الإثنين 17 محرّم 1441 هـ :: 16 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

أيها المسافر اتق الله - الجزء الأول


عناصر المادة
السفر يُسفر عن أخلاق وطبائع الرجال.
أنواع السفر
السفر إلى المساجد الثلاثة للصلاة فيها
السفر لطلب الأرزاق
السفر في طلب العلم من أعظم القربات
بدعة السفر إلى القبور والمشاهد والأضرحة
لا يؤخذ بالرخص في سفر المعصية
المعنى الحقيقي للسياحة في الإسلام
الخطبة الثانية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء: 1].
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لما كان هذا الوقت بداية الإجازة ناسب أن يكون كلامنا عن موضوع السفر، حيث أن كثيراً من الناس ينوون ويخططون للسفر في هذا الوقت.
السفر يُسفر عن أخلاق وطبائع الرجال.
00:01:36
 
أنواع السفر من حيث الحاجة إليه.
السفر إلى المساجد الثلاثة للصلاة فيها.
السفر لطلب الأرزاق.
السفر في طلب العلم من أعظم القربات
بدعة السفر إلى القبور والمشاهد والأضرحة
لا يؤخذ بالرخص في سفر المعصية.
المعنى الحقيقي للسياحة في الإسلام.
 
السفر يُسفر عن أخلاق وطبائع الرجال:
والسفر إنما سُمي سفراً؛ لأنه يُسفر عن أخلاق الرجال ويكشف عنها، ولذلك فإن المسافر يتبين من طبعه وأخلاقه وشمائله ما لا يتبين في حضره؛ لأنه إذا ابتعد عن المألوفات وابتعد عن الأهل والأوطان فإنه يظهر على حقيقته وتظهر أشياء كثيرة كانت خافية من قبل.
ورسولنا ﷺ كان يسافر، ما كان مقيماً في مكان واحد طيلة عمره، ولكن المسألة إلى أين كان رسول الله ﷺ يسافر؟ وما هي أنواع سفره ﷺ؟
إن سفره ﷺ كان دائراً بين أربعة أنواع من السفر، سفر الجهاد، والهجرة، والحج، والعمرة.
هكذا كانت أسفاره ﷺ، فإنه خرج من موطنه، من مكة مهاجراً إلى الله بعد أن لحق الأذى به وبأصحابه، وأصبح من الصعب جداً الإقامة وسط أولئك الكفار المعاندين الذي كان آخر ما خططوا له اغتياله ﷺ، ولكن الله نجاه منهم لأمر يريده عز وجل، وسافر ﷺ سفرات كثيرة في الجهاد في سبيل الله، وكان هذا النوع من السفر أكثر الأنواع التي سافر فيها ﷺ.
فإنه لا يلبث أن يأتي من غزوة حتى يجهز غيرها، ولا يلبث أن تأتي سرية حتى يخرج في غيرها، وهكذا.
كانت أسفاره لخدمة الدين، كانت أسفاره لحماية هذا الإسلام الذي شرعه الله -عز وجل-، وللذود عن حياضه، ولإنقاذ المستضعفين من المسلمين الذين كانوا يرزحون تحت نير استعمار الكفار، واضطهادهم، تحت نير اضطهاد الكفار وعذابهم.
وخرج رسول الله ﷺ أربع مرات للعمرة، وخرج في حجة الوداع؛ لأنه لم يتمكن من الخروج قبل ذلك للحج، وإلا فإنه ﷺ كان أول المبادرين إلى الطاعة ولو كان يمكن أن يخرج للحج في أول الدعوة لخرج، ولو كان يمكن أن يخرج للحج قبل العام العاشر لخرج.
ولكن الكفار لم يمكنوه من ذلك حتى حج ﷺ آخر سنة من حياته.
أنواع السفر
00:04:56
 
والسفر قد يكون سفر طلب وقد يكون سفر هرب، وبناءً على نوع الطلب ونوع الهرب يكون السفر إما سفر طاعة أو سفر معصية، فقد يكون سفر طلب مثل طلب العدو، الجهاد في سبيل الله، أو طلب العلم، أو طلب زيارة العلماء، أو طلب الحج والعمرة، وا أسفا على أناس من المسلمين يعيشون في هذه الأيام في بلاد قريبة من البيت العتيق ومدن ليست بعيدة من الكعبة، لم يروا كعبة الله حتى هذه اللحظة، وليسوا بمعذورين لا في مال، ولا في صحة، ولا في أعذار قاهرة، فأنى لهم العذر عند الله وقد تخلفوا عن الإتيان إلى بيته.
إذا كان رسول الله ﷺ عدّ الذي ينقطع عن البيت خمس سنين إن عبداً أصححت له جسمه لا يفد عليّ خمس سنين لمحروم  [رواه ابن حبان: 3703، والبيهقي في الشعب: 3837، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1909].
إذا انقطع عن البيت العتيق خمس سنين، أكثر من خمس سنين فهو محروم كما بين ﷺ في الحديث الصحيح. فكيف بمن انقطع عن البيت العتيق طيلة حياته؟
ويستصعبون الحج ويضعون الأعذار الواهية، وقد حجّ الناس والحمد لله ورجعوا في أمان وسلام، فعلامَ تشويشات الشيطان؟ وعلامَ الأعذار التافهة التي يقيمها في أنفس المسوّفين العصاة، الذين يقولون: العام القادم، العام القادم...!
وما يدريهم ماذا سيحصل في العام القادم؟
وقد يكون سفر طلب، ولكن طلب معصية، كالسفر في طلب الزنا والخمور، والرقص، ومشاهدة المحرمات، والسفر في طلب الربا، وهكذا، والسفر في تتبع أولياء الله وهو من أعظم المحرمات!
وقد يكون سفر هرب وطاعة، كمن يهرب من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويهاجر إلى بلاد المسلمين، أو أن يهرب من الأذى، أو ممن يريد قتله، أو غصب أمواله، أو إيذاء أهله.
وفي هذا العصر والزمان من غربة الإسلام خرج كثير من المسلمين من بلادهم، أو أُخرجوا من بلادهم؛ لأنهم قالوا ربنا الله، وفي الأرض جماعات متنافرة من المسلمين من أهل السنة أُخرجوا من ديارهم فقط لأنهم أهل السنة، أخرجهم الكفرة وأهل البدعة والضلالة، وأهل الإلحاد والزيف، ولا تزال تطلع على أخبارهم بين فترة وأخرى على حين وآخر من الزمن تسمع إلى أنباء إخوانك الذين أُخرجوا ظلماً وعدوانا ًمن أراضيهم وبلادهم ولا يلوون على شيء إلا الفرار بأنفسهم، وسلامة أهليهم ليس معهم إلا حقيبة يدوية، والعتب على متبلدي الإحساس من المسلمين الذين لم يشعروا حتى هذه اللحظة أن لهم إخواناً من اللاجئين ومن المهجّرين ومن الذين أُخرجوا من ديارهم ظلماً وعدواناً.
ليت هؤلاء من متبلدي الإحساس بدل أن يسافروا إلى بلاد الكفار ليتمرغوا في أوحال المعاصي يسافروا إلى بعض المناطق المنكوبة من أراضي إخوانهم المسلمين حتى يشهدوها.
السفر إلى المساجد الثلاثة للصلاة فيها
00:09:42
 
وكذلك فإن السفر إلى المساجد الثلاثة للصلاة فيها وعبادة الله من أعظم القربات، وينبغي أن يكون في نفس المسلم في هذا الزمن حنين إلى بيت المقدس، المسجد الثالث من هذه المساجد الثلاثة الذي منع اليهود المسلمين من خارج ذلك المكان الصلاة فيه إلا بصعوبة بالغة.
وزيارة الإخوان في الله، والسفر إليها من أعظم القربات، السفر لمجرد زيارة أخ في الله، من أعظم القربات عند الله، وقد ورد بذلك أحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ.
السفر لطلب الأرزاق
00:10:37
 
ومن سفر الطلب الدنيوي المباح السفر لطلب الرزق، وستر الأهل والنفس عن ذل الحاجة والسؤال.
وكثير من المسلمين الذين قدموا إلى هذه البلاد وغيرها للعمل فيها إن أخلصوا النية في إتيانهم لأجل ستر أنفسهم وأهليهم، فإنهم إن شاء الله مأجورون على هذا العمل.
ومن خرج من بلده يسعى على صبية صغار له فهو سبيل الله حتى يرجع.
ولكن العتب على من خرج ليجمع الأموال ويفاخر فيها، ثم يعود ليفجر فيها في بلده، هناك الكثيرون يقتّرون على أنفسهم فترة من الزمن ليجمّعوا الأموال، فإذا ما جمعوها عاثوا في الأرض فساداً.
السفر في طلب العلم من أعظم القربات
00:11:39
 
والسفر لطلب العلم من أعظم القربات، فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ[التوبة: 122].
الناس الآن يذهبون إلى الخارج ليتحللوا من الدين، ليتفقهوا في الدين وهم يذهبون إلى الخارج لكي ينسوا الدين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[التوبة: 122].
فصار طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، والمقصود في الآية علم الشريعة، علم الدين الذي يحتاج إليه المسلمون، والمسلمون اليوم يحتاجون إلى علماء في الشريعة أكثر من حاجتهم إلى الأطباء والمهندسين والله، ولكن من يفقه هذا، ولسنا نغض قدر تحصيل العلم الدنيوي لرفع شأن المسلمين، ولكن علم الشريعة يحتاج إليه المسلمون في هذه الأوقات التي عمّ فيها الجهل حاجة عظيمة.
من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع[رواه الترمذي: 2647، وقال: هذا حديث حسن غريب].
وقد رحل الصحابة والسلف في طلب الحديث الواحد أياماً وشهوراً.
ورحل جابر -رضي الله عنه- شهراً كاملاً في طلب حديث.
وقال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: "إن كنتُ لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد".
[الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي: 128].
وخرج الحميدي -رحمه الله- وهو من أجلّة المحدّثين يريد أن يلقى شيخاً في مكان على ثلاثة أميال من مكة، فلما خرج إليه، وسافر ذلك السفر لقي في الطريق رجلاً، فقال له: أين تريد؟
قال: أردنا أبا العباس من الرواة.
قال: يرحم الله أبا العباس مات أمس.
فقال الحميدي: هذه حسرة.
ثم قال: أنا أسمعه منك هذا الحديث" [الرحلة في طلب الحديث: 184].
بدعة السفر إلى القبور والمشاهد والأضرحة
00:13:44
 
ومن السفر المذموم السفر وشد الرحال لزيارة القبور والمشاهد والأضرحة، وكثير من المسلمين الذين يظنون بجهلهم أن الشرك قد انتهى، وأن عبادة الأضرحة قد انتهت، وأن عبادة القبور كانت من زمان على أولئك الذين يسمعون الأنباء الآن في عبادة الأضرحة والقبور أن يعلموا أن هذا الشرك لم ينتهي بعد، وأن الجهاد في سبيل إزالته من أعظم أنواع الجهاد.
إذا كان قد حج إلى قبر البدوي في الستينيات 3 مليون إنسان في سنة واحدة أكثر من الذين حجوا إلى البيت العتيق في تلك السنة، الأمر خطير يُعبدون من دون الله، يَعبدون من دون الله أشخاصاً، أوثاناً، وأحجاراً، وقبوراً، وأضرحة، ويزعمون أن العلم والتكنولوجيا قد قضت على الشرك والخرافة.
التكنولوجيا والعلم لا تقضي على الشرك والخرافة، الذي يقضي على الشرك والخرافة هو التوحيد والعلم الشرعي، أليس هناك كبار الدكاترة في جامعات العالم لا زالوا يعبدون أصناماً وأحجاراً وقبوراً، ويأتي الدكتور الكبير بشهادته العلمية الكبيرة إلى القبر؛ ليعبده من دون الله.
إذن، ليست التكنولوجيا هي التي تقضي على الشرك، وإنما تعلم التوحيد ونشر السنة بين الناس هو الذي يقضي على الشرك، صحيح أن العلم قد يقضي على بعض الخرافات، أقصد العلم الدنيوي، مثل بعض الاكتشافات الطبية، لكن الاكتشافات الطبية والتقدم العلمي الدنيوي لا يقضي على الشرك، ولا ينشر التوحيد.
وهو وإن قضى على بعض الخرافات فإنه لا ينشر السنة، نحن نحتاج إلى رجال يقومون بين الناس لنشر العلم، لنشر السنة، لتجريد التوحيد مما علق به من الشركيات.
وإنني أتعجب من أولئك الذين يأخذون بأيدي أطفالهم في السفريات؛ ليروهم المقابر التي أقامها الأولون، والبناءات التي أقامها الأولون، والأضرحة التي أقامها الأولون، على قبور ملوكهم وعظمائهم.
ويدخلون بأطفالهم إلى المتاحف، لماذا؟ لأي هدف؟ لكي يرى الأطفال الأصنام التي كانت تُعبد من دون الله، ثم يُزعم بأن هذه الأصنام تحف ينبغي أن تُقام ويُقام لها أماكن مخصصة لحفظها والعناية بها، وتوضع بهالة من التقدير والحفظ والرعاية على أنها من مخلفات الأقوام السابقة، وهذه موروثات حضارية عن حضارات سابقة، تُكرّم وتوضع في متاحف! هذه أصنام! أصنام كانت تعبد من دون الله، توضع في المتاحف لأي شيء؟ ويؤخذ أطفالنا ويُدار بهم في المتاحف ليُرى ماذا كان يعبد الرومان وما هي مقابر الفراعنة وغير ذلك، هذا شرك، أليست هذه وثنية، إذن، لماذا نريها أولادنا؟ فضلا ًعمن يدخل من المسلمين إلى كنائس النصارى ومعابد الكفرة يزعمون أنهم يتفرجون على الدنيا.
لقد بينّا بعض أنواع السفر المحرمة ومنها السفر إلى بلاد الكفار لغير ضرورة، يقيم في بلاد الكفار وسط الكفار، ينسى دينه، ويتعلم تقاليدهم ويتشبه بهم وينفق الأموال التي ينبغي أن تبقى في بلاد المسلمين، تنفق في بلاد الكفار لتعين الكفار وتدعم اقتصاد الكفار وبلدان المسلمين في أشد الحاجة إليها.
أليست هذه الأموال التي ينفقونها في سياحاتهم -كما يزعمون- أليسوا سيُسألون عنها يوم القيامة؟
وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟
لا يؤخذ بالرخص في سفر المعصية
00:18:19
 
وسفر المعصية له أحكام في الشريعة وكثير من العلماء يرون أن المسافر في سفر المعصية لا يجوز له أن يترخص، لا يقصر الصلاة ولا يجمعها ولا يفطر في السفر ولا يمسح على جوربيه ثلاثة ليالٍ وأيام، لا يجوز له هذا.
كثير من العلماء؛ لأنه خرج في معصية الله، فكيف يترخص برخصة الله؟
على المسافر أن يبدأ إذا احتاج إلى السفر بردّ المظالم، وقضاء الديون، نسمع بأناس عليهم ديون متراكمة، لكن مع ذلك يسافرون وينفقون الأموال التي من المفترض أن يسددوا بها ديونهم، والدين غل في عنق صاحبه، والرسول -صلى الله عليه وسلم- رفض أن يصلي على الجنازة التي على صاحبها دين وهؤلاء يبعثرون الأموال.
خرج ابن المبارك -رحمه الله- إلى ثغر من ثغور المسلمين للجهاد، وكان إذا وصل إلى تلك البلدة القريبة من الثغر يأتي إليه شاب من شباب المسلمين ويقوم بحوائج ابن المبارك يخدمه ويسمع منه الحديث، فقدم عبد الله بن المبارك مرة إلى تلك المدينة فجاء النفير بالجهاد فخرج مستعجلاً، العالم المجاهد عبد الله بن المبارك، ولكنه لم ير صاحبه الشاب الذي كان يأتي في العادة ليخدمه.
فلما رجع سأل عنه، فقالوا: إنه محبوس على عشرة آلاف درهم من الدين.        
فاستدل على الغريم وسأل: من هو صاحب الدين؟
وأعطاه ووزن له عشرة آلاف، وحلفه أن لا يخبر أحداً طيلة حياته -حياة ابن المبارك-.
فأُخرج الرجل من السجن -المديون- وسرى ابن المبارك وسافر، فلحقه الفتى، لحقه على مرحلتين من الرقة فقال ابن المبارك: يا فتى أين كنت؟ ما رأيتك.
فقال: يا أبا عبد الرحمن كنت محبوساً بدَين.
قال: وكيف خلصت؟
قال: جاء رجل فقضى ديني ولم أدرِ.
هذا الإخلاص، عبد الله بن المبارك يتظاهر أنه لا يعرف عن الأمر شيئاً، قال عبد الله للفتى: "فاحمد الله"
[تاريخ دمشق لابن عساكر: 32/455].
ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبد الله؛ لكي تنقطع كل شوائب الرياء من الموضوع.
وعلى أولئك الذين يسافرون أن يختاروا الصحبة الصالحة بدلاً من أن يختاروا الصحبة التي تعينهم على المنكر وعلى إتيان أماكن الفساد.
وبعض الناس يأتون يذهبون معهم بخبراء في الفساد وأنواعه وأماكن الفساد، مرشد سياحي، لأي شيء المرشد السياحي؟ لكي يذهب بهم إلى الحانات والخمّارات والمراقص، وأماكن الدعارة، هذه وظيفة المرشد السياحي.
عن مبارك بن سعيد قال: أردت سفراً فقال لي الأعمش -رحمه الله-: "سل ربك أن يرزقك صحابة صالحين فإن مجاهداً حدثني فقال: "خرجت من واسط فسألت ربي أن يرزقني صحابة -صحبة الطريق كي لا أكون وحدي- ولم أشترط -ما قلت في الدعاء: ارزقني صحابة صالحين، قلت: صحابة فقط- فاستويتُ أنا وهم في السفينة فإذا أصحاب طنابير، أصحاب معازف، وآلات موسيقية" [نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب: 2/629].
والصاحب يعين على الطاعة، ويعين صاحبه حتى على أمور الدنيا ومشاق السفر ومصاعبه.
قال محمد بن مناذر: "كنت أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع شسعي-صار النعل لا يصلح للسير- فخلع نعليه  هو أيضاً"، فقلت: ما تصنع؟ قال: أواسيك في الحفاء.
أواسيك في الحفاء، لماذا تمشي لوحدك حافياً؟ أنا أخلع نعليّ وأمشي معك أيضاً؛ حتى أواسيك في الحفاء.
المعنى الحقيقي للسياحة في الإسلام
00:22:23
 
والسياحة من المفاهيم المنحرفة في هذا العصر، معنى السياحة الذهاب لتضييع الأموال وارتكاب المحرمات، هذا في الغالب، والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داوود:إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله[رواه أبو داود: 2486، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 2093]. هذه السياحة، الجهاد في سبيل الله.
والناس الآن يسافرون لإضاعة وقتهم هدراً، والرسول ﷺ ما كان يخرج لفُرجة، ما كان يسافر للفرجة، وقت المسلم ثمين، لكن إذا خرج في عمرة أو في حج أو في جهاد، أو في سفر إلى الخارج لعلّة شرعية كالدعوة إلى الله وإلقاء المحاضرات الإسلامية أو تاجر من تجار المسلمين يذهب لدعم إخوانه في أماكن أخرى من العالم، ووجد في الطريق آيات الله في الأرض فإنه يتفكر فيها، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ[الرعد: 4]. يتفكر فيها، لكن أن يخرج أساساً للفرجة، فهذا يقول ابن القيم -رحمه الله- في شأنه: "أما الذين يسافرون لمجرد الفرجة فهم كالبهائم الهائمة في الصحاري" تذهب وتنظر لا هدف لها.
بعضهم يستغرب هذا الكلام، أنا لا أقول أنه حرام، ولكن أقول أن فيه هدر للوقت، تذهب شهراً أو شهرين لمجرد الفُرجة، لمجرد الاستمتاع هكذا بدون هدف، لماذا لا تضع في حسبانك مثلاً: زيارة قريب في ذلك المكان، طلب علم في ذلك المكان، دعم مسلمين في ذلك المكان.
لا بأس أن يغير الإنسان الجو، ولكن لا بد أن يكون معتمداً وعازماً في ذلك السفر أن يقوم بطاعات، أما مجرد الفُرجة وخصوصاً الذين يذهبون إلى أماكن للتفرج، يضيعون كثيراً من شعائر الدين، وهم يعلمون هذا تماماً.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقني وإياكم لأن نحلّ حلاله ونحرم حرامه وأن يرزقنا متابعة نبيه ﷺظاهراً وباطناً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
00:24:48
 
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله النبي الكريم الذي سافر أسفار التقوى وجاهد في الله حق جهاده فصلوات الله وسلامه عليه وأعلى أصحابه والتابعين.
الذهاب للنزهة في بلاد المسلمين إذا لم يُعرّض الإنسان نفسه فيه لشيء من المحرمات فهو إن شاء الله سفر مباح، حتى لو كان لتغيير الجو ما لم يتعرض للمحرمات، ولكن السفر للفرجة في بلاد الكفار ما الخير الذي يُرجى من ورائه؟
وينبغي أن نكون في أسفارنا ممن يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون لمنع المنكر وعدم وقوعه، أو تخفيفه على الأقل، ونصح فاعله، نعلم الناس الذين نذهب إليهم، قد تدخل مسجدا ًمن المساجد أو تلقى رجلا ًمن الناس، قد تركب معه في الطائرة لماذا لا تدعوه إلى الله؟
بعض الناس يسافرون إلى أمكان بعضها في بلاد المسلمين، لكن فيها بدع، يقول أحدهم: دخلنا مسجداً من مساجد المسلمين، فوجدنا رجلاً الإمام في المسجد في ذلك المكان بعد أن انتهت الصلاة أتى بالكتاب ليحدّث عليهم، ثم أُدخلت طفايات السجائر ووزعت على المصلين وعلى الإمام، ثم جلسوا يدخنون، ثم بعد ذلك شرع في التحديث!
هناك بدع وضلالات كثيرة جداً منتشرة في أقطار العالم الإسلامي، أفلا يكون من الواجب على أهل التوحيد، على الناس الذين لديهم علم بحسب قدرتهم واستطاعتهم أن ينبّهوا الغافل ويعلموا الجاهل وينصحوا المبتدع وكثير منهم يظنون من أولئك أن بعض ما يعملونه من البدع قربى إلى الله!
أليس من بعضكم الآن الجالسين في هذا المسجد من سيرجع في هذه العطلة إلى أهله؛ لأنه مقيم هنا في منطقة عمل، أليس لأهله حق في صلة الرحم؟ أليس لأهله المقيمين في ديارهم الأصلية، أليس لهم حق في التعليم والنصيحة؟.
بعض المقيمين في خارج البلاد، الأهالي في خارج البلاد في جهل كبير والرجل هنا في هذا البلد يكون قد تعلم أشياء كثيرة من الدين، أليس من واجب أولئك أن ينقل إليهم هذا العلم؟ وأن ينبههم على تلك الأخطاء؟.
أنتم تعلمون أن كثيراً من الأهالي في بلاد أخرى قد يستفيدوا من بعض أقربائهم المقيمين في هذه البلاد الذين رجعوا إليهم بالكتب الطيبة، والأشرطة الطيبة، والعلم الطيب الذي نشروه فيما بينهم، أليس من المفروض أن نكون دعاة إلى الله أينما حللنا وارتحلنا؟
بعض الناس يجمعون ما أمامهم وما وراءهم ليسافروا به، ويرجع بعد السفر على الحديدة إن لم يرجع مديوناً أيضاً، لم يفعلون هذا؟ وبعض العوائل يواعد بعضهم بعضاً في الخارج، في أماكن المحرمات وبلاد الكفار وبلاد الفتنة يذهبون إلى هناك، ويذهب الرجال من طريق والنساء من طريق آخر، والذي يقر الخبث في نفسه فإنه لا بد أن يحدث في أهله، إذا كان السفر سيضيع الأولاد فلماذا نسافر؟ بعض الرجال يسافرون ويتركون بيوتهم هملاً لا راعي لها، وليس هناك من يقوم بشؤون أهلهم، تقول الزوجة: زوجي يسافر سفر طاعة إن شاء الله، لكنه يتركني في البيت لوحدي، أخاف أي صوت في الليل، وأنا أسمع عن كثرة السرقات المتعددة، أحياناً لا يكون عندي ماء للشرب، وقد يمرض طفلي الصغير فاضطر في الليل أن أذهب مع سيارة الأجرة لوحدي بهذا الطفل إلى المستشفى؛ لأنه ليس عندي من يأخذه إلى المستشفى.
الرسول ﷺ يقول:كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت [رواه ابو داود: 1692، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 4481]. كفى بالمرء إثماً أن يضيع عياله وأهله.
يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: "سفر صاحب العيال إن كان السفر يضر بعياله لم يسافر، وسواء كان تضررهم لقلة النفقة، أو لضعفهم، فسفر مثل هذا حرام، وإن كانوا لا يتضررون مادياً، بل يتألمون وتنقص أحوالهم، الولد ليس عنده أب في البيت يعطف عليه، والزوجة ليس عندها أنيس، فإن لم يكن في السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم -لأن جلوسه عندهم فيه ثواب- كعلم يخاف فوته، أو شيخ يتعين الاجتماع به، وإلا فمقامه عندهم أفضل" [مجموع الفتاوى: 28/28].
قد يقول قائل: الناس قلّت أسفارهم إلى الخارج.
نريد أن نقف عند هذه العبارة؛ الناس قلّت أسفارهم إلى الخارج، صحيح، الناس قلّت أسفارهم إلى الخارج لكن لماذا؟
تأتيك الأسباب بعد ذلك، الأحوال المادية ليست مثل أول، جرائم الاختطاف والسرقات كثيرة أرعبت البعض فهم لا يسافرون، إذن، لماذا لم يسافروا؟ لماذا تركوا السفر إلى الخارج؟ لم يتركوه لله، وهذا هو لبّ الموضوع، لم يتركوه لله، لا لأنه يضر بالدين، ولا لأنه يضر بالعرض، ولا لأنه يفتن ويغري ويهوي، ومضيعة للأموال التي سيُسأل عنها العبد يوم القيامة، لا لله، لكن لأنها تضر به دنيوياً، هل تظن أن امتناع هؤلاء عن السفر إلى الخارج مما يُثابون عليه؟ ثم إن الذي يريد الفساد سيحصل له، ولذلك ترى بعض الناس الذين لم يستطيعوا الذهاب إلى بلدان أوروبا للفساد، صاروا يذهبون إلى بلدان شرق آسيا؛ لأن نفقات الحرام أقل، والذين لم يذهبوا إلى تلك البلاد يذهبون مما هو قريب منهم جداً من البلدان التي تنتشر فيها مواخير الفساد ليقضوا وطرهم المحرم هناك، فالذي يريد الفساد لم يمنعه شيء، وسيفعله وهو في بلده.
ما معنى قيام بعض الناس بمنع بناتهم وزوجاتهم من ارتداء الحجاب الشرعي في الخارج؟
تقول: زوجي يمنعني من ارتداء الحجاب وستر وجهي في الخارج ويقول: تريدين من الأجانب أن يضحكوا علينا؟
من الذي تسبب أن الأجانب يضحكون عليه؟ أليس هو الذي ذهب إليهم طائعاً مختاراً حُراً، أم أن أحداً أجبره وقيده ووثقه ورماه في بلاد الكفار؟ يذهب إلى هناك يقول لزوجته: لا نريد الناس يضحكوا علينا؟ اكشفي الوجه، وإلا نزعته منكِ بالقوة!، وهكذا يفعلون، والمشكلة أن بعض الناس تضطر إلى السفر مع زوجها وبناته يضطرون للسفر مع أمهم وأبيهم، تقول الزوجة: أنا لا أضمن زوجي ماذا يفعل في الخارج، على الأقل أرافقه، ثم هو بعد ذلك يجلب الأذى على نفسه وعليها.
لماذا؟ ولد صغير يقول: راتب أبي ينتهي أول عشرة أيام من الشهر؛ لأنه يسافر السفرات المحرمة، وفي النهاية ليس عندنا مصروف البيت، لا نجد الطعام الكافي.
يقول هذا الطفل ببراءة الأطفال: كم مرة قلت لأبي اشتر لي ألعاباً ويعدني ثم لا يشتري لي ألعاباً، يقول: ليس عندي مال! ويقول الطفل حزيناً: لماذا ليس عندي ألعاب كبقية الأطفال؟ لأن هذا الأب المجرم ينفق أمواله بالسفرات المحرمة، وأنتم تعلمون وبعضكم يعلم أكثر مني عن بعض العوائل وبعض الحالات التي توجد فيها مثل هذه النكبات، أطفالنا في محنة من جرائم الآباء في الأسفار المحرمة.
وإنني أظن أن بعض المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام يعملون في أهليهم من المنكرات ما لا يعمله اليهود في أهلهم، بل إنني أجزم بهذا من بعض الأحداث التي نسمعها.
واحدة من البنات الصغيرات في السن، الفتيات المراهقات في مقتبل عمرها تقول: أبي يذهب بنا إلى الخارج، ويجبرنا على نزع الحجاب، ثم يدخل بنا في بلاد الكفار إلى المراقص والملاهي الليلية، ويسلّمني إلى أي شاب يريد أن يرقص معي، ويدفعني إلى هذا، ولا يبالي أن يذهب بي ذلك الشاب أينما شاء، ويدفعني دفعاً، ويتفرج علي مكتوف اليدين وهو مبسوط من الحضارة والمستوى الراقي الذي وصلت إليه ابنته؛ لأنها تراقص الفتيان الكفار على أنغام الموسيقى الصاخبة! هل تتصورون أن يهودياً قد يفعل في أهله مثل هذا؟ أولئك الفجرة، لكن واحد عنده بنت مستقيمة، هذه الجريمة الكبرى، يذهب بها ليعمل بها هذا العمل، ماذا نقول؟ وبماذا نشتكي؟ وكيف نعلل الأمور؟ ثم نقول بعد ذلك: نعاني من كثرة المشاكل.
إن لم يكن منكم جميعا ًوقفة صادقة مع أنفسكم ومع أهليكم ومع أقربائكم ومع جيرانكم ومع أصدقائكم فلن يتغير شيء في الموضوع.
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى، في سفرنا وفي حضرنا، واجعلنا ممن يراقبونك ويخشونك آناء الليل والنهار، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.