الثلاثاء 18 محرّم 1441 هـ :: 17 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

السنة ليست قضية هامشية


عناصر المادة
الخطبة الأولى
محبة النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان
كيف أحبوه؟
النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم
المدعون لمحبته
الخطبة الثانية
نماذج من إحياء الصحابة للسنة ونشرهم لها
الخطبة الأولى
00:00:00

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

محبة النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان
00:00:27

فيا مسلم، يا عبد الله، هل تحب رسول الله ﷺ حقاً؟ من أركان ديننا ودعائم ملتنا وأساسات عقيدتنا محبة النبي ﷺ: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ سورة التوبة24 كفى بهذه الآية حظاً وتنبيهاً ودلالة وحجة على لزوم محبته ﷺ وفرضيتها، لقد قرع الله تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وتوعده تعالى بقوله: فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِه ثم فسقه في نهاية الآية وأعلمه أنه إذا كانت نفسه وأهله وماله وتجارته أحب إليه من الله ورسوله، قال: وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين.

محبة رسول الله ﷺ متفرعة عن محبة الله تعالى، نحن نحبه لأن الله يحبه، ونحن نحبه لأن الله أرسله، ونحن نحبه لأن الله قرر أنه أولى بنا من أنفسنا: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ سورة الأحزاب6 هل تدرون ما معنى هذه الآية؟ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ سورة الأحزاب6 الأولوية معناها أن يكون النبي أحب إلى العبد من نفسه، أن يكون النبي ﷺ أحب إلى العبد من نفسه؛ لأن الأولوية أصلها الحب، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم للنبي ﷺ، وإيثارهﷺ على النفس والأهل والمال، ألا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً، بل للرسول ﷺ الحكم على نفسك يا عبد الله، حكمه ﷺ علينا أعظم من حكم السيد على عبده والوالد على ولده، فليس لنا في أنفسنا تصرف قط إلا ما تصرفه فيها النبي ﷺ بوحي من الله، فينبغي على كل مسلم أن يبرهن لنفسه على محبته للنبي ﷺ.

 ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما [رواه البخاري16] فلا يمكن أن يجد المؤمن حلاوة الإيمان إلا بهذا، فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين [رواه البخاري14]،  حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده  ولذلك قال النبي ﷺ لأصحابه لما قال هذا الكلام قال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك  فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر [رواه البخاري6632]رواه البخاري، تقديم محبة الرسول ﷺ على محبة النفس، ونفي الإيمان عمن قدم هواه على محبة النبيﷺ، وإثبات أنه لا يؤمن الواحد منا حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به محمد ﷺ.

محبة ليست عاطفة قلبية فقط، وإنما لها نتائج وآثار، محبة تبلغ بالعبد منازل لم يكن بالعمل واصلاً إليها، تحمله إلى درجات في الجنة لا يصلها بأعماله، محبة الله ورسوله تحمله إليها، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: وما أعدت لها؟  ليس المهم الآن معرفة متى تكون الساعة فإنه لا يعرفها إلا الله، لكن المهم، صرفه إلى المهم بسؤال مقابل السؤال، فقال: وما أعدت للساعة؟  قال: حب الله ورسوله، قال: فإنك مع من أحببت ، قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي ﷺ: فإنك مع من أحببت ، قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.[رواه البخاري3688 ومسلم2639]رواه البخاري.

كيف أحبوه؟
00:06:18

كيف أحب الصحابة النبي ﷺ؟

لقد أحبوه حباً عظيماً، حتى كان أحدهم يجعل نحره أمام النبي ﷺ لتصيبه السهام، ويترس عليه بظهره، ويقولون له: فداء لك أبي وأمي، بعد أن يفدونه بأنفسهم يفدونه بآبائهم وأمهاتهم.

"ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن لأملأ عينيَّ منه" كما قال عمرو بن العاص في الحديث الذي رواه مسلم رحمه الله تعالى.

"كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ" كما قال علي رضي الله عنه.

"لما أخرج خبيب لقتله فقيل له: أنشدك الله أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وإنك في أهلك سالماً؟ قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي".

قال أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً" ﷺ.

وهكذا أثرت المناظر والمشاهد في الكفار فكانت مقدمة لإسلام كثير منهم:

جاء رجل من الأنصار إلى الرسول ﷺ فقال: لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت، وبكى الأنصاري، فقال له رسول الله ﷺ: ما أبكاك؟  قال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك، فكيف نراك وأنت فوقنا ونحن تحت؟ حتى في الجنة لوعة لعدم رؤية الحبيب ﷺ ظنها ذلك الصحابي، فلم يخبره النبي ﷺبشيء، فأنزل الله عز وجل على رسوله ﷺ: وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا *ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِسورة النساء69-70[رواه البيهقي في الشعب1317]حديث حسن بمجموع طرقه.

لما كانت المرأة تنتظر على باب المدينة عودة الجيش من أحد فتخبر بأن زوجها وأخاها وأباها كلهم قد قتلوا، تقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فيقال لها: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، فتقول: أرونيه حتى أنظر إليه -لأتأكد أنه سالم- فلما يشار إليه ﷺ تقول المرأة: "كل مصيبة بعدك جلل" ولذلك فإن أعظم مصائب الأمة هي وفاة النبي ﷺ؛ ولذلك أرشدنا إذا أصابت الواحد منا مصيبة أن يذكر مصيبته بالنبي عليه الصلاة والسلام فيعزي نفسه بذلك.

من علامات محبة النبي ﷺ: كثرة ذكره، والصلاة عليه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا سورة الأحزاب56 وشرعت الصلاة عليه في مناسبات كثيرة، كثيرة جداً: في الدعاء.

"جاء أبي فقال: يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت  قلت: الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير ، قلت: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير ، قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير ، قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك [رواه الترمذي2457]قال ابن القيم رحمه الله: سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية رضي الله عنه عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي ﷺ: هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه؟ فقال: إن زدت فهو خير لك، وهكذا، حتى صار دعاؤه بين هذا كله بدلاً من أن يكون مطالب أن يكون كله مطلباً واحداً وهو الصلاة على النبي ﷺ.

إن من آيات المحبة للنبي ﷺ بالنسبة لنا الآن بعد وفاته تمني رؤيته والشوق إلى لقائه: والذي نفس محمد بيده ليأتين أحدكم يوم لا يراني ثم لئن يراني معهم أحب إلي من أهله وماله [رواه مسلم2364]، وقال ﷺ: من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله [رواه مسلم2832]رواه مسلم، لو فقد أهله وماله مقابل رؤية النبي ﷺ، وهل هي قليلة أن يصبح الإنسان صحابياً مغفوراً له رضي الله عنه؟ هل هي سهلة؟ يفقد أهله وأمله وأنه يراني؛ ولذلك كان أهل اليمن من الأشعريين لما جاءوا للمدينة قبل أن يدخلوا في الطريق، كانوا يرتجزون ممنين أنفسهم ومحدثيها بالأمر العظيم قائلين: غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه، يمنون أنفسهم بقرب اللقيا: غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه، ولما حضرت بلالاً الوفاة فبكت امرأته وقالت: واحزناه، قال: واطرباه، غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه. يلقاهم بعد الموت، مات على ما مات عليه نبيه ﷺ.

النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم
00:13:12

الدين النصيحة، من النصيحة النصيحة للرسول ﷺ، ما هي النصيحة للرسول ﷺ؟

قال محمد بن نصر المروزي: وأما النصيحة للرسول ﷺ في حياته فبذل المجهود في طاعته، ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده، والمسارعة إلى محبته، وبعد وفاته العناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه، وآدابه، وتعظيم أمره ولزوم القيام به، وشدة الغضب عمن يدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وحب قرابة أو صهر، وكذلك التشبه به في زيه ولباسه.

 
لنصح للنبي ﷺ توقيره وإجلاله، والمثابرة على تعلم سنته، والتفقه في شريعته، وبغض من أبغضه وحب من أحبه،
 

النصح للنبي ﷺ توقيره وإجلاله، والمثابرة على تعلم سنته، والتفقه في شريعته، وبغض من أبغضه وحب من أحبه، النصيحة للرسول ﷺ الإيمان به وبما جاء به، والتمسك بطاعته ونشر سنته ومعاداة من عاداها وموالاة من والاها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة البدعة؛ لأن المبتدعة يعملون خلاف السنة ويكيدون السنة فيجب علينا أن نبغض المبتدعة إذا كنا نحب النبي ﷺ، من محبته حب من يحبهم ﷺ، إذا كان يحب حسناً وحسيناً فنحن نشهد الله على حب الحسن والحسين، وإذا كان أحب آل بيته علياً وفاطمة فنحن نشهد الله على حبهم محبة أهل دينه وأوليائه وأهل سنته، محبة آله الذين أوصانا بهم في خطبته المشهورة قال: أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم هذين الثقلين -ماهما؟-: كتاب الله فيه الهدى والنور -فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال- وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ، قيل لزيد: من أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قيل: ومن هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قيل: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.[رواه مسلم2408]ولذلك جعل لهم نصيب من بيت المال لأنهم لا يجوز أن يأخذوا من الزكاة.

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا سورة الأحزاب56 لما طبقت الآية قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد [رواه البخاري3370]، فنحن نصلي عليهم في صلاتنا وندعو يومياً لهم، والوصاية بهم أن نحبهم، فإذا عرفت أن فلاناً من الناس ثابت نسبه لآل البيت وليس مدعياً كذباً وزوراً كما ادعاه طوائف من الباطنية، إذا رأيت رجلاً صالحاً من آل البيت صاحب عقيدة سليمة ليس صوفياً، ولا منحرفاً، ولا مبتدعاً، إذا رأيت ولياً للإسلام من آل البيت فيجب أن تحبه مرتين: مرة لصلاحه ودينه وإيمانه، ومرة أخرى عظيمة لقرابته من الرسول ﷺ، هذه مسألة عظيمة، محبة آله والإحسان إليهم، وعدم إيذائهم، وإكرامهم لقرابتهم من النبي ﷺ.

ومحبة زوجاته: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْسورة الأحزاب6 أمهات المؤمنين: خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وسودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وزينب بنت خزيمة الهلالية، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي، وميمونة بنت الحارث الهلالية، رضي الله عنهن جملة نسائه التي دخل بهن إحدى عشرة، من محبته ﷺ محبتهن، والترضي عنهن، والكف عن إيذائهن.

ومن محبته ﷺ محبة أصحابه، والترضي عنهم، والأخذ بهديهم، ونقل علمهم، والاقتداء بهم، رضي الله تعالى عنهم.

المدعون لمحبته
00:18:35

أيها الإخوة، إن المدعين لمحبة النبي ﷺ كثيرون، حتى من أهل البدعة كثيرون يدعون المحبة النبوية، ثم يبرهنون على محبتهم بزعمهم بالشرك الأكبر والأصغر، وينادون بالبدع ابتداء من الموالد إلى قولهم: يا سيدي يا رسول الله يا سندي، ثم يناجيه ويناديه رغباً ورهباً ويطلب منه مغفرة ذنوبه وتثقيل ميزانه، ويظن أن مدحه بقصيدة البردة التي يقول القائل فيها:

فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم
 

ومن للتبعيض.

فماذا أبقوا لله إذن؟

إن لم تكن يا رسول الله آخذاً *** بيدي وإلا فقل يا زلة القدم
 

نسوا الله وصاروا يقولون: يا رسول الله يا سندي، الشرك الأكبر والأصغر، هذه محبة أم هذا هو الشرك الذي كان يبغضه ﷺ، ويقول لنا معلماً: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، ما قال: لا تطروني وسكت، وإنما نهى عن إطراء معين وهو الإطراء الشركي فقال: لا تطروني كما أطرت النصارى  [رواه البخاري3445] وبماذا أطرت النصارى المسيح ابن مريم؟ رفعوه فوق رتبته التي جعله الله فيها من عبد نبي جعلوه إلهاً يعبد من دون الله، وهكذا فعل الصوفية المنحرفون وغيرهم، أما أهل السنة فيبرهنون على محبة النبي ﷺ بطاعته واتباع سنته والأخذ بهديه، هذا هو اتباع السنة: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ سورة آل عمران31 اتباع السنة واجتناب البدعة، هذه هي المحبة الحقيقية للنبي ﷺ، وسنرى بعد قليل إن شاء الله نماذج كيف كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يحيون السنة ويحثون على السنة وينشرون السنة، ويحملون الناس على السنة، نسأل الله أن يرضى عنهم جميعاً.

اللهم اجعلنا من أهل سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اجعلنا متمسكين بها وآخذين بها وعاضين عليها بالنواجذ.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.

الخطبة الثانية
00:21:20

الحمد لله الذي أرسل رسوله ﷺ رحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو الذي أنزل الكتاب بالحق وبعث النبي الأمين رسولاً إلى الأميين، أشهد أنه رسول الله حقاً حقاً، والداعي إلى سبيله صدقاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعه سنته واقتفى هديه إلى يوم الدين.

نماذج من إحياء الصحابة للسنة ونشرهم لها
00:21:51

عباد الله، قال النبي ﷺ: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل [رواه مسلم50]رواه مسلم، عقلوا عن النبي ﷺ قوله: من رغب عن سنتي فليس مني [رواه أحمد22963]، وأحبوه وأحبوا سنته ونشروها بين التابعين، حتى قال قائلهم: "ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني" هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه ويدعو الناس إلا من خير.

 
عن حذيفة أنه رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: ما صليت، لو مت مت على غير سنة محمدﷺ"
 

قام الصحابة بنشر السنة وعلموها للناس ونصحوا من لم يفعل السنة، عن حذيفة أنه رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: ما صليت، لو مت مت على غير سنة محمد ﷺ"[رواه البخاري389] انتبه انتبه، انتبه ألا تطمئن في الصلاة وتعجل فيها وتسرق منها، "اطمئن في الصلاة وإلا تموت على غير سنة محمد ﷺ" رواه البخاري، وعن عكرمة قال: "صليت خلف شيخ بمكة صلاة الظهر فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة" لأن كل ركعة فيها خمس تكبيرات بعشرين وتكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من الثالثة ثنتين وعشرين تكبيرة في أربع ركعات صلاة الظهر، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: "ثكلتك أمك سنة أبي القاسم ﷺ" [رواه البخاري788]رواه البخاري، كيف تتهمه بالحمق وهو يطبق سنته ﷺ؟

وعن عبد الله بن عبد الله قال: كان يرى عبد الله بن عمر يتربع بالصلاة إذا جلس، قال هذا ففعلته، وأنا يومئذ حديث السن، رأيت ابن عمر إذا جلس في الصلاة يتربع فقلدته، فنهاني عبد الله بن عمر، فقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك -أنت تفعل التربع-، قال: "إن رجلي لا تحملاني"[رواه البخاري827]رواه البخاري، وذلك أن عبد الله بن عمر ذهب إلى خيبر فضربه اليهود بالليل ففدعوا يديه ورجليه، فصار غير قادر على تحقيق سنة الافتراش، فكان يتربع في صلاته، وهكذا المريض يفعل، فإذن كان ينبه على هذه السنة يقول: "إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك" ويعلم ذلك ولا يراه فرعاً غير مهم أو مسألة جزئية جانبية سطحية من الدين كما يقول بعض الناس.

وعن أبي الزبير أنه سمع طاووس يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي السنة، فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: "بل هي سنة نبيك ﷺ"[رواه مسلم536]رواه مسلم.

والسنة في القعود بين السجدتين الافتراش، هذا كان أكثر أمره ﷺ، وأحياناً كان يقعي، فإذا نصب قدميه فجلس على عقبيه ثانياً أصابعهما أحياناً فإن ذلك من السنة.

وعن شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة؟ -يعني مسافراً- إذا لم أصل مع الإمام -لأنه مع الإمام لا بد أن يتم- فقال ابن عباس: "ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ"[رواه مسلم688]رواه مسلم.

وعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ ووصفت صلاته، فاستكمل أربع ركعات -يعني أربعة ركوعات- في أربع سجدات في ركعتين، كل ركعة فيها ركوعان وسجودان، يقول الراوي: فقلت لعروة: إن أخاك يوم خسفت الشمس خسفت بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل الصبح" ركوع واحد في كل ركعة، قال: "أجل لأنه أخطأ السنة"[رواه البخاري1046] فلم يجد عروة إطلاقاً غضاضة أن يخطئ أخاه لأنه أخطأ السنة، والعذر لعبد الله أنها لم تصله، والحديث في البخاري.

وعن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب أي جهراً جهر بفاتحة الكتاب، جهر بفاتحة الكتاب في الجنازة، ثم قال في سبب الجهر مع أن الإسرار سنة قال: "ليعلموا أنها سنة"[رواه البخاري1335]، أن الفاتحة سنة. رواه البخاري.

وقال أبو جمرة الضبعي: "تمتعت عمرة متمتعاً بها إلى الحج، فنهاني ناس عن ذلك، فأتيت ابن عباس فسألته عن ذلك فأمرني بها، ثم انطلقت إلى البيت فنمت فأتاني آت في منامي فقال: عمرة متقبلة وحج مبرور -بشارة في الرؤية- قال: فأتيت ابن عباس فأخبرته بالذي رأيت فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم ﷺ"[رواه مسلم1242]رواه مسلم.

وقال إسماعيل بن أمية: قلت للزهري: إن عطاء يقول: تجزئه المكتوبة من ركعتي الطواف، فقال: السنة أفضل، لم يطف النبي ﷺ سبوعاً قط -أي سبعة أشواط- إلا صلى ركعتين، السنة أفضل وإن كانت المكتوبة تجزئ لكن السنة أفضل، ركعتان بعد الطواف، بعد كل طواف ركعتين، رواه البخاري.

وكان الصحابة يحملون الولاة على السنة حملاً: جاء ابن عمر في الحج إلى مخيم الحجاج فصاح عند سرادق الحجاج حين زالت الشمس يوم عرفة، صاح عند سرادق الحجاج، فخرج وعليه ملحفة معصفرة، فقال: مالك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، قال: هذه الساعة؟ قال: نعم، قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج، قال ابن ابن عمر: فسار بيني وبين أبي فقلت -الولد متعلم للسنة-: إن كنت تريد السنة فأقصر الخطبة -في الموقف في نمرة- وعجل الوقوف، فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك عبد الله قال: "صدق"[رواه البخاري1660]رواه البخاري.

وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجنا مع عبد الله رضي الله عنه إلى مكة ثم قدمنا جمعاً -أي مزدلفة- فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر أي: صلاها في أول وقت الفجر، ثم وقف حتى أسفر، ثم قال ابن مسعود: لو أن أمير المؤمنين، يعني عثمان رضي الله عنه، أفاض الآن في هذا الوقت، بالذات الآن، أصاب السنة، قال الراوي: فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان رضي الله عنه؟ توقيت واحد من صحابة دون اتفاق على الخروج في هذا الوقت اتباعاً للسنة.

وعن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها -وهي قاعدة- فقال: "ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ"[رواه البخاري1713] ابعثها قياماً مقيدة معقولة الرجل اليسرى، فإذا نحرت طاحت وسقطت ووجبت: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا سورة الحـج36.

وقال سائل لجابر بن عبد الله: عن المسح على الخفين عن مشروعيته، فقال: "السنة يا ابن أخي"[رواه الترمذي102]رواه الترمذي.

وكان إنكارهم على مخالفي السنة قائماً، فعن طارق بن شهاب قال: أول من قدم الخطبة قبل الصلاة، يعني في العيد وخالف السنة مروان، فقام رجل فقال لمروان: خالفت السنة، فقال: يا فلان ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، بالإنكار علناً أمام الناس على هذه المخالفة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأى منكم منكراً فلينكره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان [رواه مسلم49] لم يقتصر اتباع السنة على العبادات بل كان أيضاً في الآداب والعادات.

عن أنس بن مالك قال: "أتانا رسول الله ﷺ في دارنا فاستسقى فحلبنا له شاة، فأعطيت رسول الله ﷺ فشرب، وأبو بكر  عن يساره وعمر وجاهه وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ رسول الله ﷺ من شربه قال عمر: هذا أبو بكر يا رسول الله، يريه إياه، فأعطى رسول الله ﷺ الأعرابي وترك أبا بكر وعمر، وقال رسول الله ﷺ، يقول أنس: الأيمنون الأيمنون الأيمنون، قال أنس: "فهي سنة فهي سنة فهي سنة"[رواه مسلم2029]رواه مسلم.

في الزواج قال أنس: "من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً ثم قسم"[رواه البخاري5214].

وفي الطلاق اتباع السنة، قال العلماء، قال البخاري: وطلاق السنة أن يطلقها طاهراً من غير جماع ويشهد شاهدين، فمن طلق في حيض فهو مبتدع، ومن طلق في طهر جامع فيه فهو مبتدع، ومن طلق ثلاثاً معاً فهو مبتدع، وطلاق السنة أن يطلقها بعد أن يتبين حملها أو هي في طهر لم يجامعها فيه.

وخروج من الدنيا ماذا نقول في دفن للميت؟ عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال إذا وضع في اللحد: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ، وقال مرة: بسم الله وبالله وعلى سنة رسول الله ﷺ [رواه الترمذي1046]رواه الترمذي وهو حديث حسن، هذه سنة النبي ﷺ حرص عليها الصحابة في الكبير والصغير، ما قالوا: هذه سنة وليست بواجب، وهذا مستحب وليس بضروري، وهذه قضية فرعية جزئية لا نضيع من أجلها الأوقات، وهذه أمور تافهة، حرصوا عليها في الشكل في سنن الفطرة.. في اللحية.. في السواك.. في الثوب.. في كل شيء، أقاموا سنة النبي ﷺ، فهل من مقيم لها اليوم في نفسه وأهله وهندامه ومظهره وأولاده وبيته ومسجده وصلاته وسائر أحواله؟

اللهم أحينا على السنة، وأمتنا على السنة، وارزقنا حب السنة واتباع السنة، واجعلنا من أهل السنة، اللهم قاتل الكفرة والمبتدعين، اللهم انصر عليهم أهل السنة يا رب العالمين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء، والمنكر، والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه البخاري16 
2 - رواه البخاري14
3 - رواه البخاري6632
4 - رواه البخاري3688 ومسلم2639
5 - رواه البيهقي في الشعب1317
6 - رواه الترمذي2457
7 - رواه مسلم2364
8 - رواه مسلم2832
9 - رواه مسلم2408
10 - رواه البخاري3370
11 - رواه البخاري3445 
12 - رواه مسلم50
13 - رواه أحمد22963
14 - رواه البخاري389 
15 - رواه البخاري788
16 - رواه البخاري827
17 - رواه مسلم536
18 - رواه مسلم688
19 - رواه البخاري1046 
20 - رواه البخاري1335
21 - رواه مسلم1242
22 - رواه البخاري1660
23 - رواه البخاري1713 
24 - رواه الترمذي102
25 - رواه مسلم49 
26 - رواه مسلم2029
27 - رواه البخاري5214
28 - رواه الترمذي1046