الخميس 18 صفر 1441 هـ :: 17 أكتوبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

(1) آداب قضاء الحاجة


عناصر المادة
كمال الشريعة وجمالها
آداب وأحكام قضاء الحاجة
عدم استقبال القبلة عند البول والغائط
ألا يمسك ذكره بيمينه حال البول
ألا يستنجي بيمينه
الجلوس عند قضاء الحاجة
ألا يرفع ثوبه إلا بعد الدنو من الأرض
الاستتار عن أعين الناس
الاهتمام والاعتناء بإزالة النجاسة
أن يوتر بثلاث مسحات أو أكثر
ألا يستجمر بروث أو عظم
ألا يتخلى في طريق الناس أو ظلهم
ألا يسلم على من يقضي حاجته ولا يرد السلام
ألا يبول في الماء الدائم ولا يتغوط في الماء الجاري
حكم قضاء الحاجة بكنائس النصارى وبيع اليهود
أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً
ألا يبول في مستحمه
مسألة: الاعتماد على الرجل اليسرى عند التبول
أن يذكر الله قبل أن يدخل الخلاء
اتقاء اتجاه الريح
أن يلبس حذاءه حتى لا تتنجس رجلاه وألا يطيل في الخلاء
اجتناب ذكر الله أثناء قضاء الحاجة
ترك الكلام في الخلاء
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
كمال الشريعة وجمالها
00:00:13
 فنتحدث في سلسلة الآداب الشرعية المجموعة الثانية عن أدب يدل على كمال هذه الشريعة وحسنها، وأنها لم تترك شيئاً إلا وأوردت فيه آداباً وأحكاماً، ليدل ذلك على قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3]، فالكمال والجمال في هذه الشريعة من سماتها، والحمد لله على نعمته.
ومن عظمة هذه الشريعة المباركة: أنها ما تركت خيراً في قليل ولا كثير إلا أمرت به، ودلت عليه، ولا شراً في قليل ولا كثير إلا حذرت منه، ونهت عنه؛ فكانت كاملة حسنة من جميع الوجوه، وقد أثار ذلك دهشة غير المسلمين، وإعجابهم بهذا الدين؛ حتى قال أحدهم لسلمان الفارسي رضي الله عنه: "قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟ قال: فقال أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول..." [رواه مسلم: 629].
وقضاء الحاجة، هذا الاسم من الأدلة على الأدب في الشريعة، فإنه ذكر كنايةً عن خروج البول والبراز، ولا شك أن هذا الاسم -قضاء الحاجة- ألطف وأحسن وأجمل.
والأدب في مثل هذا واضح في القرآن والسنة؛ فقد قال الله سبحانه وتعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء: 43] فلم يسمِ الخارج باسمه البشع، وإنما كنى عنه بهذه العبارة، فقال: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ  [النساء: 43].
والغائط، هو المطمئن من الأرض، الموضع النازل من الأرض، مستوى هابط من الأرض؛ كانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوه رغبة في التستر؛ فكني به عما يخرج من السبيلين.
ولذلك؛ فإنه لا فحش ولا بذاءة في هذه الشريعة، بخلاف ما يستعمله كثير من الناس في ألفاظهم ومجالسهم من أنواع البذاءات والفحش.
فنقول: حتى هذه العملية، وهي خروج هذه النجاسات سميت بهذه الأسماء من باب الأدب، وقيل: قضاء الحاجة، مع أن الحاجات كثيرة، لكن صار علماً أو رمزاً على إخراج النجاسة من السبيلين.
آداب وأحكام قضاء الحاجة
00:04:10
 وقد ورد في هذه الشريعة عدة آداب وأحكام لهذا الأمر، ومن ذلك:
عدم استقبال القبلة عند البول والغائط
00:04:19
 أولاً: عدم استقبال قبلة الصلاة عند البول والغائط.
والقبلة، هي جهة الكعبة التي بناها إبراهيم ، وهذا من احترام المسلمين لقبلتهم، وتعظيمهم شعائر الله ألا يستقبلوا القبلة ولا يستدبروها ببول أو غائط، وقال ﷺ: إذا جلس أحدكم على حاجته ؛فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها [رواه مسلم: 633].
أما بالنسبة للخلاء، أو الصحراء، والفضاء، والمكان المفتوح، والمكشوف؛ فإنه لا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها ببول ولا غائط.
لكن قد حصل خلاف في البنيان، هل يجوز استقبال القبلة أو استدبارها في البنيان؟
فذهب بعض العلماء إلى ذلك، وقالوا: بأن النهي خاص بالأماكن المكشوفة والمفتوحة؛ كالفضاء والصحراء، وأما في البنيان، فلا.
وقال بعضهم: النهي عام.
وفرق بعضهم بين البول والغائط، إلى آخر ذلك، من الأقوال المشهورة والمعروفة في هذا الموضوع.
ولذلك الأحسن: أن الإنسان -وهذه من الأمور المهمة في تصميم البيوت- أن ينتبه الذي يريد أن يصمم بيتاً إلى أن يكون الكرسي أو المكان المعد للجلوس لقضاء الحاجة في بيته ليس إلى جهة القبلة، والرسول ﷺ قال في المدينة: شرقوا أو غربوا  [رواه البخاري: 394، ومسلم: 632].
ونحن نقول في هذا المكان: اتجهوا شمالاً أو جنوباً، بحسب الموقع، أين أنت من مكة؟
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم من مراعاتهم لهذا، لما دخلوا بلاد فارس في الفتوحات، وجدوا المراحيض إلى جهة مكة، فقال بعضهم: "فكنا ننحرف، ونستغفر الله".
فلو أنه أراد أن يحتاط حتى في البنيان يمكن أن ينحرف، ويستغفر الله.
ألا يمسك ذكره بيمينه حال البول
00:07:11
 ومن الآداب كذلك: ألا يمس ذكره بيمينه وهو يبول؛ لقوله ﷺ: إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه [رواه البخاري: 154].
وحيث أن اليد اليمنى تجعل للأمور الحسنة والطيبة، فلا يناسب إذًا أن يكون هذا المس باليمنى، ولو احتاج إليه؛ فإنه يكون عند الحاجة باليسرى.
ألا يستنجي بيمينه
00:07:50
 ثالثاً: ألا يزيل النجاسة بيمينه، ليس فقط ألا يمس الموضع أو العورة باليمنى، ولكن لا يزيل النجاسة باليمنى، بل يستخدم شماله لمباشرة النجاسة في إزالتها؛ لقوله ﷺ: ولا يستنجي بيمينه [رواه البخاري: 154].
ولقوله ﷺ: إذا تمسح أحدكم فلا يتمسح بيمينه [رواه البخاري: 24].
ولما روت حفصة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لأكله وشربه، ووضوئه، وثيابه، وأخذه، وعطائه، ويجعل شماله لما سوى ذلك". [رواه أحمد : 26507، وهو حديث صحيح].
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: إذا استطاب أحدكم، فلا يستطب بيمينه، ليستنج بشماله [رواه ابن ماجه: 312، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 251].
الجلوس عند قضاء الحاجة
00:09:07
 رابعاً: والسنة أن يقضي حاجته جالساً ليس بواقف، وأما قضاء الحاجة في الحال الوقوف، وفي حال القعود، فإن الأصل في فعله ﷺ، والأكثر والأشهر، هو أنه كان ﷺ يقعد عند قضاء حاجته.
وأما بالنسبة للوقوف عند قضاء الحاجة، فإن هناك بعض الأحاديث والآثار التي وردت فيه.
أما بالنسبة لنهي صريح مرفوع عن البول قائماً، فلا دليل عليه، وقد جاء عن ابن مسعود : "من الجفاء أن تبول وأنت قائم" [سنن الترمذي: 1/17].
وكان سعد بن إبراهيم من السلف لا يجيز شهادة من بال قائماً. [الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: 1/335].
وحديث عائشة: من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً" قال الترمذي: "هذا أصح شيء في الباب". [رواه الترمذي: 12، والنسائي: 29، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح: 365].
وقد رويت الرخصة في البول قائماً عن عمر وعلي وابن عمر وزيد وسهل بن سعد وأنس وأبي هريرة وعروة، وروى حذيفة: أن النبي ﷺأتى سباطة قوم فبال قائماً".[رواه البخاري: 226، 2471، ومسلم: 647].
"أتى سباطة قوم" هذا موضع رمي القمامة.
ولعل النبي ﷺ فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة.
ويحتمل أنه كان  في موضع لم يتمكن من الجلوس فيه.
وقيل: فعل ذلك لعلة كانت بمأبضه؛ والمأبض: ما تحت الركبة من كل حيوان، فكان هناك جرح، أو علة، فما استطاع أن ينثني، فبال قائماً. ولكن هذا الحديث الذي أشاروا إليه في قضية المأبض، حديث ضعيف ليس بصحيح، فقد رواه الخطابي في معالم السنن، والحاكم، والبيهقي، ولكن هناك من هو أعلى من الخطابي؛ لأن كتاب المعالم، للخطابي من الشروح، وقد أورد فيه سنده، ولكن عند العزو يعزى إلى مثل الحاكم والبيهقي، يقدم على الخطابي، وفي هذا الحديث رجل يقال له: حماد؛ وهو ضعيف، والحديث قد ضعفه الدار قطني، والبيهقي، وأقر ذلك ابن حجر.
أما رواية ابن مسعود: "من الجفاء أن تبول قائماً" فإن الترمذي قد رواه في سننه، وعلق أحمد شاكر: "وهذا الأثر معلق بدون إسناد".
وقال المباركفوري: لم أقف على من وصله".
وقد تتبع الشيخ ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل طرقه وجمعها.
ورواية ابن مسعود: "أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه، وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله" يقول الألباني: "هذا صحيح عن ابن مسعود موقوفاً" وقد رواه ابن أبي شيبة، وأما مرفوعاً: "ثلاث من الجفاء..." فإن هذا الحديث ضعيف ومنكر، ولا يثبت مرفوعاً عن النبي ﷺ. [انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: 1/97].
فإذاً، قال بعضهم: إن العلة في بوله ﷺ قائماً، ما دام قد ثبت في البخاري أنه بال مرةً قائماً؛ قيل: لعدم التمكن من البول.
وقيل: ليبين الجواز.
ولا شك أن العلة ما دام أنها لم تثبت، فبقي أنه يريد أن يبين الجواز، أو لم يتمكن؛ لأن الموضوع -مثلا- موضع  القمامة، أو كوم من القمامة.
فإذًا، ما هي الخلاصة؟
لا بأس عند الحاجة أن يبول الشخص قائماً، بشرط: أن يأمن عود رشاش البول عليه، وأن يأمن تلويث ملابسه، فإذا أمن تلويث الملابس والجسم، فلا بأس أن يبول قائماً، لكن الأفضل البول قاعداً؛ لماذا؟
أولاً: لأنه أستر.
ثانياً: لأنه آمن من ارتداد رشاش البول عليه، وتلويث بدنه وثيابه، فلذلك الأفضل البول قاعداً.
ألا يرفع ثوبه إلا بعد الدنو من الأرض
00:15:42
 وخامسًا: من آداب إرادة قضاء الحاجة: أن لا يرفع ثوبه إلا بعد أن يدنو من الأرض، وقد ورد عن أنس رضي الله عنه قال:  كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض . [رواه الترمذي: 14، صححه الألباني في مشكاة المصابيح: 346].
وإذا كان في مرحاض ونحوه، فلا يرفع ثوبه إلا بعد إغلاق الباب، وتواريه عن أعين الناظرين، فما يفعله بعض الكفرة، ومن قلدهم من أبناء المسلمين، من التبول وقوفاً في بعض المحلات المكشوفة داخل بعض المراحيض العامة، مما هو موجود في المطارات، وغيرها، هو أمر منافٍ للأدب والحشمة والحياء، والأخلاق الفاضلة، وتقشعر منه أبدان أصحاب الفطر السليمة، والعقول الصحيحة، وهو أمر منكر شرعاً وحرام، إذ كيف يكشف الشخص أمام الناس عن عورته، أمام الغادي والرائح، التي جعلها الله بين رجليه ستراً لها، وأمر بتغطيتها، واستقر أمر تغطيتها عند جميع عقلاء البشر؟!
ثم إنه من الخطأ أصلاً: أن تبنى المرافق بهذا الشكل المشين الذي يرى مستعملوها فيها بعضهم بعضاً، وهم يبولون، متخلفين في ذلك عن البهائم التي من عادتها الاستتار عند التبول والتغوط.
الاستتار عن أعين الناس
00:17:41
 سادساً: أن يستتر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة بالبعد إذا لم يكن ثمة مراحيض، يغلق عليه الباب، وقد كان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف، أو حائش نخلٍ". [رواه مسلم: 800].
والهدف، هو المرتفع من الأرض.
وحائش النخل، هو البستان.
وإذا كان الإنسان في الفضاء كأن يخرج الإنسان -مثلاً- إلى الساحل أو الشاطئ، فيريد أن يقضي حاجته، وليس هناك لا حائش نخل، ولا مرتفع والأرض مستوية، فماذا يفعل؟
إذا كان عنده شيء يتوارى خلفه، كسيارة، ونحوها، فعل ذلك، وإلا فينبغي عليه أن يبعد عن أعين الناظرين؛ وذلك بأن يمشي إلى مكان بعيد عن الناس؛ لما روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ﷺ في سفرٍ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته فأبعد في المذهب  ذهب بعيداً. [رواه الترمذي: 20، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 3301].
وعن عبد الرحمن بن أبي قراد قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد" [رواه النسائي: 16، والترمذي: 20، وابن ماجه: 336 ، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 269].
الاهتمام والاعتناء بإزالة النجاسة
00:19:34
 ثم من آداب قضاء الحاجة أيضاً: الاعتناء بإزالة النجاسة بعد الفراغ من قضاء الحاجة؛ لقوله ﷺ محذراً من التساهل في التطهر من البول: أكثر عذاب القبر من البول [رواه ابن ماجه: 348،  وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 278].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله ﷺعلى قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة [رواه البخاري: 218، ومسلم: 703].
أن يوتر بثلاث مسحات أو أكثر
00:20:28
 ومن آداب قضاء الحاجة أيضاً: أن يكون مسح النجاسة ثلاثاً فما فوق، وتراً، بحسب ما تدعو إليه حاجة التطهير، فإذا لم تكف ثلاث، فخمس، سبع، تسع، غسلات، لما جاء عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كان يغسل مقعدته ثلاثاً، قال ابن عمر: فعلناه فوجدناه دواءً وطهوراً  حديث صحيح. [رواه ابن ماجة رحمه الله: 356، وضعفه الالباني في ضعيف ابن ماجه:  79].
ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا  [رواه مسلم: 583 وأحمد: 7340].
فإذًا، يقطع على وترٍ.
ألا يستجمر بروث أو عظم
00:21:51
 ومن الآداب أيضاً: ألا يستعمل العظم ولا الروث في الاستجمار.
والاستجمار، هو إزالة النجاسة بالمسح.
والاستنجاء، هو إزالة النجاسة بالغسل.
ولا يستعمل العظم ولا الروث للاستجمار، وإنما يستعمل الحجارة والمناديل، ونحو ذلك، لما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: من هذا؟ قال: أنا أبو هريرة، قال: أبغني أحجاراً أستمشط بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة؟ فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى إذا وضعتها بجنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟! -لماذا نهيتني أن آتيك بعظم وروث-؟، قال: هما من طعام الجن [رواه البخاري: 3860].
ألا يتخلى في طريق الناس أو ظلهم
00:23:14
 ومن آداب قضاء الحاجة كذلك: ألا يبول في طريق الناس، ولا في ظل يستظل به؛ لأن في ذلك إيذاء للمسلمين، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللاعنين قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم [رواه أبو داود: 25، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 20].
وفي رواية: اتقوا الملاعن [رواه أبو داود: 26، وابن ماجه: 328، وأحمد: 2715، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 262].
والملاعن مواضع اللعن، جمع ملعنة، ملعنة، جمعها ملاعن، مثل مقبرة، ومجزرة، موضع القبر، وموضع الجزر.
وأما  اللعانان  في رواية مسلم. [رواه مسلم: 641]، فهما صاحبا اللعن، أي: الذين يلعنهما الناس كثيراً.
وفي رواية أبي داود: اللاعنان [رواه أبو داود: 25، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 20]. معناه: الأمران الجالبان للعن؛ لأن من فعلهما لعنه الناس في العادة، فإذا جاء واحد يجلس في الظل، فرأى نجاسة، فإنه يلعن من فعلها، نزل مسافر على الطريق، رأى نجاسة، شجرة مثمرة تحتها نجاسة.
إذًا، الأماكن التي يستريح فيها الناس، لو فعل فيها مثل هذان لعنه الناس، فلما صار سبباً في اللعن أضيف الفعل إليهما.
وقد يكون اللاعن، بمعنى: الملعون على تقدير: اتقوا الملعون فاعلهما.
ما المقصود بموارد الماء؟
أي طرق الماء، واحدها مورد.
وأما الظل، فهو مستظل الناس الذي يدخلونه مقيلاً وملتقى، ويقعدون تحته.
وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة تحته، فقد ورد أن النبي ﷺ كان يحب أن يستتر بحائط نخل، وللحائط ظل بلا شك.
ولكن المقصود الأماكن التي يجلس فيها الناس في الظل، في ظلال يجلسون فيها، وفي  ظلال لا يجلسون فيها، فالمقصود الظلال التي يستظل الناس فيها، ويجلسون فيها.
وكذلك قد ورد أن النبي ﷺ نهى عن التغوط في قارعة الطريق، فقال: إياكم والتعريس على جواد الطريق، والصلاة عليها، فإنها مأوى الحيات, والسباع، وقضاء الحاجة عليها؛ فإنها من الملاعن [رواه ابن ماجه: 329، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 263].
إذًا، الذي يقضي الحاجة في طريق الناس، فيطؤون عليه، ويتأذون به، وبرائحته.
فإذا، ليس على  الطريق، وليس في مكان نزول الناس، ولا على الرصيف، ولا في الظل الذي يجلس فيه الناس، ولا تحت الأشجار المثمرة التي يقعد الناس، ولا في موارد الماء التي يستقي منها الناس.
وما هو العامل المشترك في هذه كلها؟
الجواب: الأماكن التي للناس فيها فائدة.
ألا يسلم على من يقضي حاجته ولا يرد السلام
00:27:41
 ومن آداب قضاء الحاجة كذلك: ألا يسلم على من يقضي حاجته، ولا يرد السلام، وهو في مكان قضاء الحاجة.
أما بالنسبة لعدم التسليم، فقد جاء عن جابر بن عبد الله أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك [رواه ابن ماجة: 352،  وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 282].
ألا يبول في الماء الدائم ولا يتغوط في الماء الجاري
00:28:42
 ومن آداب قضاء الحاجة كذلك: أنه لا يجوز البول في الماء الدائم؛ لأن النبي ﷺ  نهى عن البول في الماء الراكد  متفق عليه. [رواه مسلم: 681].
ولأن الماء إذا كان قليلاً تنجس به، وإن كان الماء كثيراً، فربما تغير بتكرار البول فيه، هذا بالنسبة للماء الراكد.
وأما الماء الجاري، فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي من يمر به.
فإن قال قائل: فالبول فيه؟
فالجواب: إن بال فيه وهو كثير بحيث لا يؤثر فيه البول، فلا بأس؛ لأن تخصيص النبي ﷺ الراكد بالنهي عن البول فيه دليلٌ على أن الجاري بخلافه.
وبناءً على ذلك فلو بال في البحر، فلا حرج عليه، فهذا لا ينجسه شيء، ولا يؤذي أحداً، لكن لا يتغوط على الساحل، أو في المكان الذي يدخل فيه الناس للبحر، ويمشون، بل إنه يبعد ويحذر لنفسه، ويقضي حاجته.
والنهي عن البول في الماء الراكد؛ النهي للتحريم، الأصل فيه أنه للتحريم، وقد ذهب إلى ذلك عدد من أهل العلم، وحرموا التغوط في الماء القليل أو الكثير، الراكد أو الجاري؛ لأنه يقذره، ويمنع الناس من الانتفاع به؛ وهذا مذهب الحنابلة.
وإذا قلنا ذلك: فمن باب أولى أن قضاء الحاجة في المسجد حرام؛ لأنه لا بد من صيانتها وتنزيهها وتكريمها؛ لأنها أماكن للعبادة، والدليل حديث الأعرابي المعروف.
وقد ذكر ابن الحاج رحمه الله في كتاب: "المدخل للبدع" من بدع الاحتفال بالإسراء والمعراج، ونحو ذلك، قال: "احتشادهم الساعات الطوال في المساجد مع النساء، وربما إذا احتاجوا إلى قضاء الحاجة قضاها بعضهم في المسجد في الخلف".
هذا من المنكرات الكبيرة.
حكم قضاء الحاجة بكنائس النصارى وبيع اليهود
00:32:30
 وقد ذكر بعضهم مسألة: قضاء الحاجة بالكنيسة، وبيع اليهود، فقالوا: إذا كان هذا يؤدي إلى أن يفعلوه في مساجدنا انتقاماً من مسلم فعله عندهم، فلا يفعل ذلك، كما أننا نهينا أن نسب آلهة الكفار لئلا يسبوا الله عدواً بغير علم، و من جهلهم إذا سببنا آلهتهم يسبون الله عز وجل.
أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً
00:33:02
 ومن آداب قضاء الحاجة كذلك: أنه يستحب أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً لئلا يترشش عليه، وقد ورد في ذلك حديث رواه الإمام أحمد أن النبي ﷺ أراد أن يتبول فأتى دمثاً في أصل حائط فبال، ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يتبول فليرتد لبوله [رواه أبو داود: 3، وأحمد: 19555، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: 1].
يتخير مكاناً مناسباً، وهذا إن كان ضعيفاً، فإن المعنى صحيح؛ وهو أن الإنسان إذا أراد أن يبول فلا يبل على شيء صلب؛ لئلا يرتد عليه، بل يأتي إلى مكانٍ رخوٍ لئلا يرتد عليه.
وبعض الأحيان تجد سطح الأرض خشن صلب، لكن إذا ضربته برجلك ظهر التراب الذي تحته، فتحول إلى موضع رخوٍ، فيمكن أن نعالجه، وهكذا.
ألا يبول في مستحمه
00:34:22
 ومن آداب قضاء الحاجة أيضاً: أن على الإنسان ألا يبول في مستحمه، وقد ورد في ذلك حديث عند أبي داود وابن ماجه:  أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه . [رواه الترمذي: 21، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 6815].
وفي رواية: لا يبولن أحدكم في مستحمه وهذا حديث صحيح. [رواه أبو داود: 27، والنسائي: 36، وابن ماجه: 304، وأحمد: 20582، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: 15].
فما معنى المستحم؟ وما المقصود بهذا الحديث؟
أما بالنسبة للمستحم؛ فقد قال الخطابي رحمه الله: المستحم هو المغتسل، يسمى مستحماً مشتقاً من الحميم، وهو الماء الحار الذي يغتسل به. [معالم السنن: 1/22].
قال النووي رحمه الله: "واتفق اصحابنا على أن المستحب أن لا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة، لئلا يترشش عليه، وهذا في غير الأخلية المتخذة لذلك. أما المتخذ لذلك؛ كالمرحاض، فلا بأس فيه؛ لأنه لا يترشش عليه؛ ولأن في الخروج منه إلى غيره مشقة". [المجموع شرح المهذب: 2/ 92].
وقال بعض العلماء: لا يستنجي بالماء في موضعه.
إذاً، هم قالوا: إذا تبول في مكان، أو تغوط في مكان، يزحف قليلاً، حتى إذا صب الماء أثناء الاستنجاء، لا يصيبه من النجاسة التي صارت في الأرض -مثلاً-، وإذا أراد أن يغسل عورته، أو يغسل مكان قضاء الحاجة، لا تصيب النجاسة المجتمعة في الأرض يده -مثلاً-.
فالمقصود من كل القضية هذه: ألا يرتد عليه شيء من النجاسة، واتقاء الوسواس؛ لأنه قد ورد عند أبي داود: ولا يبول في مستحمه، فإن عامة الوسواس منه . [رواه أبو داود: 27، والنسائي: 36، وابن ماجه: 304، وأحمد: 20588، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: 6].
فإذا كان لا يرتد، فلا بأس بذلك.
وينبغي أن تجعل أماكن قضاء الحاجة في المراحيض بحيث تحقق هذا الغرض؛ وهو عدم ارتداد النجاسة على الذي يقضي الحاجة.
وهنا سؤال -طرحه بعض الإخوان فيما سبق- وتوجهنا به إلى الشيخ محمد بن صالح العثيمين، يقول السؤال: هل التبول في البانيو أثناء الاستحمام يدخل في حديث النهي عن البول في المستحم؟ أم لأن مجرى الماء مفتوح فلا يدخل؟
الجواب: لا، لا يدخل؛ لأنه إذا بال فسوف يريق عليه الماء، ثم يزول البول، لكن لا يستحم حتى يزيل البول بإراقة الماء عليه.
ولو قدَّر أن الإنسان حضره التبول أثناء الاستحمام، يتوقف عن الاستحمام حتى يبول، ويريق عليه الماء.
فإذا كان يوجد أي وسيلة للوسوسة، فيجتنب الإنسان ما يؤدي إلى الوسوسة.
مسألة: الاعتماد على الرجل اليسرى عند التبول
00:39:00
 ذكر بعض الفقهاء الاعتماد في التبول على الرجل اليسرى، وقالوا: ويعتمد في حال جلوسه على الرجل اليسرى؛ كما قال ابن قدامة في المغني، لما روى سراقة بن مالك قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوكأ على اليسرى، وأن ننصب اليمنى". [رواه الطبراني في المعجم: 6476، وهو في سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: 5616].
يقول ابن قدامة معللاً: ولأنه أسهل لخروج الخارج.
لكن هذا الحديث إذا كان ضعيفاً فماذا نفعل؟
الجواب: ننظر في المعنى، ولذلك قال النووي رحمه الله في المجموع: "هذا الحديث ضعيف، رواه البيهقي عن رجل عن أبيه عن سراقة، قال: "علمنا رسول الله ﷺ إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى، وينصب اليمنى". [رواه البيهقي في السنن الكبرى: 462]، قال: وهذا الأدب مستحب عند أصحابنا، واحتجوا فيه بما ذكره المصنف.. وقد بينا أن الحديث لا يحتج به، فيبقى المعنى، ويستأنس بالحديث, والله أعلم. [المجموع شرح المهذب: 2/ 89].
المعنى الذي ذكروه، هذا الكلام قد يكون نتيجة تجربة، الحديث الآن ضعيف، قالوا: إنه إذا استند على الرجل اليسرى ومال على الجانب الأيسر، صار أسهل لخروج النجاسة، ذكر ابن قدامة -هذا الكلام كما قلنا- أنه أسهل، وكذلك ذكر بعضهم هذه القضية، وعلل ذلك بأن المعدة على الجنب الأيمن، فيكون الاتكاء على اليسار أسهل في الخروج، وخصوصاً الغائط.
لكن على أية حال: المسألة -كما رأينا- ما دام حديثها ضعيفاً، فهي على راحة الإنسان، إذا وجد أنه في قضاء الحاجة أكثر راحة له، فالحمد لله، يفعل ذلك، والمقصود اتباع ما يسهل عند قضاء الحاجة، أن يكون الخروج سهلاً؛ لأنه أحياناً إذا خرج بتعسف آذى الشخص، وهناك أناس يصابون بآفات عظيمة في قضية التعسف عند قضاء الحاجة، وعدم اتباع الوسيلة الميسرة في ذلك، أو الوضع الميسر في ذلك.
أن يذكر الله قبل أن يدخل الخلاء
00:42:31
 ومن آداب قضاء الحاجة كذلك: ذكر الله عز وجل قبل أن يدخل الخلاء، فماذا يقول قبل أن يدخل؟
قال ﷺ: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله [رواه الترمذي: 606، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في مشكاة المصابيح: 358].
وكان ﷺ إذا دخل الكنيف، قال: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث [رواه البخاري: 142، ومسلم: 857، واللفظ له]، وكان إذا خرج من الغائط، قال: غفرانك [رواه أبو داود: 30، وابن ماجه: 300، وأحمد: 25261، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 23].
فأما بالنسبة للبسملة فقد ذكرنا فائدتها، فالإنسان يأتي بها في أي موضع، أو في أي عمل، والسنة أن يأتي بها قبل الشروع في أي عمل، وهنا فائدتها: أنها تمنع الجن من النظر إلى عورات الآدميين؛ لأنه لا بد أن يكشف العورة عند قضاء الحاجة.
والجن من الأماكن التي يغشونها: المراحيض، ومواضع النجاسات، فإذا كانوا يغشون هذه الأماكن، والإنسان سوف يدخلها، فإنه يحتاج إلى التسمية، لكي يستتر منهم:  إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27].
وقوله: أعوذ بك من الخبث والخبائث [رواه البخاري: 142، ومسلم: 857] لو قلت: "الخبْث" مصدر معروف.
أما الخُبُث والخبائث، فالمقصود: ذكران الشياطين وإناثهم، جمع خبيث وخبيثة؛ خُبُث وخبائث.
فإذاً، الشياطين لهم ذكور وإناث، وقد يكون في هذا المكان من هذا الجنس أو من هذا الجنس.
إذا يستعيذوا من شرهم أيضاً؛ لأنهم قد يكون لهم شر ، حيث أنهم يغشون هذه الأماكن يخيفون، أو يصرعون، أو يدخلون، ونحو ذلك، فقول هذا الدعاء يفيد في معالجتهم، أو كف شرهم وأذاهم.
وعند الخروج يقول: غفرانك .
ما علاقة: غفرانك  بالخروج؟
قال بعض العلماء: الوجه في سؤال المغفرة: أنه جرى منه ﷺ على عادته إذ كان من دأبه الاستغفار في حركاته وسكناته وتقلباته، حتى إنه ليعد له في المجلس الواحد مائة مرة، وإنه لما كان خروج الأخبثين -هذه ملاحظة ذكرها بعضهم- بسبب خطيئة آدم.
يعني: آدم في الجنة لم كان فيه نجاسة تخرج: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا [الأعراف: 22]، وصارت هذه المعصية سبب الهبوط إلى الأرض، وصار غائط وبول، فيذّكر العبد نفسه بهذا الاستغفار، ما حدث بسبب الخطيئة، وأن العبد لا يخلو من الخطيئة حينئذٍ، وأن هناك ارتباطاً بين الخطيئة التي حدثت وبين خروج النجاسة من الإنسان، والنبي ﷺ عندما كان يقول: الحمد لله الذي أذهب عني أذاه، وأذاقني لذته [عمل اليوم والليلة لابن السني: 25، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة  4187] ما هو الأذى؟
هذا الذي يخرج من الإنسان.
وفي رواية: وأذهب عني مشقته  والمشقة الحاصلة بسبب مكثه، فخروج الغائط نعمة، تستوجب الشكر، والإنسان يهمل ويقصر، فيذكر نفسه بالدعاء والمغفرة: غفرانك غفرانك على التقصير، غفرانك من كل شيء، فهو يسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة، أو يطلب منه المغفرة، وقد تكون هذه الأماكن مدعاة أيضاً للوقوع فيما يحرم من التذكير بأمور السوء، ونحو ذلك.
اتقاء اتجاه الريح
00:47:47
 ذكر بعضهم من آداب قضاء الحاجة: اتقاء مهابَّ الريح، الأماكن التي لها منفذ يدخل الهواء من موضع، ويخرج من موضع مخافة أن يرتد بوله عليه؛ وهذا يعود إلى المسألة المذكورة في قضية عدم الارتداد والرشاش، فإذا كان يريد أن يقضي حاجته في الفضاء -الصحراء- وأراد -مثلا- أن يبول، إذا كان الهواء قوياً، وهو يبول في اتجاه هبوب الهواء، سيرجع عليه، وعلى ثيابه، فإذا جعل نفسه في الاتجاه المعاكس، عند ذلك تذهب النجاسة، أو هذا البول مع الريح، ولا يرتد عليه، فمن ذكرها أراد مراعاة هذا المعنى.
أن يلبس حذاءه حتى لا تتنجس رجلاه وألا يطيل في الخلاء
00:49:05
 ومما ذكروه من آداب قضاء الحاجة: أن يلبس حذاءه لئلا تتنجس رجلاه؛ وهذا أيضاً معناه واضح.
وذكر ابن قدامة -أيضاً- رحمه الله-: ولا يطيل المقام أكثر من قدر الحاجة؛ لأن ذلك يضره.
وقيل: يورث الباسور.
وقيل: يدمي الكبد [انظر: المغني: 1/ 288].
وعلى أية حال: إذا كان التطويل له أضرار طبية، مرجعه إلى الأطباء، لكن هناك علة واضحة: قضية الوسوسة، وقضية إيذاء المنتظرين، وقضية منع ما تسول به نفسه من فعل أي معصية.
فالتطويل في المراحيض ليس محموداً، وكثير من الناس يصابون بالوسوسة من جراء هذا التطويل، فإنه يجلس ويغسل ويغسل ويعيد ويتنحنح ويقفز ويفعل أشياء وحركات عجيبة، ويحتشي، وليس هذا في الشرع على الإطلاق.
فإذاً، هذا التطويل مفتاح لباب الوسوسة، وفيه إيذاء للمنتظرين، وخصوصاً في المراحيض العامة، بل حتى في بعض البيوت.
وكذلك عدم التطويل فيه قطع للنفس عما يمكن أن توسوس به، أو تسول من المعاصي.
اجتناب ذكر الله أثناء قضاء الحاجة
00:50:55
 ومن آداب قضاء الحاجة: اجتناب ذكر الله في هذا الموضع، ومما يدل عليه حديث الامتناع عن رد السلام المتقدم؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، ولو أن النبيﷺ رد السلام على الرجل الذي سلم عليه، فإنه يكون قد ذكر اسم الله في الخلاء، وهذا من جهة المعنى يمنع؛ لأن ذكر الله ينزه أن يكون في مواضع النجاسات، وأثناء هذه الحال، فلا يذكر الله تعالى إلا بقلبه، وأما أن يذكر بلسانه، فلا.
وكذلك إذا عطس حمد الله بقلبه، وإذا سلم عليه أحد، فلا يرد عليه السلام.
إن قال قائل: إذا ذهبت إلى الخلاء في الصحراء، فالمكان الذي سأقضي فيه الحاجة، هو المكان الذي ستكون فيه النجاسة ... إلخ. إذاً، متى أقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث؟
فذكر ابن دقيق العيد رحمه الله في التفريق بين الموضع المعد لقضاء الحاجة وبين الموضع غير المعد لقضاء الحاجة، فقال: إذا كان الموضع معداً لقضاء الحاجة أصلاً، فلا يذكر الله فيه.
فهذا نهينا عن ذكر الله فيه، وأما إذا كان الموضع ليس معداً لقضاء الحاجة -صحراء- فأنت الآن تريد أن تقضي حاجتك، فهل يسمى المكان قبل أن تقضي فيه حاجتك مرحاضاً؟
لا.
إذاً، لا بأس أن تذكر الله فيه.
ثم تنزل لقضاء الحاجة، وبذلك يزول الإشكال والله أعلم.
ترك الكلام في الخلاء
00:53:40
 أما مسألة الكلام في الخلاء، فقد ذهب جمهور العلماء إلى ترك الكلام في الخلاء وعدوه من الآداب.
وأورد بعضهم حديث أبي سعيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك [رواه أبو داود: 15، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: 4].
الحديث هذا رواه أبو داود، لكن هذا ضعيف، لكن من جهة المعنى: أمور قضاء الحاجة مبنية على الستر، والكلام ينافي الستر، وكذلك أمور قضاء الحاجة أن الإنسان يقضي حاجته ويخرج، وليس هذا مكان إطلاة وأحاديث، وسواليف.
وكذلك فإن الكلام -أيضاً- ربما أداه إلى مسألة الإطالة.
ثم إن هذا مكان قذر ومكان تأنف منه النفوس الطيبة، فكيف يجعل مكان حديث واستئناس، ومبادلة بالكلام مع غيره؟
لكن لو احتاج، كرجل طرق الباب يريد أن يتأكد هل يوجد أحد أم لا، فتنحنح الشخص الذي في داخل دورة المياه، فلا بأس.
وكذلك قالوا: لو كان كلامه سينقذ أعمى من الوقوع في بئر أو .. أو.. إلخ .. للحاجة -مثلاً-، فلا بأس أن يتكلم في الخلاء للحاجة، أو أراد -مثلاً- أن يناوله شيئاً من منشفة، أو غيرها، وهو لا يتمكن من الخروج، أو الماء مقفل، أو أي شيء من الأشياء التي لها حاجة، فإذا صار الكلام لحاجة، فلا بأس أن يتكلم به.
هذا بعض ما تيسر ذكره، وبقيت أمور، فنكمل إن شاء الله الكلام عن الموضوع، ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا الأدب الحسن، وصلى الله على نبينا محمد.