الخميس 19 محرّم 1446 هـ :: 25 يوليو 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

07- الأربعون في عظمة رب العالمين - شرح الأحاديث 15،14،13


عناصر المادة
نص الحديث الثالث عشر
شرح الحديث الثالث عشر
عظمة الله وكبريائه
نص الحديث الرابع عشر
شرح الحديث الرابع عشر
نص الحديث الخامس عشر
شرح الحديث الخامس عشر

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

نص الحديث الثالث عشر

00:00:12

فقد تقدم في هذه الدورة "الأربعون في عظمة رب العالمين" شرح اثني عشر حديثا من أحاديث النبي ﷺ، وها نحن في الحديث الثالث عشر: قال النبي ﷺ: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا -للذي قال- الحقَّ، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض  الحديث رواه البخاري [رواه البخاري: 4800].

شرح الحديث الثالث عشر

00:01:17

فهذا حديث عظيم جليل من أحاديث عظمة الله، وأنه إذا تكلم بالأمر في السماء، وأمره سبحانه كن: إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران: 47]، وسمع أهل السماوات كلامه أرعدوا من الهيبة، حتى يلحقهم مثل الغشي، فإذا كان كذلك يسأل بعضهم بعضا:  ماذا قال ربكم؟  فيخبر بذلك حملة العرش الذين يلونهم بما قال ربهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، والملائكة مراتب، وهم سكان السماوات ما من موضع أربع أصابع إلا فيه ملك قائم أو راكع أو ساجد  فيسأل بعضهم بعضًا؛ فيخبر الأعلى منهم الأدنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا.

وقد جاء ذلك صريحا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رُمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ:  ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمي بمثل هذا؟  قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول اللهﷺ:  فإنها لا يُرمي بها لموت أحد ولا لحياته [رواه مسلم: 2229].

شف فائدة العلم أنه ينفي الخرافة والمعتقدات الباطلة، ويضعك -يا أيها المؤمن المسلم- على طريق الوحي علمك من الوحي شيء مؤكد، وهذه الأشياء الخفية الغيبية إذا رمي بنجم في السماء الشهاب هذا العابر ماذا وراءه؟ فأهل الجهل يفسرونه بخرافاتهم، لكن أنت تأخذ السبب من الوحي، فالعلم بالوحي يعطيك الإجابة على السؤال الذي لا يملك جوابه عامة الناس، بل عندهم ربما جهل يؤدي إلى اعتقادات فاسدة أو باطلة، وأنت عندك العلم اليقيني، فقال ﷺ:  فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا -تبارك وتعالى اسمه- إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم   يعني السابعة  حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال: الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال: قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا؛ فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به ..  [رواه مسلم: 2229]، يقذفون الخبر إلى أوليائهم ليصل إلى الأرض إلى الكاهن في الأرض، ويرمون بالنجم هم عندما يستمعون في السماء،  فما جاؤوا به على وجهه فهو حق   يعني: لو وصل الخبر بدقة استطاعوا أن يوصل الخبر بعضهم إلى بعض قبل الاحتراق قبل أن يحترقوا قبل أن يحترق مصدر الخبر الذي استرق السمع، إذا استطاع أن يلقيه قبل ما يحترق، والذين من بعده نقلوه بدقة حصل على وجهه، وهذا نادر.

ومتى لا يخرجون بشيء؟ أو يأتي الخبر كاذبا كذبا خطئا؟ إذا احترق المصدر الذي استرق السمع قبل أن يلقي ما سمعه أو ألقاه على عجل فأخذه الذي بعده نصف ما سمعه جيدا، وقد يتغير أثناء النقل، كما يحدث من التحريف عند البشر في نقل الأخبار من واحد إلى واحد كلما أطال السند طالت السلسلة كثرت فرص التحريف، وقد يكذبون، وهذا الغالب، يكذبون هم وكهنة الأرض ويلفقون، لكن لا يخلو أحيانا أن يوجد خبر صحيح بسبب ما تقدم، ولكن كثيرا ما يكذبون أو لا يأخذونه كاملا أو دقيقًا مثل ما سأل النبي ﷺ ابن صياد سأله هل يدري ما خبأ له؟ تدري ما خبأت لك ابن صياد؟ على الراجح كما قال ابن حجر -رحمه الله- بعد الدراسة الطويلة: أنه دجال من الدجاجلة، وليس الدجال الأكبر، اسمه صافي، يهودي، من يهود المدينة، فالنبي ﷺ قال له: تدري ماذا خبأت لك؟ وكان النبي ﷺ قد خبأ له سورة، هذا له صلة بالشياطين، فقال: الدخ، فالنبي ﷺ قال له: اخسأ فلن تعدو قدرك  النبي ﷺ كان خبأ له سورة الدخان، لكن ما وصلت كاملة، ما وصل إلا النصف، ويبدو احترق المصدر، فابن صياد لما سأله قال: الدخ؛ ما وصلت كاملة، ولذلك قال له ﷺ:  (اخسأ فلن تعدو قدرك  [رواه البخاري: 1354، ومسلم: 2930، 2931] يعني مهما بلغت أنت والذي وراءك.

الشاهد: أن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم  يعني بالخبر  ويرمون به  يعني بالنجم فيحرقه، قد يلقي الخبر قبل الاحتراق وقد يحترق ولا يلقي، وقد يلقي بعضه، وقد يصل مشوشا، وقد يصل دقيقا، وقد يكذبون.

المهم كما هي القضية المعروفة، قال ابن عباس: ويرمون به فما جاؤوا به على وجهه فهو حق  [رواه مسلم: 2229] يعني إذا وصل الخبر صحيحا ولكنهم يقرفون وفي رواية: يقرفون فيه ويزيدون  يقرفون يخلطون فيه الكذب قال: ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون  حديث ابن عباس رواه مسلم -رحمه الله- في صحيحه [رواه مسلم: 2229].

وقد جاء في تمام حديثنا هذا لما قلنا قبل قليل في أول الحديث جاء قوله ﷺ: فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض يركبون، يركب بعضهم فوق بعض، ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه، يعني: فرق، قال ﷺ  فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه  يعني ألقى الكلمة ثم احترق، قال:  فيكذب معها مائة كذبة  يعني الناس في الأرض لما يذهبون للكاهن والعراف، وفي كلمة صحيحة أو خبر صحيح وصل من استراق السمع هم يكذبون معها مائة كذبة أو تسعة وتسعين، وكلما جاءهم واحد من الناس قال: سيحدث في يوم كذا وكذا وكذا، سيحدث كذا وكذا، لأخبار أكثرها كذب، وواحد في المائة صحيح، فيقال  يعني: يقول الناس بعدما يأخذوا الأخبار ويتداولونها والواحد في المائة يحصل، ينسى الناس التسعة والتسعين كذبة، ولا يتذكرون إلا الخبر الواحد الصحيح، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء ، فالناس مساكين هؤلاء الجهلة الذين يأتون العرافين والكهان كثير منهم سذج ومغفلون، ينسون التسعة والتسعة كذبة، ويتذكرون هذه الواحدة، ويقول بعضهم لبعض: صدق، قال لنا كذا كذا.

إذن، يعلمون الغيب، إذن، يعرفون وهي كلها واحد في المائة من استراق السمع؛ كما قال تعالى:  وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [الحجر: 16- 18]، وقال تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ  [الصافات: 10]، أي: محرق.

قوله في الحديث: إن الله إذا تكلم بالكلمة  في السماء من الأوامر الإلهية، وهذا من أحاديث العظمة الإلهية كيف يكون وقْع الكلام الإلهي على الملائكة، قال: ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله .

طبعا الملائكة الأجنحة عظيمة  مَثْنَى ‌وَثُلَاثَ ‌وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر: 1] ، وجبريل له ستمائة جناح، ولما حاول يعني بعضهم واحد من الشباب يعني الخوض في صفات الله أتى به أحد أئمة أهل العلم، فقال له: يا بني: الله يقول عن الملائكة أن لها أجنحة مثنى وثلاث ورباع، لو قلت لك: الملك له جناحان تقول: واحد على اليمين وواحد على الشمال، ولو قلت لك: ثلاث، ممكن تقول واحد فوق، وأربع، واحد تحت، والخامس أين تركبه؟ والسادس؟ والعاشر؟، فالشاب هذا تاه، خلاص، قال: هذا عن مخلوق، عن صفة مخلوق، أنت ما استطعت ما استوعب عقلك أين تركب الجناح رقم كذا الجناح؟ رقم كذا؟ فما بالك بالخالق؟

الشاهد: الملائكة غيب، وصفتهم عظيمة، وجبريل كان له ستمائة جناح سادا الأفق، رآه النبي ﷺ والله قال: وَلَقَدْ ‌رَآهُ ‌بِالْأُفُقِ ‌الْمُبِينِ [التكوير: 23]، رآه على صفته الحقيقية؛ لأن جبريل كان يأتي بصورة آدمي، يأتي بصورة رجل، يأتي بصورة دحية الكلبي، صورة جميلة، لكن مرة رآه فالنبي ﷺ كاد أن يغشى عليه من هول ما رأى، ستمائة جناح سادا الأفق، ينزل من كل جناح من التهاويل من الدر والياقوت، فكاد أن يغمى عليه، شيء عظيم، الملائكة شيء عظيم، خلقوا من نور، ولهم قوة عظيمة، يعني قرية قوم لوط ضربها بجناحه، يعني قلعها في السماء، فيرسل الله الملائكة للإهلاك، ويرسل الملائكة لتثبيت المؤمنين، ومحاربة الكافرين، ويرسل الملائكة لأشياء كثيرة.

الشاهد: الحديث يقول: ضربت الملائكة بأجنحتها  والملائكة أجنحتها متعددة ومتفاوتة  خضعانا لقوله يعني لما يجي الأمر الإلهي الملك يضرب بجناحه من الرهبة من الخوف، يعني من الخشية  ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله  فسبب الضرب من خضوعها وخشيتها تضرب بأجنحتها، فيصدر صوت عظيم، مثل في الحديث، يعني تقريبا للسامعين، قال:  كأنه سلسلة على صفوان .

السلسلة، يعني خذها بسلاسل السفن، السلاسل الحديد الضخمة، لو جريت السلاسل الحديد الضخمة على صخر صفوان أملس كيف يطلع الصوت؟

يطلع صوت مضخم، يعني يطلع صوت عظيم، فقرب ذلك للأفهام بهذه الصورة، قال:  ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه يعني الصوت، هذا سلسلة على صفوان صوت القول في وقعه على قلوبهم، والصفوان الحجر الأملس الصلب، وليس المقصود تشبيه صوت الله، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ  [الشورى: 11].

فالمقصود تشبيه ما يحدث للملائكة من الفزع عندما يسمعون كلامه -تعالى- بفزع من يسمع سلسلة على صفوان، يعني إذا واحد سمع جر السلسلة على الصخر، الصوت الضخم الذي يطلع هذا كيف يسمعه؟ ما الرهبة التي تكون في نفسه من الصوت هذا الضخم الفخم؟ فكذلك الملائكة يكون في نفوسهم من الخشية من الله، والخضوع لقوله.

طيب هذا الخضوع والخشية تأخذ وقتا؛ فإذا فزع عن قلوبهم: إذا زال الفزع عن قلوب الملائكة؛ لأن الفزع يعقد الألسنة، إذا زال الفزع عن قلوب الملائكة قالوا: ماذا قال ربكم؟ يسأل بعضهم بعضا، ويخبر بعضهم بعضا على النحو السابق، قالوا للذي قال، يعني لأمره تعالى ماذا تقول الملائكة عنه: الحق، فالحق هذا الكلمة، هذه صفة لمصدر محذوف تقديره: قال القول الحق، ماذا قال ربكم؟ فيجيبون: قال القول الحق.

وهذا الجواب الذي يقولونه يحتمل أن يكونوا قد علموا ما قال وقالوا علقوا على هذا إنه الحق، فيكون هذا عائدا إلى الوحي الذي تكلم الله به.

ويحتمل أنهم قالوا ذلك لعلمهم أن الله لا يقول إلا الحق، فلذلك قالوا هذا لأن الحق من أسمائه، وما يقوله حق، ووعده حق، ولقاؤه حق، والجنة حق، والنار حق، فقالوا الحق؛ لأنها صفة ربنا كما في "القول المفيد"، وهذا كما قال الله : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: 23] فأخبروا بما قال يعني أخبر بعضهم بعضا بما قال -تعالى- من أوامره من غير زيادة ولا نقصان، كما في "تفسير ابن كثير".

عظمة الله وكبريائه

00:24:47

فالله -تعالى- هو العلي الكبير، العلي في ذاته، عال على جميع المخلوقات، وفوق جميع المخلوقات، وله علو القدر: فهو كامل الصفات، وله علو القهر والغلبة لجميع المخلوقات، الكبير في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته، الذي من عظمته وكبريائه أن الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه.

ومن كبريائه وعظمته: أن كرسيه وسع السماوات والأرض، والكرسي كحلقة في فلاة بالنسبة للعرش.

ومن عظمته وكبريائه: أن نواصي العباد بيده؛ فلا يتصرفون إلا بمشيئته، لا يقدرون على شيء إلا إذا شاء -سبحانه-، ولا يتحركون ولا يسكنون إلا بإرادته.

وحقيقة الكبرياء لا يعلمها إلا هو، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وكل صفة لله فهو أعلم بها.

ومن كبريائه: أن العبادات كلها الصادرة من أهل السماوات والأرض لتعظيمه، والتكبير دلالة على الكبرياء، نحن نقول: "الله أكبر"، كلمة "أكبر" دليل على الكبرياء، ولهذا كان التكبير شعارا للعبادات، فمثلا في الصلاة نقول: "الله أكبر"، عند الصعود: "الله أكبر"، في العبادات الكبار كالعيدين "الله أكبر"، اجتماع الجموع العظيمة، وهكذا في الأمور العظيمة "الله أكبر".

نص الحديث الرابع عشر

00:27:13

الحديث الرابع عشر: قال ﷺ: العز إزاره، والكبرياء رداؤه؛ فمن ينازعني عذبته [رواه مسلم: 2620].

وفي رواية: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري [رواه أبو داود: 4090، وابن ماجه: 417، وأحمد: 7382].

وفي رواية:  والعزة إزاري؛ فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في النار [رواه أبو داود: 4090، وأحمد: 7382، وصححه ابن حبان].

شرح الحديث الرابع عشر

00:27:54

فالله عظيم له صفات العظمة والعزة والكبرياء؛ كما قال تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية: 37]، وقال: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ  [الرعد: 9].

وقال:  هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ  [الحشر: 23].

وفي الحديث: وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن  [رواه البخاري: 4878، ومسلم: 180].

فوصف الله -تعالى- نفسه بما وصف هذا، ومن ذلك: أن العز أو العظمة إزاره، والكبرياء رداؤه، وهذه من صفاته نثبتها له -سبحانه-، ونؤمن بها كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، يعني: ولا تكييف نكيفه من عندنا، هناك كيف لكن لا يعلمه إلا هو، وليس معنى الحديث: أن لله إزارا ورداء من جنس ما يلبسه الناس -تعالى الله-، الناس يلبسون من جلود الأنعام ومن القطن والصوف والكتان، بل نص الحديث ينفي هذا المعنى الفاسد؛ لأنه قال:  العظمة والكبرياء ، فرداء الله ليس كرداء البشر، وإزار الله ليس كإزار البشر، فالبشر هذه الأقمشة وهذه المصنوعات، والله رداؤه وإزره العزة والكبرياء أو العظمة والكبرياء، وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمة -رحمه الله- في "بيان تلبيس الجهمية".

قال في الحديث: فمن ينازعني عذبته  والكبرياء: العظمة والجلال والمجد، ومن أسمائه -سبحانه- المتكبر، ما يليق بالله لا يليق بالمخلوق في الكبر، الله -عز وجل- من أسمائه المتكبر،  وَلَهُ ‌الْكِبْرِيَاءُ ‌فِي ‌السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  [الجاثية: 37]، وهذا الذي جاء  في ردائه أنه الكبرياء، فلا يليق بالمخلوق أنه يكون متكبرا، وإذا كان متكبرا كان مذموما.

أما الله فمن كماله: أنه المتكبر، والذي يليق به الكبر هو الله، وليس المخلوق، المخلوق إذا تكبر يتكبر بغير الحق، أما الذي له الكبرياء الحق الله .

وقد قيل في معنى المتكبر: له الكبرياء، العظيم ذو الكبرياء، وقيل: المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المنزه عن السوء والنقائص والعيوب، هذا معنى المتكبر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة، ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار".

قال: "ولهذا كان شعار الصلاة والأذان والأعياد هو التكبير، وكان مستحبا في الأماكن العالية كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفًا -يعني مثلا في طريق السفر صعد جبلا أو مرتفعا من الأرض أو أقلعت الطائرة به- قال شيخ الإسلام: أو علا الإنسان شرفا، أو ركب دابة، ونحو ذلك، وعند الأذان يهرب الشيطان" [العبودية، لابن تيمية، ص: 99- 100].

وقال أيضًا: "التكبير مشروع في المواضع الكبار؛ ليبين أن الله أكبر، وتستولي كبرياؤه في القلوب، على كبرياء تلك الأمور الكبار" يعني: لو أنت رأيت مثلا جيشا عظيما، فقلت: الله أكبر، تذكر نفسك أن الله أكبر من هذا الجحفل، وهذا الجيش العرمرم، ولو رأيت  ما رأيت من هذه الأسلحة الفتاكة والجبارة، وحاملة الطائرات والصواريخ العظيمة، فتذكر نفسك أن الله أكبر من كل هذه، حتى ما تستولي على قلبك كبر هذه الأشياء، وإنما يستولي عليه الله ، صفة الكبر لله ، وأنه أكبر، وأنه الكبير المتعال سبحانه على خلقه، قال شيخ الإسلام: "وتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار، فيكون الدين كله لله، ويكون العباد له مكبرين، فيحصل لهم مقصودان، مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله -يعني قلوبهم تكبر- ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه" [مجموع الفتاوى: 24/229].

فالكبرياء لله وحده، ولهذا كان من عقاب الله -تعالى- للمتكبرين -كما مر معنا- أن الله يحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة ذليلة، كما قال: يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر -كالنمل الصغار في الحجم- على صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان [رواه الترمذي: 2492، والبخاري في الأدب المفرد: 557، وهو حديث حسن].

نص الحديث الخامس عشر

00:35:28

الحديث الخامس عشر:  استووا حتى أثني على ربي  ، قال ﷺ ثم قال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هاديا لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك [رواه الإمام أحمد: 15492، والبخاري في الأدب المفرد: 699، وصححه الحاكم: 4308، والألباني].

شرح الحديث الخامس عشر

00:36:27

مناسبة الحديث هذا: عن عبد الله الزرقي أو عبيد بن رفاعة الزرقي، قال: "لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون" رجعوا بيوتهم، طبعا يوم أحد حصل فيه مقتلة عظيمة في المسلمين، ونكبة عظيمة، ومصيبة عظيمة، لما انسحب الكفار، ماذا قال النبي ﷺ بعدما حصل كل ما حصل؟ ماذا قال للمسلمين قبل أن يرجع إلى المدينة بعد هذا المصاب الجلل والكارثة والمصيبة التي حصلت؟

قال لهم: استووا حتى أثني على ربي   فصاروا خلفه صفوفًا، وذكر الحديث:  اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك .

وهناك تكملة لهذا الدعاء، قال: اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة  الحاجة  والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة .

وهذا -طبعا- الشاهد له علاقة مباشرة بعدما ذكر كلما تقدم، قال: اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق  هذا ثناء على الله، وذكر لعظمته، وتوسل إليه ببعض صفاته.

الخلق خلقه، والأمر أمره، والعبيد عبيده، والخير كله بيديه، لا مانع لما أعطى، فإذا أعطى أحدًا شيئا لا يستطيع أن يمنعه أحد من ذلك، وإذا منع أحدا شيئا فلا يستطيع أحد أن يجلبه إليه: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [فاطر: 2] لا قابض لما بسط، ولا باسط لما قبض، لا أحد يستطيع أن يضيق ما وسعه رب العالمين، ولا أحد يستطيع أن يوسع ما ضيقه رب العالمين؛ لكمال قدرته ومشيئته، وأنها نافذة في العباد، وأنه لا يمكن لأحد أن يضاد الله، ولا أن يغلبه ولا أن يعاكس أو يخالف مشيئته، ولا أن يقاوم فعله، فمشيئته كاملة نافذة، وإرادته ماضية، وقدره واقع لا محالة، ولا يمكن لو اجتمع من بأقطارها لا يمكن أن يرفعوا أو يدفعوا ما يريد أن يحدث أو ينزل، له القدرة الكاملة، ولا يهدي أحد من أراد الله إضلاله، ولا يضل أحد شخصا أراد الله هدايته: مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  [الأنعام: 39]،  مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ [الأعراف: 186]،  وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ  [الإسراء: 97]،  أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً  [النساء: 88].

 ولا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى  من علم أو رزق أو سلطان أو ولد أو جاه وغير ذلك،  ولا مقرب لما باعد، ولا مباعد لما قرب ، الله يقرب الطائع، ويقرب أهل الإيمان، ويباعد الكفار والفجار والمنافقين، ولا يستطيع أحد أن يقربهم، فإذا بعّدهم الله فمن ذا الذي يقربهم؟

والله يقبض ويبسط، ويوسع ويضيق، ويخفض ويرفع، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعطي ويمنع، ويضل ويهدي، ويعز ويذل، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، فالحكم لله العلي الكبير، والله يحكم لا معقب لحكمه، ما أحد يستطيع البشر بعضهم يلغي قرارات بعض، وبعضهم يعاكس رغبة بعض، وبعضهم يوافق بعضا، وبعضهم يخالف بعضا، لكن الله ما الذي يعقب؟

 لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: 41]،  إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: 1]،  فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [البروج: 16]،  وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ  [الأنعام: 17]،  وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 18].

إذن، خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمته وجلاله وكبريائه الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت حكمه وقهره سبحانه؛ [تفسير ابن كثير].

قوله ﷺ في الحديث: اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك ما هو الملاحظ هنا؟ يعني ماذا كان قبل هذه العبارة، وما هي هذه العبارة؟

أن التوسل سبق الدعاء، يعني اللهم ابسط علينا  هذا جاء بعد كل الثناءات السابقة، يعني شف كم ثناء مر؟ كم ثناء على الله؟ وكم وصف من أوصافه العظيمة قدم قبل أن يسأل سؤالا واحدا؟

 اللهم   اللهم   ولا مانع ولا مقرب ،  ولا مباعد   ولا مضل  يعني بعدما ذكر صفات لله، وأثنى على الله، ومجد الله، وعظم الله، وذكر مشيئته النافذة، وأمثلة على مضاء قدره، وعلى نفوذ مشيئته، بعدما مجد وعظم، بعد ذلك جاء الطلب، قال: اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك .

إذن، الدرس الذي نستفيده أن الثناء على الله والتوسل بأسمائه وصفاته قبل الطلب قبل الدعاء، ثم يشرع الداعي في مطلوباته الدنيوية والأخروية، فيسأل الله أن يوسع عليه، أن يؤتيه من فضله، أن يرزقه، أن يعافيه، أن ينصره، ونحو ذلك، وإذا سأل من خيرات الدنيا ما ينسى الآخرة؛ لأن الآخرة هي الأصل، ولذلك قال: اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول  وهو نعيم الآخرة؛ لأنه النعيم الدائم.

 اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة  يوم الحاجة، يوم الشدة، وكذلك طبعا سواء كان في الدنيا أو في الآخرة  أسألك النعيم يوم العيلة  يعني حتى لو صار مجاعة، لو صار قحط، لو صار فقر، لو صار حرب  أسألك النعيم يوم العيلة ، وكذلك في الآخرة، الآخرة ما أحد يملك شيئا، قال: والأمن يوم الخوف  والاطمئنان إذا حل الفزع في الناس يوم الفزع الأكبر أو في الدنيا يوم الخوف في الحرب وغيرها  أسألك الأمن، اللهم إني عائذ بك طبعا هذا مناسب لمعركة أحد حصلت حرب، وحصل خوف وحصل.. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعت ؛ لأن الرزق أو العطاء في الدنيا قد يكون في بطر وراءه قد يجر إلى معاصي، قد يكون سببا في الطغيان والاستكبار: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6-7]، ولذلك استعاذ من شر ما أعطاه، قال: من شر ما أعطيتنا  يعني يسأل الله الإعطاء ويستعيذ بالله من شر العطية.

وكذلك استعاذ من شر ما منع؛ لأن الفقر ممكن يقود إلى الكفر، والفقر أحيانا يُنسي، فيستعيذ من الغني المطغي، والفقر المنسي.

وقد يكون سببا في الحسد والبغي والظلم والحزن والهم والغم، والإشغال عن العبادة، ومصالح الآخرة الذي هو الفقر، ثم قال: اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان  فإذا حبب الله الإيمان إلى العبد خلاص العبد يتوجه إليه مباشرة، ولا يجد عناء، ولا يصد ولا يحيد، بل يرغب ويقبل، فيكون العمل صالحا، وإذا كره الله الكفر والفسوق والعصيان إلى شخص مهما صارت المغريات، ومهما عظمت الفتن، ومهما تزينت الشهوات المحرمة ما يقع فيها؛ لأن الله يكرهه فيها: واجعلنا من الراشدين، المستقيمين على الرشد اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين  الخزي الذل الفضيحة  ولا مفتونين  لا فتنة دنيوية، ولا فتنة أخروية.

ثم دعا النبي ﷺ على المشركين  اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك لخطرهم وشرهم؛ لأنهم يشغلون المؤمنين عن العبادة وعن الدعوة، يشغلون المؤمنين بقتال المؤمنين، ويصدون عن سبيل الله  فيخاف من كان يريد الإسلام لما يرى هؤلاء الكفرة في طغيانهم، واجعل عليهم رجسك وعذابك، الرجس هو شدة العذاب.

 اللهم قاتل الكفرة الذين أتوا الكتاب، إله الحق الإله المألوه المعبود المستحق للعبادة المحبوب، الحق ضد الباطل.

ثم نأتي بعد ذلك بمشيئة الله إلى الحديث السادس عشر، وهو ما سيكون في مطلع درسنا القادم بمشيئة الله -تعالى-.