الأربعاء 15 ذو القعدة 1445 هـ :: 22 مايو 2024 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب

ما كيفية الجلوس في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد ؟


ذكرنا أن كل التشهدات افتراش، إذا كان الصلاة فيها أكثر من تشهدين، وأن الأخير هو فقط الذي فيه التورك، فماذا نقول في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد؛ كصلاة الفجر، والجمعة، والسنن الرواتب، وركعة الوتر مثلاً، فيها تشهُّد واحد، إذا صلاها بتشهُّد واحد، هل السنة فيها التورك أم الافتراش؟

هذا محل خلاف بين أهل العلم، فالإمام الشافعي -رحمه الله- يرى أن السنة في هذا الموضع التورك؛ لأجل حديث أبي حميد الساعدي؛ [الحاوي الكبير: 2/133]، لأنه جاء في رواية أبي داود: "حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى، وقعد متوركًا على شقه الأيسر" [رواه أبو داود: 963، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود: 963].

والشاهد منه: "حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم" أي: في عقبها التسليم، فهذا استدلال الشافعي أنه قال: بما أن التورُّك جاء في حديث فيه نص السجدة في الركعة الأخيرة التي فيها التسليم فعل كذا بعدها، أو في هذه الركعة في الجلوس فيها فقال: إذن كل صلاة فيها تشهُّد قبل السلام يُفعل فيها تورك.

ولكن الإمام أحمد -رحمه الله- وغيره قالوا: السنة في هذا الجلوس الذي هو جلوس الصلاة التي هي ركعتان كالفجر، والصلاة مثنى مثنى في النهار أو في الليل، وجلسة ركعة الوتر الواحدة.

الإمام أحمد -رحمه الله- وغيره قالوا: السنة فيها الافتراش، والتورك يكون في الصلاة التي فيها أكثر من تشهد في جلوسها الأخير، فعلى هذا فإن المصلي لا يتورك في تشهد صلاة الفجر، ولا صلاة الجمعة؛ لأنه ليس فيها إلا تشهد واحد، واختار هذا القول ابن القيم -رحمه الله- في الزاد. [زاد المعاد: 1/247].

ومن المعاصرين الشيخ ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، واللجنة الدائمة.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "لم يذكر عنه ﷺ التورك إلا في التشهد الأخير".

وهذا اختيار المصنّف -رحمه الله- أيضًا الشيخ السعدي فإنه قال في كتابه نور البصائر: "وجميع جلسات الصلاة افتراش، إلا في التشهد الأخير في الصلاة التي فيها تشهدان فإنه يتورك".

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة السؤال: إذا صلى المصلي ركعتين كصلاة الصبح مثلاً فهل يفترش أو يتورك عند جلوسه للتشهد؟

الجواب: التورك في تشهد الصلاة الثنائية -فريضة كانت أم نافلة- افتراش اليسرى والجلوس عليها فيه، من المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها العلماء، فمنهم من قال: يفترش اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى؛ عملاً بحديث وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فسجد ثم قعد فافترش رجله اليسرى" رواه أبو داود والنسائي. [رواه أبو داود: 957، والنسائي: 1265، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود: 726]. 

وبحديث رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ قال للأعرابي: إذا سجدتَ فمكِّن لسجودك، فإذا جلستَ فاجلس على رجلك اليسرى رواه أبو داود. [رواه أبو داود: 859, وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 859].

وبحديث أبي حميد أن رسول الله ﷺ جلس -يعني للتشهد- وافترش رجله اليسرى وأقبل بصدور اليمنى على قبلته" رواه أبو داود والترمذي.

ممكن يقول قائل هنا: ما هذه الأحاديث؟ ماذا فيها؟ أنه إذا جلس افترش، فكيف تستدلون بها على تخصيص الافتراش بتلك، يعني بالتشهد الأول والجلسة بين السجدتين وهي مطلقة، إذا جلس افترش، ممكن يكون التشهد الأخير مثلاً.

قالت اللجنة: وهذه الأحاديث وإن كانت مطلقة إلا أن حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي ﷺ قيّد هذا الإطلاق، فإنه فرّق بين الجلوس للتشهد في الركعة الأخيرة من الرباعية وبين الجلوس له في الثانية، فذكر التورك في جلوس الرابعة، وافتراش اليسرى ونصب اليمنى في جلوس الثانية.

ونصُّ حديث أبي حميد الساعدي قال: وهو في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ رأيته إذا كبّر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا كان في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته" [رواه البخاري: 828].

لاحظ الآن موضع الشاهد في حديث أبي حميد الساعدي ليتضح لك الأمر: "فإذا كان في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى" ما هذا؟ افتراش، أين؟ التشهد الأول، "فإذا جلس في الركعة الأخيرة، قدّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته"، فهذا يكون في التشهد الأخير، وهذا هو التورُّك.

وجاء في رواية عنه رواها الخمسة إلا النسائي، وصححها الترمذي: حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة  لاحظ:  الركعة التي تنقضي فيها الصلاة، أخّر رجله اليسرى، وقعد على شقه متوركًا، ثم سلّم  قالوا أي الصحابة الذين كانوا معه: صدقت، هكذا صلّى رسول الله ﷺ، فدلّ ذلك على التورك في الجلوس للتشهد في الرابعة، وفي حكمها الثالثة من المغرب، وما سوى ذلك من الجلوس فهو على ما قضت به النصوص، وماذا قضت النصوص السابقة؟ إذا جلس افترش، من افتراش اليسرى والجلوس عليها ونصب اليمنى، سواء في ذلك الجلوس في الثانية للتشهد في الثنائية، وفي التشهد الوسط من الثلاثية والرباعية، وبين السجدتين، إلى آخر كلام اللجنة، وكان ذلك بتوقيع الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- والشيخ عبد الله بن قعود -رحمه الله-.