الثلاثاء 10 رجب 1444 هـ :: 31 يناير 2023 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

أحكام صلاة العيد - الدرس الأول


الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

وبعد: فقد تحدثنا في الدرس الماضي عن ما ينهى عنه في خطبة الجمعة؛ وبهذا يكون قد انتهى الحديث عن أحكام صلاة الجمعة، ونبدأ في هذا الدرس بمشيئة الله تعالى الحديث عن أحكام العيدين .

قال المؤلّف - رحمه الله - تعالى -: "باب صلاة العيدين"

قول المصنّف: صلاة العيدين من باب إضافة الشيء إلى وقته وإلى سببه، فإن هذه الصلاة سببها العيدان، وهي أيضًا لا تصلى إلا في العيدين، وقوله: "صلاة العيدين" تثنية عيد، والمقصود عيد الفطر وعيد الأضحى، وكلاهما يقعان في مناسبة شرعية، أما عيد الفطر فبمناسبة انقضاء صيام رمضان، وأما الأضحى فبمناسبة اختتام عشر ذي الحجة، والعيد مشتق من العود وهو الرجوع والمعاودة؛ لأنه يتكرر، والجمع أعياد، وشرعت صلاة العيد في السنة الأولى من الهجرة، أول ما تمكن المسلمون من الاجتماع بعد الهجرة شُرعت صلاة العيد، فهي تعبير عن اجتماع المسلمين، ولنتصور مشاعر المسلمين وخصوصًا المهاجرين وهم يجتمعون للمرة الأولى بهذا العدد، بعد ثلاث عشرة سنة من الاضطهاد، وما كانوا يستطيعون في مكة الاجتماع فإذا بصلاة العيد، المحفل العظيم يكون في المدينة في السنة الأولى، بعد هذه المدة الطويلة من الاضطهاد، وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه لما قدم المدينة وكان لأهلها يومان يلعبون فيهما فقال ﷺ مخاطبًا الأنصار كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكما الله بهما خيرًا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى  رواه النسائي وهو حديث صحيح [رواه النسائي: 1556، وصححه الألباني].

ثم قال المصنّف - رحمه الله تعالى - بعد العنوان: أمر النبي ﷺ الناس بالخروج إليها حتى العواتق والحيض يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيّض المصلى  متفق عليه. [رواه البخاري: 324، ومسلم: 890]

صلاة العيد من شعائر الإسلام الظاهرة والتي أجمع المسلمون على مشروعيتها واختلف الفقهاء في حكمها بعد الإجماع على المشروعية هل هي فرض عين، أو فرض كفاية، أو سنة؟ فمن أهل العلم من قال أنها سنة مؤكدة، وهو قول أكثر العلماء، قال النووي - رحمه الله تعالى -: "وجماهير العلماء من السلف والخلف أن صلاة العيد سنة" [المجموع: 5/3].

وذلك لحديث الأعرابي الذي ذكر له النبي ﷺ الصلوات الخمس قال: هل عليّ غيرهن؟

قال:  لا، إلا أن تطوّع [رواه البخاري: 46، ومسلم: 11]، وقيل: إن صلاة العيد فرض على الكفاية إن قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وإذا اتفق أهل البلد جميعًا على تركها أثموا، وهو مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - كما في المغني [المغني لابن قدامة: 2/272]. وذلك لأنها عبادة ظاهرة من شعائر الإسلام، وشعائر الإسلام الظاهرة مقصودة، ولابد أن تحصل في البلد، ولابد أن تقام، وهذا دليل على وجود الإسلام في البلد، وظهور الإسلام في البلد، وقيل: إن صلاة العيد واجبة على كل من تجب عليه صلاة الجمعة، ويأثم من تركها بغير عذر، وهذا مذهب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ورواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إذن شيخ الإسلام وافق أبا حنيفة في أن صلاة العيد واجبة على كل من تجب عليه صلاة الجمعة، واحتج من قال بالوجوب بأدلة، ومن ذلك قول الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، وأن المقصود بهذه الآية صلاة عيد الأضحى؛ لأن النحر يكون بعدها  فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، وأن هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد من هذه الآية: الصلاة عمومًا، وأنها ليست خاصة بصلاة العيد، وأن معناها عندهم: فَصَلِّ لِرَبِّكَ  [الكوثر: 2]، يعني: أفرد الله بالعبادة بالصلاة، وكذلك بالذبح، فيكون معناها كقوله تعالى في الآية الأخرى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  [الأنعام: 162]، واختار هذا القول من المفسّرين ابن جرير - رحمه الله - وابن كثير أيضًا، قال ابن كثير - رحمه الله - في قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 1، 2]، أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي هذه صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له" [تفسير ابن كثير: 8/476]، قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: والمراد بالصلاة هنا -يعني في الآية-  فَصَلِّ لِرَبِّكَ جميع الصلوات، وأول ما يدخل فيها الصلاة المقرونة بالنحر، وهي صلاة عيد الأضحى، لكن الآية شاملة عامة، وبناء عليه نعلم قضية النزاع هنا في الاستدلال بالآية، هل الآية المقصود بها صلاة العيد؟ وبناء عليه تكون واجبة، أو المقصود الصلاة عمومًا؟ فلا تكون هذه الآية دليلًا على وجوب صلاة العيد، هذا مكان النزاع.

استدل الذين يقولون بالوجوب أيضًا بأن النبي ﷺ أمر بالخروج إليها، وأمر النساء بالخروج إليها، والنساء لا تجب عليهن صلاة الجماعة، فكونه أوجب عليهن الخروج، وأمرهن بالخروج، وأن التي ليس عندها جلباب تأخذ من جلباب أختها وتلبس، تستعير جلبابًا للخروج، وأنه حتى الحائض التي ليس عليها صلاة تخرج، قالوا: هذا يدل على الوجوب، وقد روى البخاري - رحمه الله تعالى - عن أم عطية - رضي الله عنها - قالت:  أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيّض وذوات الخدور، فأما الحيّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ، قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال:  لتلبسها أختها من جلبابها  [رواه البخاري: 351]، ومعنى العواتق: جمع عاتق وهي من بلغت الحلم أو قاربت، وقيل: التي استحقت التزويج-يعني صارت في سن الزواج- وأما ذوات الخدور فهو جمع خِدر وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر خلفه، فكانت البكر في البيت لها مكان مخصص، ما تكون في أي مكان في البيت، يعني حتى النساء اللاتي ليس من عادتهن الخروج كالبكر أمرهن بالخروج، والاستدلال بهذا الحديث على وجوب صلاة العيد أقوى من الاستدلال بالآية السابقة التي في الاستدلال بها نزاع، قال ابن القيم - رحمه الله  تعالى -: "فإن صلاة العيد من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، ولم يتخلّف عنها أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا تركها رسول الله مرة واحدة، ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة ليبين الجواز، ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة كما ترك قيام رمضان بيانًا لعدم وجوبه" [الصلاة وأحكام تاركها: 39].

وترك الوضوء لكل صلاة بيانًا لعدم وجوبه وغير ذلك وقوله: خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة   هذا إجابة على قول الجمهور أن الجمهور يحتجون بحديث الأعرابي على عدم وجوب صلاة العيد، يقولون : ما تجب إلا الصلوات الخمس فقال: وقوله : خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة  لا ينفي صلاة العيد؛ لأن الحديث يبين الصلوات الواجبة في اليوم والليلة وليس في السنة، وقوله:  خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة  لا ينفي صلاة العيد، يعني الوجوب، فإن الصلوات الخمس وظيفة اليوم والليلة، وأما العيد فوظيفة العام، ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطواف عند كثير من الفقهاء؛ لأنها ليست من وظائف اليوم والليلة المتكررة، ولم يمنع من وجوب صلاة الجنازة، ولم يمنع من وجوب سجود التلاوة عند من أوجبه وجعله صلاة، ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف عند من أوجبها من السلف وهو قول قوي جدًا، وممن رجّح وجوبها على الأعيان، أنها واجب عيني الإمام الشوكاني - رحمه الله - كما في السيل الجرار، وتبعه الشيخ صديق حسن خان - رحمه الله - في الروضة الندية وقال بالوجوب أيضًا، ومن المعاصرين الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، [شرح الأربعين النووية للعثيمين: 130]. قال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - [مجموع فتاوى ابن باز: 13/7]: وهذا القول أظهر في الأدلة وأقرب إلى الصواب، القول بوجوب صلاة العيد، فيه ناس صلاة العيد عندهم نوم، ولا يدور النقاش، هذا غير وارد عندهم أصلًا، ولا حام طائر فكرهم حوله أساسًا، وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء: "صلاة العيدين الفطر والأضحى كل منهما فرض كفاية، وقال بعض أهل العلم: إنهما فرض عين كالجمعة، فلا ينبغي للمسلم تركهما فلا ينبغي للمؤمن تركها" [فتاوى اللجنة الدائمة:  1 (8/284].

ومن المسائل أن صلاة العيد لا تقام إلا في مكان الاستيطان، صلاة العيد أين تقام؟ هل تقام في سفر؟ هل تقام في البادية؟ الجواب : صلاة العيد إنما تقام في المدن والقرى، ولا تشرع إقامتها في البوادي والسفر، هكذا جاءت السنة عن رسول الله ﷺ ولم يحفظ عنه ﷺ ولا عن أصحابه أنهم صلوا صلاة العيد في السفر ولا في البادية، وقد حج حجة الوداع ﷺ فلم يصل الجمعة يوم عرفة، وكان ذلك اليوم هو يوم الجمعة، ولم يصل صلاة العيد في منى، [مجموع فتاوى ابن باز: 3/321].

وقد سبق في صلاة الجمعة أن أصح الأقوال أن أقل عدد تقام به الجمعة وكذلك العيد ثلاثة فأكثر، أما اشتراط الأربعين فليس له دليل صحيح يعتمد عليه"، [مجموع فتاوى ابن باز: 13/12]. متى يبدأ وقت صلاة العيد؟ قال المصنف - رحمه الله -: وقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال، فلا يجوز أداء صلاة العيد قبل طلوع الشمس بالاتفاق، فتح الباري لابن رجب [فتح الباري لابن رجب: 8/458].

. وهل تفعل بعد طلوع الشمس مباشرة أم لابد من الانتظار حتى يزول وقت الكراهة بارتفاعها قيد رمح؟ مذهب جمهور العلماء أنه لابد من انتظار ارتفاعها قيد رمح حتى يزول وقت النهي، وقيل: يبدأ من طلوع الشمس وهو مذهب الشافعية؛ لأنها صلاة ذات سبب فلا يراعى فيها أوقات الكراهة، واستدل من قال بهذا القول بحديث يزيد بن خمير الرحبي: قال خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال : إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح رواه أبو داود قال النووي:  بإسناد صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حجر في تغليق التعليق، وكذلك الألباني.[صحيح وضعيف سنن أبي داود 1135].

ومعنى: "قد فرغنا" يعني: من صلاة العيد في مثل هذه الساعة زمن رسول الله ﷺ وقوله: "وذلك حين التسبيح، ما هي صلاة التسبيح هنا؟ الضحى فمعنى ذلك أنهم كانوا يفرغون من صلاة العيد على عهد رسول الله ﷺ مع دخول وقت الضحى الذي يبدأ من ارتفاع الشمس، هذا على مذهب الشافعية، واستدلوا بهذا الحديث، والجمهور قالوا : لا يبدأ بصلاة العيد إلا بعد زوال وقت الكراهة، يعني حين دخول وقت صلاة الضحى، وقال ابن رجب: "والمراد بحينها أي وقتها المختار وهو إذا اشتد الحر، فهذا التأخير هو الذي أنكره عبد الله بن بسر، ولم ينكر تأخيرها إلى أن يزول وقت النهي، فإن ذلك هو الأفضل بالاتفاق، يعني حتى يزول وقت النهي، وعمل السلف يدل على ذلك، فإنه قد روي عن ابن عمر ورافع بن خديج وجماعة من التابعين أنهم كانوا لا يخرجون إلى العيد حتى تطلع الشمس، وكان بعضهم يصلي الضحى في المسجد قبل أن يخرج إلى العيد، وهذا يدل على أن صلاتها إنما كانت تفعل بعد زوال وقت النهي"، فتح الباري. [فتح الباري لابن رجب: 8/460].

ما هو آخر وقت لصلاة العيد؟ الجواب : زوال الشمس كما في المجموع [المجموع: 5/4]. والمغني [المغني لابن قدامة: 2/290] قال مجاهد  : كل عيد للمسلمين فهو قبل نصف النهار، وقال أحمد: لا يكون الخروج للعيدين إلا قبل الزوال، وإذا لم يثبت العيد إلا في أثناء النهار فإن علم به قبل زوال الشمس خرجوا من وقتهم وصلوا صلاة العيد، وإن شهدوا بعد الزوال في أثناء النهار، فيخرجون من الغد للصلاة، وهو قول أكثر العلماء، طبعًا هذا يتصور في عيد الفطر، في القديم لا توجد وسائل اتصالات سريعة فربما يرى هلال شوال واحد بعيد عن المدينة فحتى يصل ليبلغ ربما يكون قد طلع النهار ارتفع، ربما تكون زالت الشمس، فلذلك المسألة الآن لو ما بلغ الناس في المدينة أنه ثبت هلال شوال، أو رئي هلال شوال، إلا أثناء النهار، فماذا يفعلون إذا جاءهم الخبر قبل الظهر؟ هم الآن في 29 رمضان، دخلوا في 30 رمضان، لأن ما عندهم خبر، وهم صائمون، في الصباح جاء واحد أو أكثر قبل الزوال وأخبرهم أنه رأى هلال شوال الليلة الماضية، فركب إليهم لكن من بعيد، يعني قد يراه على بعد مائة كيلو، متى يصل المدينة ليخبر؟ لو وصلهم قبل الظهر، قبل الزوال، خرجوا مباشرة لصلاة العيد؛ لأنه لا زال وقت العيد قائمًا، وإذا ما وصلهم إلا بعد الزوال خرجوا من اليوم الثاني لصلاة العيد، فتكون صلاة العيد يوم 2 شوال، لكن لأن الوقت انتهى اليوم الأول، زالت الشمس فلا سبيل إلى صلاة العيد اليوم الأول من شوال وقد زالت الشمس، فيخرجون اليوم الثاني، واستدلوا بحديث أبي عمير بن أنس قال: حدّثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قال: غُمّ علينا هلال شوال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر رسول الله ﷺ يعني الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد" [رواه أبو داود: 498، والنسائي: 1557، وأحمد: 20579، وصححه الألباني في الإرواء: 634]، وصححه ابن المنذر والنووي، وقال ابن كثير - رحمه الله - في كتابه إرشاد الفقيه: "إسناده جيد صحيح" وكذلك صححه الألباني في الإرواء، وقال ابن رجب: "وصححه إسحاق بن راهويه والخطابي والبيهقي، واحتجّ به أحمد، وتوقف فيه الشافعي وقال: "لو ثبت قلنا به" [فتح الباري لابن رجب: 8/462]، وقيل: تسقط ولا تصلى بعد ذلك، كما لا تقضى الجمعة إذا فاتت، وهو قول مالك، لكن السنة الصحيحة ثابتة وشاهدة على أنه تصلى صلاة العيد إذا ما بلغه الخبر إلا بعد الزوال اليوم الثاني.

هلال شوال يشترط له رؤية رجلين احتياطًا في الخروج من العبادة، ثم اختلفوا هل هذا الواحد إذا رآه يفطر سرًا؛ لأنه بالنسبة له انتهى الشهر فهناك حكم يتعلق به هو، أما بالنسبة للناس فإذا قلنا : لا يثبت هلال شوال إلا برجلين فأكثر احتياطًا في العبادة للخروج منها فإنه لا يلزمهم العمل بخبر الواحد.

 من فاتته صلاة العيد مع الإمام، الجمهور على أن من فاتته صلاة العيد مع الإمام يشرع له أن يصليها منفردًا، قال الإمام الشافعي - رحمه الله - ويصلي العيدين المنفرد في بيته والمسافر والعبد والمرأة" [المجموع: 5/25]، وقال المرداوي: "وإن فاتته الصلاة استحب له أن يقضيها على صفتها"[الإنصاف: 2/433]. يعني كما يصليها الإمام سبع تكبيرات في الركعة الأولى وخمس في الثانية سبعة من غير تكبيرة الإحرام وخمس من غير تكبيرة القيام وقال ابن قدامةهو مخير إن شاء صلاها وحده وإن شاء صلاها جماعة" [المغني لابن قدامة: 2/290].

ومذهب الحنفية أن من فاتته الصلاة مع الإمام فقد فاتته الصلاة، قال في الدر المختار مع حاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي " [الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 2/175].

 واختار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -قول الحنفية [مجموع الفتاوى: 17/480]. ورجحه أيضًا الشيخ ابن عثيمين [شرح الأربعين النووية للعثيمين: 130]. من المعاصرين وفتوى اللجنة الدائمة على قول الجمهور، أنه يصليها وحده إذا فاتته مع الإمام جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "ومن فاتته وأحب قضاءها استحب له ذلك فيصليها على صفتها من دون خطبة بعدها" [فتاوى اللجنة الدائمة:  1 (8/306]. وبهذا قال الإمام مالك وأحمد والنخعي وغيرهم من أهل العلم وكذلك الشافعي - رحمه الله - والأصل في ذلك قوله ﷺ:  إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون  يعني بماذا استدل الجمهور؟ الأصل في قضائها قوله ﷺ: إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا  [رواه النسائي: 861، وصححه الألباني في التعليقات الحسان: 2142]، وكذلك ما روي عن أنس أنه كان إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين يكبر فيهما، ولمن حضر يوم العيد والإمام يخطب أن يستمع الخطبة ثم يقضي الصلاة بعد ذلك حتى يجمع بين المصلحتين انتهت فتوى اللجنة الدائمة. [فتاوى اللجنة الدائمة:  1 (8/306].

ثم قال المصنّف - رحمه الله تعالى -: "والسنة فعلها في الصحراء"

وهذا الذي مضت عليه سنة محمد ﷺ السنة العملية في ترك الصلاة في مسجده صلاة العيدين، وأدائها في المصلى الذي على باب المدينة الخارجي" [زاد المعاد لابن القيم: 1/425]

وعن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى"

[رواه البخاري: 956]، فالسنة النبوية التي وردت في الأحاديث الصحيحة دلّت على أن النبي ﷺ كان يصلي العيدين في الصحراء في خارج البلد ويترك مسجده، وقد استمر العمل على ذلك في الصدر الأول ولم يكونوا يصلون العيد في المساجد إلا إذا كان لضرورة من مطر ونحوه، ثم إن هذه السنة يجتمع فيها أهل البلد جميعًا رجالًا ونساء وصغارًا، تجمعهم كلمة واحدة، خلف إمام واحد، يكبرون ويدعون مخلصين على قلب رجل واحد فرحين مستبشرين بنعمة الله، فيكون العيد عندهم عيدًا. ملخص من كلام العلامة أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي معلقًا على حديث أبي سعيد: "وفيه البروز إلى المصلى والخروج إليه ولا يصلي في المسجد إلا عند الضرورة مثل نزول المطر، وقال الإمام مالك: "لا يصلون في مسجدهم ولكن يخرجون كما خرج النبي ﷺ" [المدونة: 1/248].

وفي الموسوعة الفقهية: "ولم يخالف أحد من الأئمة في ذلك إلا أن الشافعية قيدوا أفضلية الصلاة في الصحراء بما إذا كان مسجد البلد ضيقًا" [الموسوعة الفقهية: 27/245].

وإن كان المسجد واسعًا لا يتزاحم فيه الناس فالصلاة فيه أفضل، يعني ربما يكون هذا في مكة والمدينة، وقال ابن قدامة - رحمه الله -: "السنة أن تصلى العيد في المصلى" [المغني: 2/275]، وحتى في المدينة النبي ﷺ ما صلّى في مسجده، خرج إلى المصلى الأرض المكشوفة الواسعة، الصلاة في الصحراء أفضل من الصلاة في المسجد النبوي، يعني لو واحد في المدينة قال: صلاة العيد ستقام في مصلى مكشوف، وفي المسجد النبوي، ما هو الأفضل؟ الصلاة في الصحراء، يخرجون إلى المكان الرحب الواسع الذي يجمع البلد، قال ابن قدامة : "السنة أن يصلى العيد في المصلّى؛ لأن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبي ﷺ الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بُعده ولا يشرع لأمته ترك الفضائل"، قال: "ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلّى العيد بمسجده إلا من عذر؛ ولأن هذا إجماع المسلمين، فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى فيصلون العيد في المصلى مع سعة المسجد وضيقه، وكان النبي ﷺ يصلي في المصلى مع شرف مسجده" المغني لابن قدامة [المغني لابن قدامة: 2/276].

 فتح الجوامع لصلاة العيد في البلد أفقد صلاة العيد شيئًا من عظمها في النفوس، وصار كثير من الناس يصلون في المساجد بدون سبب ولا عذر، يعني ما في مطر، ولا أي عذر، فتفرقوا فصارت كأنها صلاة جمعة، مع أن مقصود الشارع واضح في صلاة العيد، جمع أهل البلد في مكان واحد، لو كانوا مليون في مكان واحد، وابن قدامة - رحمه الله - في قوله: "ولم يُنقل عن النبي ﷺ أنه صلى العيد بمسجده إلا من عذر" فيه إشارة إلى حديث أبي هريرة في المستدرك للحاكم أنهم أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ في المسجد" [رواه الحاكم في مستدركه وصححه: 1094، وضعفه الألباني في صلاة العيدين في المصلى هي السنة: 32]، صححه الحاكم، وحسّنه النووي في الخلاصة، ولكن هذا الحديث يرويه عن أبي هريرة، أبو يحيى عبيد الله التيمي، وهو مجهول الحال، قال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: "عبيد الله ضعيف" وقال في الميزان: "لا يكاد يُعرف، وهذا حديث منكر" ولذلك ضعف الحديث ابن القطان والذهبي وابن حجر العسقلاني، وكذلك الألباني في رسالته صلاة العيدين في المصلى هي السنة.

أين يصلي أهل مكة صلاة العيد؟ عرفنا في المدينة ما هو الحال، قال الشافعي: "بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذلك من كان بعده، وعامة أهل البلدان، إلا أهل مكة، فإنه لم يبلغنا أن أحدًا من السلف صلى بهم عيدًا إلا في مسجدهم، وأحسب ذلك والله تعالى أعلم؛ لأن المسجد الحرام خير بقاع الدنيا، فلم يحبوا أن يكون لهم صلاة إلا فيه ما أمكنهم، ولم أعلمهم صلوا عيدًا قط ولا استسقاء إلا فيه" كتاب [الأم للشافعي: 1/268].

وقال الملا على القاري - رحمه الله -: "الظاهر أن المعتمد في مكة أن يصلي في المسجد الحرام على ما عليه العمل في هذه الأيام، يعني صلاة العيد ولم يعرف خلافه منه ﷺ ولا من أحد من السلف الكرام، فإن المسجد الحرام وضعه الله لعموم العبادات من صلاة الجمعة والجماعة والعيد والاستسقاء والجنازة والكسوف والخسوف لقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ  [آل عمران: 96]" [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/1073].

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: "أما في مكة فلا أعلم أن الرسول ﷺ أو أحدًا من الذين تولوا مكة كانوا يخرجون عن المسجد الحرام، ولهذا استثنى يعني صاحب الروض المربع مكة المشرفة، ولعل الحكمة من ذلك والله أعلم أن الصلاة في الصحراء في مكة صعبة؛ لأنها جبال وأودية فيشق على الناس أن يخرجوا، فلهذا كانت صلاة العيد في نفس المسجد الحرام" [الشرح الممتع: 5/125].

ما حكم إقامة أكثر من صلاة عيد في المدينة وجعل أكثر من مصلى عيد في البلد الواحد؟ في فتاوى اللجنة الدائمة: "إذا أمكن الاجتماع فهو أفضل" [فتاوى اللجنة الدائمة: - 1 (8/292].

يعني كل أهل البلد في مصلى واحد هذه هي السنة الأصلية، وإذا كان يشق عليهم فلا مانع من أن يصلوا في بلدهم الذي يبعد عن موقع إقامة صلاة العيدين ثلاثين كيلًا أو نحوها مما يشق معه الاجتماع، يعني الآن في بعض البلدان تجد العاصمة أحيانًا فيها ثمانية مليون، عشرة مليون، ثلاثة عشر مليون، فكيف يجمع هؤلاء في مكان واحد؟ يشق جدًا فمثل هؤلاء لو جعلوا مصلى شرقيًا، وآخر غربيًا، أو شماليًا وجنوبيًا، أو واحد في وسط المدينة، لا بأس بتعدد المصليات للحاجة .

ثم قال المصنّف - رحمه الله -: "وتعجيل الأضحى وتأخير الفطر" يعني هذا من السنة، قال ابن قدامة في المغني: "ويسن تقديم الأضحى ليتسع وقت التضحية، وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر، وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافًا، ولأن لكل عيد وظيفة، فوظيفة الفطر إخراج الفطرة، ووقتها قبل الصلاة، ووظيفة الأضحى التضحية، ووقتها بعد الصلاة، وفي تأخير الفطر وتقديم الأضحى توسيع لوظيفة كل منهما"[المغني لابن قدامة: 2/280]

والمعنى أنه بتأخير صلاة عيد الفطر يتسع وقت إخراج الفطرة المستحب إخراجها، وبتعجيل صلاة الأضحى يتسع وقت التضحية، ولا يشق على الناس أن يمسكوا عن الأكل حتى يأكلوا من ضحاياهم، كما ذكر ابن رجب - رحمه الله - في كتابه فتح الباري قال عطاء: "وكانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى فيقولون: نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا" [فتح الباري لابن رجب: 8/461]، فالبنسبة لصلاة عيد الفطر يفطرون ويطعمون، ثم يخرجون حتى لا يعجلوا عن الصلاة لأجل العودة للأكل، يذهب لصلاة عيد الفطر وقد طعم، لكن الأضحى هناك استعجال، يصلونه في أول الوقت، حتى يتمكن من أن يطعم من أضحيته، قال ابن رجب في فتح الباري: "ويكون تعجيل صلاة الأضحى بمقدار وصول الناس من المزدلفة إلى منى ورميهم وذبحهم" [فتح الباري لابن رجب: 8/461]، يعني يقدر الوقت، متى يخرجون من مزدلفة؟ إذا أسفر جدًا، قبل الإشراق، حتى يصلوا إلى منى كم يحتاجوا لهم من الوقت على الرواحل ثم يرموا ثم ينحروا؟ فقالوا: يكون أهل الأمصار في ذبح الأضحية تبعًا للحجاج فإذا نحر الحجاج في منى ذبح أهل البلدان أضاحيهم، قال: "ويكون تعجيل صلاة الأضحى بمقدار وصول الناس من المزدلفة إلى منى ورميهم وذبحهم، نص عليه أحمد في رواية حنبل، ليكون أهل الأمصار تبعًا للحاج في ذلك، فإن رمي الحاج الجمرة بمنزلة صلاة العيد لأهل الأمصار" لأن الحاج ما عنده صلاة عيد.

ومن السنن عند الخروج لصلاة العيد 

أولًا: التبكير في الحضور، "يستحب التبكير إلى العيد بعد صلاة الصبح، إلا الإمام فإنه يتأخر إلى وقت الصلاة؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل كذلك؛ ولأن الإمام يُنتظَر ولا يَنتظِر، ولو جاء إلى المصلى وقعد في مكان مستتر عن الناس فلا بأس، قال مالك: مضت السنة أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاه وقد حلت الصلاة -يعني يحسب وقت قطع المسافة إلى المصلى، بحيث يصل على وقت الصلاة- فأما غيره فيستحب له التبكير والدنو من الإمام ليحصل له أجر التبكير، وانتظار الصلاة، والدنو من الإمام من غير تخطي رقاب الناس، ولا أذى أحد، قال عطاء بن السائب: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن معقل يصليان الفجر يوم العيد وعليهما ثيابهما - يعني متجهزين لصلاة العيد-ثم يتدافعان إلى الجبانة -يعني مصلى العيد- أحدهما يكبر والآخر يهلل" [المغني لابن قدامة: 2/277].

ثانيًا: من السنن الذهاب ماشيًا، "ويستحب أن يخرج إلى العيد ماشيًا، وعليه السكينة والوقار لحديث ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا رواه ابن ماجه -وضعفه النووي وحسنه الألباني- عن وقال علي : من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وإن كان له عذر وكان مكانه بعيدًا فركب فلا بأس، قال أحمد - رحمه الله -: نحن نمشي ومكاننا قريب، وإن بعد ذلك عليه فلا بأس أن يركب" المغني [المغني لابن قدامة: 2/277]. ولا بأس أن يجمع بين الركوب والمشي، فيركب إلى مكان يستطيع المشي منه ثم يمشي، وعن عبد الله بن العلاء بن الزبير أنه سمع عمر بن عبد العزيز على المنبر يوم الجمعة يقول: إن الفطر غدًا فامشوا إلى مصلاكم فإن ذلك كان يفعل -يعني هذا هدي من سبقكم- ومن كان من أهل القرى فليركب، فإذا جاء المدينة فليمش إلى المصلى. واحد في قرية خارج المدينة يركب إلى المدينة، دخل المدينة ربط الدابة، ومشى إلى المصلى، هذا فيه الجمع بين الركوب والمشي لمن كان مكانه بعيدًا، قال الترمذي : والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا، ويستحب أن لا يركب إلا من عذر، المشي في الإسلام واضح في العبادات، الأفضل الذهاب لصلاة الجماعة ماشيًا، وإلى صلاة الجمعة ماشيًا، وإلى صلاة العيدين ماشيًا، وأن يرجع ماشيًا، ويذهب للطواف ماشيًا، والسعي ماشيًا، ويذهب لرمي الجمرات كذلك، لا حرج في الركوب، وثبت أن النبي ﷺ ركب في مواضع من الحج، لكن ركب ليرى الناس عمله، فالشاهد أن المشي في العبادات واضح.

قال المصنّف - رحمه الله -: "والفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة بتمرات وترًا"، فمن السنة في عيد الفطر أن يفطر قبل أن يخرج إلى الصلاة، ويأكل تمرات، لما رواه البخاري عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترًا" [رواه البخاري: 956]، وإنما استُحبّ الأكل قبل الخروج مبالغة في النهي عن الصوم في ذلك اليوم وإيذانًا بالإفطار، وانتهاء الصيام، وعلل ابن حجر - رحمه الله - بأن في ذلك سدًا لذريعة الزيادة في الصوم، وفيه مبادرة لامتثال أمر الله. الفتح [فتح الباري لابن حجر: 2/447].

ومن لم يجد تمرًا فليفطر على أي شيء مباح، وأما في عيد الأضحى فإن المستحب أن لا يأكل بعد الصلاة إلا من أضحيته؛ لحديث بريدة بن الحصيب قال: كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي" [رواه الترمذي: 542، وصححه الألباني في المشكاة: 1440]، قال ابن قدامة: "السنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي، وهذا قول أكثر أهل العلم لا نعلم فيه خلافًا" [المغني لابن قدامة: 2/275].

ولأن يوم الفطر يوم حرم فيه الصيام عقيب وجوبه فاستحب تعجيل الفطر لإظهار المبادرة إلى طاعة الله وامتثال أمره في الفطر على خلاف العادة -كل يوم كان يصوم في رمضان، العادة صيام الآن يوقف العادة ويفطر- والأضحى بخلافه؛ ولأن في الأضحى شرع الأضحية والأكل منها فاستحب أن يكون فطره على شيء منها، قال أحمد: والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح، -ولو واحد ما عنده أضحية، ما عنده قيمة أضحية- لأن النبي ﷺ أكل من ذبيحته وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل"، فإذن من الذي يتأكد في حقه أن لا يأكل إلا بعد صلاة الأضحى؟ الذي له أضحية، وقول الإمام أحمد يفهم منه أنه إذا لم يكن لديه أضحية، فإنه لا يُشرع له الإمساك عن الأكل قبل الصلاة، بل هو بالخيار فلو أكل قبل أن يخرج إلى الصلاة فإننا لا نقول له: إنك خالفت السنة، [الشرح الممتع: 5/125] "والمستحب أن يفطر على التمر؛ لأن النبي ﷺ كان يفطر عليه ويأكلهن وترًا لقول أنس: يأكلهن وترًا؛ ولأن الله تعالى وتر يحب الوتر؛ ولأن الصائم يستحب له الفطر كذلك"، [المغني لابن قدامة: 2/275]، فالواحدة لا تحصل بها السنة لماذا؟ الواحدة وتر لكن لا تحصل بها السنة؛ لأن الحديث فيه لفظ: تمرات ، فواحدة لا تحصل بها السنة، فما هو أقل ما تحصل به السنة؟ ثلاث حتى تكون قد عملت بقوله: تمرات  وعملت بقوله: وترًا  ولو أكل خمسًا أو سبعًا أو تسعًا فلا بأس، فيأكل تمرات يقطعها على وتر، وكل إنسان ورغبته، قال الشيخ ابن عثيمين: [الشرح الممتع: 5/125]. "فليس مقيدًا فله أن يشبع" قال المصنّف - رحمه الله - في سنن العيد أيضًا : وأن يتنظف ويتطيب لها ويلبس أحسن ثيابه، وذكر النووي -رحمه الله تعالى - اتفاق العلماء على استحباب الاغتسال لصلاة العيد، [المجموع: 4/ 537]. قال ابن رجب: "الغسل للعيدين نص أحمد على استحبابه، وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه وكان ابن عمر يفعله" [فتح الباري لابن رجب: 8/415]، فقد صحّ في الموطأ وغيره أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلّى، وسأل رجلًا عليًا عن الغسل؟ قال: "اغتسل كل يوم إن شئت"، فقال: لا الغسل الذي هو الغسل قال: "يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم النحر ويوم الفطر" [رواه البيهقي في الكبرى: 6124، وصححه الألباني في الإرواء: 1/177].

الذي يُستحب بسببه الاغتسال الجمعة والاجتماعات العامة كالعيدين، وفي الموطأ عن ابن السباق أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدًا فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمسّ منه وعليكم بالسواك [رواه الطبراني في الصغير: 762، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 2258] قال ابن رجب: "وهذا تنبيه على أن ذلك مأمور به في كل عيد للمسلمين" [فتح الباري لابن رجب: 8/416]؛ لأنه قال: إن هذا يوم عيد  قال عن الجمعة: يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدًا  فيؤخذ منه: أن الغسل في كل عيد، وأما وقت الاغتسال للعيد فالأفضل أن يكون بعد صلاة الفجر، ولو اغتسل قبل الفجر أجزأ لضيق الوقت والمشقة والناس سيذهبون بسرعة، وبعضهم يصلي الفجر وينطلق مباشرة إلى المصلى، فلو اغتسل قبل صلاة الفجر فلا مانع، وقد يكون المصلى بعيدًا، قال ابن عقيل: "المنصوص عن أحمد أنه قبل الفجر وبعده؛ لأن زمن العيد أضيق من وقت الجمعة، فلو وقف على الفجر ربما فات؛ ولأن المقصود منه التنظيف وذلك يحصل بالغسل في الليل لقربه من الصلاة، والأفضل أن يكون بعد الفجر ليخرج من الخلاف، ويكون أبلغ في النظافة لقربه من الصلاة" [المغني لابن قدامة: 2/275].

والغسل في العيد لليوم لا للصلاة، بخلاف الجمعة الغسل في الجمعة للصلاة لا لليوم، لأننا لو قلنا: الغسل في الجمعة لليوم، ممكن واحد يغتسل العصر ويقول : أليست السنة الاغتسال لليوم والعصر من اليوم؟ أنا اغتسلت العصر، نقول: غسل الجمعة للصلاة وليس لليوم، قال ابن حجر في الفتاوى الفقهية الكبرى: أن الغسل في العيد لليوم لا للصلاة ولذلك يسن حتى لمن لا يحضر الصلاة أو من فاتته" [الفتاوى الفقهية الكبرى لابن تيمية وليست لابن حجر: 1/271].

وهذا اجتهاده - رحمه الله -، ولكن بالنظر إلى اجتماع الناس وأن يكون الإنسان ذا رائحة طيبة عند التقائه بإخوانه، والتجمُّل في الخروج للصلاة، فإن معنى التنظف لأجل اللقاء والاجتماع في العيد يدعو أن يغتسل قبل صلاة العيد، ومن هدْي النبي ﷺ وصحابته التجمُل والتزين في العيد، قال ابن رجب - رحمه الله -: "لا خلاف بين العلماء فيما نعلمه في استحباب لبس الثياب أجود الثياب لشهود الجمعة والأعياد" [فتح الباري لابن رجب: 8/119]. فعن جابر قال: "كان للنبي ﷺ جبة يلبسها للعيدين ويوم الجمعة". صحيح ابن خزيمة [رواه ابن خزيمة: 1766وضعفه الألباني]، وروى البيهقي بسند صحيح أن ابن عمر كان يلبس للعيد أجمل ثيابه. فينبغي للرجل أن يلبس أجمل ما عنده من الثياب عند الخروج للعيد، قال ابن قدامة: "ويُستحب أن يتنظف، ويلبس أحسن ما يجد، ويتطيب، ويتسوك ،كما ذكرنا في الجمعة، قال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيدـ، والإمام بذلك أحق؛ لأنه المنظور إليه من بينهم، إلا أن المعتكف يُستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة والنسك"، [المغني لابن قدامة: 2/274]، وهذا رأي ابن قدامة - رحمه الله - ولكن قال الشيخ ابن عثيمين: هذا القول في غاية الضعف أثرًا ونظرًا؛ أما الأثر فإن النبي ﷺ كان يعتكف ومع ذلك يلبس أحسن الثياب، فهذا القول مخالف للسنة، يعني يذهب لصلاة العيد بثياب الاعتكاف مخالف للسنة، وأما النظر فلأن توسخ ثياب المعتكف ليس من أثر اعتكافه ولكن من طول بقائها عليه، ولهذا لو لبس ثوبًا نظيفًا ليلة العيد أو في آخر يوم من رمضان ما أثر، فالصحيح أن المعتكف كغيره يخرج إلى صلاة العيد متنظفًا لابسًا أحسن ثيابه"، [الشرح الممتع: 5/129]، قال ابن رجب: "وهذا التزين في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة والجالس في بيته حتى النساء والأطفال" [فتح الباري لابن رجب: 8/420].

يعني إذا كان التزين لأجل اليوم فحتى الذين لا يصلون العيد يلبسون ويتزينون.

قال المصنّف - رحمه الله -: "ويذهب من طريق ويرجع من أخرى"

وهذا من سنن الذاهب لصلاة العيد، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق"، [رواه البخاري: 986].

وقد اختلف في الحكمة في مخالفته ﷺ للطريق ذهابًا ورجوعًا على أقوال : قيل: ليشهد له الطريقان عند الله، يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا، وقيل: لإظهار شعائر الإسلام في هذا الطريق وهذا الطريق، وقيل: لإظهار ذكر الله هنا وهنا، وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات فأراد أن يشهد له فريقان منهم، وقيل: ليغيظ المنافقين واليهود الذين يرونه هنا وهنا، وقيل: ليسلٍّم على الناس في هذا الطريق وفي هذا الطريق ويجيب على أسئلتهم هنا وهنا، قال ابن القيم: "إنه لا مانع أن يكون لجميع ما تقدم" [زاد المعاد: 1/433].

قال المصنّف - رحمه الله -: "فيصلي بهم ركعتين"، نقف هنا في أحكام صلاة العيد ونتابع بمشيئة الله تعالى الكلام عن هذا الموضوع في الدرس القادم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.