الجمعة 13 رجب 1444 هـ :: 3 فبراير 2023 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

أركان وواجبات وسنن الصلاة


عناصر المادة
ملخص الدرس الماضي
صور سلام المأموم مع الإمام
الأركان القولية للصلاة
تكبيرة الإحرام
قراءة الفاتحة
الأركان الفعلية للصلاة
واجبات الصلاة
التشهد الأول
التكبيرات غير تكبير الأحرام
قول: سبحان ربي العظيم، في الركوع
قول: سبحان ربي الأعلى، في السجود
قول: رب اغفر لي، بين السجدتين
قول: سمع الله لمن حمده
سقوط واجبات الصلاة بالسهو
أركان الصلاة لا تسقط بأي حال من الأحوال
سنن الصلاة وأنواعها
الطمأنينة في جميع أركان الصلاة
الترتيب بين أركان الصلاة
ملخص الدرس
أركان الصلاة
واجبات الصلاة
الأذكار بعد الفراغ من الصلاة
هيئات التسبيح بعد الصلاة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

ملخص الدرس الماضي

00:00:14

فقد تحدثنا في الدرس الماضي من "شرح منهج السالكين" للشيخ السعدي -رحمه الله- في صفة الصلاة عن التسليم، وأنه ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، ولا يقوم غيره مقامه، كما هو مذهب جمهور العلماء، خلافًا للحنفية، وأن أقله عند الجمهور أن يقول: السلام عليكم.

وقال بعضهم: بل الفرض أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وهو المذهب عند الحنابلة، وذكرنا الخلاف في زيادة كلمة: "وبركاته"، وأن الذي عليه أكثر أهل العلم عدم استحباب ذلك لعدم ثبوت هذه الزيادة، وأن من زادها ظانًا صحتها فلا حرج عليه، ولا ينكر عليه، وأن السنة أن يسلم تسليمتين تسليمة عن يمينه، وأخرى عن شماله، وأن الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدة ضعيفة عند جمع كثير من أهل العلم كالإمام أحمد وابن المديني والعقيلي، وابن عبد البر، والنووي، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم.

وقلنا: إن التسليمة الأولى ركن والتسليمة الثانية اختلفوا فيها، فقال بعضهم: سنة، وهو مذهب جماهير أهل العلم، ورجحه ابن قدامه -رحمه الله- من الحنابلة، وقيل : واجب، وهذا القول رواية عن أحمد، وقيل التسليمة الثانية ركن من أركان الصلاة كالأولى لا تصح إلا بها، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

وعلى هذا القول فصلاة من اقتصر على تسليمة واحدة، يعني القول الأخير لا تصح، ولذلك الأحوط أن الإنسان يأتي بها، أي بالتسليمة الثانية، وأن لا يتركها.

وذكرنا: في كيفية التسليم قولين:

الأول: أن يبتدئ السلام مستقبل القبلة ويتمه ملتفتًا بحيث يكون تمام سلامه مع آخر الالتفات؛ كما قال ابن عقيل -رحمه الله- يبتدئ بقوله: السلام عليكم إلى القبلة، ثم يلتفت قائلًا ورحمة الله عن يمينه وعن يساره.

وفي "الملخص الفقهي" يبتدئ السلام متوجهًا إلى القبلة، وينهيه مع تمام الالتفات.

والقول الثاني: يكون بدء الالتفات مع بدء السلام ونهايته مع نهاية السلام عليكم ورحمة الله.

فإذن، القول الأول، يقول السلام عليكم ووجهه إلى القبلة ثم يلتفت.

القول الثاني: الالتفات مع السلام مباشرة وأن الالتفات عن اليمين والشمال أثناء السلام هو سنة فلو تركه صحت صلاته وأن السنة في لفظ السلام أن يدرجه من غير مد.

صور سلام المأموم مع الإمام

00:02:50

وذكرنا: أن لسلام المأموم مع الإمام خمس صور:

الأولى: أن يسلم عقب فراغ الإمام من التسليمتين، وهذا هو الأفضل بلا خلاف.

الثانية: أن يسلم قبل شروع الإمام في السلام، فإن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان سهوًا لم تبطل؛ لأن بعض الناس قد يظن أن الإمام سلم فيسلم ثم يتبين له أنه أخطأ، وأن الإمام لم يسلم بعد فيستمر حتى يسلم الإمام، ويسلموا معه.

الثالثة: أن يسلم التسليمة الأولى بعد تسليمة الإمام الأولى، ويسلم التسليمة الثانية بعد تسليمة الإمام الثانية فهذا جائز، ولكنه مخالف للأفضل.

الرابعة: أن يسلم التسليمتين بعد التسليمة الأولى للإمام فعند من يقول إن التسليمة الثانية سنة، وهم جمهور العلماء ما حكم صلاة هذا؟ صحيحة، وعند من يقول إن التسليمة الثانية ركن وهم الحنابلة ما حكم صلاة من يسلم تسليمتين بعد تسليمة الإمام الأولى باطلة.

الصورة الخامسة: أن يقارنه في السلام بأن يكون سلامه مع سلام الإمام، فهذا مكروه، ولكن لا تبطل الصلاة به.

وذكرنا: أن المسبوق يقوم بعد فراغ الإمام من التسليمتين لإتمام ما عليه فإن قام قبل ذلك فلا يخلو إما أن يقوم قبل شروع الإمام في السلام، فهنا صلاته باطلة، وإن قام بعد التسليمة الأولى، وقبل الثانية فهي صحيحة عند من يقول إن التسليمة الثانية سنة وهم الجمهور؛ لأن الإمام قد خرج من الصلاة، وهذه الثانية مستحبة، ومن قال بوجوبها لا يجيزون له أن يقوم قبل التسليمة الثانية للإمام، وهذا مخالفة مشهورة عند كثير من المسبوقين، ولاحظ هذا في الصلوات، ولاحظ هذا في صلاة الجماعة إذا كنت مسبوقًا، أو إذا كان بجانبك شخص مسبوق، متى يقوم؟ خلق الإنسان عجولًا، لا ينتظرون اكتمال تسليمتي الإمام، فبعضهم يقوم قبل التسليمة الأولى ما تنتهي، وبعضهم يقوم بعد التسليمة الأولى، ونادرًا من يقوم بعد فراغ الإمام التام من الصلاة وبعد التسليمتين.

وقلنا: لعل الإمام عليه سجود سهو فإذا قام مستعجلًا قبل التسليمة الثانية فقد يقع في الحرج، ولا يعرف ماذا يفعل إذا سجد الإمام للسهو وهو قد قام.

وعلى القول بأن صلاة الجماعة تدرك بإدراك أي شيء منها، وهذا من مذاهب أهل العلم، فلو أدرك المصلي الإمام بعد التسليمة الأولى وقبل الثانية فهل يكون مدركًا للجماعة أم لا؟

هناك من العلماء من يقول الجماعة لا تدرك إلا بركعة، والركعة لا تدرك إلا بركوع، وهناك من العلماء من يقول: إن الجماعة تدرك بإدراك أي شيء منها سجود، تشهد، أي شيء منها، على هذا القول لو دخل واحد والإمام في التشهد فلما كبر سلم الإمام أو كبر مع تسليمه أو كبر بعد تسليمه، فلو أدرك الإمام بعد التسليمة الأولى وقبل الثانية فهل يكون مدركًا لصلاة الجماعة؟

عند الجمهور لا يعتبر مدركًا؛ لأن الخروج من الصلاة قد حصل عندهم بالتسليمة الأولى، وهذا ما كبر إلا بعد التسليمة الأولى.

وأما على قول الحنابلة الذين يقولون: إنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمتين، فقد قال ابن قدامة في "المقنع": ومن كبر قبل سلام إمامه فقد أدرك الجماعة.

قال المرداوي: وظاهر كلام المصنف أنه لا يدركها إذا كبر بعد سلام الإمام من الأولى، وقبل سلامه من الثانية، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وقيل يدركها؛ لأن عندهم أن الصلاة لم تنته بعد، وأنها لا تنتهي إلا بعد التسليمة الثانية.

الأركان القولية للصلاة

00:07:07

وتوقفنا عند قول المصنف -رحمه الله-: "والأركان القولية من المذكورات تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة على غير مأموم والتشهد الأخير، والسلام".

بعد أن فرغ المصنف -رحمه الله تعالى- من بيان صفة الصلاة من التكبير إلى التسليم شرع في بيان ما هو فرض من أفعال الصلاة، وما هو سنة، فذكر:

أولًا: الأركان، وأركان كل شيء جوانبه التي يستند عليها، ويقوم بها، فالركن هو ما لا وجود للشيء إلا به، فهو جزء أساس منه، لا يمكن أن يقوم إلا به.

والحنابلة يقسمون أفعال الصلاة إلى ثلاثة أقسام: أركان، وواجبات، وسنن.

وتظهر فائدة هذا التقسيم في حال من ترك شيئًا منها، فمن ترك ركنًا من أركان الصلاة فلا تصح صلاته سواء تركه عمدًا أو سهوًا.

وأما الواجب فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا نسيانًا جبره بسجود السهو، والسنن لا تبطل الصلاة بتركها عمدًا ولا سهوًا، لكن يستحب أن يسجد للسهو.

تكبيرة الإحرام

00:08:27

وقد قسم المصنف -رحمه الله- الأركان إلى قولية وفعلية، والأركان القولية التي ذكرها أربعة، قال: "والأركان القولية من المذكورات تكبيرة الإحرام"، وهي الركن الأول من أركان الصلاة، ويدل على ذلك كما رواه أبو داود عن علي عن النبي ﷺ قال:  مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم  وهو حديث صحيح، صححه النووي، وكذلك الألباني [رواه أبو داود: 61]، وفي حديث المسيء صلاته:  إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر  [رواه البخاري: 757، ومسلم: 397].

قراءة الفاتحة

00:09:05

قال المصنف -رحمه الله-: "وقراءة الفاتحة على غير مأموم"، يعني هذا الركن القولي الثاني في الصلاة، ويدل على كونها ركنًا، ما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺقال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب [رواه البخاري: 756، ومسلم: 394] لماذا قال : على غير مأموم؟ لماذا قال في الأركان القولية وقراءة الفاتحة على غير مأموم؟

لأجل الخلاف الشديد في المسألة، وقول المصنف على غير مأموم يفهم منه أن المأموم لا تجب عليه قراءة الفاتحة، وقد تقدم الخلاف في المسألة، وأن مذهب الحنابلة والمالكية أن المأموم يقرأ في الصلاة السرية فقط، ومذهب الشافعي وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، واختاره من المعاصرين الشيخان عبد العزيز بن باز ومحمد بن صالح بن عثيمين، وعلماء اللجنة الدائمة، واستدلوا بما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت قال: "كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال:  لعلكم تقرؤون خلف إمامكم ، قلنا: نعم هذًا يا رسول الله، قال:  لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وحسنه الترمذي والدار قطني والبيهقي والخطابي، ومن المعاصرين الألباني، وغيرهم [رواه أبو داود: 823].

وهو نص في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية، وقراءة الفاتحة لا تسقط إلا عن المسبوق الذي أدرك الركوع مع الإمام -كما سبق بيانه- اختار شيخ الإسلام -رحمه الله- أيضًا قول المالكية وغيرهم من أن الفاتحة تسقط عن المأموم في الجهرية دون السرية، وقال: هذا أوسط الأقوال، وبه تجتمع الأدلة.

على أية حال: الخلاف شديد جدًا في هذه المسألة.

وقال رحمه الله بعد ذلك: "والتشهد الأخير" حسب ترتيب المصنف ما هو هذا؟

الركن الثالث القولي، ويدل على ذلك ما رواه النسائي عن ابن مسعود قال: "كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله ﷺ:  لا تقولوا هكذا، فإن الله -عز وجل- هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات، والطيبات...  الحديث فقوله: قبل أن يفرض التشهد يدل على أن التشهد فرض، والحديث صححه الدارقطني والبيهقي والنووي كما في "المجموع"، وكذلك الألباني من المعاصرين.

قال: والسلام ما هو هذا؟

الركن الرابع من الأركان القولية: فمعنى ذلك أنه لا تصح الصلاة إلا به، وبهذا قال جمهور العلماء، ويدل لذلك ما رواه الترمذي، عن علي عن النبي ﷺ قال:  مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم  كما في سنن أبي داود وهو حديث صحيح [رواه أبو داود: 61].

ففي الحديث حصر الخروج عن الصلاة بالتسليم دون غيره من سائر الأفعال والأقوال، وهذا يقتضي أنه ركن؛ لأن المصلي لا يمكنه الخروج من الصلاة إلا به.

لم يذكر المصنف -رحمه الله- الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير على أنها من الأركان، معناها أن هذا عنده ليس من الأركان، وقد تقدم الخلاف فيها هل هي سنة أو واجبة أو ركن كما هو مذهب أحمد والشافعي.

وذكرنا: أن القول بالوجوب أوسط الأقوال، ورجحه ابن قدامة -رحمه الله-، ومن المعاصرين الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، وعلماء اللجنة الدائمة.

الأركان الفعلية للصلاة

00:12:49

قال المصنف: "وباقي أفعالها أركان فعلية" أي أن الأفعال الأساسية التي تتكون منها الصلاة هي أركان فيها وهذه الأفعال هي القيام والركوع والرفع منه والسجود، والجلوس بين السجدتين، والجلوس للتشهد الأخير، فهذه ستة أركان فعلية.

لو واحد قال: مضى التشهد الأخير لماذا يحسبه مرتين؟

الفعلي هو الجلوس، وأما ما قبله التشهد قولي، فالأركان الستة الفعلية التي ذكرها رحمه الله:

أولها: القيام: وهو ركن في الصلاة المفروضة بالإجماع، ويدل على ذلك ما رواه البخاري عن عمران بن حصين قال: "كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال:  صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب .

ثانيها: الركوع، ودليل ركنيته قوله تعالى:  وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحـج: 77]، ودلت السنة على ثبوت ذلك ولزومه كما قال ﷺ للمسيء صلاته: ثم اركع حتى تطمئن راكعًا [رواه البخاري: 757، ومسلم: 397].

وثالثها: الاعتدال من الركوع، فهو ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به، ويدل على ذلك حديث المسيء صلاته حيث قال له ﷺ:  ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا رواه البخاري: 757 ، ومسلم: 397]، وروى أحمد عن أبي هريرة - قال: قال رسول الله ﷺ:  لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده  [وصححه الألباني [رواه أحمد: 10799 ].

ورابعها: السجود في الصلاة ودليل ركنيته قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا  [الحـج: 77]، وأمر به النبي ﷺ المسيء صلاته، فقال: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا  [رواه البخاري: 757، ومسلم 397]، وخامسها: الجلوس بين السجدتين وهو ركن لا تصح الصلاة إلا به؛ لقوله ﷺ للمسيء صلاته: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا [رواه البخاري: 757، ومسلم: 397]، وهذا مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة في قضية الجلوس بين السجدتين، ولذلك تلاحظ مثلًا الإمام الحنفي إذا صلى لا يطيل كثيرًا في هذا الجلوس بين السجدتين فبمجرد ما يرفع ينزل مباشرة لأنها عندهم ليست بركن.

وسادسها: الجلوس للتشهد الأخير؛ لأن التشهد الأخير ركن فالجلوس له ركن أيضًا، نعيد أقول ولذلك ترى في صلاة بعض الأحناف أنهم لا يكادون يطمئنون في الجلوس بين السجدتين؛ لأنه عندهم ليس بركن، أما من يطبق السنة فإنه يطمئن فيه حتى ولو لم يعتقد أنه ركن لثبوت الاطمئنان في هذا الجلوس والتسوية بينه في الطول وبين السجود، وكذلك الركوع والرفع منه؛ لأن هذه الأركان قريبة من السواء.

وذكر ابن القيم -رحمه الله- أن من السنن التي كادت أن تندثر هذه السنة الاطمئنان، وجعل الجلوس بين السجدتين بمقدار السجدة والركوع والرفع منه في الطول.

وسادسها: يعني سادس الأركان الفعلية: الجلوس للتشهد الأخير؛ لأن التشهد الأخير ركن، فالجلوس له ركن أيضًا.

واجبات الصلاة

00:16:24

ويستثنى من أفعال الصلاة الجلوس للتشهد الأول فليس بركن، بل هو واجب من واجبات الصلاة، ولذلك قال المصنف -رحمه الله-: "إلا التشهد الأول فإنه من واجبات الصلاة وواجبات الصلاة ثمانية كلها قولية إلا واحد"، وهذه الواجبات هي: التشهد الأول، والجلوس له، وتكبيرات الانتقال، والتسبيح في الركوع، والتسميع، والتحميد، والتسبيح في السجود، وقول: رب اغفر لي بين السجدتين.

وجميع هذه الأقوال واجبة عند الحنابلة من ترك منها شيئًا متعمدًا بطلت صلاته، ومن تركه ناسيًا سجد للسهو.

أما جمهور العلماء فيعتبرون كل هذه الأمور من سنن الصلاة، ولذلك تصح صلاة من تركها عامدًا أو ساهيًا، لكن يفوته الأجر عندهم.

التشهد الأول

00:17:21

ثم قال المصنف -رحمه الله-: "إلا التشهد الأول فإنه من واجبات الصلاة" الواجب الأول والثاني من واجبات الصلاة هو التشهد الأول وجلسته، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ فعله، وأمر به، ولما تركه ناسيًا سجد للسهو.

التكبيرات غير تكبير الأحرام

00:17:40

ثم قال رحمه الله: "والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام" فمن واجبات الصلاة تكبيرات الانتقال، وهي التي تكون عند كل خفض ورفع في الصلاة إلا في حالة الرفع من الركوع، وعلى هذا يكون في كل ركعة خمس تكبيرات، ويدل على وجوبها أن النبي ﷺ قال: صلوا كما رأيتموني أصلي .

وثبت أنه ﷺ كان يكبرهن، ولقول النبي ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا [رواه البخاري: 688، ومسلم: 412].

قول: سبحان ربي العظيم، في الركوع

00:18:14

رابعًا: قول "سبحان ربي العظيم" في الركوع؛ لأن النبي ﷺ أمر به وأمره للوجوب، فروى أبو داود عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم، قال رسول الله ﷺ: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى، قال: اجعلوها في سجودكم  قال النووي: "إسناده حسن، وصححه ابن القيم في "مختصر الصواعق"، والشوكاني في "فتح القدير" غير أن الألباني ضعفه في الإرواء".

والواجب من ذلك أن يقولها مرة واحدة وما زاد فهو سنة، "من ذلك" ذلك اسم إشارة تعود على قول: سبحان ربي العظيم.

قول: سبحان ربي الأعلى، في السجود

00:18:58

خامسًا: وسبحان ربي الأعلى، مرة في السجود، فالواجب من التسبيح في السجود هو قول: سبحان ربي الأعلى مرة واحدة، وما زاد على ذلك فهو مستحب.

ويدل على وجوب التسبيح في السجود حديث عقبة بن عامر السابق وفيه: "فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى، قال:  اجعلوها في سجودكم .

طبعًا منهم من يقول: إن السنة ثلاث ولا يزيد، يعني مراعاة الإمام لأحوال المأمومين.

قول: رب اغفر لي، بين السجدتين

00:19:28

سادسًا: رب اغفر لي، بين السجدتين مرة، وما زاد فهو مسنون، فالواجب منه أن يقولها مرة واحدة: رب اغفر لي، والزيادة مستحبة، وهي قول: رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني، وهذا الإيجاب هنا يحتاج إلى دليل، وذكره الحنابلة عندهم أن رب اغفر لي من الواجبات فلابد من دليل على وجوبه؛ لأنه إذا لم يثبت الدليل على الوجوب فإنه يبقى سنة.

قول: سمع الله لمن حمده

00:20:08

سابعًا وثامنًا: قول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، و "ربنا ولك الحمد" للكل، والدليل على ذلك يعني الوجوب أن رسول الله ﷺ واظب على ذلك فلم يدع قول: "سمع الله لمن حمده" في حال من الأحوال.

ثانيًا: أنه شعار الانتقال من الركوع إلى القيام.

ثالثًا: قوله ﷺ:  إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد [رواه البخاري: 796، ومسلم: 409].

والقدر الواجب في ذلك هو قول: ربنا ولك الحمد، وأما زيادة  ملء السموات إلى آخره فهي سنة مستحبة.

سقوط واجبات الصلاة بالسهو

00:20:47

قال المصنف -رحمه الله-: "فهذه الواجبات تسقط بالسهو ويجبرها سجوده" فمن ترك شيئًا من الواجبات كأن نسي أن يقول الذكر في الركوع أو الرفع منه أو السجود فإنه يسجد للسهو في آخر الصلاة، أما إذا ترك شيئًا من ذلك عامدًا تبطل صلاته عند الحنابلة.

أركان الصلاة لا تسقط بأي حال من الأحوال

00:21:14

ثم قال رحمه الله: "والأركان لا تسقط سهوًا ولا جهلًا ولا عمدًا" فمن ترك شيئًا من الأركان عمدًا كمن صلى ولم يسجد السجدة الثانية في إحدى الركعات أو لم يعتدل في القيام من الركوع فصلاته باطلة، وكذلك الحال بالنسبة للناسي والجاهل، فمن صلى وترك الركوع أو السجود أو الجلوس بين السجدتين، وكان ناسيًا أو جاهلًا بأن هذا ركن فصلاته باطلة أيضًا بدليل حديث المسيء صلاته، فإنه لما ترك الركن وهو الاطمئنان لم يعذره النبي ﷺ، وأمره بإعادة الصلاة، وقال له:  ارجع فصل فإنك لم تصل  قال القاضي عياض -رحمه الله-: "فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ، وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء، وهو الظاهر" [فتح الباري، لابن حجر: 2/ 278].

سنن الصلاة وأنواعها

00:22:13

ثم قال المصنف -رحمه الله-: "والباقي سنن أقوال وأفعال مكملة للصلاة".

وسنن الصلاة نوعان، كما قال المصنف -رحمه الله-: "الأول: سنن الأقوال"، وهي كثيرة منها: الاستفتاح، والتعوذ، والبسملة، طبعًا عند من لا يجعلها آية من الفاتحة، والتأمين، والقراءة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين بما تيسر من القرآن، هذا كله ما هو سنة، وما زاد على المرة الواحدة في تسبيح الركوع والسجود، والزيادة على المرة في قول: رب اغفر لي، بين السجدتين، والاستعاذة في آخر الصلاة من عذاب جهنم وعذاب القبر.

وقال بعضهم: بوجوبه، والدعاء في آخر الصلاة قبل السلام، يعني كله هذا سنة.

والنوع الثاني: سنن الأفعال كرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وبعد القيام من التشهد الأول، ووضع اليد اليمنى على اليسرى، والنظر إلى موضع السجود، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومد الظهر والاعتدال في الركوع، ومجافاة البطن عن الفخذين، والفخذ عن الساقين في السجود، والافتراش في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول، والتورك في التشهد الثاني، والالتفات يمينًا وشمالًا في التسليم.

الطمأنينة في جميع أركان الصلاة

00:23:38

ثم قال المصنف -رحمه الله-: "ومن أركانها الطمأنينة في جميع أركانها" الاطمئنان في الصلاة ركن من أركان الصلاة، فمن صلى ولم يطمئن في صلاته فصلاته باطلة، ويدل على ركنية الاطمئنان الحديث الذي ذكره المصنف وهو حديث المسيء صلاته، وقد أخرجه الشيخان، ولفظه: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها .

وروى أبو داود عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله ﷺ:  لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود  صححه الألباني، أي لا تجزئ صلاة من لا يسوي ظهره في الركوع والسجود والمراد الطمأنينة "عون المعبود".

وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال:  إن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته  قالوا: يا رسول الله وكيف يسرقها؟ قال:  لا يتم ركوعها ولا سجودها صححه الألباني.

ولكن ما هو حد الاطمئنان الذي هو ركن؟

قال جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة: المقصود بالاطمئنان في الركوع والسجود والرفع من الركوع وبين السجدتين أن يمكث حتى تستقر أعضاؤه، وتسكن مهما قل الزمن أن يمكث في السجود أو في الركوع أو في الرفع منه أن يمكث حتى تستقر أعضاؤه وتسكن مهما قل الزمن.

القول الثاني: أن يمكث بقدر الذكر الواجب، أن يمكث في الركوع بقدر ما يقول: سبحان ربي العظيم، مرة، وأن يمكث في السجود بقدر ما يقول: سبحان ربي الأعلى، مرة، وهذا قول لبعض الحنابلة، واختاره المجد بن تيمية -رحمه الله-، ورجحه من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين كما في "الشرح الممتع".

فعلى هذا القول ما هي الطمأنينة في الاعتدال من الركوع بقدر ما يقول: ربنا ولك الحمد؛ لأن سمع الله لمن حمده، وهو رافع هو لما يرفع يقول سمع الله لمن حمده فالتسميع هذا أثناء الانتقال، لكن عند الاعتدال: "ربنا ولك الحمد"، ولو مرة صح هي مرة، ولكن بقدر الوجوب، وهو "ربنا ولك الحمد ملء السموات" إلى آخره، هذه سنة.

والفرق بين القولين: أن من اطمأن في ركوعه مثلًا بقدر قول: سبحان ربي العظيم، فصلاته صحيحة على القولين، وأما من اطمأن في صلاته في الركوع شيئًا يسيرًا بمقدار مثلًا سبحان ورفع ربي العظيم، هذه صارت في الهواء فوق وهو يتحرك غير مطمئن، وهو يتحرك كملها وهو يتحرك، فلا يعتبر على القول الثاني مطمئنًا في صلاته، بعض العجلين في صلاتهم هكذا سبحان ربي العظيم، وهو طالع، ربي العظيم هذه وهو طالع.

فعلى القول بأن الطمأنينة هي السكون وإن قل تكون صلاته صحيحة؛ لأنه قد أتى بالركن.

وعلى القول الثاني: تكون صلاته باطلة؛ لأنه لم يأت بالركن وهو المكث قدر قول: سبحان ربي العظيم، كما في الإنصاف والحكمة من الطمأنينة أن الصلاة عبادة يناجي الإنسان فيها ربه، فإذا لم يطمئن فيها صارت كأنها لعب حركات متوالية سريعة، ما فيها خشوع ولا طمأنينة ولا سكون، كيف يخشع في مثل هذه؟ وكيف يكون لها أثر في نفسه؟

الترتيب بين أركان الصلاة

00:27:42

ومن الأركان التي لم يذكرها المصنف -رحمه الله-: الترتيب بين أركان الصلاة، والمقصود بالترتيب أن يبدأ بالقيام ثم الركوع ثم الرفع منه ثم السجود ثم الجلوس بين السجدتين، وهكذا..

ودليل ذلك أن النبي ﷺعلم المسيء في صلاته الصلاة بقوله، ثم.. ثم.. ثم.. وهي تدل على الترتيب، والنبي ﷺ واظب على هذا الترتيب، ولم يخل به أبدًا إلى أن توفي ﷺ وهو يقول:  صلوا كما رأيتموني أصلي .

ملخص الدرس

00:28:14

أركان الصلاة

00:28:14

فتلخيصًا لما سبق نقول: أركان الصلاة:

أولًا: القيام في الفرض.

ثانيًا: تكبيرة الإحرام.

ثالثًا: قراءة الفاتحة.

رابعًا: الركوع.

خامسًا: الاعتدال قائمًا.

سادسًا: السجود.

سابعًا: الجلوس بين السجدتين.

ثامنًا: التشهد الأخير.

تاسعًا: الجلوس له.

عاشرًا: التسليم.

الحادي عشر: الطمأنينة.

الثاني عشر: ترتيب الأركان.

واجبات الصلاة

00:28:41

وواجبات الصلاة هي:

أولا: تكبيرات الانتقال.

ثانيا: سمع الله لمن حمده للإمام والمنفرد.

ثالثا: ربنا ولك الحمد.

رابعا: سبحان ربي العظيم مرة في الركوع.

خامسا: سبحان ربي الأعلى مرة في السجود.

سادسا: رب اغفر لي بين السجدتين.

سابعا: التشهد الأول.

ثامنا: الجلوس للتشهد الأول، ويضاف إليها الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأخير على الراجح.

وطبعًا هناك من خالف في هذه الأركان والواجبات من العلماء.

الأذكار بعد الفراغ من الصلاة

00:29:13

قال المصنف: "فإذا فرغ من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" فيستحب للمصلي بعد فراغه من الصلاة أن يذكر الله -تعالى- بعد السلام، وهذا الاستحباب للإمام والمأموم والمنفرد، الرجل والمرأة، المسافر والمقيم، وقد وردت أحاديث كثيرة صحيحة في الأذكار التي تقال بعد الصلاة، ومن ذلك: الاستغفار ثلاثًا، فعن ثوبان قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام [رواه مسلم: 591].

قال الوليد : فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: استغفر الله، استغفر الله.

ما هو مناسبة الاستغفار والإنسان منصرف من فريضة وليس من لهو ولعب وليس من إثم ومعصية؟

هو سرح في الصلاة مثلاً

الاقتداء بالسنة، مهما كان إلا ويقع فيها تقصير.

أن كثيرًا من العبادات ورد ختمها بالاستغفار.

نلخص نقول: مناسبة الاستغفار بعد الصلاة هو جبر التقصير والخلل الذي يقع فيها، ومن الذي لا يسهو أبدًا أو يذهب قلبه ولو لحظة، فهذا يحدث كثيرًا في الصلاة شرود والتفات القلب عن الصلاة ولو يسيرًا، يحدث كثيرًا فيناسبه الاستغفار، ثم الإنسان مهما أطال الصلاة وزينها وأحسنها وعبد وأطال وخشع فيبقى غير مكافئ لنعم الله عليه.

والاستغفار طارد للعجب عن العبد فإن بعض الناس ربما يتسلل العجب إلى نفسه من طول صلاته، فيبقى العبد محتاجًا باستمرار للاستغفار.

قال المصنف -رحمه الله- مبينًا ما يقال بعد الصلاة أيضًا: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين" فيسن للمصلي أن يسبح الله بعد الصلاة ويحمده ويكبره؛ كما جاء عن أبي هريرة قال: "جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور" من الأموال جمع دثر وهو المال الكثير "بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون؟ قال: ألا أحدثكم بماذا بأمر بشيء إن أخذتم أدركتم من سبقكم، ولم يدركم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيكم إلا من عمل مثله؛ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين  [رواه البخاري: 843، ومسلم: 595].

زاد مسلم قال أبو صالح: "فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففعلوا مثله؟ فقال رسول الله ﷺ: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [رواه مسلم: 595].

هيئات التسبيح بعد الصلاة

00:32:34

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن هذا الذكر له ست هيئات:

أحدها: أن يقول كل واحدة ثلاثًا وثلاثين فيكون المجموع تسعًا وتسعين، سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، المجموع هو تسع وتسعون.

الثاني: أن يقول كل واحدة ثلاثًا وثلاثين، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ويختم ذلك بالتوحيد، لا إله إلا الله، فالمجموع مائة، ويختم ذلك بالتوحيد التام فيكون المجموع مائة.

الثالث: أن يكون التسبيح والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين، ليتم مائة، ما دليل هذه الصفة؟ عن كعب بن عجرة عن رسول الله ﷺ قال:  معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن، دبر كل صلاة مكتوبة؛ ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة  [رواه مسلم: 596].

وقوله: معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن  معناه تسبيحات تفعل أعقاب الصلاة وأذكار، سميت معقبات لأنها تفعل مرة بعد أخرى.

إذن، قال : دبر كل صلاة ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة، المجموع مائة، هذه صفة.

والرابع: أن يقول كل كلمة من الكلمات الأربع خمسًا وعشرين مرة، ما هي الكلمات الأربع؟ سبحان الله، والحمد لله، لا إله إلا الله، والله أكبر، وهذه من السنن التي تكاد تكون مندثرة أيضًا، وقل من يفعلها، فعن زيد بن ثابت قال: "أمرنا أن نسبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ونحمده ثلاثًا وثلاثين، ونكبره أربعًا وثلاثين، فرأى رجل من الأنصار في المنام فقال: أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوا الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبروا أربعًا وثلاثين، قال: نعم، قال: فاجعلوا خمسًا وعشرين، واجعلوا التهليل معهن.

خمسة وعشرين سبحان الله، خمسة وعشرين الحمد لله، وخمسة وعشرين الله أكبر، وخمسة وعشرين لا إله إلا الله، فغدا على النبي ﷺ فحدثه، قال: رأيت كذا في المنام فقال:  افعلوا [رواه الترمذي: 3413، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني].

إذن، متى صارت سنة؟

لما قال النبي ﷺ:  افعلوا .

والخامسة: أن يقول كل واحدة من هذه الكلمات عشرًا عشرًا، فيكون المجموع ثلاثون، يعني سبحان الله عشر، والحمد لله عشر، والله أكبر عشر، وهذا يصلح للمستعجل، فقد ثبت في صحيح البخاري أنه قال لهم: تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا .

السادس: أن يقول كل واحدة منهن إحدى عشرة مرة، فيكون المجموع ثلاث وثلاثون، لكن هذا فهم عليه انتقاد، فهم لحديث رواه مسلم في قصة فقراء المهاجرين من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة  قال سهيل بن أبي صالح راوي الحديث: إحدى عشرة إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون، ولكن قد أنكر غير واحد من العلماء على سهيل هذا الفهم، قال الحافظ بن حجر -رحمه الله-: "لم يتابع سهيل على ذلك، بل لم أر في شيء من طرق الحديث كلها التصريح بإحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وإسناده ضعيف".

والأظهر: أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد، والتقدير: تسبحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون وتكبرون كذلك[فتح الباري، لابن حجر: 2/ 328].

وقال ابن القيم: "والذي يظهر في هذه الصفة أنها من تصرف بعض الرواة وتفسيره؛ لأن لفظ الحديث: يسبحون ويحمدون ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين ، وإنما مراده بهذا أن يكون الثلاث والثلاثون في كل واحدة من كلمات التسبيح والتحميد والتكبير، أي قولوا: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين، وأما تخصيصه بإحدى عشرة فلا نظير له في شيء من الأذكار، بخلاف المائة فإن لها نظائر، والعشر لها نظائر" [زاد المعاد: 1/ 290].

وكذا في "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.

بقيت مسائل في الأذكار بعد الصلاة سنأتي عليها بمشيئة الله في الدرس القادم.

والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد.