الاثنين 14 شوّال 1440 هـ :: 17 يونيو 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر
  • برنامج هدى وبينات يأتيكم يومياً في شهر رمضان المبارك الساعة 5 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

تصفية النفوس من الأحقاد


عناصر المادة
استهانة بعض الناس بالأخلاق والآداب
تفشي داء الحقد في هذا الزمان
آثار الحقد على الحاقد
حكم الحقد في الإسلام
خطر الحقد وآثاره المدمرة
سلامة صدور المؤمنين من الحقد
فضل سلامة الصدر من الحقد
الفرق بين الموجدة والحقد
مجالات الحقد المشروع
متى يحل السلام في العالم
علاج داء الحقد
الوسائل المعينة على التخلص من الحقد وعدم الوقوع فيه
اللهم لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن ولك الحمد حتى ترضى.
سبحانك لا إله إلا أنت.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق والغش والغل والحسد يا رب العالمين، واجعلنا ممن يأتيك يوم القيامة بقلب سليم.
استهانة بعض الناس بالأخلاق والآداب
00:00:31
 إخواني: إن هناك كثير من الآداب المفقودة بين المسلمين، وهذه الآداب المفقودة تسبب أنواعاً من الوقوع في الإثم والعدوان.
وكثير ممن الناس يستهينون بباب الأخلاق والآدب مع أن باب الأخلاق والآداب من الأمور العظيمة التي هي من مزايا هذه الشريعة ومن محاسنها.
وبعض الناس يهتمون بأمور المعتقد والفقه والعلم، وينسون أن هذا الدين متكامل لا بد أن يكون المسلم فيه متخلقاً بأخلاق الإسلام، متأدباً بآداب الشريعة.
ومن مآسينا في هذا الزمان، وفي ضمن دائرة الابتعاد التي ابتعدنا فيها عن الإسلام يوجد هناك كثير من النقص، وكثير من العيب، ومن ضمنه هذه الأمور المفقودة في باب الأخلاق والآداب، وهذا باب واسع جداً، وسنتكلم -إن شاء الله- في هذه الليلة عن واحد من هذه الأشياء التي هي مفقودة عند الكثيرين، أو موجود ضدها عند الكثيرين، ونبين -إن شاء الله- موقف الإسلام من هذه القضية، وكيف ينبغي على المسلم أن يفعل اتجاه هذا المرض.
وعنوان درسنا: "تصفية النفوس من الأحقاد".
تفشي داء الحقد في هذا الزمان
00:02:15
 الحقد مرض خطير، ومرض متفش في هذا الزمان، وكثير من الناس يحقدون على بعضهم البعض.
والحقد بين المسلمين -كما ذكرنا- من مآسينا في هذا العصر.
الحقد من معانيه الضغن والانطواء على البغضاء وإمساك العداوة في القلب والتربص لفرصتها، أو سوء الظن في القلب على الخلائق لأجل العداوة أو طلب الانتقام.
والغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي فوراً رجع إلى الباطل واحتقن في النفس فصار حقداً.
والحقد من مرادفاته الضغينة والغل والشحناء والبغضاء، وغيرها.
وموضوع الحقد موضوع خطير جداً؛ لأنه يؤدي إلى مهالك.
الحقد قد يتداخل مع الحسد والغضب، ولكن هناك اختلاف.
فالحقد رذيلة بين رذيلتين؛ لأن له ثمرة الغضب، الحقد يتولد من أي شيء؟ يتولد من الغضب، وهو يثمر الحسد ويؤدي إليه، فاجتمع في الحقد أطراف الشر.
والحقد حين تحليله -أيها الإخوة- يتبين من عناصره ما يلي:
أولاً: الكراهية الشديدة والبغض العنيف.
وثانياً: الرغبة في الانتقام وإنزال السوء بمن يكرهه الحاقد.
وثالثاً: تخزين العنصرين السابقين في قرارة النفس وتغذيتهما بالأوهام والتصورات والاسترجاعات المختلفة للمشاهد، مع مثيرات جديدة للكراهية والرغبة في الانتقام.
آثار الحقد على الحاقد
00:04:07
 تتفاعل هذه كلها تفاعلاً يأكل نفس الحاقد من الداخل، وتتغلغل هذه الدوافع في النفس تغلغلاً يسبب فعلا التآكل الداخلي والانهيار في النهاية في نفس الحاقد.
ولكي نبين كيف يتولد الحقد من الغضب، نقول: إنك قد تغضب على إنسان أو أن الشخص قد يغضب على أخيه أو على إنسان فيريد منه الانتقام، فإذا لم يستطع أن ينتقم منه ليشفي غيظ قلبه ويثأر لنفسه، ولم يستطع أيضاً أن يصفح عنه ويسامح؛ لأنه لا يقدر على ذلك، لا استطاع الانتقام ولا استطاع المسامحة ماذا يحدث؟
تتخزن هذه الطاقة الكريهة في النفس، ويحتقن هذا الحقد في النفس، ويظل دفيناً يتحرك ويشتعل داخلياً، كلما رأيت الإنسان الذي أنت تحقد عليه، وكلما ذكر اسمه على مسمعك، أو تذكرت شيئاً من أفعاله وأقواله، أو مشهداً من المشاهد التي حصلت فيها لهذا الشخص مواقف معك، تتفاعل هذه الغريزة عندك أو هذا الخلق "الحقد".
والمسألة باختصار: اختزان وإمساك العداوة والبغض في القلب واستمرار تفاعلها.
وهذا المرض له آثاره المدمرة على نفس الحاقد؛ لأنه يشغل القلب، ويتعب الأعصاب، ويقلق البال، ويقض المضجع، وقد تظلم الدنيا في وجه الحاقد، وتضيق به على سعتها، وتتغير معاملته حتى لأهله وأولاده؛ لأن الحقد يضغط عليه من كل جانب.
وقد تتسع دائرة الحقد لتشمل الأبرياء، كما لو كرهت امرأة زوجها لإهانته وشتمه لها وتعذيبها، فقد تكره جميع الرجال، أو يظلم والد ولده ويذيقه ألوان العذاب، ويقسو عليه ويحرمه ألوان العطف والحنان، فيكره الولد كل الآباء، وهكذا..
والحقد في الغالب يكون بين الأقران، ولذلك الضرة تحقد على ضرتها، والفقير يحقد على الغني، وكل من سلب نعمة يحقد على من أنعم الله به عليها، وهكذا..
وكل صاحب رئاسة يحقد على من ينازعه الرئاسة، وكل إنسان يحقد على من يتفوق عليه بشيء.
وإذا كان للحاقد سلطة أو قوة فإنه يسعى للانتقام من كل من يظن أنه عدو له.
والحاقد فيه شبه من الكفار الذين قال الله فيهم: وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: 119].
تأمل هذه الصورة الكريهة الشنيعة التي ذكرت في القرآن: وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ  يعني هذا الحاقد المغتاظ يعظ أنامله على من يحقد عليه.
الحقد داءٌ دفين ليس يحمله *** إلا جهول مليء النفس بالعلل
مالي وللحقد يشقيني وأحمله *** إني إذن لغبي فاقد الحيل
سلامة الصدر أهنأ لي وأرحب لي *** ومركب المجد أحلى لي من الزلل
إن نمت نمت قرير العين ناعمها *** وإن صحوت فوجه السعد يبسم لي
وأمتطي لمراقي المجد مركبتي *** لا حقد يوهن من سعيي ومن عملي
فالشفاء من الحقد نعمة من الله -سبحانه وتعالى-، وليس أهنأ في الحقيقة، ولا أطرد لهمومه، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب بريء من وسواس الضغينة وثوران الأحقاد، ومستريحاً من نزعة الحقد الأعمى، فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء، وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب المغشوش كما يتسرب الماء من الإناء المثلوم.
حكم الحقد في الإسلام
00:08:38
 أما حكم الحقد في الشريعة، فإليكم هذه النصوص الشرعية:
قال البخاري -رحمه الله تعالى- في الأدب المفرد: "باب الشحناء" [الأدب المفرد، ص: 147] الشحناء هي العداوة إذ امتلأت منها النفس والبغض والحقد، قال رسول الله ﷺ: لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا  [رواه البخاري: 6065، ومسلم: 2559].
وهذا الحديث مشهور موجود في الصحيحين وغيرهما، والشاهد منه قول الرسول ﷺ: لا تباغضوا ، وهذا الدليل للتحريم، لا يجوز لك أن تبغض أخاك المسلم، حرام عليك أن تبغض أخاك المسلم، قال ابن رجب -رحمه الله- في شرح لفظة: " لا تباغضوا  نهى المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله -تعالى- بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون" [جامع العلوم والحكم: 2/265].
وقال النبي ﷺ: والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم [رواه مسلم: 54].
وقد حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء؛ كما قال تعالى:إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ[المائدة: 91].
وامتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم؛ كما قال تعالى:وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103]، ولهذا المعنى حرم المشي بالنميمة.
لأي شيء حرمت الشريعة المشي بالنميمة بين الناس؟
من أسباب ذلك: لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء.
لماذا رخصت الشريعة الكذب للإصلاح بين الناس؟
لدفع الحقد والبغضاء لإزالتها من القلوب.
قال ابن رجب: "ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغب الله في الإصلاح بينهم؛ كما قال تعالى: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 114] [جامع العلوم والحكم: 2/266].
ما أعظم الأجر في الإصلاح بين الناس ولو كذب، حلال أكذب إن استطعت الإصلاح بين الناس، أكذب لكي تزول الضغينة والبغضاء من القلوب، قل: لم يقل فيك كذا، أنا كنت حاضراً، ما ذكر هذه الكلمة، الكذب فيها حلال، كل ذلك من أجل أن تلتئم قلوب المؤمنين، وأن تتصافى النفوس، وأن يكون المجتمع متآخياً مترابطاً على هدي هذه الشريعة.
والإسلام يتعاهد النفوس ليغسلها من أدران الحقد يومياً وأسبوعياً وفي كل عام.
أما بالنسبة ليومياً فهناك حديث نذكره هنا مع اختلاف العلماء في صحته لنستشهد منه في هذا الباب، وهذا الباب على أية حال ليس من أبواب الاعتقاد والأحكام ولا الحلال والحرام، قال ﷺ: ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أم قوماً وهم له كارهون، وامرأه باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان  متقاطعان، متدابران، متهاجران، متفارقان، متكارهان [رواه ابن ماجه: 971، وابن حبان في صحيحه: 1757]، قال البوصيري في الزوائد: "هذا إسناد صحيح رجال ثقات".
وقال العلامة الألباني: "فيه عبيدة قال ابن حبان في الثقات: يعتبر حديثه إذ بين السماع وهو لم يبين السماع فهذه العلة التي ذكرها".
والشاهد من الحديث قول:  أخوان متصارمان  لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم.
أما بالنسبة لأسبوعياً قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي عند مسلم عن أبي هريرة: تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين، يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن، إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا، أو اركوا، هذين حتى يفيئا  [رواه مسلم: 36].
تأمل الآن تصور معي في كل أسبوع: تعرض الأعمال على الله يغفر الله للمؤمنين إلا من بينه وبين أخيه شحناء ، ما في مغفرة، لماذا للشحناء؟ أتركوا هذا حتى يفيئا .
وفي رواية أيضا لمسلم: تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر فيها لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا [رواه مسلم: 2565] يعني كم يفوته من الأجر العظيم؟ كل أسبوع يومان في الأسبوع: اثنين والخميس  يقال أنظروا هذين حتى يصطلحا  لا مغفرة لهذين حتى يصطلحا، حتى يفيئا  كم بين الاثنين والخميس ؟ ثلاثة أيام، وكم بين الخميس والاثنين؟
إذًا، لا يجوز لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث.
وبالنسبة للشيء السنوي في موضوع الأحقاد:إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله على خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه [رواه البيهقي في شعب الإيمان: 3551، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب، رقم: 2771]، لا مغفرة لهم، حتى يدعوا الحقد، حتى يتركوا الحقد، حتى يخرجوا البغضاء من قلوبهم، حتى يتصافوا ويكونوا عباد الله إخواناً  كما أمر الله.
وفي رواية: فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن [رواه ابن ماجه: 1390] المشرك ليس له مغفرة، والمشاحن ليس له مغفرة.
فأصحاب الأحقاد تباً لهم على ما حرموا من هذا الخير العظيم، وهذه المغفرة العظيمة؛ بسبب الحقد والشحناء.
هذا في الأسبوع يومان، وكل سنة.
القضية قضية الأحقاد موقوف أصلاً أصحابها عند رب العالمين، لا مغفرة.
خطر الحقد وآثاره المدمرة
00:16:07
 المسألة مسألة جادة -أيها الأخوة-.
وقال النبي ﷺ مبيناً خطورة الحقد أيضاً:  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين؟[رواه أبو داود: 4919، وأحمد: 27508، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"]؛ لأن الصيام والصلاة والصدقة عبادات عظيمة، وإصلاح ذات البين نفعها متعدد منتشر، وقال:فإن فساد ذات البين تفسد ذات البين بأي شيء؟ يفسد ذات البين بالحقد والبغضاء والشحناء، قال: إياكم وسوء ذات البين؛ فإنها الحالقة [رواه الترمذي: 2508، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 2683].
وفي الرواية الأولى: فإن فساد ذات البين هي الحالقة [رواه الترمذي: 2509، وأحمد:27508، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"] ما هي الحالقة؟
التي تحلق الإيمان كما تحلق الموس شعر الرأس، ولذلك فقال أبو الدرداء: "ألا أحدثكم بما هو خير لكم من الصدقة والصيام؟ صلاح ذات البين، ألا وإن البغضاء هي الحالقة" [رواه البخاري في الأدب المفرد:412، وقال الألباني: "صحيح الإسناد" كما في صحيح الأدب المفرد: 319].
الحالقة هي الماحية للثواب، ولذلك ورد في الرواية الأخرى: دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر على علة في إسناده [رواه الترمذي: 1412، وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف لانقطاعه"].
فحالقة الدين تحلق الدين كما يحلق الموس الشعر.
وسمي الداء؛ لأنها داء القلب.
والحقد يؤدي إلى ثمانية أشياء:
1- تمني زوال النعمة عمن تحقد عليه.
2- والتشمت به إذا أصابه البلاء.
3- ومهاجرته ومصارمته وإن طلبك.
4- والإعراض عنه استصغاراً له.
5- والتكلم بالكذب والغيبة وإفشاء السر وهتك الستر في حقه.
6- ومحاكاته استهزاء به وسخرية منه.
7- وإيذائه وإيلامه بما يؤذي ويؤلم بدنه من ضرب، وغيره.
8- والتمنع من حق من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة.
هذا كله من شؤم الحقد، وما يؤدي إليه الحقد، وكما جاء في الدعاء المأثور: "اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر عيناه ترياني، وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها" أما مرفوعاً فلا يصح [رواه الطبراني في الدعاء: 1339].
ولكن المعنى في هذا الخليل الماكر "عيناه ترياني، وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة دفنها وإن رأى سيئة أذاعها" هذا صفات الحاقد، إذا رأى حسنة كتمها، وإذا رأى سيئة نشرها، يترصد.
سلامة صدور المؤمنين من الحقد
00:19:31
 وصدور المؤمنين لا محل للحقد فيها؛ لأن الأصل في صدورهم أنها سليمة مملؤة بالمحبة وإرادة الخير للآخرين، فلا مجال للغل فيها، وإن مرت الكراهية والبغضاء الموجدة فهي تمر مرور عابر سبيل، لا تجد مكاناً ليستقر، وهكذا العوارض الغريبة تنطرد من الوسط الذي لا يتقبلها.
تأمل كيف أثنى الله على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان، قال الله -عز وجل-:لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[الحشر: 8].
هذا الفيء لمن؟ للفقراء المهاجرين الذين هذا ما أصابهم في سبيل الله وصبروا أولئك هم الصادقون.
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ [الحشر: 9] ما هي الدار؟ المدينة.
من الذي تبوأها قبل المهاجرين؟ الأنصار.
 وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا [الحشر: 9] لا يجد الأنصار في صدورهم حقداً ولا حسداً على المهاجرين من الفضل الذي أوتيه المهاجرون، فإن المهاجرين أفضل، لكن الأنصار ما حسدوهم على هذه الأفضلية: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].
والذين جاؤوا من بعدهم، وساروا على هديهم، الذين جاؤوا من بعدهم، التابعين بإحسان وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وهنا يأتي الشاهد الآنوَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر: 10].
 وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا  هذا من دعاء التابعيين بإحسان.
نسأل الله أن يجعلنا منهم، نكون نحن التابعين بإحسان وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا لا تجعل في قلوبنا بغضاء ولا حقداً ولا حسداً ولا غلا ً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10].
ولقد ضرب يوسف -عليه السلام- المثل، ضرب مثلاً عالياً جداً في رفض الحقد من نفسه، تصور وتأمل فيما فعل دلالة على عظم خُلقه ومنزلته وأخلاق نبوته، لقد ظلمه إخوانه ظلماً بيناً عظيماً، حقدوا عليه فماذا فعلوا به؟ حسدوه على هذه المنزلة من أبيه، ظلموه ظلماً عظيماً، منذ الصغر أخذوه من بين أبيه وأمه، وأغلظوا له، واجتمعوا حوله في العراء، لم يردعهم صغر سنه، ولا الغربة والوحشة التي سيكون فيها، ولا توصية أبيهم لهم، حرموه من أبيه وأمه وأخيه الأصغر، وألقوه في غيابة الجب، في ظلمته ووحدته ووحشته لا أنيس، على شفا هلكة، يصرخ ولا يجيب، ما في قلوبهم رحمة في تلك اللحظات، وكانوا سبباً في بيعه واستعباده، صار عبداً ذليلاً، وقد كان حراً عند أبيه.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند
وليس من اليسير على النفس أن تنتقل من حال الحرية إلى حال الذل والعبودية، ولكن ألقوه في غيابة الجب، وصار سبباً في بيعه في سوق مصر، سوق النخاسة، واشتري عبداً ذليلاً.
ثم كانت هذه الغربة سبباً في ابتلائه ووقوعه وذهابه إلى السجن؛ لأنه لما وقع في قوم لا يعرفون قدره كادوا له وسجنوه.
والمسألة كلها متسلسلة هذه الأذية من الأذية الأولى، وهي إلقاء إخوته له بالجب، لما حسدوا حقدوا عليه وفعلوا ما فعلوا.
هذه الأفعال في الشخص العادي ماذا تورث؟ ما هو المتوقع؟
أن تورث الحقد الأسود الدفين عليهم، لكن نفس النبي تأبى هذا، والقلب الصافي لا يمكن أن يحقد، ولذلك لما قدر عليهم يوسف ليس قبل أن يقدر عليهم سامحهم، والمتوقع الآن إنزال أقصى درجات العقوبة بهؤلاء لما قدر عليهم، قال لهم:لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[يوسف: 92] هذا أخلاق الأنبياء.
فإذًا، عندما تتوالى دواعي الحقد في نفس الإنسان، ويُظلم من أقرب الناس إليه، ثم لا يحقد، معناها أنه صاحب دين وإيمان.
فضل سلامة الصدر من الحقد
00:25:47
 وسلامة الصدر -يا عباد الله- هذه مسألة عظيمة، فضلها كبير، وإليكم بعض ما ورد من الأحاديث في مسألة سلامة الصدر؛ روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب مخموم القلب، يعني خممت الشيء إذا كنسته، خممت البيت إذا كنسته مخموم القلب  يعني أنه يزيل ما علق بقلبه أولاً بأول، مثلما تكنس البيت وتزيل ما فيه من النجاسات والقاذورات  كل مخموم القلب، صدوق اللسان  قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال -هذه العبارات الشرعية أعلى الروايات اللغوية- قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد  حديث صحيح [رواه ابن ماجه: 4216، وقال الألباني: "صحيح" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2889].
وفي رواية: خير الناس ذو القلب المحموم الذي يود ويُود، واللسان الصدوق، قيل: وما هو؟ قال: التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد  قيل: فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة، قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن على أثر حسن .
أعلى الدرجات: القلب المخموم الذي لا غل فيه ولا حسد.
وقد بلغ رجل من الصحابة منزلة أن يبشر بالجنة وهو يعيش في الدنيا بين الناس بسبب سلامة صدره؛ في هذه القصة العظيمة التي رواها الإمام أحمد وغيره -رحمه الله- وهو حديث صحيح عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كنا جلوساً مع النبي ﷺ فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة  فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه -ماء الوضوء الماء ينزل من اللحية من أثر الوضوء- قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك -يعني يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺمثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى -ثلاثة أيام متتالية النبي ﷺ يخبرهم عن هذا الرجل المبشر بالجنة- فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمر بن العاص -تبع الرجل- فقال للرجل: إني لاحيت أبي -أنا خاصمت أبي- فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً -ثلاثة أيام- فإن رأيت أن تؤويني إليك -يعني هذه الثلاث- حتى تمضي الثلاث هذه، فعلت، قال الرجل: نعم، مستعد أن آويك في بيتي- قال أنس راوي الحديث: وكان عبد الله بن عمرو يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار -يعني استيقظ أثناء الليل- وتقلب على فراشة ذكر الله -عز وجل- وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً -ما رأيت زيادة صلاة ولا قيام ليل، ما رأيت شيئاً إلا إذا استيقظ من الليل ذكر الله، ما سمعت منه إلا ألفاظ خير فقط، ما في ميزة أخرى- فلما مضت الثلاث الليال وهو ينام عنده كل ليله يرقب أحواله، كل ليلة عندهم في البيت، قال: فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أن أحتقر عمله. قلت: يا عبد الله - مصارحة- يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر -ترى لا أنا خاصمت أبي ولا لاحيت أبي، ما في هجر بيني وبين أبي- إما أن يكون عبد الله بن عمرو استخدم التورية، أو أنه كذب لمصلحة تعلم شيء والكذبة ليس فيها ضرر على أحد، المهم لها تخريج العملية- قال: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ، ما هناك غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة  فطلعت أنت الثلاث المرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل -الصراحة ما شفت منك شئياً زيادة، فما الذي بلغ بك مقالة الرسول ﷺ. فقال الرجل: -قيل هو سعد بن مالك الأنصاري في رواية في سندها ضعف، ولكنه رجل أنصاري-. فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت -ما في إلا الذي ترى يا عبد الله بن عمرو ما في إلا الذي ترى- فلما وليت دعاني. فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً -لاحظ الآن العبارات- لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق" [رواه أحمد: 12697، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"] هذه الخصلة التي جعلتك من أهل الجنة مبشراً بالجنة وأنت في الدنيا، ونحن لا نطيق مثل هذا.
رجل لا يبيت إلا وصدره سليمة على المسلمين، ما عنده غش لأحد، ولا حقد على أحد، ولا حسد على أحد، لأحد مِن من؟ مِن المسلمين.
وبقية صحابة النبي ﷺ مهما حصل بينهم من خلاف كانوا إلى المصافاة مسارعين، وإلى الإخوة وعودتها إليهم كانوا مبتغين، قال علي -رضي الله عنه-: "إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله -تعالى-:وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: 47] [سير أعلام النبلاء: 4/457].
وفي رواية دخل عمران بن طلحة بن عبيد الله على علي -معلوم أن طلحة خرج في الجمل ضد علي، صحابة اجتهدوا في فتنة نمسك ألسنتنا عنهم، بعدما فرغ من أصحاب الجمل دخل ابن طلحة على علي فرحب به، وقال: "إني لأرجو -يقول علي لعمران بن طلحة- إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله:وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ[الحجر: 47] [سير أعلام النبلاء: 3/30].
وجاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي -رضي الله عنه- فحجبه طويلاً، فقال ابن جرموز -يعني يحتج-: أما أهل البلاء فتجفوهم، فقال علي: "بفيك التراب؛ لأن النبي ﷺ قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار [رواه أحمد: 681، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"]، هذا ابن جرموز قتل الزبير، مع أن الزبير اعتزل وخرج ما رضي أن يشترك في المعركة، لكن هذا عمد إليه فقتله، الزبير بن العوام حواري النبي ﷺ.
قال علي لابن جرموز: "بفيك التراب، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ  [الحجر: 47] [الطبقات الكبرى: 3/113].
هذه بعض الروايات الذي ساقها ابن جرير بأسانيده -رحمه الله- وببعضها انقطاع.
والشاهد العام منها يشهد بعضها البعض: أن علياً -رضي الله عنه- كان يقول: "إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم:وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ[الحجر: 47] مهما حصل بينهم من خلاف بسرعة يفيؤون ويرجعون.
وفي ترجمة أبي دجانة الأنصاري هذا مثل آخر ساقه الذهبي في سير أعلام النبلاء، قال زيد بن أسلم: دُخل على أبي دجانة وهو مريض وكان وجهه يتهلل، فقيل له: مال لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين -يعني أرجو بهما الله وأنا على فراش الموت ألقى الله وأنا أرجو ثواب هذين العملين، أحسن أعمالي وأوثق أعمالي، ما هما؟ قال: "كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليماً[سير أعلام النبلاء: 1/243، الطبقات الكبرى: 3/557].
ودرج على هذا الأئمة الأعلام، والعلماء العاملون، والصلحاء والأخيار من هذه الأمة يطهرون قلوبهم من كل حقد وحسد، ولا يجعلون له موضعاً في نفوسهم، مهما حصل، ومهما كانت القصة يسامحون ويغفرون.
وهذا مثلٌ من المتأخرين، قال الذهبي -رحمه الله- في ترجمة الإمام القدوة المجتهد أبي إسحاق الشيرازي قال: وقيل إن أبا إسحاق نزع عمامته وكانت بعشرين ديناراً -يعني عمامة نفيسة- وتوضأ في دجلة، نزل يتوضأ في دجلة وترك العمامة على جنب، فجاء لص فأخذها وترك عمامة رديئة بدلاً منها -ترك عمامة رديئة بدل العمامة الجيدة- فطلع الشيخ فلبسها، وما شعر حتى سألوه -طلع الشيخ فلبسها وما شعر أن هذه العمامة الرديئة وأنها متغيرة- حتى سألوه وهو يدرس، لبسها وجاء للدرس وبدأ يدرس سألوه في الدرس عن عمامته، يعني أشعروه. فقال بكل بساطة: لعل الذي أخذها محتاج.
ولأن الجنة لا يصلح أن يدخلها إلا من كان قلبه سليماً نظيفاً تماماً، فإن الله لا يدخل أهل الجنة الجنة إلا بعد أن ينقوا ويهذبوا، وتكون صدورهم سليمة؛ كما قال الله -عز وجل-:وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ  [الأعراف: 43]، وفي آية أخرى في الحجر: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: 47].
وذكرنا الآية التي فيها دعاء المؤمنين:وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا[الحشر: 10].
قال النبي ﷺ مبيناً هذا صفة أهل الجنة: أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على أثرهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد [رواه البخاري: 3254].
أهل الجنة إذًا -أيها الإخوة- لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد، هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما.
الفرق بين الموجدة والحقد
00:39:47
 -طيب- لو واحد قال: هل يمكن أن لا يقع بين إنسان مسلم وأخيه أي نوع من أنواع الزعل؟ هل يمكن عملياً أنه لا يقع أي نوع من أنواع الزعل بين الناس وبين المسلمين أبداً؟ كيف يعني هذا يؤذيك بكلمة، وهذا يجرحك بتصرف، والنفس حساسة، النفس تتأثر، نحن بشر، أبداً ما نزعل مطلقاً؟
نقول: نعم، هذا لا يمكن في الواقع، نعم نحن مطالبون أن لا نغضب نكظم الغيظ: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134] مطالبين لكن لا يستطيع الإنسان في الحقيقة أن لا يزعل ولا يغضب من أي تصرف مهما حصل من أي واحد.
بل إن الصحابة -رضوان الله عليهم- كان بعضهم يجد على أخيه، يعني يجد في نفسه، وإليك هذا المثل من صحيح البخاري -رحمه الله-: "لما تأيمت حفصة من زوجها -يعني توفي بالمدينة زوج حفصة بنت عمر- قال عمر بن الخطاب الحديث في البخاري: "أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة" طبعاً هذا من عادة المجتمع الأول في بساطته ونظافته، سعيهم للعفاف، كان الرجل يعرض بنته على من يراه مناسباً، ما هو عيب أبداً، وليس فيها شيء مطلقاً، بخلاف حساسية الناس اليوم، يقولون: هذا عيب! عيب أن تعرض أختك أو بنتك على واحد صالح مهما كان! هذه البنت يعني قطعة قماش وإلا سيارة تعرضها وإلا سلعة، الحقيقة أنهم لا يفهمون، لا يعقلون- قال: "فعرضت عليه حفصة" من الذي يقول؟ عمر، عرض على من؟ على عثمان يقول: "فعرضت عليه حفصة" فقال: سأنظر في أمري" أفكر، سبحان الله يعني الآن الناس إذا جاء واحد يخطب من قوم ولا من بيت، يقول: أنا راغب بالخطبة، يقولون: طيب نفكر، أمهلنا وقتاً نفكر، الآن بالعكس يعني، عثمان لما عرضت عليه قال: أمهلني أفكر، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال عثمان: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا" يعني أنا الزواج ليس على بالي، طبعاً عمر لا يقول: تعال أريد واحداً غير متزوج، هو يعرض ابنته على رجل متدين فقط، عثمان متزوج تزوج قبلها، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيء -لا جواب مطلقاً، قال عمر الآن هذا الشاهد: "وكنت أوجد عليه مني على عثمان" [رواه البخاري: 5122] يعني وجدت في نفسي على أبي بكر أكثر مما وجدت على عثمان؛ لأنه ما اعتذر، لا وافق، سكت، عمر وجد في نفسه، هذه القصة لها تتمه مهمة بعد قليل إن شاء الله، لكن الشاهد: أن الصحابة كان يحصل بينهم مواقف، يجد الإنسان فيها على أخيه، يجد في نفسه شيئا، لكن ما ينام إلا ونفسه طيبة، لا يدوم الحقد، أو لا يدوم غضب الإنسان على أخيه، سرعان ما يفيؤون، ويتغافرون.
فإذًا -أيها الإخوة- يصعب أن نقول: لا يمكن لإنسان أن يزعل من تصرف من أخيه أبداً، هذا شيء غير واقعي، في الواقع مخالف، لا يمكن مهما حاولت لا بد أن تفاجأ يوماً من الأيام بتصرف يغضبك أو كلمة تجرحك، لكن ما هو الفرق بين الموجدة وبين الحقد؟
الموجدة: أن يجد الإنسان في نفسه شيئاً من تصرف تصرفه أخوه.
الحقد ما هو الحقد ما الفرق بين هذا وهذا؟
ذكر ابن القيم -رحمه الله- في آخر كتاب الروح في مباحث الفروق الفرق بين الموجدة والحقد، فقال من الفروق: الموجدة: الإحساس بالمؤلم، والعلم به، وتحرك النفس في رفعه. إذا ما تألمت لتصرف يغضبك ما عندك إحساس، طبيعي أن تتألم.
أما الحقد فهو: إضمار الشر وتوقعه في كل وقت، فلا يزايل القلب أثره. دائماً الحقد موجود.
الموجدة مجرد إحساس بالألم والتصرف، الموجدة سريعة الزوال، والحقد بطيء الزوال، لا يكاد يزول، والحقد لما يناله منك، أما الموجدة لما ينالك أنت منه. هذا فرق ثالث.
والحقد –أخيراً-: يجيء مع ضيق القلب، واستيلاء ظلمة النفس، ودخانها عليه -على القلب-، وأما الموجدة يجد الإنسان ويتألم وينجرح مع قوة قلبه وصلابته ونوره وإحساسه.
أكثر الفروق وضوحاً: أن الموجدة تأتي في النفس أثر ثم يزول بسرعة، الحقد الأثر يتفاعل ويزيد ويستقر في القلب، أما الموجدة زعل ينتهي بسرعة، الحقد الزعل يستمر ويتفاعل ويزيد ويتفاقم، ويستقر في القلب، ليس إلى زوال وإنما إلى استمرار.
مجالات الحقد المشروع
00:47:11
 هنا قد يطرح سؤال: هل هناك حقد شرعي؟
الجواب: إن تغير نفس المسلم واحتداده عند رؤية منكر أمر مطلوب، وهناك حقد شرعي أيضاً مطلوب من المسلم أن يحقد.
أما بالنسبة لتغير النفس والاحتداد عند رؤية المنكر؛ فله شواهد كثيرة، ومن ذلك: ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر: "أن النبيﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد -النخامة والنخاعة واحدة تنزل من الرأس والثانية تخرج من الصدر، هذا الفرق بين النخامة والنخاعة، ومنه هذا البلغم، رأى النبي ﷺ نخامة في قبلة المسجد، واحد تفلها وأخرجها في قبلة المسجد، فتغيظ ﷺ، تغيظ، تغير وجهه، احمر وغضب، احتد- تغيظ على أهل المسجد، وقال: "إن الله قِبل أحدكم -يعني في الصلاة الله ينصب وجهه لوجه عبده، فكيف تبصق في القبلة؟ منكر عظيم  إن الله قبل أحدكم فإذا كان في صلاته فلا يبزقن أو قال لا يتنخمن  ثم نزل فحتها بيده[رواه البخاري: 1213] أزالها عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة، هذا تواضع منه ﷺ، هذا فيه دليل على إزالة الأوساخ من المسجد، فحتها بيده.
وقال ابن عمر -رضي الله عنه-: "إذا بزق أحدكم فليبزق عن يساره".
إذًا، الإنسان لو احتاج البزاق في الصلاة يبزق عن يساره لا يبزق عن يمينه؛ لأن عن يمينه ملك، لا يبزق أمامه؛ لأن الله ينصب وجهه لوجه عبده في الصلاة:من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه كما ورد في الحديث الصحيح [رواه أبو داود: 3824، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 284].
ما هو الحقد الذي يجب علينا أن نحقده؟ ما هو مجاله؟
الحقد -أيها الإخوة- طاقة في النفس البشرية ينبغي أن توجه، مثل الكرب، مثل البغض، ما في نفس ما تبغض ولا تكره، الحب والبغض خطان متقابلان في النفس البشرية، الحقد طاقة ينبغي أن توجه في وجهتها الصحيحة.
فنحن نحقد على من؟
يجب علينا أن نحقد، والذي ما عنده الحقد على الكفرة المجرمين الذين يسومون المسلمين العذاب ما عنده إيمان، يجب أن نحقد على الكفرة الذين يحاربوننا في الدين، الله -سبحانه وتعالى- قال من فوائد الجهاد: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: 14 - 15] ما ذمهم على أن عندهم غيظ وحقد في صدورهم على الكفرة.
كفرة قاتلونا، وقتلوا منا، وفظعوا فينا، ارتكبوا الفظائع ثم لا نحقد عليهم، ما فينا دين، لو ما حقدنا عليهم ما فينا دين، لا يمكن أن ننسى الحقد على اليهود الذين فعلوا فينا الأفاعيل، وسلبوا مسجدنا، وقتلوا رجالنا، وانتهكوا أعراض نسائنا، وذبحوا أطفالنا، وارتكبوا كل الجرائم حتى إدخال الفيروسات ونقل الأمراض المعدية السارية، وضعها في خزانات المياه التي يشرب منها المسلمون، إلخ..
لا يمكن أن ننسى حقدنا عليهم مطلقاً، لا يمكن أن ننسى الحقد على النصارى الذين يسومون إخواننا ألوان العذاب، الآن في بلاد البوسنة وغيرها، عندما تسمع أن الصرب قتلوا، شوهوا، قطعوا الأعضاء واغتصبوا النساء، امرأة تتعرض لثلاث وثلاثين اغتصاباً في يوم واحد، ويقطعون قطعة من جلد المسلم ويجبرونه على أكلها وهو لا يزال على قيد الحياة، والكروات النصارى الخونة يجبرون العجائز من المسلمين أن يرمين بأنفسهن من الطوابق العليا في المباني، ثم يتدربون على إطلاق الرصاص عليهن في الهواء، فإذا وصلت المرأة إلى الأرض جثة هامدة أرغموا طفلها أن يصعد على بطنها ويقفز لتخرج الأمعاء من البطن، وبعد ذلك لا نحقد عليهم، ما فينا خير ولا دين.
وإذا لم نحقد على الهندوس الذين يحرقون إخواننا وهم أحياء، وعلى الشيوعيين في طاجكستان الذين يقطعون أذان المسلمين، فيه مسلمين الآن يمشون بدون أذان، وعشرات الألاف الجثث في النهر صار النهر لونه أحمر، وهلك أعداد من المسلمين في الصقيع ماتوا هرباً، إذا كنا لا نحقد على أمثال هؤلاء ما فينا خير، فالحقد في نفوسنا على الكفار باق موجود:  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: 14 - 15].
نحن ننتظر يوما نشفي فيه صدور إخواننا أصحاب هذه المصائب، ونحن إخوانهم في الدين نشاطرهم المصيبة، ونشاركهم الشعور بالمأساة، وإلا ما فينا دين ولا فينا خير.
متى يحل السلام في العالم
00:54:40
 والذين يدعون اليوم للسلام العالمي ويقولون: نتطلع إلى عالم لا يوجد فيه أحقاد، هؤلاء مجرمون كفره؛ لأنهم يريدون بذلك إلغاء الجهاد والقضاء عليه، ويريدون منا أن نتسامح مع الكفرة الذين نكلوا بنا وبإخواننا، أسروا من أسروا، وقطعوا عيش من قطعوا، ورملوا نسائنا، ويتموا أطفالنا، وألقوا بالمسلمين في السجون، ثم يقولون: نتطلع إلى عالم لا أحقاد فيه، وينادون بمبدأ الإنسانية والعالمية، والأخوة الإنسانية البشرية، كفرة مجرمون يريدون هدم الدين ويريدون هدم الشريعة.
متى يحل السلام العالمي؟ متى يحل السلام في العالم؟
والله العظيم لن يحل السلام في العالم إلا عندما ينزل المسيح ابن مريم، وقبل ذلك كله جهاد، ليس هناك شيء اسمه ترك الحقد على الكفار، ما تزول الأحقاد نهائياً من الأرض، اسمع معي: والله لينزلن ابن مريم حكماً عادلاً فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص  -ما أحد يريد من إبل ولو لنفسه ما أحد يريد بها شيئاً- فلا يُسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد  لاحظ  ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد [رواه البخاري: 155].
وفي رواية أخرى صحيحة أيضاً:فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية لماذا يضع الجزية؟ لأن ما بقي في الأرض كافر، ما يقبل منهم من اليهود والنصارى وغيرهم، إما الإسلام أو القتل؟ فلما لا يبقى هناك ملة غير الإسلام، كل الأرض مسلمون، فلا جزية ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير  ما في زكاة لأن ما يحتاج أخذ الزكاة كل الناس أغنياء تؤخذ الزكاة لمن؟ لمن تؤخذ الزكاة؟  وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة حتى العقرب ما تلسع، وليس لها سم  حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتضر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم  لاحظ معي هذا السلام العالمي متى سيحدث بالنص؟ تملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة  لا إله إلا الله، وتكون الكلمة واحدة، وتضع الحرب أوزارها [رواه ابن ماجه: 4077] عند ذلك ينتهي، خلاص، هذا السلام العالمي، وانتهاء القتال من الأرض، وانتهاء الجهاد بهذه القضية، بعد الدجال ويأجوج ومأجوج، وبعد قتال اليهود، وبعد انتهاء كل الملاحم، وقتال الروم، وتصفية كل الكفار من الأرض عند ذلك تضع الحرب أوزارها، أما قبل ذلك الجهاد ماض إلى قيام الساعة، ومبدأ اسمه: مبدأ السلام في العالم لا يمكن أن يحصل، والله غير حانث، لا يمكن أن يحصل؛ لأن المسلمين قلوبهم على الكفرة مملؤة، والظلم حصل علينا وعلى المسلمين وعلى إخواننا حاصل، والثأر من الكفرة واجب، لا بد أن يحصل، والجهاد ماض إلى قيام الساعة.
علاج داء الحقد
00:58:51
 أما بالنسبة إلى معالجة البغض والحقد والشحناء؛ فإن علاج هذا الداء أمر خطير وعظيم، معالجة هذا الداء لا بد أن يكون بقلب المؤمن المستنير بنور ربه، على هدي من الكتاب والسنة. مع الأسف عندما ندير رؤوسنا، ونقلب أبصارنا في بعض مجتمعات المسلمين، حتى المجتمعات التي فيها شيء فيها أشياء من الخير؛ فإن هذه الأوصاف لا تخلو من الحقد، ونسمع دائماً باستمرار عن بعض الذين يدعون الدعوة إلى الله، ويدعون العلم، وهم يثيرون الأحقاد والفتن في المسلمين على المسلمين، وتسمع الطعن والازدراء والطعن والاحتقار من المسلم لأخيه المسلم.
وهذا -والله- دافعه أمران: التعصب، والحسد.
واتباع الهوى الرائد والقائد في هذا، نفوس مريضة، تثير الأحقاد على المسلمين، مع الأسف بأسماء المسلمين، يتسترون بلباس الدعوة والعلم، وهم ينفثون كيدهم وسمومهم في نفوس أهل المجالس لكي يحملوا النفوس ويشحنوها بالحقد على العلماء والدعاة إلى الله، وطلبة العلم.
من أسباب البغضاء في هذه الأوساط، قال ابن رجب -رحمه الله- في جامع العلوم والحكم: "ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين" هذا نقل مهم "ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله" لاحظ معي "كل منهم يزعم أنه يبغض لله، ويطيح، وينزل على المسلمين، ويفري بلسانه في أعراضهم، ويأكل من لحومهم" من لحوم من؟ المسلمين، ويقول: ما هي قضية، هذا بغض في لله.
يقول ابن رجب: "ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذوراً، وقد لا يكون معذوراً، بل يكون متبعاً لهواه مقصراً بالبحث عن معرفة ما يبغض عليه" [جامع العلوم والحكم: 2/267] لازم تفكر ما هو سبب البغض؟ تبغض مسلم لماذا تبغضه؟ قل: لماذا تبغضه؟ ما هو الدليل؟ إذا كان مجرماً، ما هو الدليل على إجرامه؟ إذا كنت ترميه بالبدعة، ما هو الدليل الشرعي على بدعيته؟ إذا كنت تقول: إنه صاحب فواحش وجرائم ففكر في جميع جرائمه وفواحشه؟
قال ابن رجب: "فإن كثيراً من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أن لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعاً، وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرد الهوى والألفة والعادة"[جامع العلوم والحكم: 2/267]، خالفت شيخي أنا أبغضك، لماذا يميل إلى شيخه؟ مجرد الهوى أو الألفة والعادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه.
لاحظ معي واحد مثلاً اضطربت عليه الأمور، قال: ما أدري هذا الأمر يُبغض عليه وإلا ما يبغض عليه؟ قال ابن رجب: "فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهي عنه من البغض المحرم" [جامع العلوم والحكم: 2/267] هذا كلام النفيس ساقه في شرح الحديث الخامس والثلاثين في كتاب جامع العلوم والحكم.
إذًا، اسأل نفسك إذا أنت شعرت ببغض لواحد من المسلمين: ما هو سبب بغضي لفلان وما هو شرعية هذا الإحساس؟ وما هي الأسباب؟
الوسائل المعينة على التخلص من الحقد وعدم الوقوع فيه
01:04:10
 ونحن ينبغي أن ننصح أنفسنا -أيها الإخوة- وخصوصاً الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، قد يظهر منه نوع من التدين لكن عنده بغض وحقد موجود متأصل في نفسه، يمكن أن يمنع نفسه من الزنا والفواحش، ولا يمكن أن يمنع نفسه من الحقد والبغض، ونحن نعلم أنه لن ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، سليم من الشرك والشبهات والشكوك والحقد والغل والحسد والبغضاء.
ومن الوسائل المعينة على عدم الوقوع في الحقد والحيلولة دون دخوله إلى النفس: تجنب مجالس العناصر الحاقدة التي تثير الحقد على الإسلام وأهله، الذين لا هم لهم إلا فري ألسنتهم في أعراض العباد، استهوتهم الشياطين فتركوا اليهود والنصارى وكفرة الديلم والفرس والمرتدين، وأصحاب التغريب والمبتدعة والزنادقة ليقعوا في أعراض المسلمين: فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ[البقرة: 79].
ومن العلاجات المهمة والأمور التي ينبغي الحرص عليها: لا تسمح لمن يتكلم في إخوانك، سد فاه، واطرده من المجلس، أو قم عنه، لا تسمح لمن يتكلم في العلماء الثقات، وأعراض العلماء مسمومة، لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في الانتقام من منتقصيهم معلومة.
ولا تسمح لمن يتكلم في الدعاة إلى الله على المنهج الصحيح، وطلبة العلم الذين يطلبون العلم، علم الكتاب والسنة، ولو أخطأ أحد أهل العلم قل: يغفر الله له، حذيفة لما قتلوا أباه قال: يغفر الله لهم.
وكذلك من العلاجات المهمة: أن لا تنقل كلاماً على إخوانك في الله، لا تنقل كلام شخص لشخص آخر، هذه نميمة، وقد يكون مخطئاً، لكن اترك، النقل فإنه يضر، وهناك حديث في مسند أحمد وأبي داود والترمذي والبغوي والبيهقي، وغيرهم، قال ﷺ: لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر  قال أحمد شاكر في تحقيق المسند: "إسناده حسن على الأقل على بحث فيه" وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع [رواه : 4860، والترمذي: 3896، وأحمد: 3759].
ومن العلاجات التي تساعد في إزالة الأحقاد إذا حصل بينك وبين أخيك شيء، إذا حصلت شحناء بغضاء عداوة: قم بزيارته وجبت محبتي للمتزاورين في [رواه الطبراني في الأوسط: 5795] زره في الله، الزيارة تقرب، ولو ما أزالت الشحناء كلها تزيل بعضها.
ثانياً: المصارحة تحدث في الزيارة واللقاء، إذًا أنت إذا سعيت إلى الالتقاء فيه وزيارته، هذا من علاجات قضية الموجدة التي يجدها أحدنا في نفسه على الآخر.
وقد جاء في قصة أبي بكر وعمر بيان قضية المصارحة، فقد جاء فيها عمر: "وكنت أوجد مني عليه على عثمان" قال عمر: فلبثت ليال بعد كلامي مع أبي بكر الصديق، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر" لاحظ الآن الكلام هذا مهم، يقول عمر: "فلقيني أبو بكر فقال": هذه المصارحة "لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك" أبو بكر يقول لعمر: يا عمر لعلك وجدت علي، أخذت في نفسك موجدة "لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك، وسكت، قلت: نعم" يقول عمر: نعم، الصراحة وجدت في نفسي عليك "قال أبو بكر -رضي الله عنه-: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت" يعني الذي منعني من الجواب والإجابة والكلام "إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها" يعني ذكر حفصة، وصلني خبر خاص أن النبي ﷺ ذكر حفصة، يعني يريد أن يتقدم لحفصة "فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها لقبلتها" [رواه البخاري: 4005] هل بقي في نفس عمر شيء؟ المصارحة مهمة.
وكذلك من علاجات الحقد إزالة الأحقاد: الاعتذار والمعاتبة، المعاتبة على من أخطأ عليه، يعاتب أخاه يقول له: يا أخي أخطأت علي، وجدت في نفسي عليك لما فعلت كذا وكذا، وأنا من باب المصارحة والمفاتحة، ولا أريد أن يبقي في نفسي شيء، برر لي فعلك، أعطني شيئاً، وجدت في نفسي عليك لما فعلت كذا، لا تكتم لأن الكتمان باب الحقد، أول ما تكتم هذا في نفسك يزيد مع الزمن، ويزيد، وكل تصرف زيادة نقطة في الإناء حتى يطفح قلبك بالحقد على أخيك، لا تكتم المسألة حتى تنفجر، صارح أولاً بأول، وعاتب يا أخي، المعاتبة مهمة.
وهناك فرق بين العتاب والتوبيخ، لا توبخ وتعنف، فيه فرق بين العتاب والتوبيخ.
العتاب لطيف بأسلوب مؤدب، مفاتحة تبين لأخيك ما وقع منه تجاهك مما لا يرضيك ومما أغضبك ومما آلمك.
وأما التوبيخ فهو سب وتشهير وتقذيع في الألفاظ، لا يزيد الأمر إلا تعقيداً، ولا يزيد صدر أخيك عليك إلا إيغاراً، ولا يحل المشكلة.
وكذلك من العلاجات: الاعتذار لمن أخطأ، يعني لو واحد عاتبك وأنت عرفت أنك مخطئ ماذا تفعل؟ اعتذر يا أخي، قل: سامحني لعلي أغضبتك، سامحني لم أكن أقصد إغضابك، زلة لساني، والله ليس من قلبي أن فعلت كذا، أو لم أقصد هذا الظن الذي أنت ظننته، لم أقصد بتصرفي في هذا، وإذا أنت أخطأت اعتذر، بين موقفك إذا ما كنت مخطئاً، وإذا كنت مخطئاً اعتذر، لازم نعتذر، الاعتذار مهم.
فيه فن مهم يذكره العلماء يسمى باب في أبواب الأخلاق والآداب: "باب العفو والاعتذار".
هذ الباب مهم جداً أن يطرح لعلاج الأشياء التي تكون بين الأخوة، ولعلنا -إن شاء الله- نأتي عليه، هذا العفو والاعتذار في محاضرة قادمة لعلها تكون عن العفو والاعتذار بين الإخوة؛ لأن هذا موضوع حساس ويزيل كثير من الإشكالات.
ونقول كذلك من العلاجات: قدم هدية: تهادوا تحابوا [رواه البخاري في الأدب المفرد: 594، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 463]، والمحبة تزيل الحقد، وتزيل العداوة والبغضاء.
وأخيرا: الدعاء: قال النبي ﷺ في دعائه: رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي [رواه أبو داود: 1510، والترمذي: 3551، وابن ماجه: 3830، وأحمد: 1997، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 3485] السخيمة: الحقد في النفس.
فمن دعائه ﷺ: واسلل سخيمة قلبي ، فنسأل الله أن يسلل سخائم قلوبنا، وأن يجعلنا سلماً لأوليائه، حرباً على أعدائه، وأن يجعل صدورنا سليمة، وقلوبنا سليمة للمسلمين، لا غش فيها ولا بغي ولا حقد ولا حسد.
اللهم اجعلنا من عبادك الأتقياء الأنقياء الأخفياء.
وصلى الله على نبينا محمد.