الأحد 19 ذو القعدة 1440 هـ :: 21 يوليو 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

وليمة سمك


عناصر المادة
نص قصة سرية سيف البحر:
أهداف خروج سرية سيف البحر:
تأمير أبي عبيدة -رضي الله عنه- وفناء الزاد:
وصول السرية إلى البحر وخروج الحوت العظيم:
رجوع سرية سيف البحر إلى المدينة:
بعض الفوائد المستفادة من قصة سرية سيف البحر:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
نص قصة سرية سيف البحر:
00:00:05
 فحديثنا عن قصة أخرى من القصص التي كانت لصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- في عهده عليه الصلاة والسلام، وفيها فوائد وعبر، وفيها بيان ما كان عليه الصحابة من الشدة، وكيف تحملوا في ذات الله، وفي سبيل الله.
روى هذه القصة الإمام البخاري -رحمه الله- في عدد من المواضع من صحيحه، ورواها كذلك الإمام مسلم -رحمه الله-، وروى طرفاً منها الإمام الترمذي -رحمه الله-، وكذلك رواها ابن إسحاق من أهل السير أيضاً.
وهذه رواية الإمام مسلم عن جابر قال: "بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأمر علينا أبا عبيدة، نتلقى عيراً لقريش، وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرةً تمرة، فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله، قال: وانطلقنا في ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة.
ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهراً ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه الدهن بالقلال، ونقتطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه، فأكله" [رواه مسلم: 5109].
أهداف خروج سرية سيف البحر:
00:03:25
 هذه الغزوة، هي غزوة سِيف البحر، أو سرية الخبط، بعثهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى ساحل البحر يتلقون عيراً لقريش.
وكذلك جاء: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثهم إلى حي من جهينة من المشركين مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيداً.
أي: هؤلاء الصحابة ذهبوا ولم يجدوا حرباً.
وكانت هذه السرية في رجب سنة ثمانٍ.
ولا مانع أن يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- بعث هذه السرية لهدفين:
الهدف الأول: إلى هذا الحي من جهينة من المشركين.
والهدف الثاني: تلقي عير قريش.
فتكون هذه السرية مزدوجة الهدف.
أراد النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يصيب أكثر من هدف بهذه السرية.
فانطلقت هذه السرية إلى أرض جهينة، وأرادت أن تتلقى عيراً لقريش لتقطع الطريق عليهم.
ومعلوم أن أموال المحاربين حلال للمسلمين.
وهذه كانت تقريباً سنة ثمان للهجرة، كما أشار ابن سعد -رحمه الله-.
ولكن الأرجح: أنها كانت سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية؛ لأن هدنة الحديبية وضعت الحرب أوزارها بين المسلمين والمشركين.
وإذا كانت في وقت الهدنة، فيحتمل أنها كانت لتلقي العير لحفظها من جهينة، ولذلك لم يأخذوا شيئاً، ولم يستولوا على شيء، أقاموا نصف شهر في مكان واحد، ثم بعد ذلك رجعوا.
تأمير أبي عبيدة -رضي الله عنه- وفناء الزاد:
00:06:00
 يقول: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثاً قبل الساحل، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فـ "أبو عبيدة بن الجراح" -رضي الله عنه- بالإضافة إلى كونه أمين هذه الأمة، فهو كذلك قائد عسكري مظفر، وله خبرة واسعة في القتال، ولذلك ليس بغريب أن يوليه عمر -رضي الله عنه- بعد خالد، القيادة العامة لجيوش المسلمين.
وخرج بهم أبو عبيدة -رضي الله تعالى عنه-، ولما كانوا في أثناء الطريق فني الزاد، انتهى زاد الجيش.
ومعروف أن الجيوش من أهم الأشياء فيها التموين؛ لأن التموين مهم لاستمرارية التحرك نحو الهدف، وتحقيق الهدف والعودة.
لكن انتهى الزاد، فما هو الإجراء الذي اتخذه أبو عبيدة -رضي الله عنه- لمواجهة انتهاء الزاد؟
أمر أبو عبيدة بأزواد الجيوش، فجمع، فكان مزود تمر، كما في رواية البخاري.
والمزود، هو: ما يوضع فيه الزاد.
فهذا المزود من التمر هو الذي كان يقيتهم أثناء الطريق.
كيف كان ذلك؟
كل يوم قليلاً قليلاً، حتى فني، وانتهى.
قال: فلم يكن يعطينا إلا تمرة تمرة، كان هناك زاد عام للجيش كله، ولما انتهى الزاد العام جمع أبو عبيدة ما كان عند كل واحد بمفرده، جمعه، ثم أراد أن يقسمه على الجميع للمساواة بينهم، فجعله جميعاً في مزودٍ واحد.
إذاً، الزاد العام الذي زودهم به النبي -صلى الله عليه وسلم- من قبل كان جراباً، فلما نفد جمع أبو عبيدة الزاد الخاص، فخرج جراب أيضاً، لكن غير الأول، ثم فرق عليهم تمرةً تمرة.
فلنتصور -الآن- أن هؤلاء المسلمين ما معهم إلا تمرة تمرة، والتمر الذي وزع عليهم الأول كان من الجراب النبوي، ولذلك كان زاداً عاماً للجيش، وفيه بركة، وبعد ذلك جمع ما تبقى لدى الأفراد لمواجهة الموقف الطارئ، فصار من نصيب الشخص تمرة واحدة، يعطي كل واحد تمرة واحدة، فإذا انتهت التمرة أعطاهم نصيبهم في المرة التي بعدها تمرة أخرى، والذي يسمع الرواية يقول: وما تغني عنكم تمرة؟ فهذا وهب بن كيسان من التابعين -رحمه الله تعالى- يسأل جابراً ويقول: يا أبا عبد الله! أين كانت تقع التمرة من الرجل؟ ماذا تغني عنكم تمرة؟
فقال جابر: لقد وجدنا فقدها حين فنيت.
قال: أنت -الآن- تقول: ما فائدة التمرة؟ لكن لما فقدنا التمرة هذه التي أنت تستهين بها، وجدنا أثر فقدها.
أي: أن التمرة كانت تفعل لهم شيئاً عظيماً مؤثراً.
فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟
قال: نمصها كما يمص الصبي الثدي، ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل.
إذاً، طيلة اليوم تمرة واحدة، بالمص كما يمص الطفل ثدي أمه، ثم يشربون عليها الماء.
هذا زاد يوم كامل.
وهذا ما تحمله الصحابة في سبيل الله.
ولذلك هؤلاء هم المجاهدون حقيقةً، هؤلاء الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين ضحوا من أجل هذا الدين، وعلى تمرة واحدة في اليوم يمصونها، ليس بأكل ولا مضغ، ما يكفي للمضغ، وعلى الماء، مقاتلين في سبيل الله، انتهى الزاد، وانتهى التمر، حتى التمرة لم تكن موجودة.
وصول السرية إلى البحر وخروج الحوت العظيم:
00:11:29
 قال: ثم انتهينا إلى البحر، وصلوا إلى ساحل البحر، فإذا حوت مثل الضرب.
والحوت: اسم جنس لجميع السمك.
وقيل: هو اسم للسمكة العظيمة الكبيرة.
ولا شك أن الذي وجدوه هو حوت.
والحوت: السمكة العظيمة الكبيرة جداً، مثل الضرب.
والضرب: الجبل الصغير.
يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في دعاء الاستسقاء:  اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر  [رواه البخاري: 2115].
فالضراب: جمع ضرب.
والضرب، هو الجبل الصغير.
والحوت كان بضخامة الجبل الصغير، مثل الكتلة العظيمة، على ساحل البحر.
ومن صفات الضرب: أنه يكون منبسطاً، وليس مرتفعاً جداً، بل منبسطاً فوق الأرض.
وفي رواية: "فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى: العنبر" [رواه مسلم: 5109]؟
والعنبر نوع من الحوت يمتاز بضخامته، فألقى لنا البحر دابة يقال لها: العنبر.
وفي رواية: "فهبطنا ساحل البحر، فإذا نحن بأعظم حوت" [رواه الطبراني في الأوسط: 8711].
قال أهل اللغة: العنبر، سمكة بحرية كبيرة، يتخذ من جلودها التروس، وهذا من قوة الجلد.
ويقال: إن هذا العنبر الطيب المشموم، يستخرج من رجيع الحوت. سبحان الله! رجيع الحوت هذا هو العنبر المشموم الذي يستخدم كطيب.
وقيل: إن المشموم يخرج من البحر، ويؤخذ من أجواف السمك الذي يبتلعه.
وقال الماوردي نقلاً عن الشافعي: سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتاً في البحر ملتوياً مثل عنق الشاة، وفي البحر دابة تأكله، وهو سم لها، فيقتلها فيقذفها، فيخرج العنبر من بطنها.
وقال الأزهري من علماء اللغة: "العنبر سمكة تكون في البحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعاً" [انظر: فتح الباري: 8/79- 80].
وجاء في رواية عمرو بن دينار: "فألقى لنا البحر حوتاً ميتاً" [رواه البخاري: 4362].
ولما وجدوه، قال أبو عبيدة: هذه ميتة، ثم فكر مرة أخرى؛ لأنهم كانوا قد أصابهم الجوع، ولما فني التمر ماذا حصل؟
كانوا يضربون ورق السلم، وهو الخبط، نوع من الشجر، ويبلونها بالماء فيأكلونها، حتى تقرحت أشداقهم من أكل ورق الشجر، وأصابتهم مخمصة، فلما وجدوا هذا، قال أبو عبيدة: "هذه ميتة" ثم تراجع بعد ذلك، قائلاً: "أنتم رسل رسول الله -الرسول صلى الله عليه وسلم أرسلكم- وفي سبيل الله".
إذاً، لا بأس أن تأكلوا؛ لأنهم في مخمصة، حتى ولو كانت ميتة؛ لأنه يوجد ضرورة.
قال: "فأكل منه القوم ثمان عشرة ليلة".
وفي رواية عمرو بن دينار: "فأكلنا منه نصف شهر" [رواه البخاري: 4362].
وفي رواية: "شهرا" [السنن الكبرى للبيهقي: 18741].
يأكلون من هذا الحوت.
ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه، فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت -البعير الكبير وعليه الحمولة- ثم مرت تحتها فلم تصبه.
وهذا يدل على ارتفاع الضلع، أوقفوه على الأرض، ثم رحلت الراحلة وعليها شخص راكب، وما مس رأسه الضلع.
وجاء في رواية ابن إسحاق وحسنها الشيخ الوادعي، يقول ابن إسحاق في الرواية: "ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتها، وما مست رأسه" [فتح الباري: 8/80].
وقيل: إن هذا الرجل هو قيس بن سعد بن عبادة، وكان مشهوراً بالطول.
وحصلت طرفة بين المسلمين والروم في عهد معاوية -رضي الله عنه-: أن الروم أخرجوا أطول رجل عندهم، والمسلمون أخرجوا أطول رجل عندهم، وأطول رجل عند المسلمين كان هذا: قيس بن سعد بن عبادة، فـ "قيس بن سعد بن عبادة" نزع سراويله للرومي، فكانت مثل طول الرومي؛ بحيث كان طرفها على أنفه، وطرفها على الأرض سروال المسلم هذا جاء على طول الرومي كله، فكم سيكون طول المسلم؟
سيكون طوله ضعف طول ذاك [انظر: فتح الباري: 8/80].
فكأنه يقول: غلبناكم بالدين وبالطول وبالعرض، وكل الأشياء.
وجاء في رواية مسلم: "فأخذ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فأقعدهم في وقب عينه" [رواه مسلم: 5109].
والوقب، هو: حفرة العين التي في عظم الوجه.
وأصل الوقب: النقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء، وجمعها: وقاب.
فمن عظم الحوت هذا: أن الحفرة التي فيها عينه في وجهه قعد على حافتها ثلاثة عشر رجلاً.
وقد جاء في حديث عبادة بن الصامت قال: "خرجت أنا وأبي نطلب العلم، وشكا الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجوع، فقال:  عسى الله أن يطعمكم  [رواه مسلم: 7705].
"فأتينا سيف البحر".
والسيف، هو: الساحل أو الشاطئ.
وهذا مما أخذته اللغة الإنجليزية من العربية، ففي الإنجليزية "saif" أي: شاطئ.
وهي عندنا سيف البحر باللغة العربية، فأخذوها منا.
وبعض الناس -الآن- يقولون: سيف؛ تقليداً للخواجات، وما يدرون أن الكلمة أصلاً عربية.
قال: "فأتينا سيف البحر، فزخر البحر زخرةً، فألقى دابةً، فأورينا في شقها النار، فطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا، قال جابر: فدخلت وفلان وفلان، حتى عدَّ خمسةً في حجاج عينها وما يرانا أحد -أي دخلوا وصاروا مختفين داخل هذه الحفرة- حتى خرجنا وأخذنا ضلعاً من أضلاعها، فقوسناه ثم دعونا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل في الركب، وأعظم كفل في الركب، فدخل تحته ما يطأطئ رأسه" [رواه مسلم: 7705].
فلعل هذه القصة تتحد مع هذه القصة، مع أن الظاهر أنها كانت مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن لعل فيها محذوفاً تقديره: "فبعثنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فأتينا.." إلى آخر الكلام.
استعملوا من هذا الحوت الدهن؛ لأنهم كانوا قد أصابهم هزال من الجوع، قال في رواية البخاري: "وادهنا من ودكه" [رواه البخاري: 4361].
والودك، هو: الشحم.
وقال أيضاً: "كنا نقطع منه الفدر كالثور" [رواه مسلم: 5109].
والفدر: جمع فدرة.
والفدرة: القطعة من اللحم.
قال: "فحملنا ما شئنا من قديد وودك في الأسقية والغرائر" أي: عبئوا من شحمها، وأخذوا من اللحم.
وحصل أيضاً في هذه الغزوة: أن قيس بن سعد قال لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، فقال: انحر" فنحر للمسلمين مرة،ً ثم الثانية، ثم الثالثة، حتى أمره أبو عبيدة أن يكف [انظر الحديث رواه البخاري: 4361].
ولعل ذلك؛ لأنه كان ينفق هذا من ماله.
فأراد أبو عبيدة ألا يفنى مال هذا الرجل، فأمره أن يكف عن ذبح هذه الأنعام.
رجوع سرية سيف البحر إلى المدينة:
00:23:13
 ولما رجعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أرادوا -أن يعرفوا- هل هذه ميتة؟ هل يجوز أكلها أو لا يجوز؟
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- للتأكيد على إباحتها، قال:  أطعمونا إن كان معكم  [رواه البخاري: 4362] أي منه.
لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- في البلد، وليس في مخمصة ولا مضطر، فقال:  أطعمونا إن كان معكم  منه.
فأتاه بعضهم بشيء من اللحم الذي تزودوا به من هذا الحوت، فأكله صلى الله عليه وسلم.
إذاً، أكله له، تأكيد على حله.
بعض الفوائد المستفادة من قصة سرية سيف البحر:
00:24:00
 وفي هذا الحديث فوائد، منها: مواساة الجيش بعضهم بعضاً عند وقوع المجاعة، وأن الاجتماع على الطعام يسبب البركة فيه.
ويستفاد منه: أن القائد يرفق بجنوده؛ فلعل الذي ذبح كان يستدين على ذمته، وليس له مال، فأراد الرفق به، وقد ذكر البخاري -رحمه الله- هذا الحديث في "كتاب الشركة" من صحيحه؛ لأن أبا عبيدة جمع ما عندهم من التمر، فصار يوزع على الجميع من مال الجميع، فصاروا كأنهم شركاء؛ فإن عدد أفراد السرية هذه ثلاثمائة، وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله تعالى عنه-، هذا العدد الذي كانت هذه السرية متكونة منه.
والحديث يدل على ما كان عليه الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش، وعدم ترك الجهاد في حال الشدة، حتى مع الشدة ما تركوا الجهاد في سبيل الله.
ويؤخذ منه: أن أبا عبيدة لما أمرهم فأقاموا هذا الضلع من أضلاع الحوت، ومر تحته الركب، ولم يصطدم رأس الرجل بالعظم هذا، لم يعتبر العلماء هذا من العبث، قالوا: إن مثل هذه الحركة لا تعتبر من العبث، وإضاعة الوقت؛ لأنه ترويح مباح، فهو ينظر كم قدر هذا الحوت، وكم عظم هذا الحوت، فإن هذا الفعل من أبي عبيدة -رضي الله عنه- من المباح، فلا يعتبر من العبث، ولا من إضاعة الوقت.
وفي هذا الحديث: أن المفتي يطيب خاطر المستفتي بالفعل، وليس بالقول فقط، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: كلوا، رزقا أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم  [رواه البخاري: 4362].
جواز أكل السمك "الطافي" الميت:
والحديث يدل على جواز أكل السمك الطافي، الذي مات من نفسه، خلافاً لبعض الحنفية الذين يرون عدم جواز أكله.
ولكن الراجح -حسب ما دل عليه الحديث والسنة الصحيحة- جواز أكل الطافي من السمك، وما ألقاه البحر إلى الشاطئ.
فلو قال أحد: لو وجدنا على ساحل البحر سمكة، أو وجدنا سمكة عائمة على الماء ميتة، فهل نأخذها فنأكلها؟
نعم.
وقد وقع لي مرة: أنني كنت على ساحل البحر، فكانت هناك سمكة طافية فأخذتها، فمر رافضيٌ، فقال: أتأكلون هذه الميتة؟! إنها فطيس، قلت: وأنت إذا صدتها من البحر وأخرجتها ماذا تصبح؟ أليست فطيساً يا أفطس العقل؟!
فبعض هؤلاء من أهل البدع عندهم القضية هذه.
أيضاً يفرقون بين ما أحل الله، لماذا؟!
لذلك العلماء، يقولون: إذا لم يكن متغيراً متعفناً، فإنه يؤكل؛ لأن المتعفن يضر بالجسم.
والسمك إذا صدته أو اللحم العادي إذا ذبحته وتركته حتى تعفن، فإنه يضر.
ولذلك إذا رأيت سمكة على سطح البحر فخذها؛ فإن كانت سليمة ليس فيها شيء؛ فكلها هنيئاً مريئاً، وهو سيموت بخروجه من البحر؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد  [رواه ابن ماجه: 3218، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 2607].
وهذا الذي قذفه البحر يمكن أن يؤخذ منه: أنه كرامة لأولياء الله؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا في الجهاد، وكانوا في مخمصة، وفي مجاعة، فأخرج الله لهم هذا الحوت، كرامة منه سبحانه، وأطعم ثلاثمائة رجل من الصحابة.
انظر إذا أراد الله أن يطعم كيف يطعم؟! أطعمهم بهذه الوليمة الفاخرة، حوت يكفيهم شهراً، أكلوا منه، وحملوا معهم إلى المدينة، وقطعوا من اللحم، وأخذوا من الدهن، واستمتعوا به، رزق ساقه الله إليهم، وهم في مخمصة.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- وضح لهم حله، والصحابة أكلوا منه حتى سمنوا، فقد كان الواحد نحيلاً نحيفاً من المجاعة التي أصابتهم، فأكلوا منه لحماً طرياً:  تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا  [فاطر: 12].
إنه منَّة من الله.
فأخرج لهم هذا، فأكلوا منه شهراً، وقددوا منه.
أي: جففوا من الشرائح اللحم هذه الفدر، جففوا منها، وأخذوا معهم، ولذلك قال بعضهم توفيقاً بين رواية: أنهم أقاموا عليه خمسة عشر يوماً، ورواية: أنهم أكلوا منه شهراً.
قالوا: أكلوا خمسة عشر يوماً طازجاً، وأكلوا باقي الشهر من القديد المجفف.
وقال النووي -رحمه الله- في حكم السمك الطافي: "وأما السمك الطافي، وهو الذي يموت في البحر بلا سبب، فمذهبنا إباحته، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة فمن بعدهم، منهم أبو بكر الصديق، وأبو أيوب، وعطاء ، ومكحول، والنخعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وداود وغيرهم، ودليلنا قوله تعالى:  أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ  [المائدة: 96].
قال ابن عباس والجمهور: صيدهُ ما صدتموه، وطعامه ما قذفه" [انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 6/417].
كذلك ما ألقاه البحر، أو جزر عنه، أحياناً البحر يكون فيه جزر، فيوجد سمك في قاع البحر، كشف الجزر عنه، فيلتقط ويؤخذ.
وأما حديث:  مَا أَلْقَاه الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوا، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا، فَلاَ تَأْكُلُوهُ   فهو حديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث، لا يجوز الاحتجاج به [رواه الدارقطني في سننه: 4715].
فإن قال قائل: إنما أكلوه مضطرين؟
فكيف يرد عليه؟!
يرد عليه: بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكل منه، ولم يكن في مخمصة، فهذا يدل على جواز الأكل منه.
هذا ما تيسر ذكره من فوائد هذه القصة.
نسأل الله -تعالى- أن ينفعنا بما سمعنا من سيرهم، وأن يجزل لهم الأجر والمثوبة، إنه سميعٌ قريب.