الخميس 17 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 14 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

بستان أبي طلحة


عناصر المادة
نص قصة بستان أبي طلحة-رضي الله عنه- ورواياته:
شرح قصة بستان أبي طلحة -رضي الله عنه-:
جواز البحث عن الماء العذب:
جواز استطابة الأطعمة:
حكم دخول مزرعة الغير:
التصدق بالأشياء النفيسة:
فضل الصدقة:
الرجوع إلى أهل العلم عند قسمة الصدقات:
جواز تصدق الإنسان بأكثر من الثلث في غير مرض الموت:
جواز اتخاذ البساتين والمزارع:
جواز كسب العقار:
وقوع الصدقة بالقول:
قسمة المتصدق صدقته بنفسه:
مشروعية الوقف:
الصدقة على الجهات العامة لا تحتاج إلى قبول خاص:
تفويض أهل الخير الثقات في التصرف بالمال:
تعريف الوقف:
شروط الوقف:
صيغة الوقف:
بعض أحكام الوقف وآدابه:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
نص قصة بستان أبي طلحة-رضي الله عنه- ورواياته:
00:00:04
 عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "لما نزلت: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92]جاء أبو طلحة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، يقول الله -تبارك وتعالى- في كتابه: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ  [آل عمران:92]وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وكانت حديقة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخلها، ويستظل بها، ويشرب من مائها"[رواه البخاري: 2758].
وفي رواية:"من ماء فيها طيب"[رواه البخاري:1461]فهي إلى الله -عز وجل-، وإلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أرجو برها وذخرها، فضعها" أي: رسول الله حيث أراك الله.فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  بخ يا أبا طلحة ذاك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه"[رواه البخاري: 2758].
وفي رواية: "فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه قال : وكان منهم أبى وحسان قال وباع حسان حصته منه من معاوية فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة فقال ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم"قال: وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني حديلة الذي بناه معاوية"[رواه البخاري: 2758].
شرح قصة بستان أبي طلحة -رضي الله عنه-:
00:01:50
 هذا الحديث الشريف الذي رواه الإمام العظيم -البخاري- في كتابه الصحيح، يحكي لنا قصة تفاعل الصحابة مع القرآن الكريم، وكيف كانوا إذا نزل عليهم الذكر الحكيم؛ تتلقاه قلوبهم بالإيمان والتسليم، والعمل والتنفيذ، فيعملون بما فيه.
ولما نزلت هذه الآية:  لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]علم صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الدرجة العظيمة، وهي درجة: البر، لن تنال إلا بأن ينفق الإنسان أحب الأموال إلى نفسه، ولذلك تفاعلوا معها مباشرة.
جاء في رواية: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالها على المنبر، فقام أبو طلحة فوراً، لما سمع كلام ربه من رسوله--صلى الله عليه وسلم- يتلوه، وهو قائماً على المنبر:  لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]فقام هذا الصحابي بدون تأخر، ولا تلكؤ، ولا طول تفكير، فقال: "إن أحب أموالي إلي بير حاء، وأنها صدقة لله" أخرجها مباشرة من ملكه رضي الله تعالى عنه.
ثم أعلن إخلاصه فيها، قائلاً: "أرجو برها وذخرها عند الله".
ثم وكلها إلى أهل العلم يتصرفون فيها، قائلاً: "فضعها يا رسول الله حيث أراك الله".
ثم كان ذلك التعليق الجليل من النبي -صلى الله عليه وسلم- مادحاً ذاك الفعل وصاحبه: بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح [رواه البخاري: 1461، ومسلم: 2362].
ثم إنه أشار على أبي طلحة -رضي الله عنه-: بأن يقسمها في أقاربه؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة.
قال أنس -رضي الله تعالى عنه-:"كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا" [رواه البخاري: 1461] إنه أغنى رجل فيهم.
وفي رواية: "مالاً من نخل"[رواه البخاري: 1461]فكان له بساتين، وكانت له حدائق، وكان هذا أعظمها وأنفسها على الإطلاق؛ إنه بيرحاء.
وعند مسلم: "بريحاء" والبراح: هي الأرض الظاهرة المنكشفة.
وأما من قال: "بـأريحاء" فلعله وهم؛ لأن "أريحاء" مدينة في الأرض المقدسة معروفة الآن، وما أشهرها في الأنباء.
ويحتمل إذا كان هذا الاسم محفوظاً -كما عند أبي داود- ب "أريحاء" أن تكون، أو أن يكون بستان أبي طلحة، سمي على اسم تلك الأرض.
هذه "بيرحاء" ذكر بعضهم: أنها مركبة من كلمتين: بير، وحاء، ثم صارت كلمة واحدة.
واختلف في "حاء" هل هو اسم رجل؟ أو اسم امرأة؟ أو اسم مكان أضيفت إليه البئر؟ أو أنها كلمة تزجر بها الإبل؟وكانت الإبل ترعى هناك، فتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة، على أن بعضهم قال: إنها: "بير حاء" وأنها بئر من الآبار.
لكن بعض المحدثين، قالوا: إن ذلك تصحيف، وأنه اسم بستان، وليس بئرا.
ويحتمل أن يكون البستان سمي على اسم البئر.
جواز البحث عن الماء العذب:
00:06:27
 "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدخلها، ويستظل فيها، ويشرب من ماء فيها طيب".
وهذا يدل على استعذاب الماء، وتطلب الماء العذب، والبحث عنه، أمر لا بأس به.
وقد جاء عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستعذب له الماء من بيوت السقيا"-وهي عين بينها وبين المدينة يومان- هكذا [رواه أبو داود بسند جيد: 3737، وأحمد: 24814، وقال محققو المسند: "إسناده جيد"].
وقد مر -سابقاً- في قصة أبي هيثم بن التيهان: أن امرأته، قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما جاءهم يسأل عن أبي الهيثم، قالت المرأة: "ذهب يستعذب لنا من الماء"[رواه مسلم: 5434].
فالشاهد: أن استعذاب الماء، والبحث عن الماء العذب، لا ينافي الزهد، وليس عيبا، ولا يدخل في الترف المذموم، هكذا قال العلماء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أفقه الناس، وأعلم الناس بالله.
فشرب الماء الحلو، وتطلبه مباح، وقد فعله الصالحون، وليس في شرب الماء المالح فضيلة.
فهذا فيه رد على الصوفية الذين يتعبدون الله بالشرب من الماء الأجاج، ويظنون أن تطلب الماء العذب تكلف، ومناف للزهد، فيتقربون إلى الله بترك الماء العذب، وهذا ليس من الدين، فهذا نبي الله -صلى الله عليه وسلم- يتطلبه، ويؤتى به إليه.
جواز استطابة الأطعمة:
00:08:28
 وهذا فيه دلالة أيضاً على: أن استطابة الأطعمة جائزٌ، وأن ذلك من فعل أهل الخير، وقد ثبت: أن قوله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:87]نزلت في الذين أرادوا الامتناع من لذائذ الطعام.
فالذين يتقربون إلى الله بحرمان أنفسهم من  لذيذ الطعام، ليس هذا من الدين في شيء.
ولو كان الله لا يحب من عباده أن يأكلوا الطعام الطيب اللذيذ؛ لما امتنَّ به عليهم، لكنه قال عز وجل:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:87] لكن أين الخلل؟
الخلل، في إضاعة الوقت في البحث عنه، وفي جلبه، والإسراف في شرائه، وإنفاق الأموال الطائلة من أجله، وكثرة الشبع منه، حتى التخمة المقعدة عن العبادة، ونحو ذللك، هذا هو المذموم.
أما أن يأكل لذيذ الطعام باعتدال، فليس في ذلك شيء أبدا.
والإنسان مهما أكل، فإنه لن يؤدي شكر نعمة الأكل إلا قليلاً، ولو كان الأكل من النوع غير النفيس.
فاستعمال الماء لا ينافي الزهد والورع، وهذا أصل في جواز شرب الماء من البستان بغير ثمن، وهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- كان منه الدخول إلى بستان أبي طلحة دون أن يأذن له في ذلك.
حكم دخول مزرعة الغير:
00:10:23
 فيؤخذ من الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يدخل مزرعة أو بستاناً، فيشرب من مائها، إذا كان صاحب المزرعة يأذن له، فإذا علم أنه لا يمانع في ذلك، فلا حرج عليه من ذلك، أو أن العرف يقتضي المسامحة في مثل ذلك، فأحياناً يكون الشيء المأخوذ يسيراً جداً، فإن العرف جرى بالمسامحة فيه.
فهذا العرف يحتكم إليه، فإذ لم يعلم الإنسان إذناً، وكان قد جرى في العرف أن يأتي إلى طرف البستان، أو المزرعة، فيشرب من ذلك، فلا حرج عليه.
التصدق بالأشياء النفيسة:
00:11:15
 لما قام أبو طلحة -رضي الله تعالى عنه-، فتصدق بهذا البستان، وهو أنفس أمواله، وكانت فيه هذه المياه الطيبة، وهذه الأشجار الطيبة، وهبها وتصدق بها لله -عز وجل-.
أنفس ما عنده تصدق به، مصداقاً لقوله عز وجل، وتفاعلاً مع قوله تعالى:  لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92].
وهذا بعكس ما يفعله بعض الناس:يتصدق بشيء رديء، قال الله فيه: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ  [البقرة:267] يعني: لو أعطي لك أنت ما أخذته إلا عن تبرم، وتحت ضغط الحاجة، وأنت غير راض، لكن إذا أخذته تأخذه بغضاضة نفس!.
فكيف يتصدق الإنسان مما تعافه نفسه لو أعطيه؟
ولذلك، كان من الإيمان: أن يتصدق الإنسان بأطيب ما عنده، من المأكولات، والمشروبات، والألبسة، فبعض الناس إذا ندبوا إلى التصدق، يتصدقون بالبالي من الثياب، والمهترئ، والمنخرق.
وهذا ليس من البر في الدرجة العالية، فإنه لن ينال مرتبة البر إلا أن يتصدق بالثياب الجديدة، والنفيسة، والغالية.
ولذلك تجد في بعض الناس من هذه الخصلة الحميدة أمراً جيداً: أنهم إذا ندبوا إلى التصدق جاؤوا بملابس جديدة، غير مستعملة على الإطلاق، ونفيسة.
وهذا يدل على أنهم فيهم خير، وتفاعل مع مثل هذه الآيةلَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ  [آل عمران:92].
ولا شك أن هذه الصدقة لا تخرج إلا من قلب قد عمره الإيمان، والإنسان كما جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:  ما يخرج رجل شيئا من الصدقة، حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطانا [رواه أحمد: 23012، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير:10753].
كلهم يريدون أن يتعلقوا بهذا الشيء، ولا يتصدق به.
اللحي هذا الذي ينبت عليه شعر اللحية.
فإذا أخرج الإنسان من ماله صدقة لله -عز وجل-، طيبة بها نفسه، مؤتجراً بها، يرجو أجرها عند الله، فهذا الرجل يكون قد عمل عملاً عظيماً، ولا شك أن ثوابه عظيم.
لذلك لما حصل هذا الموقف النبي -صلى الله عليه وسلم- أثنى على صاحبه بهذه الكلمة، قال: ((بخ بخ))أو ((بخ))يصح فيها السكون والتنوين، وفيها لغات متعددة.
وهذه الكلمة عند العرب: بخ بخ  تدل على تفخيم الأمر، والإعجاب به.
ولذلك، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو المربي القدير لما جاءته هذه الصدقة النفيسة، فإنه عليه الصلاة والسلام قابل ذلك بكلمة يبين فيها مدى عظم هذه الصدقة، بهذه الكلمة، قال:  بخ بخ .
وهذه الكلمة التي قالها ذلك الصحابي الجليل عمير بن الحمام الأنصاري لما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:  قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض  وكان في يديه تمرات، فعند ذلك توقف، وفهم من هذه الكلمة:  جنة عرضها السماوات والأرض  أن هذا أمر فخم وعظيم.
فإن حياته، حتى يأكل التمرات حياة طويلة، فليتقدم، وليقاتل، لعله يلج هذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض، وهكذا كان.
فضل الصدقة:
00:16:12
 قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  ذاك مال رابح، ذاك مال رابح .
وفي رواية:  رايح أو شك الراوي، وهو ابن مسلمة القعنبي، هل هي بالتحتانية:  رايح أو بالموحدة رابح؟ .
فأما قوله:  رابح فمعناها واضح.
وأما قوله:  رايح  يعني: أن أجر هذه الصدقة يروح إلى صاحبه، ويصل إليه دون انقطاع.
أو أنه رابح، يعني كثير الربح، فأطلق عليه صفة المتصدق به، وأنها صدقة تروح على صاحبها بأجر وثواب دون انقطاع.
ولا يمنع أن يحمل على الأمرين: أنه مال ذو ربح، وهو العائد من الأجر والحسنات.
وكذلك: أن هذه الحسنات رائحة غادية، رائحة عليه أجراً وثوابا، تروح بالأجر، وتغدو به.
وقد اكتفى بالرواح عن الغدو، فلم يذكر إلا الرواح، ولكن المقصود: الرواح والغدو، فإنها تذهب وتعود عليه بهذا الأجر العظيم.
الرجوع إلى أهل العلم عند قسمة الصدقات:
00:17:44
 ثم إن هذا الحديث فيه: اللجوء إلى أهل العلم في قسمة الصدقات؛ لأن العالم يعلم أي الأبواب أجره أكبر، وأي الأمور أنفع، وأي الصدقات أدوم.
ولذلك، فإن أبا طلحة -رضي الله عنه- لم يتصرف فيها، لكنه لجأ إلى أهل العلم، فأعطاها إلى الإمام العالم، ليتصرف فيها، فقبلها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم ردها عليه، ليقسمها في قرابته.
ونصحه صلى الله عليه وسلم: أن يتصدق بها على أقربائه، لما في أجر الصدقة على الأقرباء من الأجر العظيم، المنطوي على أجر صلة الرحم.
فأخذها أبو طلحة -رضي الله عنه-، وقسمها فوراً على قرابته، ومنهم أبناء عمومته.
وفي رواية:"فقسمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أقاربه" يعني في أقارب أبي طلحة "وبني عمه".
وفي رواية: قال صلى الله عليه وسلم:  ضعها في قرابتك  فجعلها حدائق بين حسان بن ثابت، وأبي بن كعب -رضي الله تعالى عنهما-.
فإضافة القسم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه هو الآمر به، والذي تولى القسمة فعلاً هو أبو طلحة -رضي الله عنه-، قسمها في أقاربه، وبني عمه.
ولذلك، تمسك من ذهب من العلماء بهذا إلى أن أقل من يعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين: اثنان، فلو أنه أوصى إلى أقاربه بشيء، فقال: أقاربي، فأقلما يعطي: اثنان.
ولكن في الحديث: "فجعلها أبو طلحة في ذي رحمه، وكان منهم حسان، وأبي بن كعب"فهذه الرواية تدل على أنه أعطى غيرهما معهما، وأنهما لم ينفردا بالعطية.
وحسان بعد ذلك -رضي الله عنه- باع حصته على معاوية، بمائة ألف درهم.
جواز تصدق الإنسان بأكثر من الثلث في غير مرض الموت:
00:20:45
 وهذا الحديث فيه من الفوائد: جواز التصدق من الحي في غير مرض الموت بأكثر من ثلث المال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفسر من أبي طلحة، ولم يستفصل عن قدر ما تصدق به، فلم يقل له: هل صدقتك أكثر من الثلث؟وإنما قبلها مباشرة، فدل ذلك على أن الإنسان إذا كان على قيد الحياة، فيجوز له أن يتصدق بالنصف، والثلاثة أرباع، وكل المال، إذا أراد، وكان يصبر.
وأما التخصيص بالثلث، فإنه يكون لمن كان في مرض الموت، فما يتصدق بأكثر من الثلث، وكذلك الوصية ما تكون بأكثر من الثلث، أما إذا كان في غير هذا، فإنه يتصدق بما شاء من أمواله.
وفيه: تقديم الأقرب من الأقارب على أقاربهم، وأنه لا بأس من إضافة المال إلى الرجل الفاضل، ولا نقص عليه في ذلك، وقد قال الله -تعالى-: إِنّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8].
والخير في هذه الآية: المال.
جواز اتخاذ البساتين والمزارع:
00:22:09
 وفي هذا الحديث: جواز اتخاذ الحوائط والبساتين والمزارع، وأنه لا بأس لأهل الفضل والعلم أن يدخلوا فيها، وأن يستظلوا بظلها، وأن يأكلوا من ثمرها، وأن يرتاحوا، ويتنزهوا فيها.
بل إنه ربما كان في زمننا هذا اتخاذ المزرعة لراحة الأولاد والعائلة استر وأفضل، ولا تقارن بالذهاب بهم إلى مدن الملاهي والألعاب، فإن هذه المدن في الغالب فيها مفاسد، واختلاط، وتبرج، كثير.
فأما إذا كان الإنسان في مثل بستان يستره شجره، ويكون فيه راحة له ولأهله وأولاده، أنه لا بأس بذلك.
فاستدلوا بهذا الحديث على أنه لا بأس باتخاذ البساتين والمزارع، وأن العبادة التي خلقنا من أجلها، لا تتعارض مع إجمام النفس، وأن إجمام النفس بالمباحات جائز، وهذ النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، هو الذي كان يدخل إلى بستان أبي طلحة، ويستظل فيه، ويشرب من ماء فيه طيب.
ولكن كم من الوقت يصرف في المباحات، والمتعة؟
نحن -الآن- متفقون على أنه لا بأس من اتخاذ المزرعة، والذهاب إليها، والاستظلال بالشجر، ودخول البساتين، والتنعم بها، والراحة فيها، لكن كم من الوقت يصرف في هذا؟كم لهذا؟ وكم وقت للطاعة؟
ونحن نعلم أن الإنسان إذا كان في عبادات مستمرة من العبادات البدنية؛ كالصلاة، والصيام، ملت نفسه، وأصابه الملل، وأنه لابد للإنسان من شيء من المباح ينشط به نفسه للطاعة، لكن كم من الوقت؟!
جواز كسب العقار:
00:24:33
 وهذا الحديث فيه: أن كسب العقار جائز ومباح، ولا شيء فيه، وإباحة الشرب، ولو لم يكن حاضراً إذا علم طيب نفسه وإذنه.
وقوع الصدقة بالقول:
00:24:50
 وكذلك في هذا الحديث: أن الصدقة تصح بالقول: "فضعها يا رسول الله حيث أراك الله" فإن تصدق على شخص معين، متى يملكها المعين؟
إذا قبضها.
وإذا كانت في جهة عامة، كأن قال: تصدقت بها على المسلمين، أو على الفقراء، تصدقت بها في وجوه البر، ونحو ذلك، خرجت عن ملك القائل، وكان للإمام أن يصرفها بعد ذلك في سبيل الصدقة.
أما إذا ظهر قصده بشيء معين، وجب صرف الصدقة في الشيء المعين الذي عينه المتصدق، فنية المتبرع مهمة جداً.
وبعض الناس عندهم تلاعب في هذا الأمر، يُعطى صدقة للفقراء، فيجعلها في المسجد، يُعطى شيء لمسجد، فيطبع به كتبا، يُعطى بطانية شتاء، فيضعها إفطار الصائم، يُعطى نفقة كفالة لأيتام، فيجعلها في ماكينات خياطة، لمشاريع للكبار، ويقول: هو كله خير! وهذا غير صحيح! هذه فوضى، وحرام، فلا بد من مراعاة نية المتبرع، فإذا قال المتبرع: أريدها في بطانية! فلابد من وضعها في بطانية، قال: أريدها في مسجد فلابد من وضعها في مسجد، قال: أريدها في طباعة الكتب، فلابد أن توضع في طباعة الكتب، قال: أريد بها شراء مصاحف، فلا بد من شراء مصاحف، قال: أريد بها المسجد الفلاني، فلابد أن توضع في المسجد الفلاني الذي عينه، قال: أريدها للمسكين الفلاني،فلابد من إيصالها على للمسكين الفلاني، قال: أريدها في قضاء الديون، فلا بد من صرفها في قضاء الديون بالذات، قال: أريدها في تزويج الشباب، فلابد من صرفها في تزويج الشباب بالذات.
فإذا نية المتبرع محترمة، ولا بد من مراعاتها.
وبعضهم ربما يكون من القائمين على بعض المشاريع الخيرية لا يراعي ذلك، فيأثم، ويخطأ، ويجرم.
ولذلك لا يصلح أن يتولى على الصدقة من لا فقه عنده في مسائل التبرعات والوقف، يبحث يفرق بين الزكاة وبين الصدقة، وبين الوقف والوصية.
قسمة المتصدق صدقته بنفسه:
00:27:50
 وهذا الحديث أيضاً: يدل على جواز تولي المتصدق قسمة صدقته بنفسه.
مشروعية الوقف:
00:28:00
 وكذلك فإن الحديث هذا: قد استدلوا به على أن الوقف مشروع، ولكنه يبدو من هذا الحديث: أن صدقة أبي طلحة كانت تمليكاً، وهبة للأقارب.
وأما الوقف، فيؤخذ من أحاديث أخرى؛ مثل حديث عمر -رضي الله عنه-: "لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أصاب مالاً بخيبر ليس عنده قط شيء أنفس منه".
فطلب من النبي -عليه الصلاة والسلام- أن ينظر فيه، وأن يضعه حيث أراه الله، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أشار عليه أن يمسك الأصل، ويتصدق بالثمرة.
وهذا هو الوقف: حبس الأصل، والتصدق بالثمرة.
"حبس الأصل" لا يباع،ولا يورث، ولا يوهب،ولا يتصرف فيه بأي وجه من الوجوه، يبقى محبوسا، والعائد، الريع، الثمرة على الفقراء، هذا هو الوقف، ولعلنا نأتي على طرف من أحكامه.
الصدقة على الجهات العامة لا تحتاج إلى قبول خاص:
00:29:27
 وكذلك، فإن الحديث: يدل على أن الصدقة على الجهة العامة لا تحتاج إلى قبول معين، فإن الإمام إذا قبلها، وقال: قبلناها منك، فإنه يضعها بعد ذلك حيث تكون الحاجة، وتكون المنفعة، ووجوه البر.
تفويض أهل الخير الثقات في التصرف بالمال:
00:29:47
 وكذلك، فإن في هذا الحديث: تفويض أهل الخير الثقات بالتصرف بالأموال، ولذلك لجأ أبو طلحة -رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكذلك مما يدل على أن هذا ليس بوقف، وأنها صدقة: أن حسان قد باعها على معاوية، ولو كانت وقفا عاما ما بيعت.
وكذلك إذا قال: أوقفتها على فلان، فإن الثمرة لفلان، العائد لفلان، الريع لفلان.
والذي حصل أن هذه الصدقة، أو هذا البستان كان في مكان قصر بني جديلة، وصارت بعد ذلك إلى الخليفة المشهور أبي جعفر المنصور.
وكان قصر بني جديلة قد بناه معاوية بن أبي سفيان لما أخذ الأرض، فاشترى معاوية حصة حسان، وبنى فيها القصر، وعرف بقصر بني جديلة، وبعد ذلك في مال أبي جعفر المنصور.
هكذا حصل في تاريخ هذا البستان -وذكرنا-: إن هذا دليل على أن هذه صدقة وليست بوقف، وأنه لو كان وقفاً ما ساغ لحسان أن يبيعها.
تعريف الوقف:
00:31:50
 فأما بالنسبة للوقف، فإن له أحكاماً -كما ذكرنا- في تعريفه: هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة.
والمنفعة هذه قد تكون سكن -مثلاً- يقول: هذه العمارة أوقفتها على المساكين، المساكين يسكنون فيها. أوقفتها على أولاد عمي، أولاد عمه يسكنون فيها.
كذلك لو قال: أوقفت العائد على طلبة العلم الفقراء، فتؤخذ الإيجارات وتصرف على طلبة العلم الفقراء.
هذه الدكاكين أوقفتها على المسجد، فتؤخذ إيجارات الدكاكين وتصرف على المسجد في توسعته، في بنائه، في ترميمه، في شراء ما يحتاج إليه المسجد، ونحو ذلك.
فضل الوقف:
والوقف -طبعاً- باب عظيم، وقربة جليلة؛ لأنه صدقة مستمرة، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر:  لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث [رواه البخاري: 2764، ومسلم: 4311] فجعلها عمر في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، وفي سبيل الله، وابن سبيل، والضيف.
ومما يدل على عظم الوقف وفضله، ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم:  إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له [رواه مسلم: 4310].
ومن عظم الوقف وفضله: أن جابر بن عبد الله -رضي الله عنها- قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذو مقدرة إلا وقف".
شروط الوقف:
00:33:26
 ويشترط أن يكون: من جائز التصرف، بالغ، حر، رشيد، فلا يصح وقف الصغير، ولا السفيه.
صيغة الوقف:
00:33:33
 والوقف يحصل بكلمة، فلو قال: وقفت هذا المكان، جعلته مسجداً، تم الوقف.
و-مثلاً- واحد عمل وقفاً على المسلمين مقبرة، وهذا وقف عظيم؛ لأن في بعض البلدان لا يجدون أماكن للدفن، والقبور غالية، فيأتي غني من الأغنياء، يسور أرضاً، بنية المقبرة، ويخلي بين الناس وبين دفن موتاهم فيها، فتكون وقفاً، فبمجرد ما عينها، وخلى بين الناس وبين الدفن فيها؛ صارت وقفاً.
بعض أحكام الوقف وآدابه:
00:34:20
 ومقابر المسلمين قد تكون أوقاف، المساجد أوقاف، لا يغير المسجد، ولا يبدل، ولا ينقل، إلا في حالات نادرة جداً.
كذلك، فإن الوقف قد يكون على معين، فلو قال: وقفته على أبناء أولاد أختي -مثلاً- حالتهم ضعيفة، فقال: وقفته على أولاد أختي، أو على فلان الفلاني.
وقد يكون وقف على عام، قال: وقفته في وجوه الخير، فالناظر على الوقف يوزع العائد في وجوه البر والخير.
وكذلك لابد من العمل فيه بشرط الواقف، إذا كان لا يخالف الشرع، ويحرم أن يصرف في غير ما عينه الواقف، ومن فعل ذلك، فهو ظالم.
وللواقف أن يعين ناظراً على الوقف، مثل عمر -رضي الله عنه- عين، فقال: حفصة تتولاه، وبعد ذلك الأصلح من آل عمر يتولون النظارة على الوقف.
والناظر يتقي الله، ويحسن الولاية على الوقف؛ لأن بعض النظار قد يأكلون عوائد الأوقاف، ويستولون عليها.
وأيضا الظلمة -كذلك- يستولون عليها، وكثيراً من أوقاف المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي قد ضاعت، إما لإهمال النظار، أو لاستيلاء الظلمة، أو نحو ذلك من الغاصبين، وإلا فقد كانت الأوقاف تدر عوائد على المساجد، والمدارس الخيرية، وطلبة العلم، ويعيش عليها من المساكين ما لا يعلم عددهم إلا الله، وكذلك تجهز الجيوش من الأوقاف.
الأوقاف الحقيقة الناظر فيها يرى حكمة الشارع، كيف يجعلها موارد، أو مصادر لأعمال الخير المستمرة.
وإذا كان رجل عبد مسلم أتاه الله مالاً، ورزقه فهماً وعلماً، فسيعرف كيف يستغل ذلك جيداً في أبواب الخير.
ولا يجوز للإنسان الواقف أن يظلم، ويقول: أوقفت على أبنائي الذكور دون الإناث، فهذا ظلم، فإنه ليس بعدل أن يوقف على أولاده الذكور دون الإناث.
و-ذكرنا- في حالات نادرة جداً جداً، يمكن أن يتصرف في الوقف، كما إذا تعطل الانتفاع بالمسجد، خرب وانهدم، ولم يتبرع أحد ليعمره، ولا يجدده، فتباع أرضه، ويشترى بالقيمة أرضاً ولو مساحة أصغر، في حي أرخص أرضا، ويبنى من مال الوقف، أو يضاف عليها ويبنى.
مزرعة مات النخل فيها، ما أحد يهتم فيها، نشفت الأرض، وغارت المياه، فتباع الأرض إلى أرض سكنية -مثلاً-، يجعل مخطط سكني يباع، ثم يؤخذ المال، ويشترى به نفس الشيء، أو جعله الواقف -مثلاً- قال: مزرعة، إذن نشتري مزرعة! وقد كان قال: ثمرها على فلان، أو فلان، أو الجهة الفلانية، فنجعل المكان الجديد يصرف في الجهة الفلانية، وهكذا..
لو تعطل الانتفاع بمكان، مثلاً وقفت مصاحف على مسجد، المسجد صار فيه مصاحف كثيرة، المصاحف هذه ما عادت تستعمل أبداً، صارت للغبار، والتمزق، جمعناها، وجعلناها في مسجد آخر، ينتفع بها فيه.
لكن إذا أمكن الانتفاع بها في هذا المسجد، فلا يجوز إخراجها منه بأي حال من الأحوال.
وبعض الناس من جهلهم بأحكام الوقف، يخرجون المصاحف من المساجد، يأخذونها إلى بيوتهم.
يقول: أنا سأقرأ فيها؟!
فنقول: المصاحف موقوفة على المسجد الفلاني، كونك تخرجها من المسجد، خالفت نية الواقف، وتعديت عليه وظلمت، فإذا أوقفت مصاحف على مساجد لا يجوز إخراجها منها.
ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يطهر نفوسنا من الشح، وأن يجعلنا من المتصدقين، ويجزل الأجر لنا، إنه على كل شيء قدير.