السبت 7 رجب 1444 هـ :: 28 يناير 2023 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

صلاة أهل الأعذار - الدرس الرابع عشر


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد تحدثنا في أحكام صلاة المسافر، عن الإقامة التي ينتهي بها حكم السفر، وأن المسافر له ستة أحوال :

الأولى: أن ينزل بلدًا وينوي الاستيطان به، يعني نية الإقامة على التأبيد، ففي هذه الحال لا خلاف بين العلماء في أنه لا يقصر، ولا يترخص بشيء من رخص السفر بمجرد دخوله البلد الذي نوى فيه نية الإقامة المؤبدة.

الثانية: أن ينزل بلدًا وينوي الإقامة المطلقة، يعني أنه سيبقى فيه ما لم يوجد سبب يقتضي المغادرة، فالأصل ليس البقاء، وفي هذه الحال لا يترخص بشيء من رخص السفر عند جمهور العلماء، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.

الثالثة: أن يقيم في البلد لحاجة معينة يقضيها ثم يرجع ولا يدري متى تنقضي حاجته، فهذه المسألة لها صورتان:

أ-من نزل بلدًا لحاجة يرجو قضاءها والفراغ منها في كل يوم ولسان حاله يقول: اليوم أخرج، غدًا أخرج، اليوم تنتهي، غدًا تنتهي، فهذا حكمه حكم المسافر في الترخص ولو بقي سنوات.

ب- أن يعلم ويغلب على ظنه أن حاجته لا تنقضي إلا بعد مدة طويلة، فجمهور العلماء أنه لا يجوز له الترخص في هذه الحال، وأجاز بعض العلماء لمن أقام على حاجة ينتظرها، أجازوا له الترخص والقصر مطلقًا، ولو كان يعلم أنها لا تنقضي إلا بمدة طويلة، وهذا اختيار ابن القيم.

ولابد هنا من التنبه إلى الفرق بين من ذهب إلى بلد ينتظر حاجة يريد قضاءها وسيغادر البلد بمجرد قضاء حاجته، وبين من يسافر إلى بلد وهو ينوي الإقامة بها مدة معينة، سواء كان لتجارة، سياحة، زيارة، فالأول لا يقصد الإقامة بهذا البلد، وإنما يقصد قضاء الحاجة، ولو انتهت في نفس يوم الوصول أو في يوم الوصول نفسه غادر، أما الثاني فإن له قصد الإقامة، وهذا تجده في هذا الزمن، يحدد وقت الوصول، ووقت المغادرة، وحجز الطيران، وحجز الفندق، والتنسيق مع الجهات التي سيذهب إليها، يعني إذا كان السفر في القديم سيذهبون على دابة، أسبوعين، ثلاثة، شهر أحيانًا مسير، فسينزل بلدًا، وله فيها نية قضاء عدة حاجات، زيارة أقارب، تجارة، أخذ العلم عن مشايخ، ما هو مثل اليوم الذي يحدد الإنسان وقت وصوله بالطائرة، ووقت المغادرة بالطائرة، وحجز الفندق بالساعة، واستئجار سيارة، يعني السفر اليوم صار منظمًا مؤقتًا محددًا أكثر من ذي قبل، هذه المسألة لابد أن نقر بأثرها في تطور أحوال الناس في السفر، وتطور وسائل المواصلات، وتنظيم الأسفار، وتنظيم جداول الرحلات، فإذًا هناك فرق بين من يدخل بلدًا لقضاء حاجة وسيغادر بمجرد انتهاء هذه الحاجة، وبين من يدخل بلدًا وهو عازم على الإقامة فيها مدة معينة، وقت الوصول، وقت المغادرة، وعنده جدول أعمال مرتب، الأول لا يعرف متى يرجع، والثاني يعرف متى يرجع، الأول مقصده الحاجة، والثاني مقصده الإقامة، الثاني مرتب الجدول، الوصول والمغادرة، فمقصده أن يقيم، لكن يقيم مدة محددة، ثلاثة أيام، أربعة أيام، سبعة أيام، عشرة أيام، أسبوعين، ناوي يجلس مدة محددة، الأول نيته الحاجة متى ما انقضت خرج رجع، ما هو ناوي يجلس مدة معينة فهذا ضمن الحالة الثالثة: أن يقيم في بلد لحاجة يقضيها ثم يرجع، ولا يدري متى تنقضي حاجته، لكنه تارة يرجو قضاءها اليوم غدًا، اليوم غدًا، وتارة يعلم أنها لا تنقضي إلا بعد مدة طويلة، هذه يبغى لها أقل شيء أسبوع، يقول لك: يبغى لها أقل شيء عشرة أيام، ويدخل في ضمن هذه الحالة، الجدول المبرمج، الرحلة المبرمجة المحددة، وعرفنا في الحالة الثالثة هذه أن الذي يقول: اليوم غدًا، اليوم غدًا، اليوم غدًا، أنه يقصر مهما طال به الوقت، ومن قال: سأجلس مدة معينة ثم أرجع يعلم أن حاجته لا تنقضي إلا بعد مدة طويلة، فجمهور العلماء أنه لا يجوز له الترخص، ومن قال: سأجلس مدة معينة سيأتي حاله.

الرابعة: من نزل مكانًا أو بلدًا للجهاد والقتال والحصار، فهذا يقصر أبدًا، ولو علم أن المدة ستطول عند جماهير العلماء الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في قول.

الخامسة: أن ينزل بلدًا وينوي الإقامة فيها يوماً أو اثنين أو ثلاثة فقط، فجماهير العلماء على جواز القصر في مثل هذه الحال، بل نقل ابن المنذر والنووي الإجماع على ذلك، ناوي تروح يوماً، يومين، ثلاثة، حتى لو جدولك محدد، افرض أنك ستخرج يومين، ثلاثة، جدول محدد، تعرف الوصول، والمغادرة، والثلاثة أيام أين ستقيم، حجز الفندق، ماذا ستفعل، ما هو برنامج الرحلة في الثلاثة أيام، ما دامت ثلاثة أيام، هذا قصر، هذا محل اتفاق بين العلماء.

السادسة: أن ينزل بلدًا وينوي الإقامة فيها أكثر من ثلاثة أيام، هنا حصل الخلاف إذا كان ناوياً يقيم أكثر من ثلاثة أيام فما هي الأقوال في هذه المسألة؟

القول الأول: من أجمع على إقامة خمسة عشر يومًا أتم الصلاة ودون ذلك يقصر، وهذا قول ابن عمر وبه قالت الحنفية.

القول الثاني: من أقام تسعة عشر يومًا قصر الصلاة ومن أقام أكثر من ذلك أتم، وهو قول ابن عباس؛ لأن النبي ﷺ أقام عام الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة، قال ابن عباس: "ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا" وأجيب عن ذلك بأن النبي ﷺ عام الفتح، وعام غزوة تبوك، لم يكن عازمًا على الاستقرار، وإنما أقام بسبب لا يدري متى يزول، حتى يفتح البلد، وتستقر الأوضاع في البلد، وفي مكة حتى يرتب لغزوة حنين التي بعدها، ولما ذهب إلى تبوك كان ينتظر الروم، تحدي، جئناكم دخلنا الشام؛ لأن تبوك من الشام، دخلنا الشام وجلسنا فيها، أين أنتم؟ تحدي، فكان هنالك تحدي بين المسلمين والروم بعد معركة مؤتة، وذهب في تبوك، وأقام ينتظر هناك، ما جاءوا رجع، يعني مضت مدة في الانتظار، تسامعت به العرب وهابوه، لأنه ذهب يقاتل عدوًا عرمرمًا الروم، قضى المصلحة التي يريدها، وما جاء الروم، ورجع ما كان يدري كم سيقيم.

القول الثالث: للمسافر أن يقصر ما دام مسافرًا حتى يرجع إلى بلده، وهو قول بعض العلماء، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومن المعاصرين الشيخ السعدي وابن عثيمين، وحجتهم في ذلك:

أولاُ: أن الشرع لم يحد للإقامة أو لهذا للترخص وقتًا معينًا، وما أطلقه الشرع يبقى على إطلاقه، وبما أن الشرع أطلق السفر، وما حدد للسفر مدة معينة، فيبقى على إطلاقه.

ثانياً: إن الإنسان إما مسافر أو مقيم لا ثالث لهما، ومن خرج من وطنه فهو مسافر حتى يرجع إليه.

ثالثًا: الآثار التي وردت عن كثير من السلف في قصرهم مددًا طويلة، ستة أشهر وأكثر.

هذا كله تحت عنوان: من دخل بلدًا للإقامة فيها مدة معينة، يترخص أو لا؟ دخل يقيم مدة معينة، مثل ما قلنا: الجدول المبرمج، راح يقيم مدة معينة، يقصر أو لا؟ هذه المدة المعينة قد تكون ثلاثة أيام، قد تكون عشرة، وقد تكون أربعة، وقد تكون سبعة، الآن هذه التي ذكرنا تحتها الأقوال: تسعة عشر، خمسة عشر، وما لها حصر ما لها عد.

القول الرابع: من أقام أربعًا صلى أربعًا، وهو قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة، من أقام أربعًا صلى أربعًا لماذا قلتم بهذا؟ قالوا: إن هذه المدة هي التي ثبتت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع أنه كان يعلم أنه سيمكث في مكة أربعة أيام وقصر، أطول مدة نعلم أنه قصر فيها وهو يعلم كم سيمكث هذه المدة أربعة، دخل مكة يوم أربعة، وخرج منها يوم ثمانية، وقالوا: الثلاث حد القلة، وهي فرق ما بين المقيم والمسافر، وأن ما دون الأربع مجمع على جواز الترخص فيه، وما فوقها مختلف فيه، فرجعنا إلى الأصل، وهو عدم الترخص، لما زدنا عن ثلاث، وأن رخص السفر إنما هي للمسافر الضارب في الأرض، أما من نزل بلدًا فلا يعتبر ولا يسمى ضاربًا في الأرض، وهذا قول جماهير العلماء ومن المعاصرين أفتى به الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - والشيخ ابن باز، واللجنة الدائمة، ومحمد الأمين الشنقيطي، والشيخ صالح الفوزان، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: المقام مقام خلاف بين أهل العلم، وفيه عدة أقوال لأهل العلم، لكن أحسن ما قيل في هذا، وأحوط ما قيل في هذا المقام، هو قول الجمهور، من نوى الإقامة أربعًا صلى أربعًا" [مجموع فتاوى ابن باز: 12/278].

لكن كيف تُحسب الأيام الأربعة؟ عند المالكية ينقطع حكم السفر بنية إقامة أربع صحاح مشتملة على عشرين صلاة، فلا بد من اجتماع الأمرين عندهم، أربعة أيام وعشرون صلاة، ولا يحتسب من الأيام يوم الدخول إن دخل بعد طلوع الفجر، ولا يوم الخروج إن خرج في أثناءه، قال الحطاب من فقهاء المالكية، وهو محمد بن محمد بن عبد الرحمن، الذي ولد واشتهر بمكة، ومات في طرابلس الغرب، عام تسعمائة وأربع وخمسين للهجرة: "واعلم أن الأربعة الأيام تستلزم عشرين صلاة، بخلاف العكس" [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل: 2/149] لأن العشرين صلاة ممكن تصليها في أقل من أربعة أيام، لو واحد دخل البلد قبل الظهر، كيف لو دخل قبل الفجر؟ هناك فروق في عدد الصلوات ستنشأ، ولا يشترط أن هذه العشرين تكون في نفس عدد الأيام في كل الحالات، يعني سواء دخلت اليوم أربع وعشرين ساعة، واليومين ثمانية وأربعين، والثلاثة اثنين وسبعين، نحن عندنا أربعة أيام، معروف كم ساعة، وفيها كم صلاة، ممكن تكون في الأربعة أيام حسب يوم الدخول ويوم الخروج، عند المالكية يقولون: واعلم أن الأربعة أيام تستلزم عشرين صلاة بخلاف العكس، فلو دخل قبل العصر، ولم يكن صلى الظهر، ونوى أن يصلي الصبح في اليوم الرابع، ثم يخرج فقد نوى عشرين صلاة، وليس معه إلا ثلاثة أيام، من دخل بلدًا قبل العصر، ولم يكن صلى الظهر، ونوى أن يصلي الصبح في اليوم الرابع، اليوم الرابع إذن هذا يوم واحد، دخلنا البلد قبل العصر، وما صلينا الظهر، دخلنا البلد قبل العصر في يوم واحد، فصلينا الظهر الذي ما صليناها في السفر قبل العصر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر الثاني، يوم، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر الثالث، يوم، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلينا الفجر الرابع، يوم، ومشينا، إذن ما كملنا عدد ساعات الأربعة أيام، ما كملناها وصلينا عشرين صلاة، بينما في حالات أخرى ممكن نكمل العشرين بتكملة الساعات، فعند المالكية الأربعة أيام تستلزم عشرين صلاة، بخلاف العكس، فلو دخل قبل العصر، ولم يكن صلى الظهر، ونوى أن يصلي الصبح في اليوم الرابع، ثم يخرج، فقد نوى عشرين صلاة، وليس معه إلا ثلاثة أيام، ومن دخل قبل فجر السبت، ونوى أن يقيم إلى غروب الثلاثاء، ويخرج قبل العشاء، لم ينقطع حكم سفره؛ لأنه وإن كانت الأيام الأربعة كاملة، إلا أنه لم يجب عليه العشرون صلاة في هذه الحالة، يعني كمل أربعة أيام بساعاتها، ومع ذلك ما أتت عليه عشرون صلاة، فإذًا متى دخل، ومتى خرج، وما الذي ما صلاه، هذه تتحكم في عدد الصلوات، وهذا مذهب المالكية، عند الشافعية العبرة عندهم بإقامة أربعة أيام كاملة، يعني إذا اليوم أربع وعشرون ساعة، تضرب في أربعة، كم يطلع؟ أربعة في أربع وعشرين، ست وتسعون ساعة، الشافعية عندهم الأربعة أيام كاملة، لا يحسب منها يوم دخوله وخروجه إذا دخل نهارًا، فإذا دخل ليلًا لم تحسب بقية الليلة، ويحسب الغد، هذا كما في المجموع [المجموع: 4/362]. ومغني المحتاج [مغني المحتاج: 1/520]. فعلى ذلك لو دخل يوم السبت بنية الخروج يوم الأربعاء لا يصير مقيمًا، ولو دخل قبل الفجر يوم السبت بنية الخروج يوم الأربعاء صار مقيمًا، قال الشافعي: "إذا أزمع المسافر أن يقيم بموضع أربعة أيام ولياليهن أتم الصلاة" ، وليس يُحسب اليوم الذي كان فيه سائرًا ثم قدم ولا اليوم الذي كان فيه مقيمًا ثم سار. [الأم للشافعي: 1/215] قال الماوردي: "وإنما لا يُحسب عليه يوم دخوله ويوم خروجه؛ لأن السفر يجمع السير والنزول والترحال، فلم يحسب عليه يوم دخوله؛ لأنه فيه نازل ولا يوم خروجه؛ لأنه فيه راحل" [الحاوي الكبير: 2/372]، انظر لعلهم ينظرون إلى قضية لما ينزل، فك الأمتعة والرحال، ومكان تدبير مكان الدواب، واسطبل كذا، وتنزل تحط الأغراض والمتاع، وتبحث عن مكان للمبيت، وتستأجر، تأخذ وقتاً، ويوم المغادرة، تربيط العفش، وتحميله، وتهيئة الدواب، والرواحل، والتحزيم، تأخذ وقتاً، ليس مثل الآن تسافر، رحلات متتابعة في المطار، ليس كذلك هنا، أو تشغل السيارة، والخط السريع، فلذلك تكلموا في قضية يوم الدخول ويوم الخروج أنها ما تحسب عند الشافعية، والحنابلة قالوا: العبرة بعدد الصلوات لا بعدد الأيام، فإذا نوى الإقامة أكثر من عشرين صلاة أتم، وإلا قصر ،كما في الإنصاف [الإنصاف: 2/329].

ناوي تقيم أكثر من عشرين صلاة، أنت مقيم، من أول ما تصل تكمل الصلاة، دخلت بلداً ناوي تصلي فيها اثنين وعشرين صلاة، ثلاثة وعشرين صلاة، خمسة وعشرين صلاة، تكمل الصلاة، وتتم الصلاة من لحظة وصولك، ما تترخص، تبغى تصلي عشرين صلاة فأقل، فإنك تقصر، يحق لك أن تقصر، فإذا كان سيمر عليه خلال إقامته في هذه البلد وقت واحد وعشرين صلاة، فإنه يتم؛ لاحظ وقت واحد وعشرون صلاة، وعبارة ابن قدامة: [المغني: 7/315] وإن أقام في بلد مدة إحدى وعشرين صلاة؛ لأن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وخرج إلى منى يوم الخميس، وكان يقصر الصلوات في هذه الأيام الأربعة في مكة، هذا دليلهم قالوا: نحن نقول: الذي ما نوى الإقامة بمكان إذا انقضت الحاجة رجع، اليوم غدًا، هذا يقصر، ولو جلس ما جلس، والذي نوى الإقامة مدة معينة بمكان، قالوا: سننظر في الأدلة، ما هي أطول مدة جلسها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعلم أنه سيجلسها، مخطط أنه يجلسها وقصر؟ ما هي أطول مدة جلس فيها - عليه الصلاة والسلام - بمكان وهو يقصر وهو يعلم أنه سيجلس هذه المدة، مخطط أنه سيجلس هذه المدة؟ ما هي أطول مدة جلس فيها في مكان وهو ناوي أنه يجلس هذه المدة وقصر؟ هذا الدليل الأساسي للجمهور، نقول للجمهور: ما دليلكم في قضية الأربعة؟ من أين أتيتم بهذه الأربعة؟ ما هو الدليل عندكم على تحديد هذه المدة، وأنه أكثر منها يتم وما دونها يقصر؟ قالوا: هذا الدليل، والإقامات الأخرى، تسعة عشر، وعشرون؟ قالوا: ما كان ناوي يجلس تسعة عشر، ما كان ناوي يجلس عشرين، راح تبوك ينتظر العدو، ما جاءوا رجع، راح مكة يفتح مكة ويرتب أوضاع مكة ويهيئ لغزوة حنين، تأخذ وقتاً، فإذن الذي كان يعلم أنه سيمكث فيها وقصر، أطول مدة نعلمها هذه الأربعة، دخل مكة يوم أربعة، خرج منها إلى منى يوم ثمانية، وهو يعلم ترتيب المناسك، وأوحي إليه بالمناسك، وذهب من منى إلى مزدلفة إلى عرفة، ترتيب الرحلة معروف، والنبي - عليه الصلاة والسلام - قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد أربعة ذي الحجة، وأقام في مكة الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وخرج إلى منى يوم الخميس صباحًا، وصلى الظهر بمنى، كان يقصر في هذه الأيام في مكة، فيه رواية مشهورة عن الإمام أحمد، أن من نوى أكثر من واحد وعشرين صلاة أتم، واختارها ابن قدامة، وكثير من الحنابلة، لماذا المذهب فيه قولان: من نوى الإقامة أكثر من عشرين يتم، ومن نوى الإقامة أكثر من واحد وعشرين يتم؟ لأن عندهم خلاف في الروايتين، أين صلى النبي ﷺ صلاة الفجر لما قدم مكة؟ قلنا: دخل مكة يوم الأحد، أين صلى الفجر؟ فالذين قالوا: صلى الفجر في مكة يوم الأحد طلع عندهم واحد وعشرين صلاة، الذي ينوي الإقامة بمكان أكثر من واحد وعشرين صلاة يتم، الذي قال: أنه صلى فجر يوم الأحد خارج مكة، قالوا: الذي يجلس في مكان أكثر من عشرين صلاة يتم، عشرين يقصر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: [مجموع الفتاوى: 24/141] "والصحيح أنه إنما صلى الصبح يومئذ"، يعني يوم الأحد بذي طوى، ودخل مكة ضحى، كذا جاء مصرحًا به في أحاديث، وجاء في صحيح مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "صلّى رسول الله ﷺ الصبح بذي طوى وقدم لأربع مضين من ذي الحجة" [رواه مسلم: 1240] فالرخصة عند الحنابلة لا تتعلق بعدد الأيام، وعدد الساعات ست وتسعين ساعة، لا، بل بعدد الصلوات، فيترخص بإقامة مدة يصلي فيها عشرين صلاة مكتوبة، لأنه المحقق من فعله ﷺ حين نزل بالأبطح، الخلاف بين المذاهب بين الجمهور في المسألة قريب، ما في بين الأقوال فرق كبير بالجملة، كذا أربعة أيام، وربما يتضح لنا بأن رواية الحنابلة المبنية على رواية مسلم وغيره، أنه من أقام بمكان عشرين صلاة يقصر، أكثر يتم، ناوي تصلي في بلد عشرين صلاة، سيأتيك وقت ظهر، وقت عصر، وقت مغرب، وقت عشاء، وقت فجر، وقت ظهر، وقت عصر، تأتيك أوقات عشرون صلاة تقصر، أكثر تتم، والإنسان ممكن يدخل البلد ويكون ما هو مصلي في السفر، يدخل قبل العصر، وهو ما صلى الظهر،وممكن يغادر وقت الظهر، وما يصلي الظهر فيها، يروح يصلي في المطار، إذن ما هو الضابط؟ إذا دخل عليك أكثر من وقت عشرين صلاة فإنك تتم عشرين، فأقل تقصر، من نوى الإقامة؟ في فتاوى اللجنة الدائمة: [ فتاوى اللجنة الدائمة: - 1 (5/381]  المسافر الذي نوى الإقامة ببلد أكثر من أربعة أيام لا يقصر الصلاة، وإذا كانت الإقامة دون هذه المدة فإنه يقصر الصلاة، من نوى الإقامة متى ينقطع ترخصه؟ المسافر إذا نزل بلدًا ونوى الإقامة فيه أكثر من أربعة أيام فإنه يلتزم أحكام المقيم من أول يوم يدخل فيه البلد، لأن هناك فهم شائع، يظن بعض الناس في الأربعة أيام، أنه إذا نزل بلد ستة أيام، الأربعة أيام الأولى يقصر، وبعدين يكمل، وهذا خطأ؛ من الذي قال بهذا؟ الذي ينوي أن يجلس أكثر من أربعة أيام في مكان، من أول ما يصل يتم الصلاة، وليس يجلس يقصر أربعة، وبعدين يكمل، لا، إذا نوى أن يجلس في المكان أكثر من عشرين صلاة يتم من أول وصوله، ويلتزم بأحكام المقيم منذ دخوله البلد، فلا يقصر ولا يجمع، ولا يزيد في مسح خفيه وجوربيه على اليوم والليلة، ولا يفطر في نهار رمضان، بينما إذا دخلت بلداً تبغى تجلس فيه ثلاثة أيام، دخلته في نهار رمضان، ممكن تفطر، وإذا كنت مفطراً في السفر تكمل الإفطار، وتفطر ثاني يوم، وثالث يوم، بينما لو كنت ناوياً تجلس في البلد أكثر من أربعة أيام، في رمضان دخلت نهارًا تمسك، وثاني يوم وأنت صائم، وثالث يوم وأنت صائم، ورابع وخامس وسادس وأنت صائم، فحكم السفر ينقطع من لحظة وصوله إلى البلد، وليس بعد مضي أربعة أيام، كما يتصور البعض، في فتاوى اللجنة الدائمة: [ فتاوى اللجنة الدائمة: - 1 (5/381] "وإن نزل بمكان على نية الإقامة أكثر من أربعة أيام صلى كل صلاة في وقتها تامة غير مقصورة".

نأتي إلى مسألة وهي الإقامة المشروطة، واحد سيدخل البلد ونيته أنه إذا وجد فيها أمرًا معينًا أقام، ما وجده سيرجع، فكانوا من زمان ممكن ينوي إذا دخل بغداد إن لقيت الإمام أحمد مكث، ما لقيته رجع، سيدخل مكة إن لقيت عطاء جلست، ما لقيت عطاء غادرت، هذا الذي دخل البلد بنية مشروطة، إن لقيت فلانًا في هذا البلد أقمت فيه وإلا فلا، لم يصر مقيمًا بذلك، فإن لم يلق صاحبه فلا كلام؛ لأنه لن يقيم، وإن لقيه صار مقيمًا، إذن لو دخل يبحث عن شخص، وهذه تحصل كثيرًا يقول: إن وجدت صاحبي في البلد نويت الجلوس أسبوعاً، إذا ما وجدت صاحبي ممكن أخرج ثاني يوم، نيتي في الإقامة من عدم الإقامة تعتمد وجدت هذا الشيء أو ما وجدت، هذه نية الإقامة المشروطة، ما حكم صاحبها؟ طيلة بحثه عن فلان ليس بمقيم يقصر، فإذا لم يجد فلانًا فهو يقصر، وإذا وجد فلانًا صار مقيمًا بمجرد أن يجده، قال النووي: "إذا خرج مسافرًا إلى بلد تقصر إليه الصلاة- يعني مسافة ثمانين كيلو فأكثر- ونوى أنه إذا وصله وأقام فيه يومًا، فإن لقي فلانًا أقام فيه أربعة أيام، وإن لم يلقه رجع، فإن لم يلق فلانًا فله القصر حتى يرجع، وإن لقيه لزمه الإتمام من حين لقيه، عملًا بنيته، فلو نوى بعد أن لقيه في ذلك البلد أن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام أو دونها لم يجز له القصر حتى يفارق بنيان ذلك البلد" [المجموع شرح المهذب: 4/364] لأنه صار مقيمًا، فلا يصير مسافرًا إلا بالشروع في حقيقة السفر، وكذلك قال المرداوي: "الصحيح من المذهب أنه لا يجوز له القصر حتى يشرع في السفر" [الإنصاف: 2/331].

هل من شرط الإقامة صلاحية المكان للإقامة؟ عندما نتكلم نقول: أربعة أيام، أكثر من أربعة أيام، أقل من أربعة أيام، هذا الكلام عام في بلد، في بر، في مزرعة، أو أي مكان، عندما نقول: من ذهب مسافة سفر ليقيم في مكان أكثر من أربعة أيام أتم، أقل قصر، يقيم في مكان، هذا المكان لازم يكون قرية، بلد، أو ممكن يكون مزرعة أو بر، أيًا ما كان؟ ذهب بعض علماء الحنفية إلى أنه لابد أن يكون المكان الذي يقيم فيه المسافر صالحًا للإقامة في العادة نحو المدن والقرى، وأما الصحراء والبر والجزيرة، فليست موضع إقامة، فلو نوى الإقامة في هذه المواضع مدة الإقامة لا يصير مقيمًا، وذهب جمهور العلماء وهؤلاء الأكثر إلى أن صلاحية المكان ليست شرطًا للإقامة، فلو نوى المسافر الإقامة في مكان، ولو كان غير صالح للإقامة، لا يعني غير صالح للإقامة بمعنى ما هو صالح لأن تمكث فيه، لا، ممكن تكون مزرعة أو بر تمكث فيه، لكن غير صالح للإقامة، يعني أنك تعيش حياة، فليس من شرط المكان أن يكون صالحًا للمعيشة، الأوضاع المستقرة ليست شرط، الآن أسبوع إجازة، هناك ناس سيذهبون للبر، وضع الخيام ومسافة مائتين وخمسين كيلو، شمال، شرق، غرب، نصب الخيام هناك، ناوي يجلس خمسة أيام، ستة أيام، هذا مكان بر لا يصلح للمعيشة، يعني معنى أنك تعيش، ما هو بلد، ولا هو قرية، ولا فيها مرافق حيوية، وبنية تحتية، مدارس، ومتاجر، ومستلزمات، بر هل إقامتك فيه أكثر من أربعة أيام تمنعك من الترخص، وتلزمك بالإتمام؟ الجواب عند الجمهور: نعم، وذهب جمهور العلماء إلى أن صلاحية المكان ليست شرطًا للإقامة، فلو نوى المسافر الإقامة في مكان، ولو كان غير صالح للإقامة، صحت نيته وامتنع عن القصر". المجموع، قال المرداوي: "لو ناوى المسافر إقامة مطلقة، أو قام ببادية لا يقام بها-عادة- أو كانت لا تقام فيها الصلاة-ما في مساجد، ولا بيوت ولا مساكن- لزمه الإتمام على الصحيح من المذهب" [الإنصاف: 2/330]، وقد سئلت اللجنة الدائمة عن أناس يخرجون للبر في العطل، فهل يجوز لهم القصر والجمع؟ فأجابت اللجنة الدائمة للإفتاء: "إذا أقمتم في رحلة من رحلاتكم هذه بمكان أكثر من أربعة أيام بنية الإقامة وجب عليكم إتمام الصلاة وأداء كل صلاة في وقتها، وإن أقمتم في مكان في إحدى رحلاتكم أقل من تلك المدة فاقصروا الرباعية وصلوا كل صلاة في وقتها، هذا الأفضل، أو اجمعوا بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وهذا جائز والأمر في هذا واسع، ولكن الأفضل أداء كل صلاة في وقتها في هذه الحالة، [فتاوى اللجنة الدائمة: - 1 (8/93].

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: هل يجوز إذا خرجت إلى البر لمدة ثلاثة أيام أن أجمع أو أقصر الصلاة؟ فقال: إذا كانت مسافة قصر سفر، ثمانين كيلو فأكثر عن بلدك، فأنت مسافر، إذا أقمت يومين أو ثلاثة إلى أربعة لك القصر والجمع، أما إذا نويت الإقامة أكثر من أربعة أيام فإنك تتم الصلاة أربعًا، ما دام الإقامة أربعة أيام فأقل، والمسافة طويلة، ثمانون كيلو فأكثر فالقصر أفضل". [مجموع فتاوى ابن باز: 30/183].

ما رأيكم بسفينة مسافرة في البحر، لسبب ما رست السفينة في عرض البحر أكثر من أربعة أيام، نزلوا المرساة أكثر من أربعة أيام، ما هو الحكم؟ طلعوا في رحلة سياحية، يخت، راحوا في المحيط، بعدين عجبهم منظر، وقالوا: قف هنا خمسة أيام، عجبنا هذا المكان، ما هو الحكم؟ الحكم واحد، الترخص حاصل، هؤلاء إذا رست السفينة في عرض البحر لسبب يقضي بإقامتهم في ذلك المكان الذي رست به سفينتهم أكثر من أربعة أيام صلوا تمامًا لا قصرًا،كل صلاة في وقتها، وإذا كان يقضي بإقامتهم بأربعة أيام فأقل ماذا يقصرون؟ في فتاوى اللجنة الدائمة[فتاوى اللجنة الدائمة: - 1 (8/93]. قالت اللجنة أيضًا: أو كان الركاب لا يدرون متى تقلع عن مكانها وتسير بركابها صلوا قصرًا وجمعًا جماعة. الآن لو تعطلت السفينة بهم، خطفوها القراصنة وجعلوها ترسو في مكان في البحر، هذه ينطبق عليها أنه يقصر؛ لأنه لا يدري متى يفرجون عنها، يمكن يفرج عنها في نفس اليوم، يمكن يفرج عنها بعد شهر، حسب ما تصل الفدية، أو حسب ما يتم محاولة إطلاق سراحهم، فإذًا هؤلاء الذين اختطفهم القراصنة سيقصرون، ما يدري متى أخذوه، في طريق السفر أخذ، متى سيفرج عنه؟ الله أعلم، فإذن ما له مدة محددة، القراصنة يقولون: نحن سنحبسكم خمسة أيام؟ لا يفعلون ذلك، فإذًا إذا تعطلت السفينة بهم في البحر، فهم ينتظرون إصلاحها، فهؤلاء يقصرون، وإذا كانوا يعلمون أنها لن تصلح، أو لن تأتي السفينة التي ستقطرها إلا بعد أسبوع، فعند الجمهور يتمون، وعند ابن القيم هذه المسألة سبق بيانها، والجزر التي في البحر، كانوا في سفينة ونزلوا في جزيرة، فإن نووا الإقامة بالجزيرة أكثر من أربعة أيام، حتى لو جزيرة غير مأهولة، هذه حكمها حكم الرحلة، البر، الصحراء، إذا نووا الإقامة بجزيرة، حتى لو جزيرة غير مأهولة، إذا نووا الإقامة في جزيرة أكثر من أربعة أيام يتمون، أربعة فأقل يقصرون، إذا سافر بنية التنقل إلى أكثر من مكان، يعني أحيانًا بعض الناس يذهب إلى بلد ثم يذهب من ذلك البلد إلى البلد الفلاني والفلاني والفلاني، يعني أنت الآن لو ناوي تسافر إلى العاصمة، فرضنا دلهي في الهند، شاه ولي الله الدهلوي أو الدهلاوي الدهلوي الدهلي التي يقولون عنها الدلهي الدهلي، هذه فرضنا أقام بها، لكن هو ناوي يجلس فيها أسبوع مثلًا، لكن يخرج منها، ويذهب مرة عشرين كيلو، مرة سبعين، مرة تسعين، ويرجع إليها، يذهب ويرجع إليها، الآن لما نزل دهلي، هذه صارت بالنسبة له مكان إقامة؛ لأنه نوى أن يجلس فيها أكثر من أربعة أيام، فإن راح عنها أقل من مسافة سفر فلا يقصر، وإذا راح عنها مسافة سفر فهو يقصر، لأن هذه صارت مكان إقامة بالنسبة له، الآن لو ذهب إلى دولة بنية التجول في مدنها الأساسية، مثلًا واحد يروح مصر، يروح يجلس في القاهرة ثلاثة أيام، والإسكندرية ثلاثة أيام، وأسوان ثلاثة أيام، ناوي يجلس ويتنقل، يذهب في يومين، ثلاثة، أربعة، فماذا يفعل؟

سافر بنية التنقل لأكثر من مكان لها أحوال:

الأول: أن تكون المواضع التي ينتقل فيها في قرية واحدة أو بلدة واحدة، فهو في ذات العاصمة يذهب إلى هذا الحي وهذا الحي وهذا الحي لكن داخل مدينة واحدة، ففي هذه الحالة معلوم أنه لا يترخص إذا كان مجموع ما يقيمه فيها يزيد على أربعة أيام، يعني كون واحد يروح لندن يجلس في الضاحية الفلانية ثلاثة أيام، في وسط المدينة ثلاثة أيام، وفي طرف المدينة ثلاثة أيام، هذا مقيم يتم؛ لأنه كونه يتنقل داخل المدينة الواحدة لا يخرجه عن كونه مقيمًا إذا كان سيجلس أكثر من أربعة أيام، هذه عرفناها؛ لأن هذه الفنادق داخل المدينة الواحدة، والمواضع داخل المدينة الواحدة موضع واحد.

الثاني: أن تكون هذه المواضع في قرى مختلفة، أو بلدان متعددة، يعني واحد رايح مثلًا المنطقة الغربية، راح يجلس في جدة أيامًا، وفي مكة أيامًا، وفي الطائف أيامًا، فرضنا واحد راح المنطقة الجنوبية، في أبها أيامًا، وفي خميس مشيط أيامًا، والنماص أيامًا، هذا الذي سيتنقل سيدخل إقليمًا ويتنقل فيه من قرية إلى قرية ومن بلد إلى آخر، إذا كانت هذه البلدات منفصلة، قرى مختلفة، ولن يمكث في أي منها أكثر من أربعة أيام، فماذا يفعل في هذه المواضع والبلدان والقرى؟

الجواب: يقصر؛ لأنه لم يجمع الإقامة في أي منها أكثر من أربعة أيام، فلا يبطل حكم السفر، ولا يزال مسافرًا، وهذا إذا كانت الأمكنة متباينة منفصلة مختلفة حقيقة وحكمًا، فإنه في هذه الحال لا يزال مسافرًا، إذًا الذي يمنع، أو الذي يقطع السفر اتحاد المكان، ويمكث فيه أكثر من أربعة أيام، هذه إقامة قرار، أما ذلك انتقال.

قال ابن قدامة: "وإن عزم على إقامة طويلة في رستاق" [المغني لابن قدامة: 2/215]، والرستاق كلمة معرّبة، تعني الناحية التي هي طرف الإقليم، وتشتمل على قرى كثيرة، قال ابن قدامة: "وإن عزم على إقامة طويلة في رستاق، يتنقل فيه من قرية إلى قرية، لا يجمع على الإقامة بواحدة منها مدة، تبطل حكم السفر" يعني كلها أربع فأقل لم يبطل حكم سفره، لأن النبي ﷺ أقام عشرًا بمكة وعرفة ومنى، فكان يقصر في تلك الأيام كلها، طبعًا كانت منى منفصلة عن مكة، كانت منى قرية منفصلة عن مكة تمامًا، ومزدلفة موضع منفصل عن منى، وعرفة موضع منفصل عن مزدلفة، وهكذا، فهذه مواضع منفصلة مختلفة، ولذلك قصر فيها كلها، قصر في مكة، قصر في منى، قصر في مزدلفة، قصر في عرفة، هذه أماكن منفصلة مختلفة؛ ولأنه لم ينو الإقامة في بلد بعينه، فأشبه المتنقل في سفره من منزل إلى منزل.

الثالث: أن تكون هذه المواضع بلدان متعددة، ويقيم في بعضها أكثر من أربعة أيام، فإذا أقام في أحد هذه البلاد أو القرى أكثر من أربعة أيام فلا يترخص فيها، إذا ذهب للبلد الثاني ما يترخص إلا إذا كانت الطريق أكثر من ثمانين كيلو، هذه مسألة قلناها قبل قليل؛ إذا أنت ذهبت إلى مكان تمكث فيه أكثر من أربعة أيام صرت فيه مقيمًا، لو ذهبت تتنقل في القرى والبلدات الأخرى القريبة منه ما تعتبر مسافرًا؛ لأنك انطلقت من مكان إقامة، إلا إذا كانت المسافة بينه وبين مكان الإقامة أكثر من ثمانين كيلو.

والآن سننتقل إلى صلاة المسافر خلف المقيم، وإذا صلى خلف المقيم هل يتم أم لا؟ وإذا كان الإمام مسافرًا، وإذا كان الإمام مقيمًا، واشتراط النية للقصر والجمع، يعني هل يشترط أن أنوي الإقامة؟ هل يشترط أن أنوي الجمع؟ أو أنوي القصر؟ أو ممكن أصلي بنية إتمام ثم أقصر، أقول: أنا مسافر، لماذا نويت إتمام؟ مسائل تتعلق بالنية في الجمع والقصر، وتتعلق بالاقتداء من المسافر خلف المقيم، سنأتي على ذلك إن شاء الله في الدرس القادم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.