السبت 19 ربيع الآخر 1442 هـ :: 5 ديسمبر 2020 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

آداب رحلات الربيع


عناصر المادة
الخطبة الأولى
سماحة الإسلام في الترويح عن النفس
آداب وأحكام الرحلات
منكرات الرحلات
أمور نحتاجها في الرحلات
الخطبة الثانية
سنن الرحلات
الخطبة الأولى
00:00:07

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب70-71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

سماحة الإسلام في الترويح عن النفس
00:01:18

إخواني في الله:

لقد درج الكثيرون في عاداتهم إذا ما جاءت عطلة الربيع، أن يخرجوا إلى البر، أو البادية، للترويح والتمشي، وقضاء أيام العطلة في ذلك المكان، ويخرجون في رحلات عديدة، فمنها ما تكون رحالات للصيد، ومنها ما تكون رحلات للاستجمام والبقاء في البر، وهذه الرحلات على اختلاف أنواعها لا بد من ذكر بعض المسائل المهمة المتعلقة بها، ومناقشة أوضاعها؛ لأنها من القضايا الكثيرة التي تدخل في واقع الناس، والتي يقضي جزء كبير من الناس أوقاتهم خلالها، هذه الرحلات -أيها الإخوة- هذا أوان الحديث عنها؛ لأن موسمها قد جاء.

واعلموا يا إخواني بأن الإسلام -ولله الحمد- دين يسر وسهولة، ودين فسحة كما قال رسول الله ﷺ لبني أرفدة: حتى يعلم اليهود أن في ديننا فسحة[رواه الحارث في مسنده866].

أيها الإخوة:

إن الإسلام لا يمنع مطلقاً من الترويح عن النفس، ولا من قضاء بعض الوقت في الاستجمام والراحة، وإن لنفسك عليك حقاً، كما قال رسول الله ﷺ. وقد كان ﷺ كما ورد في الحديث الصحيح- يبدو إلى التلاع.

إن الإسلام لا يمنع مطلقاً من الترويح عن النفس، ولا من قضاء بعض الوقت في الاستجمام والراحة، وإن لنفسك عليك حقاً، كما قال رسول الله ﷺ. وقد كان ﷺ كما ورد في الحديث الصحيح- يبدو إلى التلاع. رواه أبو داود عن عائشة مرفوعاً.[رواه أبو داود2478]وهو حديث صحيح.

والتلاع هي مجرى الماء من أعلى الوادي إلى أسفله، إذا كان مجرى الماء مرتفعاً ينساب إلى الأسفل فإن هذا الرأس يسمى تلعة، وكذلك ما انحدر من الأرض وما أشرف منها، يعني ما على من الأرض، وأشرف على غيره من الأراضي يسمى تلعة كذلك، وتجمع على تلاع، فكان رسول الله ﷺ يبدو إلى التلاع، قال العلماء في شرح الحديث: والمراد أنه كان يخرج إلى البادية لأجلها. فإذاً رسول الله ﷺ كان له بعض الأوقات يخرج فيها إلى البادية.

واعلموا -أيها الإخوة- أن الخروج أو أن هذا النوع من الخروج من المدن نوع محبب إلى النفس، وفيه ترويح كبير، إذ يتخلص المرء فيه من ضجيج المدن، ومن زحامها، ومن أشغالها الشاغلة، وهمومها، وأكدارها، فيخرج الناس إلى الخارج ليستنعموا بذلك النعيم، وذلك الهواء العليل، والجو الصافي الذي لا تكدره شائبة إلا من عصى الله تعالى فيه.

وهذه فرصة أيها الإخوة أن يتفكر الإنسان في ملكوت الله ، فيرى السماء بصفائها ونجومها، ويتأمل قول الله تعالى: وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍسورة الذاريات47، ويتأمل قول الله اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَاسورة الرعد2، وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِسورة الحـج65، ويرى تلك النجوم التي جعلها الله تعالى منارات في السماء تهدي المسافرين في ظلمات البر والبحر، ويتأمل في تلك الشهب التي تسقط أحياناً، وأنت ترى وتتأمل في السماء الصافية، تجد أن الله تعالى يرسل بعض الشهب على الشياطين التي تسترق السمع وتصعد إلى السماء، فتتذكر قول الله تعالى في سورة الجن: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ۝ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًاسورة الجن8-9، فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌسورة الصافات10، فهذه الشهب -أيها الأخوة- مسار للتفكير والتأمل في آيات الله تعالى المسطورة في الكتاب والمنثورة في الكون، هذه أيها الإخوة، هذا التأمل والتفكر، نوع من أنواع العبادة، تحصل بجلاء لمن خرج إلى البر أو البادية يتأمل في ملكوت الله تعالى، ويتأمل الأرض وانبساطها، وكيف جعلها الله تعالى وذللها للناس حتى يتمكنوا من الانتفاع بها.

آداب وأحكام الرحلات
00:06:13

وإذا ذهبت يا أخي في إحدى هذه الرحلات أو خرجت إلى البر فإن هناك آداباً كثيرة، وأحكاماً عديدة، يغفل عنها كثير من المسلمين، ويظنون بأن الأمر كله لهو ولعب، والحقيقة ليست كذلك مطلقاً، فإن رسول الله ﷺ قد علمنا إذا نزل الإنسان منزلاً، إذا ذهبت إلى البادية، أو إلى البر، أو إلى شاطئ البحر، وأردت أن تنزل هناك فإن هناك دعاءاً، مهماً جداً يحتاج إليه كل نازل في تلك البقعة، وهو قوله ﷺ: من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله. رواه أحمد ومسلم عن خولة بنت حكيم مرفوعاً.[رواه مسلم2708] هذا الدعاء -أيها الإخوة- له أهمية كبيرة، وله مفعول عجيب، وتأمل معي هذه الرواية الأخرى، قال ﷺ في الحديث الصحيح: أما أنه لو قال حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ما ضره لدغ عقرب حتى يصبح[رواه ابن ماجه3518]، فإذاً هذا الدعاء يا إخواني إذا نزل الإنسان في البر أو على شاطئ البحر يذكره، يقوله عند نزوله في ذلك المكان، ويقوله في الصباح والمساء إذا مكث في ذلك المكان، هذا الدعاء حري وكفيل بإذن الله أن يمنع عنك لدغ العقارب والثعابين، وأن يمنع عنك حتى قرص النمل، إلا ما شاء الله تعالى من الغفلة التي تصيب القائل، أو الناسي الذي ينسى هذا الدعاء فيقع به المقدور من الله .

فإذا جلست هناك يا أخي المسلم فإن كثيراً من الناس، أو فإن الناس يتفاوتون، من كان الله تعالى شغله الشاغل، وهمه المهم، فإنه يجعل من خروجه ذلك ورحلته تلك مرضاة لله ، فيقيمها من أساسها كما يرضى الله، يقيمها على تقوى من الله ورضوان، لا يغفل عن ذكر الله، وعن الآداب والأحكام لحظة واحدة، أما إذا كان همه اللهو واللعب، وتضييع الأوقات فإنه لعمر الله في غفلة عظيمة عن مثل هذه الآداب، وهذه الأحكام، فإذا نزلت يا أخي المسلم فإنه يسن لك أن تخصص مكاناً في نزولك تصلي فيه الصلاة، فلو كان معك مجموعة من الخيام مثلاً، فجعلت منها خيمة حسنة يؤذن فيها، وتصلى الصلوات الخمس، فإن هذه حسنة طيبة، تكتب لك عند الله تعالى.

وعندها أيها الأخ المسلم يسن لك أن تؤذن لكل صلاة إذا حضر وقتها، فإن رسول الله ﷺ قال للصحابي يعلمه في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد ومالك والبخاري، قال ﷺ لأحد الصحابة: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة[رواه البخاري609]، فإذن يا أخي تؤذن لكل صلاة في وقتها، وتحرص على المواقيت، فإن الله تعالى يقول: إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًاسورة النساء103.

وإذا كنت قد ذهبت في مسافة سفر فلا حرج عليك إذا نزلت في ذلك المكان، من القصر والجمع، وإن كان قصر الصلاة، وصلاة كل صلاة في وقتها أفضل، والجمع في حال الحركة أفضل، ولكن من ناحية الجواز فإنه يجوز لك أن تقصر وتجمع الصلاة إذا كان رحيلك مسافة سفر في عرف الناس يسمى سفراً.

ويؤذن من القوم أنداهم صوتاً، حتى ولو كان إمامهم أنداهم صوتاً فإنه هو الذي يؤذن، وتحرص على الطهارة، وإسباغ الوضوء على المكاره، كما أمر رسول الله ﷺ ، فإنك يا أخي إذا كنت في البرد وجعلت تتوضأ للصلاة وبرودة الماء تؤلم جسدك، فإن هذا الألم لا يذهب سدى عند الله، إن له أجراً عظيماً، فتتوضأ ولو كان الماء قليلاً، أو البرد شديداً، فإنه يجوز لك أن تتوضأ مرة مرة، فتغسل وجهك مرة، وتغسل يديك مرة، وتغسل القدمين مرة، وهكذا يجوز لك أن تتوضأ مرة مرة، والأفضل أن تكون ثلاث مرات.

وكذلك يواجه بعض الراحلين إلى تلك الأمكنة حالات يضطرون معها إلى غسل الجنابة، وهذه قضية مهمة، فإنه كما قال لنا علماؤنا عندما سألناهم عن هذه المسألة: أن الناس إذا ذهبوا إلى البر ونصبوا خيامهم هناك فإنه يجب عليهم أن يهيئوا مكاناً للغسل، مكاناً محاطاً من جميع الجوانب، مسقوفاً، حتى لا تؤذي الريح الباردة المغتسل إذا اضطر لغسل الجنابة بعد احتلام في الليل مثلاً، يجب عليهم أن يهيئوا من المكان، أو الماء الساخن ما يسهل لهم أمر الاغتسال، هذا يجب وجوباً لا تساهل معه مطلقاً، أما لو فرض بأنك ما استطعت لأي سبب أن تغتسل وأنت جنب فإنه يكفيك أن تتيمم، هذه رخصة في حالة الضرورة فقط، وإلا فإن الأصل الاغتسال حتى ولو كنت في البر.

وكذلك من الأحكام المسح على الجوربين، يوماً وليلة للمقيم، إذا كانت المسافة التي ذهبت إليها أقل من مسافة السفر، وثلاثة أيام بلياليها إذا كانت المسافة مسافة سفر.

وبعض الناس قد يتساءلون: هل يجب عليَّ إذا ذهبت مسافة سفر، ونزلت بجانب إحدى القرى أن أذهب إلى تلك القرية إذا حان وقت صلاة الجمعة، كالذين يذهبون مثلاً بجانب النعيرية، ويجلسون هناك، هل يجب عليهم إذا جاء يوم الجمعة أن يصلوا الجمعة ويذهبوا؟

الجواب: بما أنك مسافر فإنه لا يجب عليك الذهاب، ولا يجب عليك إلا صلاة الظهر فقط، ولكن إن ذهبت إلى ذلك المكان فصليت في مسجد الجمعة مع المسلمين فإن لك أجراً عظيماً، يكتب عند الله تعالى، فإذا حرصت عليه يا أخي المسلم فهذا من طيب نفسك، وقوة الإيمان فيها.

وكذلك يجب على المسلمين أن يحرصوا في تلك الأمكنة على الاستيقاظ لصلاة الفجر، فإن كثيراً منهم يسهرون سهراً في البر يضيع عليهم صلاة الفجر، فيجب عليهم أن يصطحبوا معهم منبهاً من هذه الساعات حتى يوقظهم لصلاة الفجر، ويناموا مبكرين كذلك، ولو غلب على ظنهم بأنهم لن يستيقظوا مع وجود هذه الأشياء، فإن من السنة أن يستيقظ واحد منهم لليل حتى يوقظ أصحابه لصلاة الفجر، ولو رأوا المصلحة أن يتناوبوا على الاستيقاظ، كل واحد منهم، أو بعضهم في الليل يوقظ بعضهم بعضاً حتى يكون آخرهم يوقظهم لصلاة الفجر، فهذه مسألة حسنة، كما ذكر بعض علمائنا.

المهم -أيها الإخوة- الحرص على الصلاة في وقتها، ولا يكون وجودنا في البر الموقظ لنا هو حرارة الشمس، كما يقع للكثيرين ولا حول ولا قوة إلا بالله، يجب أن نستيقظ لصلاة الفجر، وأن نحافظ على جميع الصلوات.

والصلاة في الجماعة لها أجر عظيم، ولا سيما إذا كانت في البر، فيقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمساً وعشرين درجة، فإذا صلاها بأرض فلاة ، بر أو بادية فأتم وضوءها وركوعها وسجودها بلغت صلاته خمسين درجة[رواه عبد بن حميد976]. بلغت صلاته في أرض الفلاة خمسين درجة، كما قال المناوي رحمه الله، المقصود في الجماعة، فإذا صليت الصلاة في الجماعة في البر فإن فيها خمسين درجة تكتب لهذا المصلي؛ لأن عبادة الله في تلك الأمكنة الخالية، وتذكر الله تعالى في تلك الأراضي المقفرة يدل على تأصل الإيمان في النفوس؛ ولذلك جعل فيها هذا الأجر العظيم، فإن الأرض يا إخواني تشهد بما عمل عليها يوم القيامة، تشهد بما عمل عليها في الدنيا من الخير والشر، وهذه الأرض تخبر ربها بما عمل عليها بنو آدم من الخير والشر.

وكذلك فإن من السنة أن يصلي الإنسان على الأرض مباشرة إن استطاع، لو استطاع وكانت حرارة الأرض مقبولة فإنه من السنة أن يصلي عليها مباشرة من غير بساط إن استطاع، ويلامس جلده الأرض، فإن رسول الله عليه السلام قال: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً[رواه البخاري335]، ورسول الله عليه السلام كان يصلي في مسجده، يصلي على الحصباء، وعلى الحصى بغير حائل بينه وبين الأرض، وسجد في رمضان في ماء وطين حتى رؤي الماء والطين في جبهته، وكذلك يشهد لهذا المعنى حديث رسول الله ﷺ الصحيح الذي رواه الطبراني مرفوعاً: تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة[رواه الطبراني في الصغير416]، والمقصود بالتمسح هنا ملامسة جسد المصلي للأرض حين الصلاة، تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة[رواه الطبراني في الصغير416] يعني: تبركم كما تبر الأم ولدها، لماذا شبه عليه السلام الأرض بالأم بالنسبة لنا؟ لأنها منها خلقنا، خلقنا من الأرض، فصارت كأنها أمنا، فنتمسح بها في الصلاة، نسجد عليها ونلامسها، ونشعر بذلك الحنين إلى هذه الأرض التي منها خلقنا وإليها سنعود، فإذا صلى الإنسان على الأرض، فإنه لا يعبث بمس الحصى، وتسوية الأرض إلا مرة واحدة، كما قال عليه السلام في الحديث الصحيح: لا تمسح وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة[رواه أبو داود946]، فقط تسوي بها الأرض أثناء الصلاة، إن احتجت إلى ذلك.

وكذلك فإنه يتهيأ لك في البر، وفي الخلاء، أن تطبق سنناً قد لا تستطيع أن تطبقها في المدينة، مثل الصلاة في النعال، أدلك نعليك بالأرض، طهرها بهذا التراب الطهور، ثم صل فيها، فإن رسول الله عليه السلام قد قال: خالفوا اليهود وصلوا في نعالكم[رواه البزار3480]، واليهود لا يصلون في نعالهم، ونحن أمرنا بالمخالفة، فنصلي في نعالنا، فهذا الحكم قد لا يتسنى لنا تطبيقه في هذه المساجد المفروشة بالسجاد الآن؛ لأن فيها إتلافاً للسجاد، وأذى، وتأذية للمصلين، فأما في البر فإنك تستطيع أن تطبق هذه السنة فاحرص عليها.

وكذلك التفل تحت القدم اليسرى إذا وسوس الشيطان لك في الصلاة سنة أخرى أخبر بها رسول الله ﷺ، إذا جاء الشيطان يوسوس إلى أحدنا في الصلاة فليتفل تحت قدمه اليسرى ثلاثاً، فإن هذا يذهب كيد الشيطان ووسوسته.

واحرصوا على الصلاة جماعة لمن ذهب إلى هناك، ولا بأس أن تصلي النساء مع الرجال خلفهم في صفوف منفصلة عنهم، وفي هذه الحالة لا ينصرف الإمام، ولا يلتفت إلى المأمومين، ولا ينصرف المأمومون من الرجال حتى ينصرف النساء إذا صلوا جماعة مع بعضهم، حتى لا يرى الرجال النساء، كما كان رسول الله ﷺ يفعل.

وكذلك يفعل كثير من المسلمين عبادة يغفلون عن كونها عبادة، فإن بعضهم قد يذبح الذبائح ليأكل منها، ويغفل عن كون الذبح عبادة عظيمة فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْسورة الكوثر2، يجب استشعار أن هذا الذبح لله عز وجل، عندما تذبح لتأكل لا يكن همك التمتع بالذبيحة وسلخها وتقطيعها، وطبخها وأكلها، ولكن تذكر أيضاً بأن ذبحها عبادة لله ، عبادة عظيمة، وعليك القيام بآداب الذبح الكثيرة الواردة، قال ﷺ: من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة[رواه الطبراني في الكبير7915]. حديث صحيح.

منكرات الرحلات
00:20:14

واعلموا -أيها الإخوة- إنه يقع منكرات كثيرة في ذهاب بعض الناس إلى البر، فمنها: اختلاط الرجال بالنساء، وهذه مفسدة كبيرة لا يعلم عظمها إلا الله ، يجب أن يكون النساء منفصلين عن الرجال، في خيام منفصلة، ليس هناك اختلاط بينهم، وإن دعت الحاجة أن يذهب الرجل ليكلم امرأته، أو أخته، أو أمه مثلاً، فإنه لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يدخل في خيمة النساء وهناك نساء أخريات أجانب، مثل زوجة الأخ، أو بنت العم، أو بنت الخال، هؤلاء النساء أجنبيات عنك، لا يجوز لك أن تدخل عليهن في الخيمة وهن غير متحجبات، فإذا أردت زوجتك مثلاً فعليك أن تناديها من خارج الخيمة، أو ترسل ولداً صغيراً ولا تدخل كما يفعل الجهلة العصاة لله عز وجل الذين يتوسطون خيام النساء وهن متبرجات، لا يضعن الحجاب.

وكذلك يحدث من المنكرات: التساهل في قيادة المرأة للسيارة في البر، فإن كثيراً من الناس يسلمون سياراتهم لبعض النساء لكي يسوقوها، وقلت في كلامي: التساهل، وأعني هذه العبارة، لماذا؟ لأنه يحدث من المنكرات أن تذهب المرأة بالسيارة، وتواعد رجالاً وشباباً أجانب في مكان آخر فتذهب إليهم وتقع المصائب ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيجب الحذر والانتباه، وأن لا تسلم المرأة السيارة هناك إلا إذا ضمنت أنها لن تعمل عملاً محرماً مطلقاً.

وكذلك من المنكرات التي تقع: السهر في معصية الله، فتجد الناس يضيعون الأوقات في الغناء والطرب، وتجلس أحياناً تسمع قرع الدفوف والطبول في ساعات متأخرة من الليل، والغناء والموسيقى ترفع على أعلى الأصوات إلى قبيل صلاة الفجر، ثم ينام العصاة الفسقة، ويضيعون صلاة الفجر، وأنت يا من تحرص على الخير لا تستطيع أن تذكر الله بأمان وسلام من أذى أولئك الجهلة والفسقة.

عندما يخرج الناس إلى البر -أيها الإخوة- نعم هي استجمام، وتروح، وتطييب للنفس، ولكن ليس المعنى أن نعصي الله تعالى هناك أيضاً، حتى البر لم يسلم اليوم من أذى العصاة والفسقة الذين يصطحبون معهم آلات اللهو، ويقع الاختلاط بينهم، وربما اصطحب بعضهم معهم مشروبات محرمة، لا يتقون الله تعالى لا في المدن ولا في البر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أمور نحتاجها في الرحلات
00:22:58

وينبغي أن يحرص الأخ المسلم على اصطحاب بعض الأشياء المفيدة، مثل بعض الكتب البسيطة، كتاب في الفقه ترجع إليه إذا احتجت إلى مسائل، كتاب في الأذكار تذكرك بأذكار الصباح والمساء، والنوم، والاستيقاظ، والخلاء، وغير ذلك من الأذكار المستحبة، وأن تصحب الرفقة الصالحة الطيبة، هذه من الأمور المهمة، حتى في البر أنت تعبد الله، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِسورة الذاريات56، ليعبدون في البر، أو في المدن، أو على شاطئ البحار، يجب أن نعبد الله أينما كنا، حتى هذا الاسترواح، وهذا الارتياح، وهذا التنعم، أن ننوي به القيام بحق أنفسنا للتنشط على طاعة الله .

وفقنا الله وإياكم لأن نطيعه حق الطاعة، وأن يجنبنا المعاصي والفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على سيدنا محمد.

الخطبة الثانية
00:23:58

الحمد لله الذي لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الرسول المصطفى صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء، أفضل الصلاة وأتم التسليم.

سنن الرحلات
00:24:06

أيها الإخوة:

ومما يجدر الانتباه إليه في الخلوات وفي هذه الرحلات، وفي مثل هذا الخروج إعطاء الجيران حقوقهم، فقد تجد بجانبك أو على مقربة منك بعض الجيران الذين ذهبوا في مثل الغرض الذي ذهبت إليه، فرسول الله عليه السلام أوصى عند طبخ اللحم بإكثار المرقة لكي يهدى إلى الجيران من ذلك الطبيخ الذي يطبخه الإنسان، فالتعرف عليهم، وإسداء المعروف لهم قد يقع بعضهم في حاجة، قد تقع سيارته في حفرة، قد يطلب منك معونة فلا تتأخر عن مساعدة جارك وهو جارك حتى ولو كنت في البر.

وكذلك دلالة المسترشد الذي يكون في البر فيتيه، فترشده إلى الخط المسفلت مثلاً، أو إلى المكان الذي يريد أن يذهب إليه، من أعظم الصدقات عند الله .

وكذلك من السنن إذا نزل عليك المطر وأنت في الخلاء في البر فاكشف ذراعيك، واكشف عن أجزاء من جسدك حتى يصيبها المطر؛ لأن رسول الله ﷺ كان يفعل هذا، وكان يقول: إنه حديث عهد بربه[رواه مسلم898]، وهذه المسألة عامة في المدن والبراري، ولكن قد يحدث هناك شيء من هذا فنذكر بحكمه.

وآداب النوم والاستيقاظ كثيرة لا بد من تذكرها حتى ولو كنت هناك، ومنها قوله عليه السلام: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزراه، فإنه لا يدري ما خلفه عليه[رواه البخاري6320]. والهوام والحشرات في البر كثيرة، هذا الأدب في النوم، الأدب النبوي يساعدك على الوقاية من الآفات، فالسنة أن تنفض فراشك قبل أن ترقد عليه.

وكذلك ذكر الله عند كل شجر وحجر من الآداب كما قال ﷺ، وكذلك آداب الغائط، الذهاب إلى الخلاء، "كان عليه السلام إذا أراد المذهب أبعد"[رواه أبو داود1]، أبعد حتى لا يراه الناس، ولا يرفع ثوبه إلا إذا دنا من الأرض، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، وهكذا، ويتعوذ بالله من الخبث والخبائث، ولا يتخلى في طريق الناس ولا ظلهم؛ لأنها ملاعن، إذا رأى الناس من يتخلى في ظلهم فإنهم يلعنونه، فإذا تخليت في ظل الناس، وفي الطريق آذيتهم وجلبت إلى نفسك لعنتهم، وكذلك بعض الناس يوقد النار في البر، فإذا أردت أن تنام فلا تبق النار في خيمتك، فإن رسول الله عليه السلام قال: النار عدو فاحذروها[رواه أحمد5641]، وأمر بإطفائها عند النوم.[رواه ابن ماجه3770].

وبعض الناس يذهب في رحلات القنص والصيد، فيجب عليه أن يتأمل قول رسول الله عليه السلام في الحديث الصحيح: من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن[رواه أحمد8836]، حديث صحيح، فلا يكن كل الشغل الشاغل هو تتبع الصيد، ليكن هنالك أوقات لذكر الله تعالى، الصيد حلال، والصحابة قد اصطادوا أمام الرسولﷺ، والرسول أكل من الصيد، وهناك آداب كثيرة، المهم أن لا يغفل الإنسان عن عباده الله، وعن أوقات الصلوات، وهو يتتبع الصيد، كما أنه يحذر من تعذيب الحيوانات، أو اصطيادها لغير حاجة، بعض الناس يصطاد ثم يرمي، هذا من العبث الذي قال فيه ﷺ: إن أعظم الذنوب عند الله رجل تزوج امرأة، فلما قضى حاجته منها طلقها وذهب بمهرهاأخذ المهر، ورجل استعمل رجلاً فذهب بأجرته أكل عليه الأجرة، وآخر يقتل دابة عبثاً[رواه الحاكم2743]حديث حسن، لا للاستفادة، بل عبث.

وكذلك فإن رسول الله ﷺ لعن من مثل بالحيوان، وما يحدث من بعض الناس أنه يجعل حيواناً من الحيوانات مناطاً لتدريب صقره بحيث يعذبه، وينهش الصقر من لحمه وهو حي، هذا من العبث الذي لا يرضاه الإسلام، والرفق بالحيوان ينهى عن هذا.

وللصيد أحكام كثيرة ليس هذا مجال ذكرها، وإنما يجب لكل من ذهب إلى الصيد، أو القنص أن يتأمل، ويقرأ، ويسأل عن أحكام الصيد.

وكذلك قتل الأوزاغ فيه أجر عظيم، هذه الوزغة يسن قتلها، فإذا رأيت وزغاً فاقتله، فإنه عليه السلام قال: من قتل وزغة في أول ضربة كتب له مائة حسنة[رواه مسلم2240]إلى آخر الحديث.

لماذا نقتل الوزغ؟

أيها الإخوة: إنه سر عظيم، قال ﷺ: إن إبراهيم لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ[رواه ابن ماجه3231]، كل الحيوانات كانت تنفخ عن النار لكي تطفئها لما ألقي إبراهيم فيها إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه النار؛ فلذلك أمر عليه السلام بقتلها، وهذه أحاديث صحيحة.

وكذلك يقتل العقرب، والحدأة، والغراب، والكلب العقور، وكل حيوان مؤذ، وخصوصاً الحيات في البر فإنها تقتل جميعاً؛ لقوله عليه السلام: من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالمناهن منذ حاربناهن[رواه أبو داود5250]. رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث صحيح، وقال عليه السلام: من رأى حية فلم يقتلها مخافة طلبها فليس منا[رواه الطبراني في الكبير6425].

والحيوانات التي لا تقتل كثيرة منها أربعة: النمل، والنحل، والهدهد، والصُرّد، نهى رسول الله عليه السلام عن قتلها، لا يجوز قتل النمل إلا إذا كان مؤذياً، أو أتلف طعامك، فإنك تتخلص منه، أما إذا كان لا يؤذي فإنه لا يجوز لك أن تقتله.

وتتبع الكمأة التي يسميها العامة بالفقع، هذه فيها فائدة، يقول عليه السلام: الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين[رواه البخاري4478]، فإذا وجدتها في تلك البراري فكل منها، واغلها بالماء واشرب ماءها، أو ضعه في العين فإنه يشفي العين.

وكذلك الاهتمام بالخدم الذين يذهب بهم بعض الناس، يذهب خادمه معه في البر، الرسول عليه السلام أوصى بالخدم فقال: إذا جاء خادم أحدكم بطعامه فليقعده معه، أو ليناوله منه، فإنه هو الذي ولي حره ودخانه[رواه ابن ماجه3291]. هذا الخادم المسكين الطباخ هو الذي جلس أمام النار والحر والدخان، فيجب عليك إذا جاءك بالطعام مطبوخاً إليك أن تقعده معك، وأن تناوله من هذا الطعام، هذا من الأدب مع الخدم.

والآداب -أيها الإخوة- كثيرة، والمقصود من إيرادها أن نعلم أننا مسلمون قبل كل شيء، وأننا حيث ما حللنا، وارتحلنا، وذهبنا، وأقمنا، ومكثنا، فإننا نعبد الله تعالى أولاً وآخراً، ونقوم بالآداب كاملة، نحرص عليها؛ لأن هذه أيها الإخوة إذا قصدنا فيها العبادة فهي عبادة، هكذا نعبد الله تعالى في الحل والترحال.

اللهم صل على نبيك محمد صلاة وسلاماً إلى يوم الدين، اللهم وقنا شر أنفسنا، اللهم وارزقنا اتباع السنة والموت على العقيدة الصحيحة، وأن نخافك بالشهادة والغيب، وأن نقوم بحق عبادتك يا رحمن.

وصلى الله على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه الحارث في مسنده866
2 - رواه أبو داود2478
3 - رواه مسلم2708 
4 - رواه ابن ماجه3518
5 - رواه البخاري609
6 - رواه عبد بن حميد976
7 - رواه البخاري335
8 - رواه الطبراني في الصغير416
9 - رواه الطبراني في الصغير416 
10 - رواه أبو داود946
11 - رواه البزار3480
12 - رواه الطبراني في الكبير7915
13 - رواه مسلم898
14 - رواه البخاري6320
15 - رواه أبو داود1
16 - رواه أحمد5641
17 - رواه ابن ماجه3770
18 - رواه أحمد8836
19 - رواه الحاكم2743
20 - رواه مسلم2240
21 - رواه ابن ماجه3231
22 - رواه أبو داود5250
23 - رواه الطبراني في الكبير6425
24 - رواه البخاري4478
25 - رواه ابن ماجه3291