الأحد 20 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 17 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

حرب الله لأكلة الربا


عناصر المادة
الخطبة الأولى
الربا حرب لله ولرسوله
الفوائد الربوية المركبة
خطورة الربا من السنة النبوية
تحريم الربا في الأديان السابقة
الخطبة الثانية
موقف المسلم من الربا وأهله
الخطبة الأولى
00:00:05

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء:1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا سورة الأحزاب:70-71،

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

الربا حرب لله ولرسوله
00:01:19

إخواني، لقد جاء الإسلام بالنهي عن موبقات عظيمة، وسميت موبقات؛ لأنها توبق مرتكبها، وتحل عليه سخط الله، وعذابه في الدنيا والآخرة، ولما فيها من الضرر الشنيع على المجتمع الإسلامي بل على الخلق كلهم في الدنيا، ولذلك جاءت أحاديث فيها التحذير من هذه الموبقات، منها حديث رسول الله ﷺ:  اجتنبوا السبع الموبقات [رواه البخاري (2767)]، ولذلك كان لا بد من التركيز على هذه الموبقات، والتفصيل فيها، حتى يحذر منها المسلمون، ويعلم العاقل من أين يؤتى، وما هو الخطر، وما مصدره.

ولقد تكلمنا في مرات ماضية عن أمور تتعلق بالشرك بالله عز وجل، وهو أحد الموبقات السبع، ونتكلم اليوم إن شاء الله عن موبقة أخرى من الموبقات، وهي موبقة عظيمة لا تعرف كبيرة من الكبائر جعل الله لها عقوبة مثل هذه الكبيرة، وهي موبقة الربا، وكبيرة الربا.

الربا من الكبائر بلا خلاف، ومن الأدلة على ذلك الحديث الذي ذكرناه آنفاً:  اجتنبوا السبع الموبقات ، وفي القرآن العظيم آيات رهيبة فيها تبيان للخطر العظيم، وعقوبة المرابي في الدنيا والآخرة، يقول الله عز وجل في سورة البقرة: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَسورة البقرة:275، ما معنى قول الله عز وجل: لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ؟.

هو كما ذكره المفسرون، وعلى رأسهم ابن كثير رحمه الله: أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبِّط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً، قال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق، وقد جعل الله هذه العلامة لآكل الربا، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون من هذا الربا الذي زاد في بطونهم، هذا شعار لهم يُعرفون به يوم القيامة من دون سائر الخلق، تُعرف هذه الطبقة التي تأكل الربا أنهم يقومون من قبورهم يتخبطون كالمصروع الذي صرعه الشيطان ومسه، ثم يكون العذاب من وراء ذلك.

الناس يوم القيامة يخرجون من الأجداث سراعاً، يخرجون من القبور مسرعين، وآكل الربا يحاول أن يسرع في خروجه ومشيه، ولكن الربا الذي أثقل بطنه وزاد فيها، وجعله أعظم من المرأة الحبلى يريد الإسراع فيسقط، فيصير مثل المتخبط من الجنون: لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، ثم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ سورة البقرة:278، إن كنتم مؤمنين اتركوا الربا، اتركوا ما بقي من الربا، وإن لم تكونوا مؤمنين فشأنكم وما تفعلون، فإن الوبال عليكم، وعاقبة الله تنتظركم في الدنيا والآخرة.

وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا أي: ذروا أموالكم عندكم الناس، اتركوا الزيادة فيها، وخذوا رؤوس أموالكم فقط، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ، وتمتثلوا لأمر الله عز وجل فماذا سيحدث؟ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ، هل هي حرب قتل وتدمير؟ هل هي حرب تجويع؟ هل هي حرب كوارث وزلازل؟ هل هي حرب أمراض وأوبئة؟ ما ذكر الله عز وجل نوع الحرب، فإذن هي عامة تشمل جميع أنواع الحرب التي يحارب الله بها العصاة، وأهل الربا، فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ، حرب من الله، وحرب من رسوله ﷺ في حياته، وبعد مماته حرب من نوابه القائمين على حراسة الشريعة.

وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ سورة البقرة:279، قال ابن عباس رحمه الله: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ سورة البقرة:275، قال: وذلك حين يقوم من قبره.

وفي قوله عز وجل: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ، قال ابن عباس رضي الله عنه: فمن كان مقيماً على الربا لا ينزع، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع -ترك الربا-، وإلا ضرب عنقه.

وقال قتادة في قول الله عز وجل: فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ: أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون، فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ.

وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْالأصلية، لاَ تَظْلِمُونَبأخذ الزيادة من الناس، وَلاَ تُظْلَمُونَسورة البقرة:279بترك رؤوس الأموال كلها، وتركها عند الناس، والله عادل، ولا يظلم ربك أحداً، فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَسورة البقرة:279.

وهذه الآية هي التي استدل بها الإمام مالك رحمه الله على أنها أعظم جريمة يعاقب بها الإنسان على ما يدخل بطنه، فإن الذي يدخل البطن من المحرمات أمور كثيرة، فمنها الخمر، ومنها الميسر، ومنها الرشوة، ومنها المقامرة، ومنها الربا.

جاء رجل إلى مالك بن أنس رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلاً سكراناً يتعاقر -يشرب الخمر، لعب الخمر في رأسه-، إني رأيت رجلاً سكراناً يتعاقر، يريد أن يأخذ القمر -الذي يشرب الخمر يذهب عقله يصبح مثل المجنون أضحوكة للناس، شرب الخمر يقفز إلى الأعلى يريد أن يأخذ القمر-، فقلت -لما رأيت المنظر، وتأثرت به-، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشد من الخمر، يقول الرجل: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشد من الخمر، يعتقد الرجل أن أشد ما يدخل جوف ابن آدم هو الخمر، فقال له الإمام مالك: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، عظيمة تحتاج إلى تفكير، فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، فلم أر شيئاً أشد من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب، يعني لم يأذن الله لشيء يدخل جوف الإنسان محرم بالحرب إلا بالربا: فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِسورة البقرة:279.

وقال الله في نهاية الآية التي تحرم أكل الربا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍسورة البقرة:276، هو المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع الله له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس.

الفوائد الربوية المركبة
00:10:57

وقال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَسورة آل عمران:130، قال ابن كثير رحمه الله كما كانوا يقولون في الجاهلية إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي -إما أن تعطيني الآن الدين الذي عليك بالفوائد، وإما أن أمهلك أكثر، وأزيد عليك الفوائد والربا-، فإن قضاه وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في القدر في الربا، وهكذا كل عامل  -يقول ابن كثير رحمه الله-، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً.

إذن فقضية الفوائد المركبة كانت معروفة من أيام الجاهلية، ونزلت هذه الآية في تحريمها، وتحريم ما سيأتي بعد ذلك من الظلمة الذين يأكلون أموال الناس، ومسألة الفوائد المركبة كما هو واضح لكل ذي لب يعرف الأمور هي من أسباب نكبة الدول -وليس الأفراد فقط-، وهذه مشاكل الدول الكبيرة تئن تحت خدعات جدولة الديون وإعادتها.

الخراب يحل بالعالم كله من هذه الجريمة الشنيعة، ولذلك -أيها الإخوة الله- عز وجل حكيم عليم يعلم ما يصلح للعباد، ويعلم ما يخرب العباد وأمور العالم، ولذلك يحرم أشياء، ويأمر بأشياء لما فيه صلاح البشرية كلها، أكبر مشكلة الآن تواجه العالم من التجويع، وإثقال الديون، مشكلة تعم الشعوب بأسرها قضية الربا.

وكل من يطالع الأخبار الاقتصادية في العالم يعلم أن الله حكيم خبير، يعلم أن الله عليم حكيم، يعلم أن الله علام الغيوب، ويعلم ما سيحدث في الأرض، وما هو الظلم الذي سيوقعه العباد بعضهم ببعض.

خطورة الربا من السنة النبوية
00:13:16

ويقول رسول الله ﷺ محذراً البلاد بالخراب إذا عمت فيها هذه الجريمة، يقول: إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله [رواه الحاكم (2261)]، والقرية تشمل البلدة كبيرة أم صغيرة، وقال ﷺ في الحديث الصحيح الآخر: ما ظهر في القوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله [رواه أحمد (3799)]، عقاب متنوع يأتي من كل جهة، يدع الحليم حيراناً، وقال ﷺ مبيناً شيئاً من خطر هذه الجريمة على من يتعامل فيها، ويتقاضاها:  لعن الله الربا، وآكله، وموكله، وكاتبه، وشاهده، وهم يعلمون [رواه الطبراني (10057)]، وقال:هم سواء [رواه مسلم (1598)]كلهم فيه سواء،  وهم يعلمون ، إذا علموا ذلك، وقال ﷺ حديث يرد على شبهة، بعض الناس يقول: الملعون هو الذي يأخذ الربا، لكن الذي يعطي الربا مسكين، لا، يقول ﷺ في الحديث الصحيح: الآخذ والمعطي فيه سواء [رواه مسلم (1584)].

وقد ورد عن صحابة رسول الله ﷺ ما يوضح هذا المعنى، وجاءت الآثار بذلك: "آكل الربا، وموكله، وكاتبه وشاهداه إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد ﷺ" [رواه النسائي (5102)]، ففي البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه في حديث المنام الطويل يقول ﷺ: فأتينا على نهر  حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي  السابح  ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده، فيفغر  يعني السابح يفغر فاه،يفغر له فاه، فيلقمه حجراً  [رواه البخاري (7047)]، وفي رواية: فإذا دنا ليخرج رمى في فيه حجراً، فرجع إلى مكانه  يسبح في بحر الدم، فهو يفعل ذلك به  دائماً أبداً، ثم سأل ﷺ الملك الذي كان معه: من هو هذا؟ فقال: أما الذي رأيت في النهر، فذاك آكل الربا [رواه أحمد (19652)]، يسبحون في أنهار الدم والوخم والعفن، ثم يلقمون حجارة تثقلهم يتعذبون بها كما كانوا يأكلون الربا في بطونهم في الدنيا، ولذلك اجتهد ﷺ في توضيح أمر الربا ووضعه، أعلن ذلك في أعظم مكان، وأعظم خبطة، وأكثرها رؤية من قبل الناس، خطبة شهدها مائة وأربعة وعشرون ألفاً من الصحابة، في حجة الوداع يوم النحر الأعظم، يوم العاشر من ذي الحجة، خطبهم خبطة عظيمة، فقال فيها:  ألا وإن كل رباً في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلَمون، غير ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله [رواه الترمذي (3087)].

وقال ﷺ مبيناً أحكام فقهية للأمة حتى لا تقع في الربا: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد [رواه مسلم (1587)]، فلذلكلا يجوز أن تبيع مائة غرام ذهب بمائة غرام ذهب أخرى أبداً، لا يجوز أن تبيع مائة غرام ذهب بأكثر من مائة غرام ذهب أبداً، وإنما يجوز أن تبيع مائة غرام ذهب بمائة غرام ذهب، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، لو بعته فأخرت القبض -أخذت السلعة ولم تعط الثمن- حرام؛ لأن الرسول ﷺ يقول:  يداً بيد 

 

لا يجوز أن تبيع مائة غرام ذهب بمائة غرام ذهب أخرى أبداً، لا يجوز أن تبيع مائة غرام ذهب بأكثر من مائة غرام ذهب أبداً، وإنما يجوز أن تبيع مائة غرام ذهب بمائة غرام ذهب، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، لو بعته فأخرت القبض -أخذت السلعة ولم تعط الثمن- حرام؛ لأن الرسول ﷺ يقول: يداً بيد 

 

، ولذلك ما يقع اليوم كثيراً عند النساء وغيرهن من مبادلة الذهب القديم بالجديد مع دفع الفرق لا يجوز، يجب أن تبيع الذهب القديم، وتأخذ ثمنه، ثم تشتري به ذهباً جديداً تزيد عليه، أو تنقص من الثمن، وهذه مسألة وقعت فيها المشاكل الكثيرة، والناس لا يستفتون، ولا يخطر ببالهم أن مثل هذه الأمور فيها أشياء محرمة، يجب أن يكون الأصناف المتماثلة مثلاً بمثل، سواءً بسواءٍ، يداً بيد، التقابض الآن، ثم يقول عليه السلام: فإذا اختلفت هذه الأصناف  ذهب بفضة، بر بشعير، ملح بتمر؛ فبيعوا كيف شئتم ، إذا اختلفت المقادير، لو اختلفت، إذا اختلت الأصناف، يجوز أن يختلف المبيع والسعر،  فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ، تقابض، ليس هناك غرر في الشريعة.

ولذلك مرة من المرات أتى أحد الصحابة وهو بلال رضي الله عنه بتمر إلى الرسول ﷺ جيد، ما كان عند رسول الله ﷺ مثله، روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني" نوع جيد من التمر، والرسول ﷺ يعلم أنه ليس عنده مثل هذا النوع، "فقال له النبي ﷺ: من أين هذا؟  فقال بلال: كان عندي تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع"، بعت صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الجيد؛ لمطعم النبي ﷺ، غرضي طيب، ليس لي أنا؛ لمطعم النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ عبارات تدل على التوجع والتأثر مما حصل، قال: أوه، أوه، عين الربا، عين الربا، لا تفعل ،   أوه  كلمة تقولها العرب عند التوجع والتألم، يقول:  أوه؛ عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر بيع آخر ثم اشتره [رواه البخاري (2312)]، بع التمر الرديء خذ الثمن، ثم اشتر به تمراً جيداً، حتى تسد الأبواب على العمليات الربوية، أوه؛ عين الربا، عين الربا، لا تفعل ، على أي شيء قالها؟ على صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الجيد، واليوم كثير من المسلمين يتعاملون بالملايين في الأموال الربوية.

تحريم الربا في الأديان السابقة
00:20:47

من كان يتصور أنه سيأتي يوم يشابه فيه المسلمون اليهود في طبائعهم، اليهود الذين قال الله عنهم: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ سورة النساء:161.

الربا -أيها الإخوة- محرم في الأديان السماوية السابقة؛ لأن الله قال عن اليهود: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ، نهوا عنه في الماضي، وقال قوم شعيب لشعيب: يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءسورة هود:87 دعنا نفعل في أموالنا ما نشاء، وشعيب ينكر عليهم هذه الجريمة التي لا يحس بخطرها الكثيرون.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يطهر منها بلاد المسلمين أفراداً وجماعات، وأن يجعلهم جميعاً على السنة النبوية سائرين، ولأحكام الله منفذين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم أجمعين.

الخطبة الثانية
00:21:52

الحمد لله الواحد القهار، أشهد أن لا إله إلا هو الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبين للناس ما أنزل الله إليه.

موقف المسلم من الربا وأهله
00:22:12

وينبغي أن يكون موقف المسلم تجاه هذه الموبقات كلها وهذا الربا موقف الممانعة والتحذير لنفسه ولغيره من التورط في مثل هذه الجريمة.

أيها الإخوة، إن كثيراً من الإحساسات قد تبلدت، الناس يدخلون الأماكن التي يُتعامل فيها بالربا وهم مطمئنون، مسرورون غاية السرور لا يحسون بشيء، ولا يحسون أن غضب الله ونقمته نازلة على الأقوام الذين يتعاملون بالربا، ولذلك من أهداف الشريعة تحريم الربا، ووضعه، وإبطاله، وسد الطرق الموصلة إليه، وردع كل من يساهم في الوقوع في المعاملات الربوية، لا يجوز لك أن تساعد مرابياً، لا أن تساهم معه، ولا أن تبني له مكاناً يتعامل فيه بالربا، ولا أن تصونه، ولا أن تنظفه، ولا أن تعمل فيه، ولا أن تؤجر له مكاناً، أو تستأجر منه، ولذلك كثير من الناس يقعون في الحرام بصورة غير مباشرة، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌسورة النور:63.

وصل الأمر بقضية الربا إلى مهازل -أيها الإخوة-، أناس يخرجون زكاتهم من الربا، عليها زكاة، يقول: طيب، يأخذ من الربا ويخرج زكاته، والله فرض الزكاة في المال الحلال، وهو يخرج من الربا، وقد يبقى عنده أشياء أخرى يستعملها، أناس يحجون ويعتمرون من أموال الربا، أناس يتصدقون من أموال الربا، أناس يطبعون الكتب الطيبة، ويوزعونها من أموال الربا، أناس يبنون المساجد بأموال الربا، أناس يتقربون إلى الله بالحرام من أموال الربا، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وعملهم مردود عليهم، وأقصى ما يمكن أن تفعله أنت إذا كان عندك ربا أن تتخلص منه، لا صدقة، ولكن تخلصاً، حتى لا يلحق بك عذاب الله، وبعض الناس عندهم آراء عجيبة في قضايا الربا، بعضهم يظنون أن الربا فقط في المطعومات، يعني الحرام أن نأكل ونشرب من الربا، لكن عند هؤلاء ليس حراماً أن يبني بيته من الربا، ولا أن يشتري سيارة من الربا، وهكذا، ولكن -أيها الإخوة- كله حرام، كله سحت، كله باطل، يقول الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَسورة البقرة:275، وهنا معنى يأكلونه يعني يأخذونه، وينتفعون فيه بأي نوع من أنواع الانتفاع، ليس الأكل فقط، أي نوع من أنواع الانتفاع، وعبر عنه بالأكل هنا؛ لأنه معظم ما ينتفع به، وبعضهم يضع أموالاً طائلة في البنوك، ويعيش هو وأهله وأولاده على الفوائد الربوية، يطعم أولاده السحت والحرام، وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به.

وبعضهم يظنون أن المراباة حلال في بلاد الكفار، فهم يضعونها في بلاد الكفار، ويأخذون عليها الفوائد، ولكن قد ذكر علماؤنا -والحمد لله- ما أوضح هذه المسألة، فقالوا: ويحرم الربا في دار الحرب كحرمته في دار الإسلام، وقالوا: ولا يجوز لمن دخل أرض العدو بأمان أن يعاملهم بالربا

 

وبعضهم يظنون أن المراباة حلال في بلاد الكفار، فهم يضعونها في بلاد الكفار، ويأخذون عليها الفوائد، ولكن قد ذكر علماؤنا -والحمد لله- ما أوضح هذه المسألة، فقالوا: ويحرم الربا في دار الحرب كحرمته في دار الإسلام، وقالوا: ولا يجوز لمن دخل أرض العدو بأمان أن يعاملهم بالربا

 

، حرام الربا في بلاد المسلمين، وفي بلاد الكفار، ووصل الأمر ببعض الناس من محدودي الدخل مع الأسف، من ذوي المرتبات الضعيفة أنهم يأخذون أموالهم البسيطة، واحد يقول لي مرة: أعرف رجلاً عنده ألف ريال، ألف ريال فقط! أخذها ووضعها في البنك بفائدة ربوية على ألف ريال، فسبحان الله من هذا الشر الذي عم! وبعضهم يظن أنه لو اقترض من مرابٍ مالاً، فعمل به مشروعاً، وربح المشروع يسدد للمرابي الربا من ربح المشروع، ويأخذ بقية الربح له، وهذا ليس فيه ضرر على أحد، يزعمون أنه حلال، هل قال الله في القرآن الربا حرام إلا ما كان بين غني وغني، هل قال الله في القرآن إن الربا حرام إلا إذا كان فيه نفع للطرفين، يقولون منكراً من القول وزوراً، الربا حرام ولو رضي به الطرفان، الربا حرام ولو كان بين غني وغني، الربا حرام ولو لم يخسر أحد من الطرفين شيئاً، الربا حرام ولو انتفع به الطرفان.

والناس الذين يحتالون الآن لأكل الربا، يأتي شخص محتاج يقول له: تشتري أكياس الرز هذه بكذا، ثم تعطيني إياها بعد سنة قيمتها، فيضع يده على أكياس الرز، ثم أنه يشتريها منه البائع مرة أخرى، ويبقى على ذلك الفرق ليدفعه في المستقبل، يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، هل الله عز وجل تنطلي عليه الحيل.

واعلموا -أيها الإخوة- أن الله يقول في القرآن، بعض الناس عندما يرى غيره من الناس قد أثرى من الربا يحز في نفسه يقول: لو أن لي مثله، ولكن هذه الآية، وهذه الأحاديث تجلي لك الموقف، يقول الله تعالى: يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍسورة البقرة:276، يمحقه يعني: يذهبه، إما أن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، يخسر، هذا الذي معه الربا يخسر في المستقبل، قد يبتليه الله في جسده، وفي جسد أولاده، فيصرف على الطب والتطبب مالاً عظيماً، يجعل الله له أشياء تذهب بماله، أو المعنى الثاني لكلمة المحق هنا: أن الله يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به، يصرف ويصرف ولا ينتفع، يصرف ويصرف ولا يدري كيف تذهب النقود، يمحق الله الربا، يمحق الله الربا محقاً، ويربي الصدقات.

وقال ﷺ في الحديث الصحيح: إن الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قُلٍّ [رواه أحمد (4016)]، يعني: إلى القلة، وقال عليه السلام: ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلا قلّة [رواه ابن ماجه (2279)]، هذا من باب معاقبة بنقيض قصده، هو يريد أن ينمي أمواله ويربح، والله يمحق بركة ماله.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعل مطعمنا حلالاً، ومشربناً حلالاً، وملبسناً حلالاً، وبناءناً حلالاً، ونفقاتنا حلالاً.

اللهم طهر أموالنا من الربا والسحت والمال الحرام، اللهم واجعلنا ممن إذا رفعوا أيديهم لا يقال لهم: لا يستجاب لكم، اللهم اجعلنا ممن أطابوا مطاعمهم ومشاربهم، ومن الذين عرفوا الحلال فأحلوه، وعرفوا الحرام فحرموه، واجعلنا ممن يقف عند حدودك لا يتعداها، وصلوا على نبيكم محمد ﷺ الذي ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه.

وقوموا إلا صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه البخاري (2767)
2 - رواه الحاكم (2261)
3 - رواه أحمد (3799)
4 - رواه الطبراني (10057)
5 - رواه مسلم (1598)
6 - رواه مسلم (1584)
7 - رواه النسائي (5102)
8 - رواه البخاري (7047)
9 - رواه أحمد (19652)
10 - رواه الترمذي (3087)
11 - رواه مسلم (1587)
12 - رواه البخاري (2312)
13 - رواه أحمد (4016)
14 - رواه ابن ماجه (2279)