الأربعاء 19 محرّم 1441 هـ :: 18 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

رباط الأخوة


عناصر المادة
الخطبة الأولى
نعمة الأخوة.
صفات الصاحب.
فوائد الرفقة الصالحة.
نماذج للأخوة الصادقة.
الخطبة الأولى
00:00:05


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. 

أما بعد:

نعمة الأخوة.
00:00:27

فإن الله سبحانه وتعالى قد امتن على المؤمنين فقال: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا سورة آل عمران103 فهذه الإخوة الإسلامية نعمة من الله على المؤمنين، إنه جو أليف وجماعة مؤمنة وعصمة مجتمعة، وقد قال النبي ﷺ:يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي [رواه مسلم1061]، وهكذا كان اجتماعهم بسبب النبي ﷺ، والإسلام دين الإخوة، ولذلك حرص النبي ﷺ في بداية الدعوة على إيجاد الرفقة الصالحة والجماعة المؤمنة، والأخوة بين أصحابه، وكان الالتقاء والاجتماع سبيلاً إلى ذلك، فكان يجتمع بأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم سراً بعيداً عن أعين المشركين، ولما هاجر آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، ورغب في مؤاخاة المسلم لأخيه المسلم

 

الإسلام دين الإخوة، ولذلك حرص النبي ﷺ في بداية الدعوة على إيجاد الرفقة الصالحة والجماعة المؤمنة، والأخوة بين أصحابه، وكان الالتقاء والاجتماع سبيلاً إلى ذلك، فكان يجتمع بأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم سراً بعيداً عن أعين المشركين، ولما هاجر آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، ورغب في مؤاخاة المسلم لأخيه المسلم

 

وذكر لنا سبباً من إظلال الله تعالى فقال:ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه [رواه البخاري660]، وقال ﷺ: إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي [رواه مسلم2566]. رواه مسلم، وقال النبي ﷺ  في مدح هؤلاء: إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى ، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموالاً يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس ، وقرأ هذه الآية: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَسورة يونس62[رواه أبو داود3527]رواه أبو داود وصححه الألباني.

عباد الله:

هؤلاء تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال، لم يكن سبب اجتماعهم سبباً مالياً، ولم يكن سبب اجتماعهم سبباً نسبياً، وإنما على دين الله ومنهج الله، هكذا تحابوا.

إن الاجتماع من أسباب الأخوة، وكذلك المجالسة، ولذلك قال: مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير [رواه البخاري2101]ففيه فضيلة مجالسة الصالحين، وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب.

وأوصى النبي ﷺ الإنسان إذا أراد أن يتخذ صاحباً فقال: الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل [رواه الترمذي2378]. وقال: لا تصاحب إلا مؤمناً [رواه الترمذي2395]، وهكذا يكون الإيمان هو الجامع بين هذين الروحين وهذين الشخصين، ويكون التفاني في الخدمة سبباً للقرب عند الله.  قال ﷺ: خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه [رواه الترمذي1944]. لقد عرف المنافقون قيمة الأخوة في المجتمع الإسلامي، وأدركوا عظمها وأنها من أكبر أسباب القوة ولذلك سعوا إلى فصم عراها وتقطيع أواصرها، فلما كان المهاجرون والأنصار في غزوة من الغزوات، كان رجل من المهاجرين لعَّاب فكسع رجلاً  من الأنصار  يمزح معه، كانت مزحة ثقيلة فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فلما نهاهم النبيﷺعن دعوى الجاهلية وقال: ما بال دعوى الجاهلية؟  قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال:  دعوها فإنها منتنة [رواه البخاري4905]مع أنهم تنادوا بأسماء إسلامية، يا للمهاجرين، يا للأنصار، ولكن لما كان النداء سبب العصبية والتفرق، واجتماع كل قوم لصاحبهم ضد الآخرين قال عنها:  منتنة .

ماذا فعل عبد الله بن أبي المنافق مستغلاً للموقف؟ قال: فعلوها، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، هو الذي قال: إنما مثلنا ومثل جلابيب قريش كقول، أي ذلك القائل الأول: سمن كلبك يأكلك، وهو الذي قال: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواسورة المنافقون7، وهكذا استعمل المثل في أقبح صوره لكي يصل في ذلك إلى فصم عرى الأخوة بين المهاجرين والأنصار، واستمر المنافقون في العمل على تفريق الصفوف، وكانوا وراء المؤامرة التي انتهت بمقتل عثمان رضي الله عنه، وكانوا وراء إثارة الخلافات بين الصحابة وإشعال نار الفتنة.

صفات الصاحب.
00:07:15

أيها الإخوة:

إن هذه الأخوة شيء عظيم والله، ولها صفات للصاحب والأخ، كما أوصى بعض الصالحين ابنه عندما حضرته الوفاة قال: يا بني إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، اصحب من إذا مددت يدك للخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سيئة سدها، فهذا صاحب سنة ليس بصاحب بدعة، وصاحب علم ليس بصاحب جهل، وصاحب خلق وليس بصاحب بذاءة، وصاحب دعوة وليس بصاحب خمول، فابحث عن هذه الصفات فيمن تؤاخيه.

عباد الله:

ونحن على مطلع هذا العام الدراسي واجتماع الأبناء برفقائهم والبنات بصاحباتهن ينبغي أن نتذكر هذا الأمر، وهكذا إتيان طلاب الجامعة، وعودة الناس إلى مكاتبهم وأماكن عملهم، تنقيح وتصحيح، تحليل وتفكير، من تصاحب؟ من هو صاحبك؟ لماذا الأخوة الإسلامية، لماذا؟

فوائد الرفقة الصالحة.
00:08:48

الرفقة الصالحة تعين المسلم على طلب العلم، وكانت الأوقاف توقف على مدارس العلم لكي يجتمع فيها طلاب الحديث والتفسير والفقه في سكن واحد، تعمل الأربطة لهم فيكونون إخواناً على درب الطلب، يتعلم من أخيه، يذاكر مع أخيه، يشجع أخاه، يؤز منهم الآخر لحلق العلم أزاً.

يتعلم المسلم في أوساط الإخوة الإيثار، وتقديم حاجة أخيه على حاجته، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌسورة الحشر9، كيف يتعلم الإنسان الإيثار وحده؟ هناك أخلاق لا يمكن تعلمها إلا مع الجماعة، لا يمكن تعلمها إلا مع الإخوة، لا يمكن تعلمها إلا بين الآخرين.

قال ﷺ يمدح الأشعريين الذين قدموا من اليمن إلى المدينة، قال: إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو- أي قل طعامهم- أو قل طعام عيالهم بالمدينة   يعني في الحضر أو السفر يطبقون هذا المبدأ، ما هو؟  جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم .[رواه البخاري2486]رواه البخاري.

إذن يقتسمون ما بينهم بالسوية، مع أن الواحد منهم ربما وضع كثيراً، والآخر وضع قليلاً، لكن الأخوة عند الشدة يجمعون ما عندهم كله ثم يقسمونه عليهم بالسوية، هذه الرفقة الصالحة، البيئة الطيبة، الجو الإيماني، الاجتماع الخيّر، الأصحاب والأحباب في الله إنهم رفقة صالحة تبصر الإنسان بعيوبه ليعمل على إصلاحها؛ لأن النبي ﷺ قال: المؤمن مرآة أخيه [رواه الترمذي1929]، هذا الحديث الحسن يبين أنه إذا رأى فيه عيباً أصلحه، نصحه، سدده، قومه، وهكذا، يتعرف المسلم من خلال إخوانه على عيوبه وأخطائه، ويقارن عمله بأعمالهم فيرى النقص فيحاول الاستكمال.

قال بعضهم: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أن وجهه وجه ثكلى، يعني من شدة بكائه وخشيته لله وخوفه منه كالثكلى التي مات لها الميت.

وهكذا أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله عز وجل.

اجتماع الإخوان في الله يزيد الإيمان، رؤية بعضهم لبعض تزيد الإيمان، إذا كانوا يجتمعون كما جاء في الحديث  تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه فالقصد هو الله، عبادة الله، التعلم، تعلم دين الله، الدعوة إلى سبيل الله، تطبيق منهج الله، التعاون على خدمة دين الله، الرفقة الصالحة تكسب المسلم كثيراً من الخبرات والتجارب، الرفقة الصالحة تملأ على المسلم حياته لا تبقي لديه فراغاً ليستغله شياطين الإنس والجن لإغوائه وإضلاله.

 

 

قال ﷺ: عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد [رواه الترمذي2165]،  عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية [رواه النسائي847]. حديث حسن.

وبالرفقة الصالحة يحفظك الله من هذا الاستيلاء الشيطاني، والإحاطة الجهنمية، والمذاهب الهدامة، والأفكار المنحرفة، والوساوس الخطيرة، هذه البيئة الصالحة التي تزيد الإيمان، فتحمي الإنسان من وساوس الشيطان، الرفقة الصالحة سبب للتعاون على البر والتقوى،وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى سورة المائدة2، وهذا التعاون لا يكون إلا بجماعة، لا يكون إلا بأناس بأخيار يتعاونون فيما بينهم.

وفي بناء المسجد تعاون النبي ﷺ مع أصحابه، جعل ينقلون الصخر ويرتجزون:

 

اللهم لا خير إلا خير الآخرة *** فاغفر للأنصار والمهاجرة
 

يقولها ﷺ جواباً لهم.

وفي حفر الخندق ينقلون التراب استعداداً للجهاد ومجابهة الأعداء، يقولون:

 

اللهم لولا أنت ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا *** وثبت الأقدام إن لاقينا

فإن الأولى قد بغوا علينا *** وإن أرادوا فتنة أبينا
 

ومن التعاون على الطاعات ما يفعله الرفاق الصالحون في إيقاظ بعضهم بعضاً لصلاة الفجر، والنبي ﷺ كان يكلف أشخاصاً بذلك، فمرة لما نزل مع أصحابه بشعب قال: من يحرسنا الليلة؟ عمل مزدوج، حراسة وإيقاظ لصلاة الفجر، وبينهما عمل ثالث وهو قيام الليل، من يحرسنا الليلة؟  فقام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فباتا بفم الشعب فاقتسما الليلة للحراسة، فنام المهاجري وقام الأنصاري، فجاء رجل من العدو فرأى الأنصاري فرماه بسهم فأصابه، فنزعه واستمر في صلاته، ثم رماه بثانٍ فصنع كذلك، ثم رماه بثالث فانتزعه وركع وسجد وقضى صلاته، ثم أيقظ رفيقه فلما رأى ما به من الدماء، قال له: لم لا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن لا أقطعها.[رواه أبو داود198]حديث حسن رواه أبو داود.

الرفقة الصالحة تفتح أبواب الخير أمام المسلم لتحصيل الأجر والثواب، هل تعلم يا عبد الله ما هو أجر زيارة المسلم لأخيه المسلم، أن يقطع المسافة لأجل ذلك؟

قال النبي ﷺ: أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته  أي على طريقه  ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟  كانت الملائكة في عهد بني إسرائيل تتمثل بصور الرجال  قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟  تقوم لإصلاحها وتنهض بسببها إليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل . في الله، ولذلك يقطع المسافات لزيارة صاحبه  غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك  كشف عن شخصيته الحقيقية، فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه [رواه مسلم2567]. قال النووي في هذا الحديث: فضل المحبة في الله تعالى، وأنها سبب لحب الله تعالى العبد، وفيه فضل زيارة الصالحين والأصحاب، وحصول التآلف بين المؤمنين الذي هو سبب لدخول الجنة؛ لأن النبي ﷺ قال: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا [رواه مسلم54]، وهذا شرط، والشرط مهم.

بعضهم يسافر من مدينة إلى مدينة فقط ليأتي إلى مسجد فيه أخ له في الله يسلم عليه ويقول: أتيت مسلماً زائراً أسأل عن حالك، ولا يطيل ثم يرجع مرة أخرى. زيارة في الله، ليست القضية إثقالاً ولا مفاجئة في وقت غير مناسب، ولا دخول في الوقت بالعرض، لكن التعبير كونه يأتي من بلد إلى بلد ليقول له هذه الكلمة: إني أحبك في الله وينصرف، فقط هذه الكلمة إنه شيء عظيم، هذا يمشي في سبيل الله، خطوات هذا في سبيل الله، ثم الإنسان مقصر مهما كان فإذا أحب الأخيار استفاد فائدة عظيمة جداً، عندما يأتي إلى مجالس الأخيار، هبه عاصياً، هبه مقصراً، هبه مفرطاً في حقوق الله، هذا عندما يأتي إلى مجلس الذكر ليرى إخوانه في الله أين الصالحون؟ أين أماكنهم؟ أين عناوينهم؟ لو قال: أين هم؟ نقول: عناوينهم في المساجد، اذهب إليهم في المساجد، الأخيار مكانهم المساجد، ابحث عنهم هناك، في هذا البيت وفي غيره من البيوت.

عندما يأتي ويجلس مع هؤلاء القوم وربما تكون حلقة علم لا يفقه فيها شيئاً، لكن يقول: أنا أريد البركة، هذا عندما تحف الملائكة أصحاب المجلس، وتقوم إلى الله تعالى تعرض العمل عليه، ماذا يقول الله لهم: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قالوا: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم [رواه البخاري6408].

 

أحب الصالحين ولست منهم *** لعلي أنال بهم شفاعة

وأكره من تجارته المعاصي *** ولو كنا سواءً في البضاعة
 

إذن صحبة الأخيار مفيدة في كل حال، لو لم ينلك إلا هذه المغفرة فماذا تريد؟

وهكذا يكون هذا الإخاء، وهذا التزاور وهذا الالتقاء وهذا الاجتماع سبباً للمغفرة. لماذا جلسوا؟ يمجدونه، يسبحونه، يحمدونه، لماذا جلسوا؟ يذكرون ما من الله عليهم من نعمة الإسلام.

وكذلك ينصح بعضهم بعضاً، ويدخل الأخ على أخيه السرور، أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي في حاجة هو أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد  يعني: مسجد المدينة الذي الصلاة فيه بألف صلاة، أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام [رواه الطبراني في الأوسط6026].

هذه الأخوة التي تزيد الإنسان عملاً في الخير والبر، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَسورة المطففين26.

نماذج للأخوة الصادقة.
00:21:56

لما اجتمع الصحابة، لما كانوا معاً إخوة كان الواحد ينافس الآخر في الخير بسبب هذا الاجتماع المبارك، قال عمر رضي الله عنه: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، ما سبقته ولا في أي يوم، لعلي اليوم أسبقه، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: ما أبقيت لأهلك؟  قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟  قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبداً.[رواه الترمذي3675].

وهكذا التنافس، كانوا يكونون في الليل في قيام الليل، يقوم الواحد يوقظ الواحد يصومون، يقتدي الواحد بالآخر، يقرؤون القرآن، يجتمعون عليه، واحد يقرأ والآخرون يستمعون.

وهكذا تكون الرفقة الصالحة بركة؛ لأنه ﷺ قال:  يد الله مع الجماعة [رواه الترمذي2166]، وقال: البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد والسحور [رواه الطبراني في الكبير6127]، الجماعة، الجماعة، البركة مع الجماعة. الاجتماع على الخير.

والناس أشكال كأشكال الطير، فانظر تقع على ماذا؟ تكتسب منهم خلقاً حسناً وتتباعد عن المعاصي وتحفظ وقتك من الضياع وينالك من الحماس للخير ما ينالك، وتتقرب إلى الله بخدمتهم، وهكذا كانوا يفعلون، لما كانوا يذهبون في السفر، كان أعلم شخص فيهم يشترط على الآخرين أن يخدمهم هو، كان الواحد منهم يشترط على الآخر أن يخدمه إذا ذهب معه في السفر، فمرة سافر رفقة فاشترط ذلك العالم أن يكون، فقالوا له: أنت الأمير، فكلما أراد أن يحمل شيئاً، قالوا: نحمل عنك، قال: أنا الأمير أطيعوني، فيحمل لهم أغراضهم، وإذا أراد وضع الطعام أرادوا أن يعينوا، قال: أنا الأمير اسمعوا كلامي، لا، ينهاهم، ويضع لهم الطعام بنفسه، وهكذا حتى قالوا: تمنينا أنا لم نؤمره.

تلك الأخوة التي جعلت أولئك النفر الثلاثة يموت الواحد منهم تلو الآخر يؤثر الآخر بشربة الماء ويحيل على صاحبه، والشربة تسير إلى الثاني والثاني يحيل على الثالث وهكذا حتى ماتوا جميعاً رحمهم الله.

ابن المبارك كان إذا خرج مع إخوانه من مرو للحج قال: هاتوا نفقاتكم فيأخذ نفقاتهم ويجعلها في صرر ويكتب على كل صرة اسم صاحبها، ويجعلها عنده في صندوق، ثم يخرج بماله هو معهم، فلا يزال ينفق عليهم بأطيب الطعام وأطيب الحلوى، ثم يصل إلى مدينة رسول الله بأحسن زي وأكرم مروءة مما ينفق عليهم، ثم يقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة، من طرفها؟ فيقول: كذا وكذا؟ فيشتريها لهم، ثم يأتون الحج، فيقضون الحج، ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول كذا وكذا، فيشتري لكل واحد منهم ما طلبه عياله، وبعدها إذا رجعوا إلى مرو عمل لهم وليمة بعد الرجوع وكساهم فإذا أكلوا وسروا دعا بالصندوق ففتحه فدفع إلى كل رجل منهم صرته عليها اسمه، وهكذا.

وفي ذات الوقت الذي ينفق فيه الأخ على إخوانه يتقرب إلى الله بأن يتحمل عنهم الطعام والكساء والهدايا فإنه يصبر على جفوتهم، لو جفوه.

كان طلحة أجود قريش في زمانه، فقالت له زوجته: ما رأيت قوماً ألأم من إخوانك، قال لها: مه، مه، ولم ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرت لزموك، إذا اغتنيت إذا زاد المال حفوك جاؤوك، وإذا أعسرت تركوك، انفضوا عنك إذا صرت فقيراً، فقال: هذا والله من كرم أخلاقهم، يأتوننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال عجزنا عن القيام بحقهم، يعني؛ لئلا يحرجونا. فانظر كيف تأول طلحة صنيع أصحابه، وحمله على هذا المحمل الحسن.

ودخل جماعة على الحسن وهو نائم فجعل بعضهم يأكل من فاكهة في البيت، فقال: رحمك الله هذا صنع الإخوان، فعلاً هكذا، هكذا صنع الإخوان، هكذا صنع الإخوان فعلاً لا يشعرون بالتكلف في بيت صاحبهم دون إيذاء بطبيعة الحال.

لست ممن إذا جفاه أخوه *** أظهر الذم أو تناول عرضاً

بل إذا صاحبي بدا لي جفاه *** عدت بالود والوصال ليرضى

أيها الإخوة هؤلاء الصالحون وهذه عبادة الأخوة في الله، إنها عبادة عظيمة فلنجتمع عليها ونسأل الله فضلها، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين يقومون بحقوقها، فإن حقوق الأخوة عظيمة، ونسأله تعالى في يومنا هذا أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يعلي كلمة الدين، وأن ينصر المجاهدين، وأن يقمع أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم زد اليهود عذاباً فوق العذاب، اللهم زدهم نكالاً يا رب العالمين، اللهم أثخن فيهم، اللهم أثخن فيهم، وأدر دائرة السوء عليهم، اللهم اجعلهم خائفين، اللهم اجعلهم من الفقراء الأذلين يا رب العالمين، امنح المسلمين أكتافهم وأموالهم، اللهم إنا نسألك أن تخزي الصليبيين وأن تجعل حملتهم عليهم دماراً، اللهم فرق شملهم وشتت جمعهم، اللهم إنا نسألك أن تنزل بهم بطشك يا جبار، اللهم تجبروا وتكبروا وأنت الواحد القهار، اللهم إنه لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء فنسألك أن تفرق شملهم، وأن تخالف بين كلمتهم وأن تنزل رجزك عليهم، اللهم أحبط خططهم وأفشلها يا رب العالمين، اللهم اجعل نصرنا قريباً وفرجنا عاجلاً، آمنا في أوطاننا ودورنا، وأصلح ذات بيننا، إنك أنت السميع العليم، سبحان ربك رب العزة عما  يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وقوموا إلى صلاتكم.

1 - رواه مسلم1061
2 - رواه البخاري660
3 - رواه مسلم2566
4 - رواه أبو داود3527
5 - رواه البخاري2101
6 - رواه الترمذي2378
7 - رواه الترمذي2395
8 - رواه الترمذي1944
9 - رواه البخاري4905
10 - رواه البخاري2486
11 - رواه الترمذي1929
12 - رواه الترمذي2165
13 - رواه النسائي847
14 - رواه أبو داود198
15 - رواه مسلم2567
16 - رواه مسلم54
17 - رواه البخاري6408
18 - رواه الطبراني في الأوسط6026
19 - رواه الترمذي3675
20 - رواه الترمذي2166
21 - رواه الطبراني في الكبير6127