروف، إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا، فإن له أن يعيدها أن يقول: راجعتك، ويشهد على ذلك، ولذلك ذكر الله تعالى بحقوق الزوجة هنا في هذا الموضع، فقال: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، الله أكبر! وسبحان الله! كم في هذه اللفظة القصيرة، الجملة الوجيزة من الفوائد والعظات والبيان، إنه تنزيل رب العالمين، من الذي يستطيع أن يأتي بمثل ذلك؟ لا أحد، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ! سبحان الله ما أوجزها! سبحان الله ما أعظمها من عبارة! وَلَهُنَّللزوجات من حقوق مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّمن حقوق الأزواج، بِالْمَعْرُوفِالذي عرفه الشرع، وتعارف عليه الناس، من النفقة والكسوة، والمعاشرة الطيبة، والمعاملة الحسنة.

بِالْمَعْرُوفِكلمة واحدة توجز مادياً ومعنوياً، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ثم قال تعالى مبيناً حق الزوج أيضاً: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وللرجال، للأزواج هؤلاء عَلَيْهِنَّعلى زوجاتهم دَرَجَةٌ، إذن يفوقها في أي شيء؟ يعلوها بدرجة، في أي شيء؟ في العقل، فهذا هو الغالب، وقوة الخلقة، وهذا هو الغالب، وعظم الحق، أنه حقه أعظم، فأراد أن يذكرها بعظم حقه عليها، وقد أوجبنا عليه كذا وكذا، فالآن أنت منك في المقابل التذكر لنعمته وحقه، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌرغم أنف دعاة مساواة الجنسين -قاتلهم الله-، والله لو كانوا يفقهون ما قالوا بالمساواة، أخذهم الله فلو كانوا يعقلون ما جاهروا بهذا المنكر الفظيع، كل من يقول بالمساواة بين الجنسين متمرد على قول الله: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، كل من يقول بالمساواة بين الجنسين من الشرقيين والغربيين والأوسطيين متمرد على شرع الله، منكر جاحد مكذب لا يرضى بقوله: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، لا يمكن المساواة بين الجنسين، لا عقلها مثل عقله، ولا جسدها مثل جسده، ولا قدراتها مثل قدراته، ولا الذي يجب عليها مثل الذي يجب عليه، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، الله هكذا خلق البشر، ولا اعتراض على حكمته في خلقه، هكذا فاوت بين الجنسين، وهكذا جعل للرجال عليهن درجة، أقوى وأعقل منها -هذا في الغالب-، وأحكم وأقدر على الكسب، وحتى مجتمعات الانحلال الرجال يفوقون النساء في سوق العمل، في الأعمال والتجارات، في المهن المختلفة، في العموم والجملة؛ لأن جعل الرجل هو الذي يكسب، وهو الذي يعمل ليأتيها بنفقتها، فإذا خالفوا شرع الله شغلوا النساء، وتركوا الشباب في بطالة، إذا خالفوا شرع الله فتحوا مجالات العمل للنساء، وتركوا الرجال يهيمون في الشوارع بأوراقهم لا يجدون وظائف، هل يظنون أن الوظائف هائلة جداً في العدد، فتشغَّل كل القطاعات في المجتمع؟ لو قيل للنساء: بأن يقدن السيارات غداً، فماذا سيحدث في عدد السيارات في البلد؟ ماذا سيحدث عند إشارات المرور؟ تريد سيارة لتقودها أليس كذلك؟ تقفز عدد السيارات؟ وبغض النظر الآن عن هذه القضية: لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌفي التحكم والسيطرة، وقوة الأعصاب والعقل، والقوة الجسمية والعضلات، والقوة على الكسب وتحصيل الرزق، وبُعد النظر في الأمور والخبرات، في الجملة وليس واحدة بواحد، ليست المقارنة فلانة بفلان، في الجملة وللرجال عليهن درجة، قد توجد امرأة أذكى من رجل، وقد توجد امرأة أقوى من رجل، رأيت امرأة تقود زوجها في زحام الجمرات، وتوسع له الطريق، قد يوجد، لكن في الجملة، والحكم في الشريعة للأعم الأغلب، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وَاللّهُ عَزِيزٌغالب ذو عزة منتقم ممن عصاه حَكُيمٌسورة البقرة:228ذو حكمة بالغة في أمره وشرعه وقدره، وفيما حكم به بين الزوجين.

وفي هذه الآية: أن المطلقات مؤتمنات على ما في أرحامهن، وأن المرجع إلى الزوجة في معرفة انقضاء عدتها بالحيضات والأطهار، وفيها التخويف باليوم الآخر، والتهديد به على قول خلاف الحق، وأن يقال لمن يُخشى أن يقول الكذب: اتق الله، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فاخش الله، لا تقل غير الحق، وأن الواجب على المطلقة وغيرها الإخبار بالحق من غير زيادة ولا نقصان، وأنه يجب التحري في قول الحق خصوصاً إذا تعلقت به حقوق الآخرين، وفيها مقاومة النفس في أغراضها الخبيثة، فقد تريد المطلقة أن تتخلص من الزوج بسرعة، فتكذب عليه في عدد الحيضات ومرورها قبل أن تنقضي العدة الحقيقية؛ فتفوت عليه حقه الشرعي في مدة المراجعة، وقد تدعوها نفسها بالعكس إلى إطالة مدة العدة كذباً، فيتضرر الزوج بالإنفاق على من لا يجب عليه الإنفاق عليها، وقد تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر تتزوجه من بعده، ونحو ذلك من الأغراض الخبيثة.

وسمى الله المطلق بعلاً وزوجاًَ، دليلاً على أن العلاقة في أثناء العدة لا زالت علاقة زوجية حتى بعد الطلاق الرجعي؛ لأنها لا زالت قائمة، وفيها إعطاء كل من الطرفين حقوق الآخر، وجعل الله في هذه الآية السيادة للرجل، ولذلك لا يقال: سيدات أعمال، ولا السيدة فلانة، ولا السيدات؛ لأنه لا سيادة للمرأة على الرجل، قد يقال: هذه سيدة العبد فهي تملكه، لكن لا يقال: السيد فلان، والسيدة فلانة، وسيداتي وسادتي، وسيدات؛ لأنه لا سيادة للمرأة على الرجل، فأين الذين يعقلون؟ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.

وأن الرجل له حقوق واحترام بسبب عقله وإنفاقه، ومعاناته الهموم والغموم، والشدائد والأهوال في كسب العيش، وطلب الرزق، وأن الشارع فرَّق بين الذكر والأنثى، فلا سبيل للقول بالمساواة بينهم، فروق في الشهادة -شهادة المرأتين بشهادة رجل-، فروق في الميراث: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِسورة النساء:11في أغلب الأحوال، والدية -دية المرأة نصف دية الرجل-، والإمامة، فلا بد أن يكون إمام المسلمين رجلاً ذكراً، وليس امرأة

 

الرجل له حقوق واحترام بسبب عقله وإنفاقه، ومعاناته الهموم والغموم، والشدائد والأهوال في كسب العيش، وطلب الرزق، وأن الشارع فرَّق بين الذكر والأنثى، فلا سبيل للقول بالمساواة بينهم، فروق في الشهادة -شهادة المرأتين بشهادة رجل-، فروق في الميراث: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِسورة النساء:11في أغلب الأحوال، والدية -دية المرأة نصف دية الرجل-، والإمامة، فلا بد أن يكون إمام المسلمين رجلاً ذكراً، وليس امرأة

 

، والقضاء وإمامة الصلوات في المسجد؛ لأن بعض الأغبياء اليوم من الذين يريدونها ديمقراطية يقولون: نريد الخطابة حرة يتكلم الإمام والمأمومون، ولماذا يستمع الجميع لرجل واحد؟ ولماذا لا تكون امرأة هي التي تخطب الجمعة؟ يا أيها الرجال، يا أيها الاستبداديون، لماذا لا تكون خطيبة الجمعة امرأة؟ والقضاء لا بد في الشريعة أن يكون القاضي رجلاً، والتعدد، فالرجل يتزوج أكثر من امرأة في الوقت نفسه لا تفعل ذلك المرأة، ولا يحل لها.

وجعل الطلاق بيده، وليس بيد المرأة، والرجعة من حقه، وليست المرأة هي التي تراجع، وغير ذلك من الأحكام إنه دليل على الفروق بين الرجل والمرأة.

اللهم إن نسألك أن تفقهنا في ديننا، وأن تجعلنا مستمسكين بشريعتك يا ربنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم إنا نسألك أن تعافينا وتعفو عنا يا رب العالمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم صل وسلم، وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى أزواجه وذرياته الطيبين، وعلى خلفائه، وأصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أشهد أنه رسول الله حقاً، والداعي إلى سبيله صدقاً، اللهم ارزقنا شفاعته، وأوردنا حوضه، واجعلنا من آله يا أرحم الراحمين.

ولهن مثل الذي عليهن:
00:26:54

عباد الله، تلك الآيات العظيمة التي تحكي كيف تكون العدة، وتحث على حسن معاشرة المرأة، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِسورة البقرة:228، قال ابن عباس رضي الله عنه فيما صح عنه: إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِسورة البقرة:228، وفي هذه الآية أن الدرجة التي للرجال على النساء هي التفضيل الدنيوي في الخلقة والطبيعة، فجعل الرجل أقدر على الكسب للإنفاق على المرأة، أما في الآخرة فالدرجات عند الله بحسب الإيمان والعمل الصالح، فقد تفوقه زوجته في الجنة، قد يفوق كثيراً من الأزواج زوجاتهم في الجنة، وتكون درجتها في الجنة أعلى من درجته، وأجرها أكبر من أجره، وثوابها أكثر من ثوابه، إذن لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌسورة البقرة:228هذا في الدنيا، هذا في الخلقة، هذا في الطبيعة، أما في الآخرة، فإنهم درجات عند الله بحسب الإيمان، والعمل الصالح، وفي هذا بيان الحقيقة للمرأة حتى لا تتمرد، فيقال لها: إنه شيء في الخلقة والطبيعة والفطرة أراده الله، سلمي واستسلمي، أما في الآخرة فليس زوجك بالضرورة أن يكون له درجة عليك، فقد تكونين فوقه يوم القيامة، وفي الآية أن حق الرجعة للزوج مشروطة بإرادة الإصلاح والائتلاف والالتئام مع زوجته، وليس الإضرار، فلو أراد الزوج الإضرار، فطلقها، وترك العدة تمضي حتى إذا قاربت الانقضاء ردها لا لحاجة له فيها، ولا يريدها، ولكن يرجعها لقصد المضارة، وهكذا إذا اشتد الحال طلق مرة ثانية، ثم إذا أوشك العدة على الانقضاء ردها لا لحاجة إليها، ولا يريدها، ولكن لكي يضار بها لتدفع له المهر مرغمة، وتضطر إلى المخالعة، فهذا إضرار محرم لا يجوز، هذا الإرجاع حرام على الرجل في هذه الحالة، يقول: لا أريدك، وأبغضك، ولكنني أردك لأمنعك من أن تتزوجي بآخر، ولا تظني بأنني سوف أترك لك الحبل تفعلين ما تشائين في نفسك حتى لو بالمعروف، فهذا الظالم وإرجاعه للمرة حرام.

بعولتهن أحق بردهن:
00:30:01

وهكذا عرفنا من الآية أن المطلقة الرجعية لا تزال زوجة، لها حق النفقة والسكنى لقوله: وَبُعُولَتُهُنَّسورة البقرة:228أزواجهن، وفي هذه الآية أن من تشبه من الرجال بالنساء، وخالف فطرة الله، فإنه يطعن في رجولته، ودرجة تفضيله، فلو لبس الحلق، وتشبه بالنساء في إزالة الشعر، والنعومة والملابس، والشكل والهيئة، والحُلِيِّ ولَبَس السلاسل، ولَبَس الذهب، فهذا مشكوك في رجولته، لماذا؟ لأن الله قال: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌسورة البقرة:228، فإذا تشبه الرجل بالمرأة فأين الدرجة؟ ناقصة، فكل متشبه من الرجال بالنساء يطعن في الدرجة، يطعن في رجولته، ويطعن في درجة تفضيله، وفي الآية أن كلاً من الزوجين يجب عليه الحقوق، أداء الحقوق، ما يناسبه من الحقوق للآخر، فكما أنه يليق بالرجل أن ينفق، فكذلك يليق بالمرأة أن تخدم، وهذا الرجوع -يا عباد- يكون بلا ولي ولا شهود في الطلاق الرجعي أثناء العدة، فلا حاجة للولي، ولا للعقد، ولا للشهود، إنه مجرد رد، وليس بعقد، وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّسورة البقرة:228، ولا يشترط فيه رضا الطرفين؛ لأن الله قال: أَحَقُّ، ولا موافقة الأهلين، وإنما رغبة الزوج إذا أراد إصلاحاً.

إن تلك الآيات العظيمة في تلك السورة العظيمة هي عظيمة في أحكامها، عظيمة في بلاغتها، وينبغي أن يقف عندها المؤمنون خصوصاً وأن الله مدح الذين يفهمون هذه الآيات، لما قال بعدها بآيتين: وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَسورة البقرة:230، فإذن إذا أردنا أن نكون من الذين يعلمون، فلنتأمل ولنتفقه فيما ذكره ربنا سبحانه وتعالى.

اللهم أصلح الأزواج والزوجات، والبنين والبنات، وطهر البيوت من المنكرات.

1 - رواه البخاري (5289)
2 - رواه النسائي (211)