الأربعاء 19 محرّم 1441 هـ :: 18 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

ضيوف الصديق


عناصر المادة
المقدمة:
نص قصة ضيوف الصديق -رضي الله عنه-:
شرح قصة ضيوف الصديق -رضي الله عنه-:
حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على إطعام الفقراء:
السر في قوله عن الصديق أنه جاء، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- انطلق:
رفض ضيوف الصديق -رضي الله عنه-لتناول العشاء أثناء غيابه:
توبيخ الصديق لابنه عبد الرحمن:
تقديم الصديق -رضي الله عنه- العشاء لضيوفه:
بركة تكثير طعام الصديق:
عدول الصديق -رضي الله عنه- عن اليمين وتكفيره عنه:
بركة طعام الصديق -رضي الله عنه-:
بعض الفوائد المستفادة من قصة ضيوف الصديق -رضي الله عنه-:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
المقدمة:
00:00:06
 فيما يتعلق ب "قصص الصحابة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-" سيكون حديثنا عن قصة حصلت للصديق -رضي الله تعالى عنه-، كرامة من كراماته، وآية من الآيات الدالة على فضله، وعلو منزلته عند الله -سبحانه وتعالى-.
نص قصة ضيوف الصديق -رضي الله عنه-:
00:00:36
 هذه القصة رواها الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه، عن عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما-: أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال مرة:  من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس أو كما قال.
وأن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- بعشرة، وأبو بكر وثلاثة، قال: فهو أنا، وأبي وأمي، ولا أدري هل قال: امرأتي وخادمي بين بيتنا وبيت أبي بكر، وأن أبا بكر تعشى عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أوعشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا عليهم فغلبوهم، قال فذهبت -يقول عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - فذهبت فاختبأت، فقال: يا غنثر! فجدَّع وسب، وقال: كلوا.
وقال: لا أطعمه أبدا".
قال: "وايم الله ما كنا نأخذ من اللقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل، فنظر إليها أبو بكر، فإذا هي كما هي أو أكثر، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس!ما هذا؟ قالت: لا وقرت عيني، لهي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار، قال: فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان الشيطان -أي: يمينه الذي حلف- ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، فعرفنا اثنا عشر رجلا، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، إلا أنه بعث معهم، فأكلوا منها أجمعون -أو كما قال-"[رواه البخاري: 3581، ومسلم: 5486].
شرح قصة ضيوف الصديق -رضي الله عنه-:
00:03:32
 هذا الحديث وإن كان قد يبدو في بعض ألفاظه شيء من الصعوبة، لكنه حديث-كما تقدم- يدل على الآيات التي كانت تحدث على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي الأمور الخارقة للعادات، كانت تعد بركة، فشِبع الخلق الكثير بالطعام القليل، وهذه آية من الآيات، وقد حدث ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- مراراً، ولكن هذه القصة حدثت للصديق -رضي الله عنه-، وهي كرامة من كراماته.
حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على إطعام الفقراء:
00:04:18
 يقول عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: إن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، و-ذكرنا-: الصفة مكان في مؤخرة المسجد النبوي، عكس القبلة من جهة الحجرات، أو القبر، هذا المكان، هو مكان الصفة.
الذي كان يأوي إليه الغرباء الذين لا أهل لهم ولا مأوى، وكانوا فقراء يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم، أو يسافر، أو يموت، أو يقدم، ونحو ذلك.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- لمواجهة الوضع الذي فيه أهل الصفة، وهم أناس فقراء، لا أهل ولا مال لهم، لحل هذه المشكلة، ولمواجهة هذا الوضع، كان يقول للصحابة:كل واحد يأخذ واحداً منهم، بحسب قدرته وطعامه: من كان عنده طعام اثنين، فليذهب بثالث  وهكذا..
والنبي -عليه الصلاة والسلام- قد قال:  طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة  [رواه البخاري: 5392، ومسلم: 5488].
وفي رواية:  طعام الاثنين يكفي الأربعة  [رواه مسلم:5489].
لكن كيف يفهم هذا الحديث؟ أي: الطعام الذي يشبع اثنين يسكت جوع ثلاثة، والطعام الذي يشبع اثنين يسكت جوع أربعة، والطعام الذي يشبع أربعة يسكت جوع ثمانية، وهكذا..
فيقول:  من كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامس، وبسادس  أو كما قال، يزيد واحداً؛ لأن زيادة واحد لا تضر. تنفع الواحد، ولا تضر الأربعة، زيادة الخامس تنفع الخامس، ولا تضر الأربعة، ولا يضيق عليهم.
إذاً، من كان عنده طعام اثنين يأخذ ثالثاً، ومن كان عنده طعام أربعة يأخذ خامساً، لا يضيق عليه، وأيضاً يحصل المقصود.
قال: "وإن أبا بكر جاء بثلاثة" الصديق -رضي الله عنه- جاء بثلاثة أشخاص "وانطلق النبي -صلى الله عليه وسلم بعشرة".
السر في قوله عن الصديق أنه جاء، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- انطلق:
00:07:02
 لماذا قال عن "الصديق" أنه: جاء، والنبي -صلى الله عليه وسلم-: "انطلق"؟
لأن المجيء من بُعد، والانطلاق من قُرب.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- بيته ملاصق للمسجد، بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان خروجه من بيته دخولاً في المسجد، لم يكن هناك بابان، وإنما هو باب واحد، إذا خرج من بيته صار في المسجد تلقائياً.
لذلك عبر بلفظ المجيء عن الصديق، لبُعد منزله عن المسجد، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالانطلاق لقربه منه.
وأبو بكر أخذ ثلاثة إلى منزله، وأراد أن يؤثر بطعامه، وأن يأكل هؤلاء أضياف النبي -صلى الله عليه وسلم-.
يقول عبد الرحمن بن أبي بكر: "فهو أنا وأبي وأمي، ولا أدري هل قال امرأتي وخادمي" -طبعاً- القائل هو الراوي عن عبد الرحمن، كأنه شك هل قال المرأة أم لا، وخادم بيننا وبين بيت أبي بكر، فالخادم مشترك، يقول عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق الخادم بين بيتي وبين بيت أبي، تخدم هنا، وتخدم هناك.
وأم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، هي: أم رومان، مشهورة بكنيتها، واسمها: زينب -رضي الله تعالى عنها-، كان زوجها الأول الحارث بن سخبرة الأزدي، فلما قدم مكة مات، وخلف منها الطفيل، فتزوجها أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-، فولدت له: عبد الرحمن، وعائشة.
إذاً، عبد الرحمن وعائشة، شقيقان من أبي بكر، وأم رومان زوجته.
أم رومان، أسلمت قديماً، وهاجرت ومعها عائشة، لكن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- تأخر إسلامه، وهجرته، إلى هدنة الحديبية، فجاء المدينة في سنة سبع للهجرة، أو أول سنة ثمان للهجرة، وامرأته "أميمة بنت عدي السهمية" وهي والدة أكبر أولاده محمد.
فإذاً، حفيد الصديق اسمه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، كنية محمد هذا: أبو عتيق.
-فالآن- يقول: أنا وأبي وأمي، وشك الراوي عن عبد الرحمن: هل قال: وامرأتي، التي هي "أميمة"، لا يدري، هل قال: "أميمة" معهم أم لا، والخادم مشترك.
قال: وإن أبا بكر تعشى عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم لبث حتى صلى العشاء ثم رجع.
فالترتيب أن أبا بكر الصديق لما جاء بالثلاثة إلى منزله، لبث إلى وقت صلاة العشاء، فرجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعشى عنده.
ولكن هذا مخالف لحديث الباب الذي فيه: وإن أبا بكر تعشى عند النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم رجع، أي إلى منزله.
فالذي حصل أن أبا بكر -رضي الله عنه- تأخر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- بمقدار ما تعشى معه، وصلى العشاء، ولم يرجع إلى منزله إلا بعدما مضى من الليل قطعة، وذلك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحب أن يؤخر صلاة العشاء.
ثم أنه لما جاء معه بهؤلاء الضيوف، قال لـ "عبد الرحمن"-ولده-: دونك أضيافك، فتضيف رهطاً، استضافهم، وقال لولده عبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فافرغ من قراهم -أي: من إطعامهم- قبل أن أجيء.
رفض ضيوف الصديق -رضي الله عنه-لتناول العشاء أثناء غيابه:
00:13:09
 فخلاصة الكلام، وجمع الروايات: أن أبا بكر الصديق جاء بهؤلاء الضيوف، وسلمهم لولده عبد الرحمن، وقال: "أطعمهم ريثما أذهب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وإذا رجعت يكون الضيوف قد أكلوا، وطعموا، وانتهوا، فذهب أبو بكر الصديق للنبي -عليه الصلاة والسلام-، فلما رجع اكتشف أن الضيوف لم يأكلوا شيئاً، وقالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ لماذا تأخرت عن الضيوف؟ قال أبو بكر: أوماعشيتهم؟ قالت: إن الضيوف هؤلاء عرضنا عليهم العشاء، فأبوا، قالوا: لا نأكل حتى يأتي صاحب البيت -وهو أبو بكر الصديق - فتناقشنا معهم، وحاولنا إقناعهم، فغلبونا، وامتنعوا عن الطعام.
وهذا هو السبب وراء تأخير عشاء الضيوف، فنحن عرضنا عليهم، لكن الرفض حصل منهم، وهم الذين امتنعوا.
وفي رواية: "فانطلق عبد الرحمن فأتاهم بما عنده، فقال: اطعموا، فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا، قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا، قال: اقبلوا عنا قراكم، فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقين منه"[رواه البخاري: 6140].
يقول عبد الرحمن: لأجلنا اطعموا؛ لأنه لو جاء وأنتم لم تتعشوا سيقع فينا.
لكنهم لم يأكلوا، وأصروا على انتظار صاحب البيت.
ولعلهم رأوا أن هذا من باب العرفان للصديق، ألا يأكلوا قبله، وهو أفضل منهم، فانتظروه مع جوعهم.
وهذا يسجل لهم: أنهم لم يأكلوا الطعام قبل أن يأتي صاحب البيت، وهو الصديق.
توبيخ الصديق لابنه عبد الرحمن:
00:15:38
 فماذا فعل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق؟
قال: فذهبت فاختبأت؛ لأنه يعرف ماذا سيفعل أبوه لو جاء والضيوف لم يتعشوا بعد، فذهب فاختبأ، فلما جاء الصديق، وقالت زوجته: ما أخرك؟ وقال: ما عشيتيهم؟! قالت: هم الذين رفضوا، فاستلم رأس ولده يريد أن يجره إليه، فقال: يا غنثر! أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت، حلف عليه، إن كنت تسمع صوتي أن تأتي فوراً، قال:فخرجت، فقلت: والله مالي ذنب، هؤلاء أضيافك فسلهم، لا تضع اللوم علي، قالوا: صدقك قد أتانا، جاءنا بالطعام.
أما قوله: "جدَّع وسب" فهذا حصل من الصديق في لحظة غضب.
والمقصود أنه نزل على ولده باللوم العنيف، والتوبيخ والتقريع، أي: قرعه ووبخه وعنفه، لماذا لم يطعم الضيوف إلى الآن؟
تقديم الصديق -رضي الله عنه- العشاء لضيوفه:
00:17:33
 ولما قدم الطعام، قال الصديق: كلوا، ولعل ما حصل منه في العتب عليهم؛ لأنهم تحكموا على صاحب المنزل بالحضور معهم، ولم يكتفوا بإذن ولده، مع أن إذن الولد كافٍ، وجاء بالطعام إلى الضيوف، ولكن من الغضب، قال: "لا أطعمه أبداً".
وفي رواية مسلم: "والله لا أطعمه أبداً"[رواه مسلم: 5486]فهذا حلف.
وفي رواية: أنَّ أبا بكر الصديق قال لهم: "فما منعكم؟ قالوا: مكانك، قال: والله لا أطعمه الليلة"[رواه أبو داود: 3272، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود:3270].
ثم قال: "فما رأيت كالشر كالليلة قط، ويلكم ما لكم أن لا تقبلوا عنا قراكم، قال ثم قال: أما الأولى فمن الشيطان، هلموا قراكم - قال - فجىء بالطعام، فسمى فأكل وأكلوا" [رواه مسلم: 5487].
وقال بعض الشراح: إن هذا الكلام ليس للضيوف، وإنما لأهله.
أما قوله: "وأيم الله" أو "ويم الله" فهو قسم، أصله:أَيْمُنُ، فَلَمَّا كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ حُذِفَ النُّونُ، فَقَالُوا: أَيْمُ اللَّهِ، وَقَالُوا: أَمِ اللَّهِ، وَمُ اللَّهِ[انظر: تحفة الأحوذي: 4/66].
ونحو ذلك من الاختصارات لهذه الكلمة.
بركة تكثير طعام الصديق:
00:19:42
 المهم: أن الصديق لما قدم الطعام -تأمل-بعدما حلف ألا يأكل وأكل؛ لأنه عرف أن هذا الحلف كان نزغة شيطان- لاحظ شيئاً عجيباً مدهشاً! وهو أنها لا ترفع لقمة، إلا ويبرز تحتها ما هو أكثر منها، أي: أن الذي يبرز ويخرج أكثر من الذي أخذ، فنظر أبو بكر، فإذا شيء أو أكثر، أن جفنة الطعام، إما أنها مثلما كانت بعدما أكل الجميع أو أكثر، فقال متعجباً: يا أخت بني فراس! وهذا الخطاب لامرأته: "أم رومان".
وقال بعضهم: أن هذه المرأة "أم رومان" -رضي الله عنها- من بني فراس.
ولعلها كانت نسبت إليهم من باب الانتساب إلى القبيلة، كما تقول العرب تنسب إلى قبيلة على أنه أخوهم، أو يقال: يا أخت القوم المنتسبين إلى بني فراس!.
على أية حال: فهو نسبها إلى قوم لها علاقة بهم: يا أخت بني فراس! أي: ما هذا؟! قالت: لا وقرت عيني.
-طبعاً-: قرة العين، هو ما يحبه الإنسان، ويسر به.
والقرار، هو: السكون؛ لأن العين إذا سكنت؛ تعبير عن راحة الإنسان، وهدوء باله، وأنه لا يتطلع إلى أشياء أخرى؛ لأنه وجد ما يريده.
وكما يقول بعضهم: أقر الله عينك بهذا الولد، أي: أفرحك به، ونحو ذلك، وضده: أسخن الله عينه، أي: الدعاء عليه بالحزن؛ لأن دمعة الحزن ساخنة، ودمعة السرور باردة، هكذا قالوا.
فتقول: لهي أكثر مما قبل، أكثر مما وضعناها، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان الشيطان، أي: يمينه، أي: إنما كان الذي حملني على اليمين هو الشيطان؛ لأنه قال في البداية من الغضب، قال: والله لا أطعمه كلوا، وحلف ألا يطعمه، ثم رجع إلى نفسه، قال: هذه الحلف من الشيطان، وأكل، وكفر عن يمينه.
عدول الصديق -رضي الله عنه- عن اليمين وتكفيره عنه:
00:22:53
 وفعل الصديق -رضي الله عنه- مقتضى حديث:  من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه [رواه مسلم: 4362].
إذا، حلف على شيء، ثم رأى أن الخير مخالفة اليمين، فرجع إلى الخير وأكل، لماذا حرم الطعام على نفسه؟
ليس لشيء من الطاعة، إذاً، يخالف يمنيه ويأكل.
وخصوصاً أنه قد رأى الطعام فيه بركة، ما ترفع لقمة إلا ويخرج من أسفلها عوضاً عنها، أو أكثر.
إذاً، الأكل من الطعام المبارك طيب، ولذلك رجع الصديق إلى البر، وأكل، لما رأى البركة ظاهرة رضي الله عنه، لتحصل له البركة بالأكل من ذلك، وليعود السرور إلى الجميع، ولينفك الشيطان مدحوراً، فحنث في يمينه رضي الله -تعالى- عنه.
أما بالنسبة للتكفير، فإن التكفير في مثل هذه الحالة واجب، لكن كونه ما نقل، لا يعني أنه ما حصل، لكن لو فرضنا أنه ما حصل، فلابد أن نحمل اليمين على حمل معين، كأن يقول: حلف مدة معينة ألا يأكل منها -مثلاً-، أو لا يأكل مع الضيوف، ثم أكل بعدهم -مثلاً-، ونحو ذلك.
وفي الحالة العادية: لو أن واحداً حلف مثل هذا الحلف ألا يأكل من الطعام، ثم أكل، فإنه تلزمه كفارة اليمين.
بركة طعام الصديق -رضي الله عنه-:
00:24:56
 -الآن- هذه الجفنة التي فيها الطعام المبارك، ماذا فعل الصديق بها بعد أن طعم أهله وطعم الضيوف؟حملها، وذهب بها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأصبحت عنده على حالها.
فقال: ففرقناها على اثني عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس، كل واحد من الاثني عشر معه جماعة، فأكلوا منها أجمعون، أي: بعدما ذهبت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرقت الجفنة على اثني عشر رجلاً، مع كل رجل مجموعة، والواحد من الاثني عشر هذا مثل العريف، أو النقيب، يأخذ نصيب جماعته، فكل واحد من الاثني عشر أخذ نصيب جماعة معه، أكلوا كلهم، وشبعوا منها.
فمعنى ذلك: أن هذا الجيش أكل من تلك الجفنة التي أرسلها أبو بكر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبذلك يكون وقع تمام البركة، وحصل من التداول إلى قريب الظهر، يأكل قوم ثم يقومون، ويجيء قوم فيتعاقبون، كما جاء في رواية: "حتى إن رجلاً قال: هل كانت تمد بطعام؟" -هل جاء أناس يزيدون عليها- فقال الذي حضر: أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تمد من السماء"[رواه أحمد:20147، وقال محققو المسند: "حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف، لضعف علي بن عاصم".
بعض الفوائد المستفادة من قصة ضيوف الصديق -رضي الله عنه-:
00:26:44
 جواز بقاء الفقراء في المسجد عند الحاجة:
هذا الحديث فيه من الفوائد:التجاء الفقراء إلى المسجد عند الحاجة إلى المواساة، وجواز أن يعيش الفقير في المسجد إذا لم يكن له مأوى، بشرط عدم أخذ مكان الصلاة، وعدم التشويش على المصلين.
وكذلك في هذه القصة نموذج من نماذج المواساة في المجتمع المدني، كيف كان الفقراء يوزعون على الناس.
تصرف الزوجة وفق الإذن العام من الزوج:
وفي هذه القصة: تصرف المرأة فيما تقدم للضيف بالإذن العام من الرجل، ولا يلزم الإذن الخاص.
أي: لو أن واحداً قال: يا امرأة! يا زوجتي! يا فلانة! يا أم فلان! أي ضيف يأتي تطعميه، فهذا إذن عام، أي ضيف يأتي لا تحتاج أن تستأذن منه، وترسل له من يستأذنه، أو تتصل عليه، يوجد ضيف نطعمه أو لا نطعمه؟
فالطعام هو ملك لصاحب البيت، لا يحل إلا بإذنه، لكن المرأة إذا كان عندها إذن عام، فيجوز لها أن تتصرف بناءً على الإذن العام.
وهو مثل الخروج من البيت، إذا قال: متى ما أردتِ الخروج فاخرجي! أنا أثق فيكِ وفي حجابكِ! وأنت زوجتي اخرجي! فلا يحتاج أن تستأذن كلما أرادت الخروج! لكن إذا كان لم يسمح إلا بإذن خاص، فلا يجوز أن تخرج إلا بإذن خاص من هذا الرجل.
وقد يكون الإذن عاماً وخاصاً، مثل أن يقول: هؤلاء الجيران وقتما تريدين الخروج إليهم أخرجي، وغير هذا تستأذني، فيكون هذا عاماً في هؤلاء الجيران، متى ما أرادت تخرج، ولابد أن تستأذن في الخروج إلى غير هؤلاء.
توبيخ الوالد لولده بقصد التمرين على الخير:
وكذلك في هذا الحديث: جواز تقريع وتعنيف الولد إذا كان على سبيل التمرين على أعمال الخير، وتعاطي ذلك، وعدم تأخير الخير، والقيام بالحق، ونحو ذلك، مع أن عبد الرحمن -رضي الله عنه- لم يظهر منه تقصير، لكن كمبدأ تقريع الولد إذا قصر لا بأس به، لئلا يتعود التقصير، أو أنه يستمرئ التقصير.
العدول عن اليمين عند المصلحة:
وفي هذا الحديث: أن الإنسان إذا حلف على يمين فرأى أن الحنث فيها، وكسر اليمين أفضل، وأقرب إلى الله، فإنه يكسر يمينه، ويخالفه.
إثبات كرامات الأولياء:
وكذلك في هذا الحديث: إثبات لكرامات الأولياء، وهذه كانت كرامة لـ "أبي بكر الصديق" -رضي الله تعالى عنه-.
العمل بغلبة الظن:
وكذلك فإن في هذا الحديث: العمل بغلبة الظن، فإن الصديق لما جاء غلب على ظنه أن ولده فرط في حق الضيوف، وبناءً على ذلك تكلم عليه ووبخه، بناءً على ما غلب على ظنه، من أنه قصر مع الضيوف. ويمكن أن يقال أيضاً: إن على الإنسان ألا يستعجل في لوم ولده؛ لأن الولد قد يكون لم يقصر، ولذلك يحتمل من صاحب الفضل العظيم الخطأ مالا يحتمل من أي شخص آخر، وهذا معروف.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- في قصة حاطب -رضي الله عنه-، سامح حاطباً لأنه كان بدرياً، ربما لو كان غيره لقتله؛ لأنه تجسس على المسلمين، فكذلك صاحب الفضل، وصاحب العلم، وصاحب الخير، لو أخطأ مرة، تغمر في بحر فضائله.
لكن لو لم يكن له فضائل وأخطأ، ربما يلام ويؤاخذ، مع أن نفس الخطأ يصدر من شخص آخر ولا يؤاخذ.
وقد يقول بعض الناس: هذا ليس بعدل؟
نقول: لا، هذا عدل، لماذا؟
لأن الصحيح أن تأخذ كل الصورة، يعني: -الآن- عندك موظف أو خادم، وأنت سيده أو مديره، يتقن عمله جداً، وفي مرة من المرات -مثلاً- أخطأ في عملية مالية، تسببت في خسارة ألف ريال بسببه؛ قصر ولم يتأكد من توقيع، أو من شيء، فضيع ألف ريال على المؤسسة، أو الشركة.
وشخص آخر مقصر ومهمل، جاء مرة وقصر وضيع ألف ريال، لا يقال: إن العدل معاملتهما بنفس المعاملة.
إذا كان صاحب المؤسسة، أو سيد هذا الخادم، أو مدير هذا الموظف قد تجاوز عن الأول، وقال: أنا سامحتك، وآخذ الثاني وخصمها عليه، لا يعتبر ظالماً، ولا جائراً؛ لأن المعاملة المتماثلة مع المخطئين لابد أن تكون أوضاع المخطئين، وأحوالهم متساوية.
أما إذا كان هذا الإنسان نشيطاً وجيداً، وأخطأ، يمكن أن يسامح، ونفس الخطأ يرتكبه آخر، لا يسامح.
إذا، لابد من النظر في حال الشخص ككل، وتاريخ وماضي الشخص قبل الحكم عليه، ومؤاخذته.
الرجوع عن الخطأ:
وكذلك في هذا الحديث: أن الصديق -رضي الله عنه- رجع عما أخطأ فيه من الحلف، وهذه منقبة له في الرجوع عن الخطأ.
إعانة الابن لأبيه:
وكذلك يؤخذ من هذا الحديث أيضاً: أن الولد يجب أن يكون عوناً لأبيه على الطاعات، وأعمال البر، والقيام بحق الضيوف، ونحو ذلك.
التكافل بين المسلمين:
وكذلك في هذا الحديث: التكافل بين المسلمين، وأن يكون بطريقة لا تزعج الشخص، وأيضاً تنفع المحتاج.
تلافي شدة الغضب بالاختباء:
وكذلك في الحديث: أن الإنسان يختبئ لتلافي فورة الغضب، وإذا برد الغضب يخرج؛ لأن ظهور الشخص في فورة الغضب أمام الغاضب، ربما أن يقع فيه أشياء لا تحمد عقباها، وأما إذا اختبأ، فإن فورة الغضب تهدأ.
ولا يقال: إن الولد جبان! فلابد أن يأتي ويثبت أمام الأب إن كان رجلاً! يظهر أمام الأب في فورة غضب؛ لأن الإنسان في حال الانفعال والغضب الشديد، ربما يفعل أشياء لا تحمد عقباها، ولذلك فالاختباء من الغاضب في فورة غضبه، وتلافي مواجهته، فيه حكمة.
فضيلة الاعتراف بالخطأ:
كذلك في الحديث: رجوع الإنسان إلى نفسه، واكتشاف أن هذا من الشيطان أم لا، وأبو بكر الصديق لم يأنف أن يقول: إن هذا أوقعني فيه الشيطان! وأن الشيطان استدرجني في هذه! وأنني تابعت الشيطان في هذه! قال: إنما كان الشيطان! وأقر واعترف أنها من الشيطان!.
استمرار أجر الصديق -رضي الله عنه-:
وكذلك في هذا الحديث: أن الله -سبحانه وتعالى- يجعل لأوليائه المدد من الأجر، فهذا أبو بكر الصديق كسب أجر من أتى بهم، ثم الذين جاؤوا بعد ذلك وأكلوا، فالأجر والخير يتوالى على الصديق -رضي الله تعالى عنه-؛ لعلو منزلته عند الله -تعالى-.
تعجيل الطعام للضيف:
وفي الحديث أيضا: إكرام الضيوف، وأهمية إكرام الضيوف، وأن الإنسان لا يؤخر العشاء.
ومن إكرام الضيوف: عدم تأخير الطعام عليهم.
وبعض الناس قد لا يحسب جيداً، فيؤخر الطعام عن الضيوف، فيأتيه الضيف بعد الظهر، يأتي له بالطعام على أذان العصر.
فلذلك، كان من إكرام الضيف: تعجيل الطعام، والدليل على ذلك: أن الله قال عن إبراهيم -عليه السلام-:  فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] أي: الضيوف جاؤوا، وهو بحركة خفية انصرف إلى أهله بخفية، حتى لا يقال: تعال؟ وإلى أين تذهب؟ وحلفنا عليك لا تأت بشيء؟!
 فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ  ما قال: ثم جاء، قال:  فَجَاءَ  أيأن عنده تدابير جاهزة للإطعام والطبخ والإنضاج:  فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ  [الذاريات: 26 - 27].
إذاً، من إكرام الضيف: تعجيل الطعام، وعدم تأخيره.
هذا بعض ما ورد في هذه القصة من فوائد.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرضى عن الصديق، وأن يعلي درجته، وأن يجزيه الجزاء الأوفى.