الأحد 23 محرّم 1441 هـ :: 22 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

قصة النذر من الجن


عناصر المادة
نص القصة:
المعنى الإجمالي للقصة:
الفوائد المستفادة من القصة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
نص القصة:
00:00:10
 فمن قصص القرآن العظيم التي قصها الله علينا سبحانه في سورة الأحقاف، قصة النذر من الجن، قال الله -عز وجل-:  وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  [الأحقاف: 29-32].
المعنى الإجمالي للقصة:
00:01:02
 هذا العلم العجيب، وهو عالم الجن الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم  أن آدم خلق من تراب، وخلقت الجن من مارج من نار ، من طرف اللهب،  وخلقت الملائكة من نور  [رواه مسلم: 2996].
وهؤلاء الجن يروننا ولا نراهم، إنما سموا جنًا لاستتارهم، أخبرنا الله عنهم أن منهم الصالحون، ومنهم الكافرون، منهم المؤمنون ومنهم القاسطون، قال في هذه السورة:  وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ  [الأحقاف: 29].
وقد روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، موضع قرب الطائف،  فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا  [الأحقاف: 29] صه صه، كلمة تقال للإنصات، وكانوا تسعة، أحدهم يقال له: زوبعة، فأنزل الله عز وجل:  وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا  [الأحقاف: 29] وصححه الحاكم، وأقره الذهبي. [المستدرك: 3701، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي]، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة [525].
لما بين تعالى في السورة أن في الإنس من آمن وفيهم من كفر بين أن في الجن كذلك، فقال:  وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ  [الأحقاف: 29]،  صَرَفْنَا  أي: وجهنا، وجعلناهم يميلون إليك يا محمد صلى الله عليه وسلم، جماعة من الجن أقبلنا بهم نحوك، وقرئ  صَرَّفْنَا  لأنهم كانوا جماعة، والنفر دون العشرة يقال لهم: نفر، وجمعه أنفار، والجن كالإنس ثقل من الثقلين، فيهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وفيهم السني والرافضي، فيهم من أهل البدع التي في البشر، وبينهم جهاد وحروب وقتال، وفيهم دعوة ونذارة، فصرف الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء النفر يستمعون القرآن، فأسلموا عندما سمعوا هذا الكتاب لما حضروه،  فَلَمَّا حَضَرُوهُ  [الأحقاف: 29].
أي: حضروا عند تلاوته، وحضروا النبي صلى الله عليه وسلم  قَالُوا أَنْصِتُوا  [الأحقاف: 29]، يعني: قال بعضهم لبعض اسكتوا لنسمعه، هذا يدل على الحرص، وكذلك أمر بعضهم بعضًا بالمعروف،  فَلَمَّا قُضِيَ  [الأحقاف: 29] أي التلاوة، قضيت تلاوة القرآن، ولوا إلى قومهم منذرين، ليس من الجن رسلا، كل الرسل من الإنس رجالاً، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ  [يوسف: 109]، لكن الجن فيهم نذر ودعاة، ينذرون قومهم،  فَلَمَّا قُضِيَ  القرآن، ولوا وانصرفوا إلى قومهم، رجعوا منذرين أي قائمين بالتخويف، والإنذار بما سمعوه، يخوفون قومهم عقاب الله لو خالفوا وكفروا، لقد تفرق هؤلاء الجن في البلدان قاصدين من وراءهم من قومهم ينذرونهم عن مخالفة القرآن، ويحذرونهم من مخالفة أمر الله، فالنذارة في الجن من غير نبوة لكن ما في رسول جاء من البشر إلا وهو نذير، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير، هؤلاء الآن كفار قريش لما نزل عليهم هذا القرآن، وتلاه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيه عبرة الآن كأنه يقول له: اذكر يا محمد لقومك كفار قريش هؤلاء موبخًا لهم على كفرهم، أن هناك ناس من الجن ليسوا من البشر، لما سمعوا القرآن أسلموا، فكيف بكم أنتم يا أهل اللسان العربي يا من نزل بلسانهم، يا من رسول الله منهم وفيهم، من قبيلتهم، من نسبهم من بلدهم، الجن البعيدين أسلموا وأنتم عندكم رسول الله في مكة ولا تسلمون، نزل بلغتكم لا تسلمون، هؤلاء من جن نصيبين، نصيبين بلد بعيدة عند تركيا، هؤلاء جاؤوا وأسلموا، وأنتم في مكة المكان الذي نزل فيه الوحي لا تسلمون، وكذلك فإن الجن هؤلاء مكلفون فيهم العصاة والطائعون، وفيهم صحابة فضلاء، فالنفر هؤلاء الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة، لأنهم لقوا النبي عليه الصلاة والسلام، وآمنوا به.
فلو قال قائل: هل يوجد من الجن صحابة؟
فنقول: نعم في من الجن صحابة، لقوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا منه، وآمنوا به، فهم صحابة فضلاء رأوه عليه الصلاة والسلام، واتبعوه.
ذكر بعضهم أسماء هؤلاء: شاصر، وماصر، وحاصر، وحسا، ومسا، وأرقم، وأدرس، وسليط، ومنهم زوبعة، فالله أعلم بصحة ذلك، كانت الجن تسترق الخبر من السماء، لما رموا فجأة عرفوا أن شيئًا ما قد حدث على الأرض، لماذا رجموا بالنجوم فجأة؟ ما هذا إلا لشيء حدث في الأرض، فذهبوا في الأرض يمينًا وشمالاً، مكلفين من إبليس لينظروا ما هو السبب الذي من أجله فجأة رجموا بالنجوم؟ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف لما يئس من أهل مكة، وقام ببطن نخلة يقرأ القرآن، ولما انصرف راجعًا إلى مكة، قام ببطن نخلة -اسم موضع- يقرأ القرآن، فمر به نفر من جن نصيبين الذين بعثهم إبليس ليعرفوا لماذا حرست السماء بالشهب؟ ولما استمعوا وعرفوا أن هذا هو السبب، وحيث أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس، فلا بدّ أن تبلغ الجن رسالته، فالله صرف نفرًا من الجن إلى النبي عليه الصلاة والسلام- ليسمعوه، ويفهموا عنه، ويبلغوا قومهم، وبذلك تصل الدعوة إلى الجن، فهم يثابون ويعاقبون، منهم في الجنة قسم وفي النار قسم، يأكلون ويشربون ويتناسلون.
وقد حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة لأصحابه:  إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة القرآن فأيكم يتبعني ، فأطرقوا، فتبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله بن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبي صلى الله عليه وسلم شعبًا، يقال له: شعب الحجون، وخط لي خطًا، وأمرني أن أجلس فيه"، يعني: لا يتعدى هذا الخط، وقال لي:   لا تخرج حتى أعود إليك ، فانطلق حتى وصل إليهم، فافتتح القرآن، وغشيته أسودة كثيرة، رأى أشباح حالت بيني وبينه حتى لم أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين يتفرقون، ففرغ النبي صلى الله عليه وسلم منهم مع الفجر، فانطلق إليّ فقال لي:  قد نمت ، فقلت: لا والله، ولكني هممت أن آتي إليك لخوفي عليك". [الحاكم في المستدرك: 3858، وقال الذهبي:  هو صحيح عند جماعة].
وأخرج البخاري ومسلم عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن؟" من أخبره أنه يوجد هنا جن يستمعون القرآن؟ قال: آذنته بهم الشجرة". [رواه البخاري: 3859، ومسلم: 450].
فمن معجزات النبي عليه الصلاة والسلام أن شجرة أخبرته بأن الجن يستمعون إليه.
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم أحد ليلة الجن؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة، فقلنا: اغتيل، استطير، خطف، طار به الجن، فقلنا: اغتيل استطير ما فعل، فبتنا بشر ليلة"، بات بها قوم لأن نبيهم مفقود، فلما كان في وجه الصبح إذ نحن به يجيء من قبل حراء، فأخبرناه سألناه أين هو؟
وماذا حدث؟ قال:  إنه آتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن ، فإذًا داعي الجن جاء ودعا النبي عليه الصلاة والسلام أن يذهب إليهم للدرس، فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأراني آثارهم، وآثار نيرانهم، هذا حديث صحيح. [رواه مسلم: 450].
أولئك النفر من الجن عند رجوعهم إلى قومهم ماذا قالوا؟  قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا  [الأحقاف:30]، يطلق الكتاب على بعض أجزائه، هم ما سمعوا كل القرآن، لكن يطلق على جزء من القرآن قرآن،  إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:30].
قيل: إنهم ذكروا موسى لأن هؤلاء الجن كانوا يهودًا، وأنهم أسلموا على يد النبي صلى الله عليه وسلم.
ورقة بن نوفل لما النبي عليه الصلاة والسلام قرأ عليه ماذا سمع من جبريل في الغار، قال ورقة: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى" [رواه البخاري: 3].
وقيل: إن ذكر موسى لأن موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى، فإن اليهود ينكرونه، والتوراة أول كتاب اشتمل على الأحكام والشرائع، ولذلك ذكروه، والقرآن مشتمل على الأحكام والشرائع أيضاً، طبعًا الإنجيل فيه أحكام لكن أقل من التوراة، أكثر الإنجيل مواعظ، وأما التوراة فيها أحكام كثيرة.
لما سمع الجن هؤلاء القرآن، وقد عرفوا من قبل ماذا يوجد في التوراة، قالوا:  قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  [الأحقاف:30 ].
ما معنى بين يديه؟ يعني: موافقًا لما قبله من التوراة والكتب الإلهية الداعية إلى التوحيد، وأمر المعاد، وتطهير الأخلاق، هذه كلها تشترك فيها الكتب السماوية.
 يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ  [الأحقاف:30] والعقيدة الصحيحة، وإلى طريق مستقيم شريعة الله التي لا عوج فيها،  يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ  في الباطن، وإلى طريق مستقيم في الظاهر، فهو حق ظاهرًا وباطنًا، فيا قومنا من الجن إنا سمعنا كتابًا أنزله الله من بعد توراة موسى، يصدق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على رسله، ويرشد إلى سبيل الحق، وإلى ما فيه لله رضا، وإلى الطريق الذي لا عوج فيه، فإذا آمنوا وأسلموا.
الجن أنواع: أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن منهم حيات، وكلاب، يعني: على شكل حيات وكلاب، ومنهم يطيرون في الهواء، لهم أجنحة يطيرون، ومنهم يحلون ويضعنون، مثل قبائل البدو يحلون ويضعنون من مكان إلى مكان.
وهؤلاء الجن مكلفون، فقول من قال: يوم القيامة يقال لهم: كونوا ترابًا كالبهائم غير صحيح، حتى المؤمنين منهم يدخلون الجنة هذا هو الصحيح، أما قول من قال: إنهم يموتون بعد نجاتهم من النار فليس هذا هو الراجح.
هؤلاء قالوا:  يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ  [الأحقاف: 30]، من هو داعي الله؟ محمد صلى الله عليه وسلم كتاب الله الذي يهدي إلى الحق،  أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ  [الأحقاف: 31]، فما كان من حقه غفره، لأن حقوق العباد لا تغفر بمجرد الإيمان، بل لا بد من إرضاء أربابها.
وهذه المسألة تكلم فيها العلماء لو أسلم الكافر ماذا يغفر له؟ هل يغفر له حقوق العباد؟ لو كان مثلاً غصب  أو سرق قالوا: لا بدّ من إعادته، وأما ما كان من حق الله أشياء أخطأ فيها في حق الله فتغفر.
قال:  وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31]، معد للكفار من عذاب النار، فصدقوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأجيبوا دعوته، وهذا يبين أنهم داخلون في قوله تعالى:  وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ  [الرحمن: 46]، لأن الله امتن على الثقلين،  وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  [الرحمن: 46-47].
معناه الجن الذين يخافون الله لهم جنتان، لأن هذه منة على الثقلين الجن والإنس، جعل محسنهم في الجنة، كما جعل كافرهم في النار، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى.
  وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ  [الأحقاف: 32]، أين يهرب من الله، وليس له من دونه أولياء ينصرونه وينقذونه من عذاب الله سبحانه وتعالى.
 أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  [الأحقاف: 32] أي هؤلاء المعرضون في ضلال مبين.
الفوائد المستفادة من القصة:
00:17:53
 كانت هذه القصة التي قصها الله علينا في القرآن عن هؤلاء المؤمنين من الجن، وفيها عبر وفوائد:
منها: أن على الداعية أن يشكر ربه إذا من الله عليه بسوق الناس إليه، الآن على الداعية أن يأتي الناس، النبي عليه الصلاة والسلام كان يذهب للقبائل، ويعرض عليهم الإسلام، لكن قد يمن الله على الداعية، فيأتي بالناس يسوقهم إليه، مثل ما حصل هنا،  وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ  [الأحقاف: 29]، الله هو الذي أتى بهم، النبي عليه الصلاة والسلام لا يراهم بل الشجرة التي أخبرته عنهم،  وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ  [الأحقاف: 29]، فمن منة الله على الداعية أن يسوق له المدعوين ليسمعوا كلامه، فيجب على الداعية أن يشكر ربه على ذلك.
ثانيا: يجب عليه أن يتقن الدعوة؛ لأنه ما دام الله أتى لك بالناس يسمعون لك، فيجب عليك أن تحسن العطاء، ومن ذلك خطيب الجمعة عليه أن يتفطن جيدًا فيما يقوله للناس، لأن الشارع أتى إليه بالناس نظيفين، متطيبين، متطهرين، مبكرين، يجلسون، ينصتون، الواحد ما يقول للآخر: اسكت، ما يقول له: صه، من قال لصاحبه:  أنصت فقد لغا  [البخاري:933]، فيأيها الخطيب، فما هي درجة الإتقان التي يجب أن تكون عليها خطبتك؟ هل تلقي أي كلام؟ وهؤلاء حشدوا إليك من قبل الشرع، أم يجب عليك أن تتقن، وتحضر، وتراجع، وتحشد الأدلة والإقناعات، والكلام المهم، وتراعي الأولويات، وتأتي بالفوائد، وتأتي بالأمور التي تفيد هؤلاء الحاضرين، هذه منة من الله عليك، أن أتي بالناس إليك في المسجد.
ومن فوائد هذه القصة الحرص على مجالس العلم،  فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا  [الأحقاف: 29] ومن أهم شيء في مجالس العلم الإنصات، فالجن يعلموننا أدبًا في حضور المجالس، وشتان بين هذا وبين من يتكلم مع من بجانبه، والذي يتكلم بالجوال، والذي يلهو، والذي يسرح، فالجن  قَالُوا أَنْصِتُوا  [الأحقاف: 29]، والإنصات حضور قلب مع السماع، يسمع بحضور قلب، فهو يريد أن يفهم.
وفيه التواصي بالحق من الدروس والفوائد،  قَالُوا أَنْصِتُوا [الأحقاف: 29]، يعني: قال بعضهم لبعض، أمر بعضهم بعضًا بالمعروف.
ومن فوائد القصة: أثر القرآن العظيم، هذا القرآن وحده لو واحد دعا به يكفي في الإسلام في الدعوة، بعض الناس يقول كلامًا من عنده كلام الله أبلغ، واحد من الدعاة كان مع مجموعة في باخرة قبل أكثر من خمسين سنة، قال: وكانت الرحلة طويلة، وخطر ببالنا أن نصلي الجمعة، نحن الآن لا نتكلم عن حكم إقامة صلاة الجمعة في الباخرة، هذه قضية أخرى، لكن أنا أروي معنى القصة، قال: فجمعنا المسلمين من الركاب، وسمح قبطان السفينة لبعض العمال المسلمين الذين كانوا يشتغلون على السفينة، وتنتقل إلى موانئ عالمية أن يحضروا الجمعة، ففرحوا جداً لأنهم لم يصلوا الجمعة من زمان، لأنهم يشتغلون على السفن، والذين يشتغلون على السفن لا ينزل إلا للبر إلا نادرًا، قال: وقمت خطيبًا فيهم، وصليت بهم الجمعة، وقد تحلق حولنا أعداد من الركاب من الأجانب من غير المسلمين، وبعدما انتهينا جاءت امرأة تسلم عليّ بحرارة، امرأة كبيرة في السن، وتهنئني على نجاح القداس، لأن أقرب شيء يعني هي نظرت أقرب شيء إلى دينها، هذا أيش هذا اجتماع، وواحد يقوم بخطبة دينية، فقالت: هذا يمكن قداس، فهنأتني على نجاح القداس، فقلت لها: هذه خطبة الجمعة، وليس مثل دين النصارى فيه قداس، وإنما فيه خطبة الجمعة، قالت: ما هذا الذي كنت تقرأه أثناء الخطبة؟ قال: فأخبرتها عن مغزى الخطبة، والكلام الذي كنت أقوله، قالت: كلا ليس عن هذا أسألك، أسألك عن أشياء كنت تقرأها أثناء الخطبة، هي لا تعرف العربية إطلاقًا، قالت: هو شيء يختلف عن بقية الكلام، مختلف فيه فقرات معينة  مختلفة عما قبلها وعما بعدها، ما هذا؟ قال: ففكرت فلم أجد إلا أنها تقصد الآيات التي كنت أستشهد بها أثناء الخطبة، فأخبرتها بأن هذا كلام الله، وقرأت بعضه عليها، فبكت.
وحدثني بعض الدعاة الذين ذهبوا إلى إفريقية في قوم من المسلمين لا يعرفون العربية إطلاقًا، لكن كانوا إذا سمعوا الآيات والخطبة يبكون من بين كل الكلام الآخر، القرآن له تأثير على النفوس كبير، الكفار في أحد المناسبات سجدوا، كما جاء في البخاري عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم:  أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا  [النجم: 59-62]، قال: فسجد النبي عليه الصلاة والسلام وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس ،كل الذين كانوا حاضرين سجدوا، وهذا من تأثر الكفار، اندمج الكفار الذين كانوا حاضرين مع الآيات فلما جاء موضع السجود  فَاسْجُدُوا  [النجم: 62].
ما تمالكوا وسجدوا من سلطان القرآن عليهم، وخرج منهم ثلاثة في الليل ليسمعوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ، كفار قريش يفهمون القرآن أكثر منا، هذا شبه مؤكد، لأن عربيتهم سليمة، فلما يسمع القرآن هو يفهم فيه بلاغة وبيان وفصاحة، فيه معاني، وكلمات أنت تقرأ اليوم القرآن على واحد عربي، يقول لك: لإيلاف قريش، ما يعني إيلاف، صمد، الفلق، الخناس، العاديات، ضبحًا؟ هذه من قصار السور، كفار قريش كانوا يفهمون القرآن أكثر من عامة المسلمين اليوم، فلما ذهبوا يسمعون القرآن جذبهم، يعني: فيه حلاوة، فرجعوا فجمعهم الطريق، فلام بعضهم بعضًا، يعني: كيف أنتم تعادونه في النهار، وتسبونه وتشتمونه، وتكفرون بما أنزل عليه ثم تذهبون في الليل لسماعه، فتعاهدوا أن لا يذهب أحد لسماعه، لكن في الليلة التي بعدها ما استطاعوا كل واحد راح من طريق ليسمعوا القرآن، فجمعهم الطريق مرة أخرى، وهم عائدون فتلاموا، وهكذا ثلاث مرات لأن له تأثير عليهم.
 وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا  [الأحقاف: 29]،  قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا  [الأحقاف: 30]، أثر القرآن في نفوس الناس، هذا كلام ليس كلام بشر، كلام الله سبحانه وتعالى، وهو يعلم أي شيء يؤثر في نفوس العباد.
ومن فوائد القصة: أن الإنسان إذا تعلم حقًا يجب عليه أن يبلغه، الجن هؤلاء بمجرد ما سمعوا الحق،  فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف: 29]، مباشرة الواحد إذا سمع حقًا يجب أن يبلغه.
ومن فوائد القصة: أن الداعية ينذر الناس، ويخوفهم عذاب الله، وأن هذا كما قال عز وجل في الآيات التي سمعناها:  لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ  [الزمر: 16] ، فإذًا الإنذار من وظيفة الداعية، أن يبين للناس عذاب الرب عز وجل، وماذا يمكن أن يفعل بالعصاة، ينذرهم حتى يخافوا، فيكفوا عن المعصية، ويقوموا بالواجب.
الفائدة الأخرى: مخاطبة الداعية لقومه،  يَا قَوْمَنَا [الأحقاف: 30]، يعني: أنتم منا ونحن منكم، هذا يعطي طريقًا إلى القلوب، وأن الداعية إذا كان من القوم كان أبلغ في التأثير من أن يأتي أجنبي عنهم، ولذلك الجن ذهبوا منذرين.
الفائدة الأخرى: أن الحق يتشابه، يعني: الذي يسمع التوراة الأصلية والقرآن يعرف أنه من مصدر واحد، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  [الأحقاف: 29-32]، وكذلك ورقة بن نوفل قال: "هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى"، هذا هو الوحي جبريل نزل بالكتاب ذاك ونزل بالكتاب هذا.
ومن فوائد القصة: أن على الداعية إلى الله أن يبين للناس الفوائد التي تترتب على إجابتهم للدعوة،  يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ  [الأحقاف: 31]، يبين الميزات والفضائل، يعني: لو آمنوا ماذا لهم؟  يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: 31].
ومن فوائد هذه القصة: أن العدد القليل من الناس يمكن أن يهدي الله بهم كثيرًا من الخلق، الآن الذين ذهبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام كم واحد،  وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا  [الأحقاف: 31]، النفر من ثلاثة إلى تسعة، ما يتعدى التسعة، لكن هؤلاء انطلقوا في الأرض.
وحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم التقى بوفد الجن، وقرأ عليهم القرآن، وبناء على دعوة منهم جاءهم وعلمهم، فيه أن الداعية إذا جاءه رسول للدعوة أن عليه أن يجيب ويدعو.
وكذلك فإن الجن لما قرأ عليهم سورة الرحمن، كلما قال:  فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  [الرحمن: 13]، قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد، كان رد مؤمنو الجن جميل جداً.
وكذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما التقى بهم علمهم أحكام قد تكون بعض الأحكام التي علمهم إياها خاصة بالجن، يعني هل نساء الجن يحضن أو لا يحضن؟ وكيف الأحكام المتعلقة في أشياء؟ هل السفر عندهم مثل عندنا؟ هؤلاء وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ  [الجن: 8] سهل على الذين يطيرون، هؤلاء يقطعون مسافات كبيرة بسرعة كبيرة جداً.
قال واحد: أنه رأى جني في مكة، قال له: من أين جئت؟ قال له: من أفغانستان، قال له: كم يأخذ الطريق قال له: ربع ساعة، الله أعلم بصحة القصة، فالجني إذا قال لك معلومة لا تعرف هو صادق أو كاذب هو مسلم أو كافر، فلذلك لا يصح الاعتماد على خبر المجهول، فلما يقول قائل: ما حكم العلاج عند صالحي الجن؟ أنا أعرف جني صالح يعالج، نقول: كيف عرفت أنه صالح، يقول: هذا جن مسلم، كيف عرفت أنه مسلم؟ هل إذا جاءك جني قال: أنا مسلم يعني خلاص هو مسلم، قد يكون منافق، إذا كان الإنسي ممكن يكون كافر ويخفى علينا يكون منافق، ونظنه من أولياء الله، كيف الجن. ولذلك لا تورط في المعالجة عند هؤلاء إطلاقًا، سد الباب، ممكن بعض السلف يروي بعض القصص، فيقول: أنه كان بعض الناس من الجن يحضرون درسه، كما روي عن الأعمش قال: فاستضفته، فقلت: ماذا تشتهي من الطعام، فقال: الرز، فوضعت له رزًا، فجعلت أرى اللقم ترفع وتختفي، قلت: هل فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ يعني: عندكم مبتدعة مثلما عندنا خوارج ومرجئة وقدرية وجهمية، قال: نعم، قلت: ما شرها؟ قال: الرافضة، هؤلاء أسوأ الناس هنا وهناك.
إذًا الجن لما جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم علمهم أحكامًا، وسألوه الزاد، قالوا: نريد طعامًا، فثبت في الحديث الصحيح أنه قال لهم:  لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه ينقلب في أيديكم لحمًا  [رواه مسلم: 450]، ولذلك نهينا عن الاستجمار بالعظام؛ لأنه طعام إخواننا من الجن؛ إذا كان عظم حيوان ذبح وذكر اسم الله عليه. 
وماذا بالنسبة لعلف دوابهم، الروث، روث الأبقار والأغنام عندنا علف لدواب الجن، ولذلك لا يستنجي المسلم  لا يستجمر بالروث، أيضاً كما جاء في الحديث الصحيح في النهي عن الاستجمار بالعظم والروث.
هذه بعض الفوائد من هذه القصة العظيمة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في كتابه.
وصلى الله على نبينا محمد.