السبت 18 ذو القعدة 1440 هـ :: 20 يوليو 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

التحذير من الخدعة الكبيرة


عناصر المادة
الخطبة الأولى
الدنيا فتنة
عبادة الله خير من الدنيا وما فيها
الدنيا دار بلاء
الصحابة وتعاملهم مع الدنيا
الخطبة الثانية
الكفاف نعمة
الدنيا ضرة الآخرة
الخطبة الأولى
00:00:07

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ سورة آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء:1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا سورة الأحزاب:70-71.

أما بعد:


الدنيا ظل زائل

00:01:12

عباد الله، فإن الله سبحانه وتعالى خلقنا في هذه الدنيا لعبادته، وجعل هذه الدنيا ابتلاءً لنا ومحنة، وجعل ما فيها من أنواع المتع اختباراً وامتحاناً لعباده، وحتى لا يغتر العباد بقيمة هذه الحياة الدنيا، ولا يغتروا بما فيها من أنواع المتع والملذات، وحتى لا تشغلهم هذه الملذات وفتنة الدنيا عما خلقوا من أجله، حذرهم الله تعالى من فتنة الدنيا، وبين لهم حقيقتها، فقال الله عز وجل: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا أي: يابساً متكسراً متفتتاً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ يعني: تفرقه وتنسفه لخفته، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا سورة الكهف:45.

وقال الله عز وجل: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلً اسورة الكهف:46، وقال الله تعالى: أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ سورة التوبة:38، إنه تحذير من الله تعالى للذين يركنون إلى هذه الحياة الدنيا، يقول لهم: أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ، هل اطمأننتم إليها؟ هل انشغلتم بها؟ هل تظنون أنكم ماكثون فيها أبداً؟. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ سورة الحديد:20، وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ سورة العنكبوت:64، ومعنى لَهِيَ الْحَيَوَانُ يعني: هي الحياة المستقرة الدائمة، وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ سورة القصص:60.

 

الدنيا فتنة
00:04:18

إن ما في هذه الحياة الدنيا من أنواع الزينة هو فتنة للناس، إنه يشدهم ببهرجه، إنه يشغلهم بمنظره وبهجته، إنه يشغلهم بمتعته ولذته، قال الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ المعلمة المطهمة، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ أي: المزروعات، ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ سورة آل عمران:14، لماذا سميت الدنيا بالدنيا؟ الدنيا من الدنو، الدنيا عكس العليا، نحن نعيش في الدنيا، نحن نعيش في هذه الحياة الدنية، الناقصة، القصيرة، الفانية، نعيش في هذه الدنيا؛ ولذلك فإن نظر المسلم يتطلع دائماً وأبداً إلى الآخرة، لا ينشغل بما في هذه الدنيا من الزخارف.

إن الدنيا حلوة خضرة، حتى لا يقول أحد: إن الدنيا ليس فيها متاع ولا بهرج، يقول النبي ﷺ:  إن الدنيا حلوة خضرة  أي أن فيها فتن فيها ملذات، فيها جمال، فيها ما يشغل ويلهي، إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء [رواه مسلم (2742)]رواه مسلم.

لقد مثل لنا النبي ﷺ الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة بمثل عجيب، فقال ﷺ: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم، فأدخل أصبعه فيه فما خرج منه فهي الدنيا [رواه الحاكم (7898)]،اغمس إصبعك في البحر، ثم أخرجه فما علق به من النداوة هو نسبة الدنيا إلى الآخرة، نسبة ما علق من النداوة إلى ماء البحر.

 

اغمس إصبعك في البحر، ثم أخرجه فما علق به من النداوة هو نسبة الدنيا إلى الآخرة، نسبة ما علق من النداوة إلى ماء البحر.

 

كان النبي ﷺ حريصاً على أن يحرر الأمة من أسر الدنيا ويقول لهم: إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً [رواه ابن ماجه (4112)]، فالذي في الدنيا ملعون؛ لأنه يشغل عن طاعة الله إلا ما كان من طاعة الله:  إلا ذكر الله وما والاه ، إلا نكاحاً يستعين به على العفة، أو مالاً يستعين به على الصدقة والصلة، والنفقة الواجبة، أو راحة يقوم بعدها للعبادة: إلا ذكر الله وما والاه ، وما كان تابعاً له وما خدمه، أو عالماً ومتعلماً ، فضل العلم وأهل العلم.

وكان النبي ﷺ يضرب المثل القولي والمثل الفعلي للدنيا، "فمر رسول الله ﷺ مرة بالعالية -وهي ناحية بالمدينة- فمر بالسوق، فمر بجدي أسك -صغير الأذن- ميت، فتناوله فرفعه، فقال: بكم تحبون أن هذا لكم؟  قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء"، ولا بأي شيء، "وما نصنع به؟ قال: بكم تحبون أنه لكم؟  قالوا: والله لو كان حياً لكان عيباً فيه أنه أسك، فكيف وهو ميت؟! قال ﷺ: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم "[رواه أحمد (14513)]الدنيا بكل ما فيها، من المصانع، والمزارع الضخمة، والعمارات الشاهقة، والمخترعات، الدنيا بكل ما فيها اليوم أهون على الله من جدي ميت صغير الأذنين على أهله.

ثم إن النبي ﷺ ضرب المثال تلو المثال في توضيح هذه القضية إصراراً منه ﷺ على أن تكون المسألة حية في حس الناس، قال: إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلاً للدنيا  الطعام الذي نأكله في دخوله وخروجه مثل للدنيا، قال ﷺ: وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير  [رواه أحمد (20733)]، فهات أشهى طبق من أطباق الطعام في الدنيا بعد تحسينه وتمليحه ماذا يصير عند خروجه من الطاعم الآكل، ماذا يصير برائحته، وبمظهره ومنظره، ماذا يصير؟ هكذا الدنيا.

 

عبادة الله خير من الدنيا وما فيها
00:10:40

وكان النبي ﷺ حريصاً على أن يبين لنا أيضاً أن العبادة أهم من الدنيا وما فيها، وأن الشيء اليسير من الجنة أغلى وأعلى من الدنيا وما فيها، فقال ﷺ: رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله  في أول النهار، الروحة  أو الغدوة  في آخر النهار،  أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها  [رواه البخاري (2892)]، وقال ﷺ: لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم  موضع القوس، أو موضع قدمه في الجنة خير من الدنيا وما فيها  موضع قدم في الجنة، موضع قدم خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما  ما بين السماء والأرض  ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها [رواه أحمد (13368)] رواه الإمام أحمد، وهو حديث صحيح، من أجل ذلك كان أدنى أهل الجنة منزلة، أدنى شخص في الجنة منزلةً، آخر شخص يدخل الجنة أدناهم منزلة من له مثل الدنيا أضعافاً مضاعفة، جاء في الحديث الصحيح: أن موسى عليه السلام سأل ربه فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربِ كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربي، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله، ومثله ومثله، فيقول في الخامسة: رضيت ربي ، رضيت، كان راضياً بملك ملك من ملوك الدنيا، فأعطاه خمسة أمثاله، فيقول: رضيت ربي، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت ربي ! هذا أدنى شخص في الجنة! أدنى شخص، خمسة أمثال ملك من ملوك الدنيا، ثم اضرب في عشرة، وبالإضافة إلى ذلك له ما اشتهت نفسه، ولذت عينه  قال موسى لله تعالى: رب فأعلاهم منزلة؟  من هو أعلى أهل الجنة إذن منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر [رواه مسلم (189)].

ولذلك كانت غمسة واحدة في الجنة تنسي كل ما مر بالعبد من شقاء الدنيا، فقال النبي ﷺ: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار  أنعم واحد كان في الدنيا منعماً، وهو في الآخرة من أهل النار، يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة  صبغة واحدة،  ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب  ما مر بي نعيم قط، ولا رأيت خيراً قط،  ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة  فقير مستضعف، ذو طمرين لا يؤبه له، مدفوع بالأبواب، ربما مات من جوعه، يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت من بؤس قط؟  هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط [رواه مسلم (2807)] رواه مسلم، فصبغة واحدة في الجنة أنسته كل ما مر به في الدنيا من أكدار وهموم، وآلام وفقر، ومصائب وعري، أنساه كل شيء.

 ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها [رواه مسلم (725)]، ركعتان فقط خير من الدنيا وما فيها.

وكان النبي ﷺ يضرب المثل لأصحابه، وبالإضافة إلى ذلك يعقد المقارنات، فلما وزع الغنائم على المؤلفة قلوبهم بعد غزة حنين حزِن بعض الأنصار أنه لم يعطهم شيئاً، فجمعهم ﷺ، وألقى بهم خطبتهم المؤثرة التي بكوا بعدها حتى بلوا لحاهم، قال لهم في تلك الخطبة: " أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله ﷺ؟  قالوا: بلى" [رواه البخاري (4332)]، وفي رواية للبخاري أيضاً: " أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟  قالوا: بلى" [رواه البخاري (4334)]، فالدنيا في كفة، ورسول الله ﷺ في كفة، ورسول الله ﷺ أحب إلى المؤمنين من الدنيا وما فيها.

 

الدنيا دار بلاء
00:17:23

لما كانت الدنيا بالنسبة للمؤمنين في الغالب دار مصائب وآلام، واختبار وامتحان؛ لأن الواحد يعاني من الشدة وهو يرى هذه الفتن أمامه ثم يصبر، فالمؤمن إما أن يكون مبتلىً بأذى العدو نتيجةً للتمسك بدينه، وكذلك يكون مبتلىً بوطأة الدنيا على حسه وهو يقاومها ويدافعها، هذا فيه شدة على النفس، ولما كانت الدنيا هي كل شيء بالنسبة للكفار، ومنتهى آمال الكفار، فهم لا يرجون وراءها شيئاً؛ لأجل هذه الأسباب قال النبي ﷺ: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر [رواه مسلم (2956)].

ولما سأل أزواج النبي ﷺ الزوج الكريم النبي المعصوم سألوه الزيادة في النفقة أنزل الله آية التخيير، طالبوه بمزيد من المال؛ فأنزل الله آية التخيير، ما هي آية التخيير؟ قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًاسورة الأحزاب:28 أعطيكن من المال ما شئتن، ثم أفارقكن، أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ سورة الأحزاب:28-29، قال في الآية الأولى: إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، وفي الآية الثانية: وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا سورة الأحزاب:29، فرضِين بقلة النفقة، ورضين بما كان، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فلذلك هن زوجاته في الآخرة ﷺ، فلا يحل لأحد أن ينكحهن من بعده، لما كان الدنيا فتن، وكانت الدنيا بهرج، وكانت الدنيا زينة أوصى النبي ﷺ بالتقلل منها، وقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور [رواه ابن ماجه (4114)]، وكان ﷺ مثلاً في هذا، فلما دخل عليه عمر في قصة الإيلاء، وكان ﷺ على حصير ما بينه وبينه شيء، ما بينه وبين الحصير شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، يعني من جلد حشوها ليف، وإن عند رجليه قرضاً مضبوراً، أي مجموعاً، وعند رأسه أُضباً معلقة، وهو الجلد غير المدبوغ، فرأى عمر أن الحصير أثر في جنب النبي ﷺ؛ فبكى، فسأله ﷺ: ما يبكيك؟  فقال: "يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه" من النعيم، "وأنت رسول الله!" على الحصير؟ فأجابه ﷺ بالعبارة الذهبية: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ [رواه مسلم (1479)]حديث صحيح.

وكان ﷺ يقول: ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من النهار، ثم راح وتركها  [رواه أحمد (2739)]حديث صحيح، وكان ﷺ يرفض وجود الأشياء في بيته التي تشغله عن الله وذكره، فقد كان لعائشة ستر فيه تماثيل طير، فلما رآه ﷺ قال: يا عائشة، حولي هذا  حوليه؛  فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا  [رواه مسلم (2107)]حديث صحيح.

 

الصحابة وتعاملهم مع الدنيا
00:22:07

وكان أصحابه من بعده ﷺ كذلك في زهدهم وتنازلهم عن الدنيا، ولذلك جاء: "أن عمر رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلهى ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، حتى يأتيه بخبر أبي عبيدة، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حوائجك، فقال: وصله الله ورحمه كما وصلنا، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها كلها وانتهت، فرجع الغلام إلى عمر بن الخطاب فأخبره، ووجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل، ثم تلهى في البيت ساعة حتى تنظر إلى ما يصنع، فذهب بها إلى معاذ، فقال: يقول لك أمير المؤمنين، اجعل هذه في حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، يا جارية، اذهبي إلى فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ من البيت، فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما إليها، هذا حظ زوجة معاذ من زوجها، ديناران دحا بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسر بذلك عمر، وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض" [رواه ابن المبارك في الزهد (511)]رواه ابن المبارك في كتاب الزهد.

وحتى أغنياء المسلمين كانت لهم وقفات، أغنياء الصحابة كانت لهم وقفات، إذا جاءهم شيء من الدنيا، أوتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يوماً بطعامه، وكان صائماً -عند الإفطار-، لما نظر إلى الطعام أمامه تذكر أشياء، فماذا تذكر عبد الرحمن بن عوف؟ قال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، يقولها تواضعاً، قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن به إلا بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه، إن غطيت رجلاه بدا رأسه، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، وقُتل حمزة وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، أو قال: ثم بُسط لنا من الدنيا ما بسط، وأعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. رواه البخاري.

هكذا كان موقف النبي ﷺ وأصحابه من هذه الدنيا التي ذكرها الله ورسوله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر الحياة الدنيا، وأن يجعلنا في هذه الحياة الدنيا من السعداء، وأن يعيننا فيها على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل حياتنا في هذه الدنيا عوناً على طاعته.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية
00:25:55

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، أشهد أنه رب الأولين والآخرين، ونور والسماوات والأرضين، سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى آله وأزواجه وذريته إلى يوم الدين.

 

الكفاف نعمة
00:26:26

عباد الله، يختلف الناس في عملهم للدنيا، فمنهم من يرى أن يجمع كل ما يستطيع أن يجمعه، ومنهم من يكسل عن العمل، ويترك العمل، ويترك الكسْب، ولقد كان النبي ﷺ قد انتقى أمراً وسطاً، هو أحب مستويات العيش إليه، وهو الكفاف، والكفاف يعني لا لك ولا عليك، لا زيادة، ولا نقصان، لا زيادة تشغل، ولا نقصان يكون به الإنسان متألماً محروماً منشغلاً، ولذلك دعاء النبي ﷺ ربه أن يجعل رزق أهل بيته كفافاً، وقال ﷺ مذكراً بنعمة الكفاف: من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها [رواه البخاري في الأدب المفرد (300)]رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو حديث حسن.

يقول بعض الناس: لماذا حُرم كثير من المسلمين المال؟ لماذا انتشر الفقر في المسلمين؟ لماذا يعيش كثير من المسلمين تحت مستوى الفقر؟ نقول: بعض هذا مما أصابهم من الذل، وتسلط الكفرة عليهم، نتيجة تنحية الشريعة والبعد عن الدين، وبعض هذا رحمة من الله حيث أنه لم يجعل لهم ما يطغون به ويتجبرون، وفقراء المسلمين سيدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، قال النبي ﷺ مبيناً السبب الذي يكون وراء حرمان الله لبعض المؤمنين المخلصين من الدنيا، قال ﷺ: إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء [رواه الترمذي (2036)]، كما يحمي بعضنا المريض من الماء؛ لأن الماء يضره، وقال ﷺ: إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحميه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه [رواه أحمد (23111)]حديث صحيح رواه الإمام أحمد رحمه الله، إذن ليس حرمان الله لبعض المسلمين المؤمنين من الدنيا كرهاً لهم، ولا إذلالاً، وإنما يريد الله أن يخفف عنهم، وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا سورة النساء:28، فقلة المال أخف للحساب، وإذا سأل سائل فقال: لماذا إذن يعطي الله الكفرة المجرمين المتجبرين الطغاة العتاة المتمردين على شرع الله الذين يشتمونه ويسبونه صباحاً ومساءاً، الذين يحادونه، ويحادون رسله، ويعذبون أولياءه؟ لماذا يعطيهم الدنيا؟ وعندهم زراعات القمح، وعندهم القوة وأسبابها، وعندهم الغنى والأموال الطائلة، وعندهم المخترعات والأبنية، لماذا يعطيهم وهم مقيمون على كفره، يقول النبي ﷺ مبيناً الحكمة من ذلك: أوفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا  [رواه البخاري (2468)، ومسلم (1479)]، ما يريد الله أن يجعل للكفرة في الآخرة من نصيب، الجنة سلعة غالية، وما في الآخرة من النعيم لا يستحقه الكفار، ولذلك يعجل لهم طيباتهم في الدنيا، وكل كافر عمل معروفاً من صلة أو صدقة، أو كلمة طيبة أو معونة، فإن الله يعطيه في الدنيا فقط، صحة وأموالاً وأولاداً، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له فيها نصيب،

 

الجنة سلعة غالية، وما في الآخرة من النعيم لا يستحقه الكفار، ولذلك يعجل لهم طيباتهم في الدنيا، وكل كافر عمل معروفاً من صلة أو صدقة، أو كلمة طيبة أو معونة، فإن الله يعطيه في الدنيا فقط، صحة وأموالاً وأولاداً، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له فيها نصيب،

 

وكذلك من الأمور العجيبة في الدنيا، ومما يبين حقارتها عند الله، وأنها لا تساوي جناح بعوضة، أنه يعطيها من يحب ومن لا يحب، فترى الغنى موجوداً عن الكافر والفاجر كما يوجد عند بعض المسلمين، يعطيها من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب، ومن العجائب في الدنيا أن الله تعالى لم يجعل لشيء فيها استمراراً، ولا ارتفاعاً متواصلاً، وإنما لا بد أن يخفض ويذل، قال النبي ﷺ: إن حقاً على الله تعالى أن لا يرفع شيئاً من أمر الدنيا إلا وضعه [رواه البخاري (6501)]رواه البخاري رحمه الله، إذن لا يدوم في الدنيا سلطان ولا مال، ولا عمر ولا حياة ولا قوة، فتجد الناس والمجتمعات إذا ارتفعوا في قوة أعقبها تفكك وضعف وانهيار، وإذا صحوا في شباب أعقبه أمراض وهرم وموت مفند، وإذا ارتفعوا في مال أعقبه إفلاس وفقر وضياع، فمن رحمة الله ألا يجعل الارتفاع في الدنيا دائماً مضطرداً، وإنما لا بد أن يجعل بعده ضعفاً وهواناً وانخفاضاً، وإلا لكانت الفتنة أعظم بكثير مما هي عليه الآن، ومن تأمل في الواقع عرف هذه الحكمة الربانية العظيمة، فأنت ترى المجتمعات في عنفوانها وقوتها لا يمر عليها سنوات إلا وتصبح في تفرق وتمزق وشقاق، وترى أعظم الناس غنىً لا بد أن يعقبه شيء من الفقر والإفلاس وإلا هرم مفند، وموت عاجل يقطعه عن التلذذ بماله وغناه، وهكذا ترى العجائب في خلق الله تعالى؛ فلا يمكن أن يستمر في الدنيا أحد على قوته، ولا أن يستمر في الدنيا أحد على غناه؛ فإن الأرض لله يورثها من يشاء، وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ سورة الحـج:41، الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا من محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك، فإن نعيمها ينتقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وآثارها تبقى، لذاتها أحلام.

الدنيا ضرة الآخرة
00:34:39

الدنيا مثل الحية لين مسها، قاتل سمها، النقمة فيها نازلة، والنعمة فيها زائلة، وكل هذا الكلام لنعقل أن السعي للآخرة، والمسارعة في العمل لها لابد منه، وأن لا تشغلنا الدنيا بحطامها عن السعي والعبادة، قال بعض السلف: مثل الدنيا والآخرة، مثل ضرتين؛ إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.

وهذا ينبئنا بالاستعداد ليوم الرحيل، ويوجب علينا ذلك، قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب.

وكذلك فإن هذا الكلام يفضي بنا إلى عدم التعلق بزينة الدنيا وزخرفها عندما يعلم العبد أن المتاع زائل، وأنه هو زائل، إن لم يزل المتاع قبله، وكذلك فإن الدنيا قيمتها عظيمة في وقتها، فالعمر محل العمل، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة.

انتهاز الفرصة: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ [رواه البخاري (6412)]، قال بعض السلف: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.

ولا يفهم مما تقدم من الكلام أن الدين يأمرنا بترك الدنيا، وترك الأخذ بأسباب الرزق أبداً، بل إنه يأمرنا بالسعي والمشي: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ سورة الملك:15، ولكن المقصود هو تقديم السعي للآخرة على العمل للدنيا، وأن يكون وقتنا في السعي للآخرة أكثر من وقتنا للسعي في الدنيا؛ لأن الله بدأ بالآخرة، فقال: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، ثم قال: وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا سورة القصص:77، وهو يقول في آيات الآخرة: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ سورة آل عمران:133، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ سورة الحديد:21، ويقول في أمر الدنيا: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا سورة الملك:15، فأمر بالمسارعة والمسابقة في الآخرة، وبالمشي في الدنيا، ومعلوم أن المسابقة والإسراع أشد من المشي، فعلم أنه لا بد من  التزود للدار الباقية في هذه الدار الفانية.

وكذلك فإن هذا الكلام لا يعني أبداً أن نترك الكفرة يخوضون فيها كما يشاؤون، ويسعون فيها كما يريدون، وإنما ننازعهم ونغالبهم، فإن الله أمرنا بمغالبتهم ومنازعتهم، وجعل الله التدافع بين الكفرة والمسلمين من أسباب صلاح الأرض، ولولا التدافع لفسدت الأرض، وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا سورة الحـج:40،  وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ سورة البقرة:251،  وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء سورة الحشر:6على من يشاء.

وكذلك فإن هذا الموضوع يعيننا على التهوين من أثر المصائب التي تحصل لنا، ويسلينا عما يصيبنا من الضيق في الأرزاق، يسلينا عما يصيبنا من قلة المال وضيق ذات اليد.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا مدخلنا في الدنيا حميداً، ومخرجنا منها حميداً، وأن يجعلنا ممن جعل حياتهم في الدنيا طاعة له.

اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور.

اللهم ارزقنا شكرك يا عفو يا غفور، اللهم انصر المجاهدين، واكبت أعداء الدين، وأخرج اليهود من بيت المقدس أذلة صاغرين يا رب العالمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه مسلم (2742)
2 - رواه الحاكم (7898)
3 - رواه ابن ماجه (4112)
4 - رواه أحمد (14513)
5 - رواه أحمد (20733)
6 - رواه البخاري (2892)
7 - رواه أحمد (13368) 
8 - رواه مسلم (189)
9 - رواه مسلم (2807) 
10 - رواه مسلم (725)
11 - رواه البخاري (4332)
12 - رواه البخاري (4334)
13 - رواه مسلم (2956)
14 - رواه ابن ماجه (4114)
15 - رواه مسلم (1479)
16 - رواه أحمد (2739)
17 - رواه مسلم (2107)
18 - رواه ابن المبارك في الزهد (511)
19 - رواه البخاري في الأدب المفرد (300)
20 - رواه الترمذي (2036)
21 - رواه أحمد (23111)
22 - رواه البخاري (2468)، ومسلم (1479)
23 - رواه البخاري (6501)
24 - رواه البخاري (6412)