الأربعاء 9 شوّال 1445 هـ :: 17 أبريل 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

أحكام المياه - الدرس الثالث


عناصر المادة
ملخص الدرس الماضي

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

ملخص الدرس الماضي

00:00:19

فنحن في أحكام المياه، وقد تكلمنا في الدرس الماضي عن الماء الطهور، وهو الماء الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهو الماء المطلق، أي ما يطلق عليه اسم الماء بلا قيد، وأنه سبعة أنواع: ماء المطر، وماء الثلج، وماء البرد، وماء العين، وماء البئر، وماء النهر، وماء البحر، وقد لخص المصنف -رحمه الله- هذه المياه السبعة في قوله: "فكل ماء نزل من السماء أو نبع من الأرض فهو طهور".

وذكرنا: أن الماء الطهور إذا اختلط بشيء من الطاهرات فله ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن لا يتغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، أو أن يتغير تغيرًا يسيرًا، فهو باق على طهوريته؛ لأن الماء باق على إطلاقه، لا زال يطلق عليه ماء.

الحالة الثانية: أن يتغير تغيرًا يخرجه عن اسم الماء، فهذا لا يصح التطهر به قولًا واحدًا، فلو صار شاياً مثلًا، فلا يصح التطهر به قولًا واحدًا.

الحالة الثالثة: أن يتغير الماء بشيء من الطاهرات لكنه لم يخرج عن مسمى الماء، فجمهور العلماء على أنه ماء طاهر غير مطهر؛ لأنه زال عنه اسم الماء المطلق.

ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله- والإمام أحمد: أنه طاهر مطهر؛ لأنه ماء، واختار هذا القول ابن المنذر، وكثير من المتأخرين كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ومن المعاصرين علماء اللجنة الدائمة للإفتاء، وكذلك اختاره الشيخان ابن باز وابن عثيمين.

وذكرنا: أن عامة العلماء اتفقوا على أربع صور لا يضر الماء المطلق ما أصابه من تغير فيها، وهي:

أولًا: تغيره بطول المكث كالماء الآجن والماء الآسن.

ثانيًا: تغيره بالمجاورة ولو أثر في لونه أو طعمه أو ريحه، جاوره شيء، انتقل إلى الماء طعم، أو نتيجة المجاورة طعم أو لون أو ريح، فإنه لا يضر.

ثالثًا: تغيره بما يعسر أو يشق صون الماء عنه كتغيره بسبب ممره أو مقره تغيره بالسمك أو الطحلب وسائر ما ينبت في الماء، وأيضًا أوراق الشجر الذي يسقط في الماء، فهذا لا يضره أيضًا.

رابعًا: تغيره بما يوافق الماء في صفتيه الطهارة والطهورية كالتراب.

وتكلمنا عن حكم الماء المستعمل في رفع الحدث، وأنه ماء طاهر عند عامة العلماء خلافًا لبعض الحنفية، واختلفوا هل هو ماء طهور أم لا؟ فجمهور العلماء على أن الماء المستعمل في رفع الحدث ليس بطهور، وذكرنا استدلالهم بحديث: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب".

والجواب عن ذلك إذن، أكثرهم يرون أن الماء المستعمل في الطهارة لا يجوز استعماله مرة أخرى في الطهارة، وأقرب ما يستدل لهم بما ذهب إليه النووي -رحمه الله تعالى- من أن النبي ﷺ وأصحابه احتاجوا في مواطن من أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا الماء المستعمل لإعادة استعماله مرة أخرى.

وذهب المالكية والظاهرية إلى أن الماء المستعمل في رفع الحدثين الأكبر والأصغر يظل على طهوريته، يعني أنه يجوز أن يستعمل في الطهارة مرة أخرى؛ لأنه ماء طهور لاقى محلًا طاهرًا وهو جسم أو أعضاء المتوضئ، فلا يخرج عن حكمه بتأدية الفرض به؛ لأن الماء الثاني مثل الأول، ما الذي تغير؟ كونه لامس بدن المتوضئ فكان ماذا؟ قالوا: فلا يخرج عن حكمه بتأدية الفرض به، واختار هذا القول ابن المنذر وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو اختيار المصنف الشيخ السعدي -رحمه الله-، وكذلك الشيخان ابن باز وابن عثيمين -رحم الله الجميع-.

ثم تحدثنا عن الماء النجس وهو ما خالطه شيء من النجاسات وغيره.

فإذن، انتهينا من الكلام عن الماء الطاهر المطهر، وإذا تغير فلم يعد يطلق عليه اسم ماء، فلا يجوز استعماله في الطهارة، فمثلًا قلنا: ماء الخل، ماء الورد، ماء الزعفران، ماء الزهر، يجوز الوضوء بها؟

لا.

لماذا؟

لم يعد يطلق عليها اسم ماء.

الآن لابد من إضافة ماء الزعفران، ماء الورد، فلم يعد يطلق عليها اسم الماء مفردًا هكذا..

في المقابل الماء النجس، وهو ما خالطه شيء من النجاسات، وغيره؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، الله خلق الماء أصلًا: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا [الفرقان: 48]، فإذا قلنا: ماء نجس، معناها تغير بنجاسة، طرأت عليه، الأصل فيه الطهارة.

وذكرنا: أن للنجاسة الواقعة في الماء ثلاث حالات:

الأولى: أن تغير النجاسة أحد أوصاف الماء اللون أو الطعم أو الرائحة، فهذا الماء نجس قولًا واحدًا سواء كان كثيرًا أو قليلًا.

الثانية: أن تقع النجاسة في الماء الكثير، ولا تغير شيئًا من أوصافه، لا الطعم ولا اللون ولا الرائحة، فهذا الماء طاهر طهور قولًا واحدًا؛ لأن هناك ماء كثير طاهر وقعت فيه نجاسة لم تغير شيئًا من أوصافه الثلاثة.

فإذن، سيبقى على طهوريته.

الثالثة: أن تقع النجاسة في الماء القليل، ولا تغير شيئًا من أوصافه، لو غيرت صار نجسًا، لكن إذا أردنا أن نأتي بنوع جديد الآن في الحالة الثالثة، فلابد أن نقول: ماء قليل وقعت فيه نجاسة لم تغير أوصافه الثلاثة، ما حكمه؟

لو قلنا: الحالة الأولى: ماء طاهر طهور، غيرت النجاسة أوصافه فصار نجسًا، قولًا واحدًا.

الثانية: كثير لم تغير شيئًا من أوصافه، فإنه باق على طهوريته.

الثالثة: طهور قليل وقعت فيه نجاسة ولم تغير، لكن لو قلت: غير صار مثل الأول، هذا نوع جديد، ماء طهور قليل وقعت فيه نجاسة لم تغير شيئًا من أوصافه، ما حكمه؟

فهذا محل خلاف بين أهل العلم، فجمهور العلماء على أن ورود النجاسة على الماء القليل ينجسه مطلقًا سواء تغير أم لم يتغير، واستدلوا بجملة من الأدلة أشهرها: حديث القلتين، كما قلنا: حديث القلتين هو قوله ﷺ: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" [رواه أبو داود: 63، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم: 56]، وفي لفظ: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء" [رواه، وابن ماجه: 517، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 171].

وذكرنا: أن القلة هي الجرة الكبيرة.

والمراد بها: قلال هجر.

وهجر بلدة قريبة من المدينة النبوية، وليست هجر البحرين أو الأحساء.

وقد قدر الباحثون المعاصرون القلتين: بمائتي لتر تقريبًا.

فالحديث يدل بمفهومه على أن ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير.

استدلوا أيضًا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" [رواه مسلم: 279].

فقد أوجب النبي ﷺ غسل الإناء من ولوغ الكلب فيه.

والولوغ أن يشرب منه بطرف لسانه، أو أن يدخل فيه لسانه ويحركه، كما قال ابن حجر في "الفتح".

وولوغ الكلب لا يغير لون الماء ولا طعمه ولا ريحه، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بغسل الإناء، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير، مع أن الظاهر عدم التغير [المغني: لابن قدامة: 1/ 21] يعني هذه أدلة الذين يقولون: إن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة فإنه ينجس تغير أو لم يتغير، استدلوا بحديث ولوغ الكلب، وأن الولوغ لا يغير في العادة، ومع ذلك اعتبره نجسًا.

وكذلك قال الخطابي: وفي الخبر دليل على أن الماء القليل إذا حلته نجاسة فسد"[معالم السنن: 1/ 40]

ماذا أجاب الآخرون عن هذا؟

بأنه لا يلزم من الحكم بنجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب الحكم بنجاسة كل ماء قليل وقعت فيه نجاسة أخرى غير ولوغ الكلب، قالوا: لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام دون سائر النجاسات.

ألا ترى أنه ليس كل النجاسات تغسل سبع مرات؟

فالتسبيع والتتريب هذه خاصة بتطهير ما ولغ فيه الكلب، وليست كل نجاسة.

بماذا استدل أيضًا الذين قالوا: أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ينجس مطلقًا تغير أو لم يتغير؟

استدلوا أيضًا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" [رواه البخاري:162، ومسلم: 278].

قالوا: نهاه النبي ﷺ عن غمس يده، وعلله بخشية النجاسة، ويعلم بالضرورة أن النجاسة التي قد تكون على يده، وتخفى عليه لا تغير الماء، يقول: لا يدري لعل يده باتت في نجاسة، أو أصابت نجاسة لا يدري، معنى ذلك أنه يمكن يكون فيه نجاسة وهو لا يدري.

كيف لا يدري؟ معناها أن النجاسة غير مرئية، معناها أنها قليلة، ومع ذلك قال: "لا يغمس يده في الإناء" قالوا: هذا دليل على أن الماء القليل مثل ماء الإناء، لو دخلت فيه نجاسة مثل النجاسة اليسيرة على اليد التي لا يشعر بها صاحبها أنها تنجس، و "لولا تنجيسه بحلول نجاسة لم تغيره لم ينهه" [المجموع، للنووي: 1/117]، قال النووي: "قال الشافعي وغيره من العلماء -رحمهم الله تعالى- في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدري أين باتت يده": أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار، وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن النائم أن يطوف يده على ذلك الموضع النجس، أو على بثرة، أو قملة، أو قذر غير ذلك" [شرح النووي على مسلم: 3/179].

وفي هذا الحديث دلالة على أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته، وإن قلت ولم تغيره فإنها تنجسه؛ لأن الذي تعلق باليد، ولا يرى قليل جدًا، وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة في الوضوء التي هي بالتأكيد أقل من قلتين، بل لا تقاربهما؛ "شرح صحيح مسلم"، للنووي: 3/ 179].

وقيل: ليست النجاسة هي سبب النهي؛ لأن فيه مناقشات، فالجمهور استدلوا بالحديث على أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة نجسته أو صار نجسًا، أيًا ما كانت هذه النجاسة ما دام الماء قليلًا.

ما هي المناقشة لهم؟

قال بعضهم: ليست النجاسة هي سبب النهي، الحديث يقول: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده".

"لا يدري أين باتت يده" قالوا: ليست النجاسة سبب النهي، بل إنه أمر تعبدي لا يعقل معناه، يعني لا يدرك بالعقل، وهذا قول كثير من المالكية.

وقيل: يحتمل أن يكون نهيه عن ذلك؛ لأنه يصير الماء مما يعاف لا أنه ينجس، يعني أن الإسلام جاء بالمكارم والمعالي، والأشياء التي تتقذر منها النفوس تأتي الشريعة بالتباعد عنها ولو ما كانت نجسة، فقالوا: نهيه للنائم إذا استيقظ أن يغمس يده في الإناء؛ لأنه لا يدري أين باتت يده، ما هو السبب فيه؟ النجاسة، لأن اليد قد تكون مثلًا دخلت في الأنف، ما هو نجس، قد يكون مسحت عرقًا، ما هو نجس، قد يكون لامست العورة، والعورة ما عليها نجاسة، لكن تتقذر النفوس أن تمس الآنية التي فيها الماء يد كانت في أنف أو عرق أو لمست عورة، ولو ما كانت العورة نجسة تتقذر النفوس، قالوا: نحن لا نسلم لكم أن الحديث الذي فيه لا يدري أين باتت يده أن السبب فيه النجاسة، بل السبب فيه أن النفوس تعاف وتتقذر من أن تدخل يد غير نظيفة في الإناء، ولو ما كان عليها نجاسة.

وقيل: بل بسبب احتمال عبث الشيطان بيده وهو نائم، واستدلوا بحديث: إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه  [رواه مسلم: 238]، قالوا: إن الشيطان يستعمل بدن النائم ويلابسه ويخالطه، فهذا الحديث الآخر دل على أن الشيطان يبيت على خياشيم النائم، فيمكن أن يكون له تصرف في يد النائم، وأيضًا تتقذر النفوس، أو أن العضو الذي يمكن أن يكون لابسه الشيطان، أو وضع الشيطان عليه شيئًا ولو غير محسوس أو غير مرئي، يمكن أن يكون الشيطان لابس اليد فدخوله في الإناء لا يناسب بدون غسل، يعني ما دام البدن ممكن أن يكون الشيطان قد استعمل منه أعضاء، قد يكون اليد منها، فنهينا عن إدخالها في الإناء بلا غسل، فقالوا: هذا السبب، وليس الشرط أن السبب أن تكون اليد عليها نجاسة؛ لأن هذا معبر؛ لأن الجمهور لما قالوا: نستدل بالحديث على أن النجاسة إذا دخلت ماء قليلًا فإنه ينجس ولو ما تغير.

نقول: الآن استدلوا بالحديث هذا، فيقال لهم: نحن لا نسلم أصلًا أن السبب دخول النجاسة في الإناء، فهذه أصلًا مسألة وهذا النقاش فيها والاعتراض، فمسألة استعمال الشيطان لبدن النائم، فيمكن أن تكون هذه اليد عبث بها الشيطان، وحمل إليها أشياء مضرة للإنسان، جراثيم، ميكروبات، أو مفسدة للماء، فنهى النبي ﷺ أن يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الموضوع: "فلا يستبعد أن يكون هو السبب لغسل يد القائم من نوم الليل" [مجموع الفتاوى: 21/12] يعني مسألة استعمال الشيطان لليد.

وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع": فيمكن أن تكون هذه اليد عبث بها الشيطان، وحمل إليها أشياء مضرة للإنسان، أو مفسدة للماء، فنهى النبي ﷺ أن يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا"[الشرح الممتع: 1/ 52].

ابن القيم -رحمه الله- نصر هذا التعليل الذي ذهب إليه شيخ الإسلام في قضية استعمال الشيطان لبدن النائم، وقال: "فإن الشيطان خبيث يناسبه الخبائث، فإذا نام العبد لم ير في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه فيستوطنه في المبيت-يعني الشيطان يجعله مبيتًا له فيستوطنه في المبيت-وأما ملابسته ليده فلأنها أعم الجوارح كسبًا وتصرفًا ومباشرة، لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف والعمل بها، ولهذا سمي: جارحة؛ لأنه يجترح بها، أي يكسب" ويكتسب بها: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ [الجاثية: 21] يعني كسبوا السيئات.

قال ابن القيم: "وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء وهي كما ترى وضوحًا وبيانًا" [عون المعبود وحاشية ابن القيم: 1/ 85].

لكن يشكل على هذا الكلام ما جاء في مسند أحمد وصحيح ابن خزيمة بلفظ: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في إنائه حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده منه"،  كلمة منه اهذه هي الإيراد على الكلام السابق "فإنه لا يدري أين باتت يده منه" الرواية حسنها الدارقطني وصححها ابن خزيمة، وقال الشيخ الألباني: "إسناده صحيح على شرط مسلم".

ابن منده من المحدثين طعن في هذه الزيادة، وقال: "هذه الزيادة رواتها ثقات، ولا أراها محفوظة"[التلخيص الحبير: 1/ 178].

"أين باتت يده منه" تؤيد ما حمل عليه الشافعي -رحمه الله- هذا الحديث، وأن العلة خشية وصول اليد إلى مكان في الجسد فيه نجاسة أو قذارة.

وقد بوب عليه ابن خزيمة بقوله: "باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ إنما أراد بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده منه" أي أنه لا يدري أين باتت يده من جسده، يعني الحديث الآخر لا يدري أين باتت يده، يعني من جسده، احتجوا بالرواية الثانية، فسروا بها الرواية الأولى.

الرواية الأولى "لا يدري أين باتت يده"، فيكون فيها مجال لقضية النجاسة والقذارة والشيطان، وإلى آخره، لكن رواية: "أين باتت يده منه" معناها المسألة متعلقة ببدن النائم؛ لأن "من" للتبعيض لا يدري أين باتت يده منه، من بدنه، لا يدري مرت على ماذا، وكانت أين من بدنه.

وقال الأعمش وهو من رواة الحديث: كانوا لا يرون بأسًا أن يدخلها، يعني في الإناء إذا كانت نظيفة، يعني واحد استيقظ ورأى يده نظيفة، كانوا لا يرون بأسًا أن يدخلها إذا كانت نظيفة. وهذا في السنن الكبرى للبيهقي.

وبالنسبة للمذاهب:

عند الشافعية أنه لا يغسلها إذا تيقن طهارة يده، يعني لا يجب عليه أن يغسلها إذا تيقن طهارتها.

مذهب الحنابلة يغسلها ولو تيقن طهارتها لأجل الحديث.

دخول موضوع غيبي كالشيطان يؤثر، يقول: النبي ﷺ نهانا إذا الواحد نام وقام أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، نظيفة، غير نظيفة شك، سنغسل.

طبعًا في اتباع السنة هذا الأكمل، ما في شك هذا الأفضل والأحسن، اتباع السنة يقتضي إنك تغسل يدك ولو كان شكلها نظيفًا، يعني ممكن واحد يطور المسألة يقول: أربط كيس النايلون على يدي، أقوم من النوم أشيل الكيس، هل أضع يدي في الإناء؟

فإذا قلنا: السبب نجاسة وقذارة، الحكم يدور مع العلة، نقول: اغمس.

وإذا قلنا: لا، فيه أشياء غيبية، الشيطان يستعمل بدن النائم، فالشيطان قادر على اختراق أكياس النايلون، وجلب أشياء من خارج الكيس إلى داخل الكيس، فلذلك أقول: التعامل مع السنة الأليق به أن الإنسان يعمل لظاهر الحديث في جميع الحالات؛ لأنه لا يدري، قد يكون السبب ليس هو موضوع النجاسة فقط، قد يكون شيئًا غيبيًا، غير معقول المعنى، يعني لا يدرك بالعقل.

نقاشنا الأصلي ما هو؟

النجاسة إذا وقعت في الماء القليل تنجسه مطلقًا تغير أو ما تغير.

الجمهور قالوا: نعم، واستدلوا بأدلة، وهذا منها، هذه كانت مسألتنا الأصلية، ذكر الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على "إحكام الأحكام"، لابن دقيق العيد: أن هناك رواية بلفظ: "فإن أحدكم يبيت الشيطان على يده" نحتاج إلى معرفة صحة هذه الرواية من يأتي لنا بصحتها؟

"فإن أحدكم يبيت الشيطان على يده " من يأتي لنا بصحتها؟

هاتوا لنا صحة هذه الرواية، "فإن أحدكم يبيت الشيطان على يده"؛ لأن هذه الرواية لو صحت سنتجه إلى موضوع الأمر الغيبي، نقول: طاهرة، لما نظر فيها ما وجد شيئًا، ربطها بكيس، أدخلها في كيس، الآن صارت المسألة لها علاقة بموضوع الشيطان.

وذهب بعض العلماء إلى القول المقابل لقول الجمهور وهو أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة فإنه لا ينجس إلا بالتغير سواء كان الماء كثيرًا أم قليلًا، وهذا مذهب المالكية، ورواية عن أحمد -رحمه الله-.

ما دليلهم؟

قالوا: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: قيل يا رسول الله: أتتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن.

الحيض الخرق التي ينظف بها دم الحيض.

وطبعًا ما كان الإلقاء فيها تعمدًا، لكن البئر كانت في منحدر، والسيول تكتسح القذر والقمامات والأوساخ من الأفنية، وتلقيها في بئر بضاعة، فسألوه: يا رسول الله أتتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" [رواه الترمذي: والنسائي: وأبو داود: وصححه أحمد ويحيى بن معين والترمذي والنووي وابن الملقن والحافظ ابن حجر -رحمهم الله تعالى-].

قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيم بئر بضاعة، يعني القائم عليها عن عمقها، فقال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، يعني لو واحد وقف في قاع البئر الماء أين يصل؟ إلى العانة، قلت: فإذًا نقص، قال: دون العورة، معناه النقص قليل، فإذا نقص يعني في أقل أحواله، قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه، هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون، يعني بسبب طول المكث.

هذا كلام أبي دواد -رحمه الله-.

فأبو داود عاين البئر هذه، ووقف عليها.

وسمع قتيبة بن سعيد ينقل عن مستوى الماء في بئر بضاعة، البئر تغذى من أسفل، أو من مخارج للماء في قاع البئر، فلها مستوى معين، الماء الذي في البئر له مستوى معين، فقد تكون البئر عميقة الماء، وقد لا تكون عميقة، الماء حسب الوضع، فهو الآن أخبرنا عن قيم بئر بضاعة، أخبرنا عن عمقها أن أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، فإذا نقص دون العورة بقليل، تحت العورة، هذا مقياس الماء، عمق الماء في البئر، وتلقى فيها هذه الأشياء، ويتوضأ منها.

ففي هذا الحديث، لماذا احتجوا به؟ لماذا أتوا به؟

ففي هذا الحديث: أن الماء طهور لا ينجسه شيء أبدًا.

وقد أجمع العلماء على أنه ينجس بالتغير، فبقي ما عدا ذلك على الأصل وهو الطهارة، قالوا: الماء طهور لا ينجسه شيء، هذه قاعدة، وأجمعوا أنه إذا تغير بالنجاسة نجس.

إذا ما تغير بنجاسة فهو باق على الأصل، والأصل الطهارة.

وحديث: "بئر بضاعة" يخالف مفهوم حديث القلتين، حديث القلتين "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" قلنا: لو كان خزان ستين سنتمتر طولًا في عرض في ارتفاع، هذه القلتان تقريبًا خزان ماء ستين في ستين في ستين، هذا الدرس الماضي الذي ذكرناه: "إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل الخبث" ما مفهومه؟

أنه إذا كان دون القلتين يحمل الخبث.

بئر بضاعة الماء الذي فيه دون القلتين، ولكن كان يتوضأ منه.

فالآن صار عندنا تعارض بين حديث: بئر بضاعة، ومفهوم حديث القلتين، فكيف سنجمع؟

الوحي ما يتعارض، الوحي مصدر واحد، والله حكيم عليم خبير، فلا يمكن أن يتناقض، الأصل ما يمكن التناقض، وهو من الله ، لكن نحن كيف سنفهم النصوص؟ وكيف سنجمع بينها؟ وكيف سنخرج بنتيجة؟

القاعدة عند العلماء: أنه إذا تعارض المنطوق والمفهوم ماذا يقدم؟

المنطوق.

ولهذا إذا طبقنا هذا المعيار، سنقول بأن العبرة مرتبطة بالتغير بغض النظر عن كمية الماء، يعني مفهوم حديث القلتين لن يكون فاصلًا في القضية؛ لأن عندنا حديث: "بئر بضاعة" عندنا منطوق نص آخر، فلن نقول: إن مفهوم حديث القلتين قاطع وفيصل في الموضوع، وسنقدم منطوق حديث بئر بضاعة على مفهوم حديث القلتين.

ومن يأخذ بحديث القلتين يجيب عن هذا الحديث بأن حديث: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" عام في جميع المياه القليلة والكثيرة، وأنها لا تنجس بملاقاة النجس، بل تنجس بالتغير، وأن حديث "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء" مفهومه مخصوص، ما الذي خصصه؟

بالماء القليل دون القلتين، وأنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، والخاص يقدم على العام، قال ابن قدامة: وخبر بئر بضاعة محمول على الماء الكثير بدليل أن ما تغير نجس أو نخصه بخبر القلتين فإنه أخص منه والخاص يقدم على العام.

على كل حال: الخلاف في المسألة قديم، وهي مسألة شائكة، فيها أخذ ورد، ولكل دليله الذي استند إليه فيما قال، قال ابن القيم -رحمه الله- في هذه المسألة: "فهذا معترك النزال وتلاطم أمواج الأقوال، وهي مسألة الماء إذا خالطته النجاسة فاستهلكت ولم يظهر لها فيه أثر البتة" هل الماء ينجس أو لا؟ هذه المسألة الشائكة، قال الشوكاني معلقًا: "فحديث "لا ينجسه شيء" يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة لمجرد ملاقاة النجاسة، وحديث القلتين يدل بمفهومه على خروجه عن الطهورية بملاقاتها، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم قال به في هذا المقام، ومن منع منه منعه فيه، ويؤيد جواز التخصيص بهذا المفهوم لذلك العموم بقية الأدلة التي استدل بها القائلون بأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره، وهذا المقام من المضايق التي لا يهتدي إلى ما هو الصواب فيها إلا الأفراد" [نيل الأوطار: 1/ 46].

إذن، كانت آخر مسألة حصل فيها الخلاف هي: الماء القليل الطهور إذا وقعت فيه نجاسة ما غيرته ينجس أم لا؟

الجمهور يقولون: ينجس.

وغيرهم يقول: لا ينجس إلا بالتغير، ما تغير ما ينجس ولو كأس من الماء.

الآن الماء الكثير المقدر بالقلتين، يعني القدر، حوض الحنفية املأه بالماء، لو وقعت فيه قطرة بول ينجس أو لا؟ عند الجمهور ينجس، عند غيرهم يقولون: قطرة النجاسة إذا استهلكت في الماء، وما عاد بقي لها أثر لا لون ولا ريح ولا طعم، فإن الماء باق على أصله وهو الطهورية، الماء طهور لا ينجسه شيء، وبئر بضاعة.

فهذه هي المسألة.

ما هو الأحوط؟

أن نقول بقول الجمهور وهو أن الماء إذا كان قليلًا ووقعت فيه نجاسة نجسته، لكن قد يجد طالب العلم أن الأقوى من ناحية البحث والأدلة بأن التغير هو الضابط، وإذا ما تغير بنجاسة ما هو نجس، وبالتالي لو وجد عندك هذا الماء، جالون ماء وقعت فيه قطرة نجاسة، وأنت في سفر، ما عندك إلا هذا تتوضأ منه أو لا؟ إذا أنت تقول بالتغير تتوضأ، ما ترى تغيرًا ما في لا لون ولا طعم ولا ريح تتوضأ.

الذي سيقول بالقول الآخر يتيمم، ما عنده ماء آخر يتيمم، يقول هذا نجس ويتيمم.

حاصل ما سبق عند المصنف -رحمه الله- أن الماء قسمان: طهور ونجس، وهو اختيار كثير من المعاصرين.

وعند جمهور العلماء أن الماء ثلاثة أقسام: طاهر وطهور ونجس.

والطهور الطاهر في نفسه المطهر لغيره.

والطاهر الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره.

ويشمل نوعان من المياه: المتغير بما خالطه من الطاهرات، والماء المستعمل في رفع الحدث، يعني في الوضوء.

الماء المستعمل يقولون: طاهر غير مطهر عند الجمهور، والنجس الثالث: الماء المتغير بمخالطة النجاسة، فإن كان دون القلتين ولم يتغير بالنجاسة، ففي الحكم بنجاسته خلاف كما علمنا.

بقي معنا جملة من المسائل المتعلقة بالمياه، ولنأخذ بعضها:

أولًا: كيفية تطهير الماء النجس، أو كيف يمكننا تطهير الماء الذي تنجس بوقوع النجاسة فيه؟ هل هناك وسائل؟ وما هي؟

الماء المتغير بنجاسة يمكن تطهيره بطرق، منها:

أولاً: المكاثرة، والمقصود بها أن يضاف ماء للماء النجس حتى تزول آثار التغير منه [المغني، لابن قدامة: 1/27] قال النووي في "المجموع": فإن زال بإضافة ماء آخر إليه طهر بلا خلاف سواء كان الماء المضاف طاهرًا أو نجسًا قليلًا أو كثيرًا وسواء صب الماء عليه أو نبع عليه"[المجموع: 1/132].

ثانيًا: المكث والتقادم، فقد يزول تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه تلقائيًا مع مرور الزمن وطول المكث، فيحكم بطهارته، يعني يوجد عندك حفرة فيها ماء رائحته سيئة، يعني رائحة نجاسة بعد شهر شهرين، ثلاثة، مررت به، فوجدت أن رائحة النجاسة زالت، بماذا زالت؟

أنت ما كاثرته بماء آخر، لكن تزول، طلوع الشمس، الريح، ونحو ذلك، فإذا زالت النجاسة عاد الماء إلى حكمه الأول وهو الطهارة، فيحكم بطهارته.

ثالثًا: من وسائل تطهير الماء الذي وقعت فيه نجاسة: النزح، والمقصود التقليل من الماء، والأخذ منه، عكس المكاثرة.

أين تستعمل هذه الوسيلة في الغالب؟ في الآبار، ومياه الغدران، لو وقعت نجاسة في بئر، رائحة البئر صارت نجسة، لو نزحنا الماء من البئر نزحنا ونزحنا ونزحنا، طبعًا ما نزحناه سيخلفه؛ لأن البئر له مصادر تغذية فإذا نزحنا ونزحنا ونزحنا، ماذا سيحدث لماء البئر؟ ستطهر وتزول النجاسة، ستزول أوصافها، ويزول التغير، فتعود ماء البئر طاهرة.

رابعا: معالجة الماء بوسائل التنقية الحديثة كما يحدث الآن في محطات التكرير والتنقية، سواء كانت بيتية أو حكومية أو أهلية خاصة عامة كبيرة صغيرة.

الآن طبعًا فيه ناس من أهل الاقتصاد والتوفير والحكمة، يقول: هذا البيت كم يسكب فيه من الماء غسل الصحون والأيدي والاغتسال، إلى آخره؟ كثير، أنا سوف أقوم بمخطط للمياه في البيت، سوف أجعل الأنابيب التي تنزل من أحواض الغسيل والبانيو والمراوش والمطابخ كلها تجتمع في خزان عليه محطة تكرير وتنقية، والماء الذي يخرج من كراسي الحمامات والمراحيض يروح، أنا لن أفعل فيه شيئًا، يروح، لكن سأجعل تمديدات المياه في بيتي في المراوش وأحواض البانيو وأحواض الغسيل والمطبخ، وكذلك أحواض الحنفيات في دورات المياه الأخرى، وفي البيت كلها تصب في مكان، وأجعل عليه محطة تكرير وتنقية، تكرر لي الماء هذا لإعادة استخدامه،حتى لو في سقي الزراعة، فيه ناس عندهم فلل وقصور.

هذا من الحكمة مراعاة الاقتصاد، يعني وضع قلة الماء وحاجة الناس إليه في البلد، هذه حكمة، ليت المكاتب الهندسية والناس عندهم استعداد لتعميم الفكرة، كان وفرنا مياه، وفعلنا وفعلنا، نقول: حتى المياه النجسة، حتى مياه المراحيض لو صار هناك تنقية وتكرير لها وزالت منها النجاسة بأوصافها هل تعود طاهرة أم لا؟

سؤال: مياه الصرف الصحي التي يقولون عنها صرف صحي وأحيانًا يكون صرف غير صحي، ما حكمها؟

مياه الصرف الصحي إذا تمت تنقيتها وإزالة ما علق فيها وتكريرها، فزالت أوصاف النجاسة عنها فإنها تعود طاهرة، والماء له أصل يعود إليه، وقد صدر في حكم إعادة استعمال مياه الصرف بعد تنقيتها فتوى من هيئة كبار العلماء جاء فيها: بناء على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال تغيره بنفسه، أو بإضافة ماء طهور إليه، أو زال تغيره بطول مكث، أو تأثير شمس، ومرور الرياح عليه، ونحو ذلك، لزوال الحكم بزوال علته، وحيث أن المياه المتنجسة يمكن التخلص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يعتبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير، حيث يبذل الكثير من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات، كما يشهد بذلك ويقرره الخبراء المختصون بذلك، ممن لا يتطرق الشك إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم، ولذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة، بحيث تعود إلى خلقتها الأولى، لا يرى فيها تغير بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها، يعني من هذه الأحداث والأخباث، كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها، فيمتنع ذلك للمحافظة على النفس، وتفاديًا للضرر لا لنجاستها.

والمجلس إذ يقرر ذلك يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وجد إلى ذلك سبيل احتياطًا للصحة، واتقاء للضرر، وتنزهًا عما تستقذره النفوس، وتنفر منه الطباع [فتاوى اللجنة الدائمة: 1 (5/ 96].

هذا قرار هيئة كبار العلماء في مسألة المياه المكررة وتنقية المياه وتكرير المياه المستعملة.

فإذن، حتى المياه النجسة، قالوا: إذا تمت تنقيتها وتكريرها بحيث زالت آثار النجاسة منها فيمكن استعمالها في الطهارة، ولكن الشرب لأن النفوس تتقذر، يقولون: هذه النفس تقول: أصل هذا الماء نجس ما تشربه تعافه، ولذلك لا تشرب، وبناء عليه، يعني أحواض السباحة، سقي الزراعة، تنظيف السيارات، هناك استعمالات كثيرة للمياه، لماذا لا تستعمل المياه المكررة فيها، وبذلك نوفر كثيرًا في موضوع المياه؟

ننتقل الآن إلى مسألة وقوع النجاسة في المائعات غير الماء، لو وقعت نجاسة في لبن، في أي مائع من المائعات، هل يختلف الحكم أم لا؟ فار وقع في تنكة زيت، فيه أمثلة كثيرة.

لما تكلمنا عن حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة، وأنه يفرق بين ما تغير بالنجاسة وبين ما لم يتغير بها، أو بين القليل والكثير على مذهب الشافعية والحنابلة، هل هذا الحكم ينطبق على المائعات الأخرى إذا وقعت فيها نجاسة، فيكون حكمها حكم الماء نقول بالتغير أو نقول: العسل الكثير، والشاي الكثير، والخل الكثير، والزيت الكثير، وإذا بلغ قلتين، وإذا.. وإذا.. أم ماذا؟ هل يكون حكمها حكم الماء أم أن للمائعات الأخرى إذا وقعت فيها النجاسة حكم يختلف عن حكم الماء؟ وهل ما قيل في الماء يقال فيها أم لا؟

أولًا: ما هو المائع؟

ضابطه كما قال ابن حجر في "الفتح": أن يتراد بسرعة إذا أخذ منه شيء، يعني أنت الآن إذا أخذت حفنة من الرز أو حفنة من القمح ما يتراد بسرعة، هو يبقى مكانه كالحفرة، يبقى المكان الذي أخذت منه الدقيق، لكن المائع إذا أخذت منه كأساً مثلًا رجع بعضه إلى بعض بسرعة واستوى.

وقال النووي: وضابط الجامد أنه إذا أخذت منه قطعة لم يتراد إلى موضعها منه على القرب ما يملأها فإن تراد فمائع"[المجموع: 9/ 38].

الذي عليه جمهور العلماء أن حكم سائر المائعات يختلف عن حكم الماء، وأن المائعات تنجس بمجرد وقوع النجاسة فيها، يعني أن الله لما خلق الماء خلق فيه خاصيات "إن الماء طهور لا ينجسه شيء"، الله خلق من الماء كل شيء حي.

الماء له خاصية من بين المائعات، له خاصية حتى في الطهارة، ومسألة بقاء الماء على أصله، يعني الماء يبقى على أصله عند وقوع شيء فيه، ما هو مثل الأشياء الأخرى، تأثر الأشياء الأخرى بما يقع فيها أكثر من تأثر الماء بما يقع فيه.

فإذن، قالوا: إن الماء له طبيعة خاصة وحكم خاص، وأن المائعات تنجس بمجرد وقوع النجاسة فيها سواء تغيرت أو لم تتغير، وسواء كان المائع قليلًا أو كثيرًا، وحتى لو كان النجاسات قليلة، أو النجاسة التي وقعت قليلة، قال النووي -رحمه الله-: أما غير الماء من المائعات وغيرها من الرطبات فينجس بملاقاة النجاسة وإن بلغت قلالًا؛ لأنه لا يشق حفظ المائع من النجاسة، وإن كثر بخلاف كثير الماء، يعني أيضًا في مسألة المشقة، الواحد إذا اتخذ خلًا أو دبسًا أو عسلًا أو زيتًا، المحافظة عليه، غير حفظ الماء، الماء يشق أن نحفظ كل المياه التي عندنا ما يقع فيها شيء، أما تلك لها تعبئات، ولها أحواض، ولها خزانات، ولها أماكن خاصة يتعب عليها، الماء ماء مطر، وماء بئر، وماء عين، وماء غدير، ماء محلى مكرر، يعني الماء كثير، فيشق حفظه، بخلاف المائعات الأخرى، ذكر ابن عبد البر -رحمه الله- [التمهيد : 16/ 221]: أن هذا قول جمهور أهل العلم وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس عن ميمونة عن النبي أنه سئل عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال: إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه [رواه أبو داود: 3842 والنسائي: 4260]، ولم يفرق بين كثيره وقليله، ولأنها لا قوة لها على دفع النجاسة، يعني السمن فإنها لا تطهر غيرها فلا تدفعها عن نفسها كاليسير [المغني: 1/ 23].

ووجه التفريق بينها وبين الماء: أن صون المائعات بالتغطية ممكن ومعتاد، والماء خلقه الله -تعالى- يحتاج إليه جميع الحيوان، يعني كل الكائنات الحية، ويكثر ما لا يكثر غيره من المائعات، وقالوا: إن هذا المائع بعد تنجسه بوقوع النجاسة فيه لا يقبل التطهير، فلو أمكن تطهيرها لما أمر النبي ﷺ بإراقتها لما في ذلك من إضاعة المال، ولو كان إلى تطهيره طريق لم يأمر بإراقته"[المغني، لابن قدامة: 1/28].

وعليه فإذا تنجس لبن أو مرق أو زيت أو سمن أو دهن من سائر الأدهان، أو غير ذلك من المائعات، فلا طريق لتطهيرها، ولأنه لا يمكن غسلها.

مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد: أن حكم المائع حكم الماء، قال ابن عابدين: وحكم سائر المائعات كالماء في الأصح، فكل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء من سائر المائعات.

وهذا مذهب البخاري والأوزاعي والزهري، وطائفة من السلف والخلف، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وتلميذه ابن القيم قال: المائعات كلها لا تنجس إذا استحالت النجاسة فيها" يعني اختفت النجاسة اختفت ولم يبق لها فيه أثر فإنها حينئذ من الطيبات لا من الخبائث.

وعلى هذا القول فتوى "اللجنة الدائمة للإفتاء" فقد جاء في فتاويها: "اللبن وغيره من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة فحكمه حكم الماء في أنه ينجس بها إذا تغير بالنجاسة لونه أو طعمه أو ريحه" [فتاوى اللجنة الدائمة: 1 (22/ 128].

واستدلوا بحديث ابن عباس عن ميمونة: أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي ﷺ عنها، فقال:  ألقوها وما حولها وكلوه [رواه البخاري: 5540].

فأباح لهم الانتفاع بباقي السمن، ولم يستفصل منهم عن حاله هل هو جامد أو مائع، مع أن الغالب في سمن الحجاز أن يكون مائعًا لشدة الحرارة في الحجاز.

سنأتي على بقية هذه المسألة، ومناقشة النجاسة في المائعات الأخرى، وأحكام ماء زمزم، والماء المسخن، والماء المشمس، طهارة بالماء المشمس، في الدرس القادم بمشيئة الله، وندلف إلى الموضوع الذي بعده.

أسأل الله -تعالى- لي ولكم الفقه في الدين، والإخلاص في القول والعمل، وجنات النعيم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.