الجمعة 9 ربيع الآخر 1441 هـ :: 6 ديسمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

اغتيال زعماء اليهود


عناصر المادة
الخطبة الأولى
قصة اغتيال كعب بن الأشرف وشرحها
الخطبة الثانية
إن مما يرهب اليهود ويخوفهم نزف الدماء فيهم
الإسلام ينفخ روح البطولة في قلوب المؤمنين
الخطبة الأولى
قصة اغتيال أبي رافع اليهودي
حكم من سب أو شتم النبي صلى الله عليه وسلم.
طبيعة اليهود التعاون مع المشركين على المسلمنين في كل وقت وحين.
جواز اغتيال من بلغته دعوة الإسلام وبقي مصراً على معاداته ومحاربته.
الخطبة الثانية
التذكير بأهوال يوم القيامة وما يحدث فيه من الأمور العظام
الخطبة الأولى
00:00:07

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله:

أما بعد:

قصة اغتيال كعب بن الأشرف وشرحها
00:04:44

فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: من لكعب بن الأشرف فإنه قد أذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة  فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: (نعم) قال: فأذن لي أن أقول شيئا، فأتاه قال: (قل) فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وإنه قد عنّانا وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضاً والله لتملنّه قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين، قال: نعم ارهنوني، قال : أي شيء تريد ؟، قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللأمة يعني: السلاح, فواعده أن يأتيه فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم من الحصن فنزل إليهم, فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، قالت: أسمع صوت كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب، قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فنزل إليهم متوشحاً، وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحاً أي أطيب، فقال: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم, فلما استمكن منه قال: دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺفأخبروه..

شرح القصة:

كعب بن الأشرف من اليهود، حالف أبوه بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، فقام كعب بن الأشرف اليهودي يهجوا المسلمين بعد وقعت بدر، وهجا حسان وامرأته، وكذلك تشبب بنساء المسلمين، هجاه حسان وهجا امرأته، فجعل كعب اليهودي يتشبب بنساء المسلمين، أي: يصفهم في شعره بالأوصاف الشنيعة حتى آذاهم، أي: آذى المسلمين، وكان شاعراً، وكان يهجو رسول الله ﷺ، ويحرض عليه كفار قريش، ولما قدم النبي ﷺ المدينة، وفيها أخلاط أراد استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر, فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه، أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً ليقتلوه, وقال النبي ﷺ: من لكعب بن الأشرف؟  فاستثار النبي ﷺ همم المسلمين، لاغتيال ذلك اليهودي، زعيم اليهود الذي كان شاعراً يهجو النبي ﷺ، ويشبب بنساء المسلمين,

 

وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر, فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه، أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً ليقتلوه, وقال النبي ﷺ: من لكعب بن الأشرف؟ فاستثار النبي ﷺ همم المسلمين، لاغتيال ذلك اليهودي، زعيم اليهود الذي كان شاعراً يهجو النبي ﷺ، ويشبب بنساء المسلمين,

 

 وقال النبي ﷺ معللاً السبب في قتله: فإنه آذى الله ورسوله وفي رواية: قد آذانا بشعره وقوى المشركين وكان قد تحالف مع قريش عند أستار الكعبة على قتال المسلمين, وكان يحرض قريش على قتال المسلمين، ولما جاء إلى قريش قالوا له: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم، وهكذا أعلن العداوة للمسلمين, وكان يهجو النبي ﷺ، وساب النبي ﷺ حكمه القتل، ولو تاب على الراجح، وهذا يهودي زعيم من زعمائهم فعل هذه الجرائم المتوالية، وكان بالمسلمين الرغبة القوية في تلبية أمر النبي ﷺ، فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله: "أتحب أن أقتله؟" لماذا محمد بن مسلمة؟ كعب بن الأشرف يكون خالاً لمحمد بن مسلمة المسلم، خاله،

ومن الطبيعي إذن أن يأمن هذا لابن أخته، وكان الاختيار دقيقاً، ومحمد بن مسلمة رجل مناسب جداً، فاغتنم المسلمون علاقاتهم وقراباتهم؛ لنصرة الله ورسوله، ولم تمنعهم القرابات من تنفيذ حكم الله ورسوله في المشركين، لقد كان الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما من الناس أجمعين, فلم يتردد محمد بن مسلمة أن يعرض قتل خاله على النبي ﷺ، وعلاقة الإسلام تفوق كل علاقة, ووشيجة العقيدة تتقدم على كل وشيجة، وقربى, ولتكتمل الخطة كان لابد لمحمد بن مسلمة من معاونين, وهكذا كان معه من أصحاب كعب في الجاهلية ناس آخرون، قاموا مع ابن مسلمة لكي ينصروا الله ورسوله،

وكان الاختيار لهؤلاء الرجال الذين يعرفهم كعب بن الأشرف جيداً من قبل، ويطمئن إليهم، ولأن حَبْك القضية يحتاج إلى شيء من الكذب، والكذب في الحرب خدعة, وقربة إلى الله, استأذن محمد بن مسلمة النبي ﷺ في شيء, قال: فأذن لي أن أقول شيئاً, قال: (قل) يريد أن يقول شيئاً من الكذب لخدعة ذلك اليهودي؛ ليتمكن من قتله وهكذا ذهب إليه ومعه اثنان ممن يطمئن إليهما كعب بن الأشرف، وطلب مقابلته، وقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، فجاء بصيغة المتشكي من قدوم النبي عليه السلام إلى المدينة، وأن قدومه كان بلاء على أهلها؛ لأن العرب كلها قد حاربتهم، ورمتهم عن قوس واحدة، وكان النبي ﷺ قد ودع محمداً، وصاحبيه، ومشى معهم إلى بقيع الغرقد، كما جاء بإسناد حسن ثم وجههم فقال: انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم .فدعا لهم بالعون والتوفيق من الله عز وجل،

وهكذا لا بد من الاعتماد على الله، والتوكل عليه في كل خطوةن وحركة، بالإضافة إلى التخطيط الدنيوي، لا بد أن يسبق ذلك، ومعه، وبعده الاعتماد، والتوكل على الله، وهكذا كان شأن المسلمين وضع الخطط الدقيقة، والتنفيذ الدقيق، مع التوكل على الله عز وجل، والدعاء بالنجاح، قال: انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم  وذهب محمد بن مسلمة ليقول لخاله: إن هذا الرجل يعني: النبي ﷺ قد سألنا الصدقة -أراد منا الأموال- وقد عنّانا أي: أتعبنا بكثرة طلباته،

فانتهز هذا اليهودي هذه الكلمة ليضيف شيئاً آخر، قال والله لتملنّه، أي: من الملال؛ ليزيد من حقده وينفث، ظاناً بأن محمد بن مسلمة فعلاً متضجر من القضية, قال: وسترون المزيد من طلباته المتعبة، ثم قال: وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً، أو سقين, نريد قرضاً منك لمواجهة تلك الضرائب التي تفرض علينا، كان مدخلاً معقولاً لكعب، وانطلت الخدعة, فقال: لا بد من رهن, وهذه طبيعة اليهود لا يمكنهم أبداً أن يفرطوا في قضايا الأموال، فهم يحتاطون أشد الحيطة، ماذا تريد مقابل القرض؟ ما هو الرهن؟ قال: ارهنوني نساءكم، تجعلون بعض نسائكم عندي رهناً حتى تعيدوا إليّ القرض، يهودي خبيث، وخبيث جداً، فتأمل ما هو الرهن؛ لتعرف طبيعة اليهود في الشهوات من النساء والأموال، ارهنوني نسائكم،

ولكن المسلم لم يكن ليرضى أبداً بأن يجعل نسائه عند هذا اليهودي، قالوا: كيف نرهنك نسائنا؟ لكن لتتم الخطة قالوا: وأنت أجمل العرب، ولا نأمن على نسائنا من جمالك، وأنت رجل حُسّان تعجب النساء، ولكن نرهنك اللأمة، يعني: السلاح، وهذا هو المدخل الآخر في القضية؛ لكي تتم الخطة، وتسير على الوجه الحسن، لابد أن يأتواه بسلاح يرهنونه عنده، فلكي يطمئن كانت المقابلة الأولى للإتفاق المبدئي، والمقصود: الوصول إلى مسألة إدخال السلاح إلى حصن اليهودي، وبالطبع فإن هذا الإدخال هو الذي سيعين على قتله بعد ذلك،

وهكذا وافق اليهودي بعد أن طمس الله بصيرته، وقالوا له: ولكنا نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه، قال: نعم، قالوا ذلك لئلا ينكر عليهم في المرة القادمة مجيئهم إليه بالسلاح، فجاء ليلاً محمد بن مسلمة، ومعه أبو نائلة سلكان بن سلامة، وكان أخاً لكعب من الرضاعة، ونديمه في الجاهلية، ولذلك كان يطمئن إليه، فجاء المسلمون ومعهم السلاح، فقالوا: يا أبا سعيد، ونادوه من خارج الحصن؛ ليأذن لهم، ويفتح لهم بالدخول، فقال سامعاً دعوت، فلما أراد أن ينزل قالت له امرأته: أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم، تعلقت به زوجته وقالت: مكانك فوالله إني لأرى حمرة الدم مع الصوت، وكان حديث عهد بعرس هذا اليهودي،

فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت له: لا تنزل في هذه الساعة، فقال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائماً ما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف من صوته الشر، إني لأسمع صوتاً يقطر منه الدم، فهذه المرأة الكافرة كان لها فراسة، ولكن الله أراد أن يتم الأمر، ومع هذه التنبيهات والإحساسات، أصر اليهودي على الموقف بالنزول؛ اطمئناناً لما قد سبق من الخطة المحكمة، ويدخل محمد بن مسلمة، ومعه رجلان من المسلمين، وهم يحملون السلاح، وينزل كعب بن الأشرف، وكان محمد قد قال لمن معه من المسلمين: إني قائل بشعره فأشمه،

سأطلب أولاً شم هذا الطيب من رأسه، ثم أشمكم، أتيح لكم المجال للشم، وأمكنكم منه، فقال محمد بن مسلمة لكعب لما نزل: يا أبا سعيد أدنِ مني رأسك أشمه، وأمسح به عيني ووجهي، ما أطيب هذا الطيب! ما أحسن ريحه! فقال اليهودي متباهياً: عندي أعطر نساء العرب، وأكمل العرب، وكان كعب اليهودي يدّهن بالمسك المفتت والعنبر، فشمه محمد بن مسلمة أولاً، ثم طلب منه أن يشمه الآخرين، فقاموا بشمه أيضاً، وهكذا اطمئن كعب تدريجياً لحال هؤلاء المعجبين بطيبه، ثم طلب محمد بن مسلمة أن يشمه مرة أخرى، فلما سلم له رأسه ليشمه، وهو بغاية الاطمئنان، استمكن من رأسه، أمسكه إمساكاً محكماً، ثم قال لمن معه –للمسلمين-: دونكم فاقتلوه، فقتلوه، وهكذا تمت عملية اغتيال ذلك اليهودي بنجاح باهر، وضربه المسلمون بأسيافهم حتى برد، وفي رواية قال: فأخذت معولاً كان في سيفي فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فغضضته حتى انتهى إلى عانته، فصاح أي: اليهودي وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين،

فأصبحت يهود مذعورين فقالوا: قتل سيدنا غيلة، وذهبوا وراء المسلمين فأضلهم الله عن طريق المسلمين، وتمكن المسلمون من الوصول إلى النبي ﷺ، وكان قائماً يصلي تلك الليلة، ولا شك أنه كان قلبه مع أصحابه الذين أرسلهم، فلما بلغ الصحابة بقيع الغرقد كبروا، وهذا التكبير علامة لأهل المدينة المسلمين على نجاح المهمة، فلما سمع النبي ﷺ تكبيرهم كبر، وعرف أنهم قد قتلوه، فجاء في رواية عكرمة: أنهم لما انتهوا إليه قال: (أفلحت الوجوه). فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا رأس اليهودي بين يديه، فحمد الله على قتله، فجاءت اليهود تشتكي بعد ذلك وتقول: قتل سيدنا غيلة، لقد اغتيل فذكّرهم النبي ﷺ صنيعه، وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين، فخافوا ولم ينطقوا كما جاء في رواية ابن سعد،

إذاً هذا هو الحل مع اليهود: قتل رؤسائهم، واغتيال قادتهم، فخافوا فلم ينطقوا، وهكذا منّ الله على المسلمين في تلك الموقعة بشيء أغاض اليهود، وكسر شوكتهم، وهكذا حصل ما حصل من الفتح المبين، والنصر لأولياء الله، وصحابة نبيه ﷺ؛ بما صدقوا الله ورسوله، وبما كانوا عليه من الوعد والحق المبين، اللهم إنا نسألك أن ترضى عنهم، وأن ترفع منزلتهم، اللهم اجعلنا على هداهم سائرين، اللهم إنا نسألك النصر للإسلام والمسلمين، والخزي لأعداء الدين.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.  

الخطبة الثانية
00:25:30

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ورضي الله عن خلفائه وأصحابه وذريته وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله:

تبيّن إذاً كيف كان النبي ﷺ يعامل زعماء اليهود، المعلنين بحربه، والقائمين بسب رسول الله ﷺ، وإيذاء المسلمين، والذين كانوا يتآمرون مع المشركين ضد النبي ﷺ وأصحابه المسلمين، وهنالك قصة أخرى جميلة جداً في السنة النبوية أيضاً، تتعلق بهذه الخطط المحمدية في مقاومة اليهود، وكيف كان اغتيال زعمائهم، طريقة عظيمة لكبتهم، وقمعهم، وإذلالهم، وكف شرهم، ولعلنا سنأتي عليها بمشيئة الله في مرة قادمة.

إن مما يرهب اليهود ويخوفهم نزف الدماء فيهم
00:27:07

أيها الأخوة:

إنه لا شيء يرهب اليهود أكثر من الدماء، إن نزف الدماء فيهم وبالذات في قادتهم، شأنه عظيم في فت عضدهم، ولذلك ينبغي على المسلمين أن يسلكوا في حربهم طريقة النبي ﷺ وأصحابه، واليهود أهل مكر، وخديعة، فلا بد من المكر بهم، وخديعتهم، وإن هذه الخدعة التي سمعناها مما فعله المسلمون، لدرس عظيم جدير أن يقتدي المسلمون بهم في عصرنا هذا، وأن يسيروا على ذلك المنوال،

إن هذه الدماء التي تراق فيهم ترعبهم جداً، ولا أدل على ذلك من نتائج العمليات في وسط بلادهم، التي هي بلادنا أصلاً، ولكنهم احتلوها فسكنوها رغماً عنا، ونحن مخرجوهم منها بإذن الله، إن تلك الدماء اليهودية التي تنزف هي سبب عظيم لإخراجهم، ولذلك خرجت حفيدة (بيقن) عدو الله الهالك السابق، من تلك البلاد أرض فلسطين وهي تقول: إنها لم تعد أرضاً آمنة، وعدد من اليهود صاروا يخرجون، والذين كانوا ينوون الإتيان إليها رفضوا أن يأتوا، وهكذا النتائج العملية لإراقت الدماء اليهودية، ولا شك أن المسلمين يقومون بدور جيد بخداع اليهود،

ولذلك فإنهم قد استغربوا بالأمس في غاية الدهشة، كيف تمكن رجل مسلم من اختراق حواجزهم العسكرية الكثيرة المنتشرة، والوصول إلى بطن القدس، ليقوم بهذه المقتلة العظيمة فيهم، وقبله صار التحدي الكبير الذي كسر أنف يهود، في مسلم قام أمام وزارة دفاعهم في عاصمتهم يطلق النيران على جنودهم، هذه عملية إرغام أنف، وكسر كبر، وثورة عند اليهود، عندما يتمكن المسلمون من الوصول إلى قلب عاصمتهم، وأمام أكبر منشأة عسكرية تدير قوتهم، في وزارتهم؛ ليضرب ضربته أمامها، إنه فخر عظيم للمسلمين، أن يصل مسلم إلى عقر دارهم، ليقوم بتلك العملية البطولية فيطلقوا النار عليه حتى يقتلوه، وهكذا تتوالى عمليات المسلمين، مما يدل على أن بالإمكان للمسلمين أن يخدعوا اليهود، وأن يصلوا إليهم في عقر دارهم، وقربى أهم النقاط، والمناطق، والأبنية حساسية لديهم، وعملية مخادعة اليهود هي السنة النبوية، وعملية قتل رؤوسهم ومحاصرتهم هي الطريقة المحمدية، إنها ولا شك دروس نتعلمها من السيرة النبوية.

أيها الأخوة:

قالوا بأن القدس قد بدت أمس مدينة أشباح، بعد ساعات من وقوع الانفجار، فهؤلاء جبناء، إذا صار التفجير فيهم هربوا، ودخلوا في دورهم، فلم يخرجوا إلى الشوارع، وبدت بلداتهم مقفرة، وهم ينتظرون أين ستقع الضربة التي بعدها، أما عموم تصرف المسلمين في أرض فلسطين، أنه إذا صارت الضربة خرجوا لينظروا ماذا وقع؟ وأين وقع؟ وهكذا تراهم مجتمعين حول مكان الانفجارات التي فعلها اليهود، فشتان شتان بين هؤلاء وأولئك، مع الفرق الشاسع جداً في القوة العسكرية والأسلحة والعتاد.

الإسلام ينفخ روح البطولة في قلوب المؤمنين
00:32:33

أيها الأخوة:

إن الإسلام ينفخ روح البطولة في تلك الأجساد، ويعمر تلك الأفئدة بنور الإيمان، ولا شك أن ما يعانيه إخواننا هو شيء مر جداً ولكن عزائنا في وقوله تعالى: إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ -والفرق ما هو؟- وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ.ولم تفلح وعود سادتهم في تهدئة المواقف، وجلب النصر، والقمع، وجلب النصر لأنفسهم، والقمع للمسلمين في فلسطين، وإنما تزيد الأمور ضراوة وحدّة، وإن استمرار المسلمين في قبول هذا التحدي، والقيام بالرد: هو مفخرة عظيمة لأبناء الإسلام؛ لأنها تدلل على روح الإباء والتحدي لإخوان القردة والخنازير، ولا شك بأنه ما من مسلم ومؤمن إلا ويفرح لنكبة تصيب اليهود، وهذا من علامات الإيمان، الفرح لما أصاب أعداء الله من القوارع والمصائب، والحزن لما أصاب المسلمين من الشدة واللأواء.

أيها الأخوة:

إنه مسلسل سيستمر؛ لأن الله قال في كتابه: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا والمهم جداً أن نتأمل في قوله: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُسورة الحـج 40ينصر دينه، وشرعه، وسنة نبيه ﷺ، وتدلل الأحداث والوقائع: على أنه لا يقوم أمام اليهود إلا أهل الدين، إلا الذين باعوا أرواحهم في سبيل الله، وليس أي فرقة، ولا مذهب آخر، ولا حزب، ولا ملة إلا هذه الطريقة النبوية المحمدية، وهذه الشرعة الإسلامية، وهكذا يكون الدليل من أرض الواقع، على أن الذي سيقاوم اليهود، وينتقم منهم هم أهل الإسلام، وليس أهل أي شيء آخر.

أيها الأخوة: إنها معاني تتدفق ومشاعر في النفوس عند المسلمين من جراء سماع أي نبأ مصيبة في اليهود.

اللهم إنا نسألك أن تزيدهم عذابا فوق العذاب، اللهم زدهم عذابا فوق العذاب يا رب العالمين، اللهم أحصهم عددا واقتلهم بدداً، اللهم دمر اقتصادهم وحطم معيشتهم، اللهم إنا نسألك أن تنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين اللهم خالف بين كلمة يهود وألقي الرعب في قلوبهم.

الخطبة الأولى
00:36:06

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله:

أما بعد:

فقد تقدم كيف كان النبي ﷺ يتعامل مع أعدائه اليهود الذين يشتمون دين الله ونبيه، ويتعرضون بالأذى للمسلمين نساءً ورجالاً، ويتآمرون على المسلمين مع الكفار والمشركين، وأن النبي ﷺ كان يرسل من يقوم باغتيال هؤلاء؛ تنفيذاً لحكم الله فيهم، مضى مثال على ذلك وهذا مثال آخر:

قصة اغتيال أبي رافع اليهودي
00:37:12

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع، بعث إليه عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن عتبة في ناس معهم، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن، فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا أنتم حتى أنطلق فأنظر، قال: فتلطفت أن أدخل الحصن، ففقدوا حماراً لهم فخرجوا بقبس يطلبونه، فخشيت أن أعرف فغطيت رأسي، وجلست كأني أقضي حاجة، ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات، ولا أسمع حركة خرجت، ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن، في كوة، فأخذته ففتحت به الباب، ففتحت به باب الحصن، قلت: إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم، فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه، فلم أدر أين الرجل، فقتل: يا أبا رافع؟ فقال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئاً، قال: ثم جئت كأني أغيثه، فقلت: مالك يا أبا رافع؟ وغيرت صوتي، فقال: ألا أعجبك لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني بالسيف، قال: فعمدت له أيضاً فأضربه ضربة أخرى فلم تغن شيئاً، فصاح، وقام أهله، ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلقٍ على ظهره، فأضع السيف في بطنه ثم أنكفؤ عليه، حتى سمعت صوت العظم ثم خرجت دهشاً، حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه، فانخلعت رجلي فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية، فقال: أنعى أبا رفع، قال: فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته. رواه البخاري رحمه الله.

وهكذا جاء أيضاً فيه عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺإلى أبي رافع اليهودي رجالاً من الأنصار، فأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز..

أيها الإخوة:

كان الصحابة رضوان الله عليهم يتنافسون في الخير، فلما قتلت الأوس كعب بن الأشرف كما عرفنا في المرة الماضية، استأذنت الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلاّم بن أبي الحقيق، وهو بخيبر فأذن لهم، لماذا سلاّم؟ ما هي جريمة سلاّم؟

يقول الراوي مبيناً جريمة سلاّم هذا: إنه كان يؤذي رسول الله ﷺويعين عليه، فإذن إيذاء النبي ﷺ بالسب، أو الشتم، أو الاستهزاء، أو التنقص، عقوبته في الشريعة القتل.

حكم من سب أو شتم النبي صلى الله عليه وسلم.
00:42:07

يقتل ساب النبي ﷺ، والراجح: حتى لو تاب، لماذا؟ لأن سب النبي ﷺيتعلق به حقان: حق لله تعالى، وحق للنبي ﷺ، والعقوبة في الشريعة هي القتل، فإذا تاب يسقط حق الله تعالى، لكن ماذا يبقى؟ حق النبي ﷺ، وحيث أن النبي ﷺ مات ولا يمكن أن يتنازل عن حقه، فبقي حقه ثابتاً، يبقى حقه ثابتاً ويقام الحد على من سبه، وتنفعه توبته يوم الدين، إنما لا بد من قتل من يسب النبي ﷺ، لا بد أن يقتل، هذا هو حكم الشريعة.

وهذا اليهودي كاليهودي الذي قبله، سب النبي ﷺ، وآذاه، وأعان عليه، وقد جاء أن هذا الرجل كان ممن أعان غطفان وكانوا مشركين، وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله ﷺ.

طبيعة اليهود التعاون مع المشركين على المسلمنين في كل وقت وحين.
00:43:29

وهذه طبيعة اليهود عبر التاريخ الإسلامي، يمولون حروب المشركين ضد المسلمين، ولذلك اليوم يمولون حروب الهندوس والنصارى وغيرهم، بالأموال، والأسلحة، والمستشارين العسكريين، يمولونهم، ويمدونهم، كما يحدث في بعض أجزاء من أفريقيا، وكذلك في أنحاء من البلاد التي تضطهد المسلمين، يوجد وراء ذلك أموال، ومستشارون، وأسلحة يهودية، فالنبي ﷺ أذن إذن بقتل أبي رافع هذا سلام اليهودي، والجريمة عظيمة ولا شك، فأرسل إليه النبي ﷺ في حصن له بالحجاز، قريباً من خيبر في طرف من أطراف الحجاز، أرسل له نفراً من المسلمين الذين تحمسوا للقيام بالمهمة الثانية، بعد نجاح المهمة الأولى، أرسل له عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن عتبة، ومسعود بن سنان الأسلمي،

الذي شهد أحداً واستشهد باليمامة، وعبد الله بن أنيس الجهني حليف الأنصار، أرسل كوكبة من المسلمين من الأنصار، للقيام بعمل خاص في هذه الوحدة العسكرية الخاصة، التي نجحت في اقتحام عقر دار اليهودي، وقتله في مضجعه، وفراشه، وعند زوجته، فكان ذلك نصراً عسكرياً عظيماً للمسلمين، ويرى من هذا كيف كانت حمية المسلمين ضد أعداء الله اليهود، وكيف كان الباعث العظيم الذي أجج في نفوسهم العمل لأجل قتل كبارهم ورؤوس التآمر فيهم، وأهل التخطيط، وأصحاب الإمرة، والرأي، والكبراء، فهذه سنة نبوية في اغتيال رؤوس اليهود، وهكذا طرقوه بخيبر في بيته، فقتلوه فيه، وكانت يد المسلمين تطول أعداءهم في قعر بيوتهم، وكان ذلك إرهاباً عجيباً، كان من سلاح الرعب الذي قيظه الله للمسلمين وأعانهم عليه،

أن يصلوا إلى الكفار في قعر بيوتهم وعقر دارهم، وجاء هذا المسلم وهو الذي سينفذ مع تلك المجموعة المساندة، ليستعين بالحيلة، والحرب خدعة مع أعداء الله، فقعد ينتظر عند الحصن الذي يسكن فيه ذلك اليهودي مع مجموعة أخرى من اليهود، والغالب أن اليهودي لا يسكن وحده، وإنما في مستوطنة، في مجموعة، جبناء، فلذلك يتحصنون لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍسورة الحشر 14وليس جداراً واحداً، وهكذا الخوف والجبن اليهودي، يتستر دائماً بالحصون الممنعة والجُدُر والأسوار، إنهم جبناء، ليس من طبعهم الشجاعة إطلاقاً،

ولو حصل فيهم فعلى ندرة، ولا يتباهون بشجاعة إلا عند ضعف المسلمين، فماذا فعل ذلك الصحابي؟ انتظر اللحظة المناسبة لدخول الحصن، فحتى جاء الظلام ليتستر به، وجاءت الفرصة التي قيظها الله في أولئك اليهود، الذين خرجوا يبحثون عن دابة لهم قد تاهت، ثم تظاهر المسلم أنه يقضي حاجة، فلما دخل اليهود وهذا البواب الذي يغلق الباب بالمفاتيح ينتظر دخولهم، فظن ذلك الجالس لقضاء الحاجة يهودياً من جماعته، وهكذا ناداه ليدخل بسرعة قبل أن يغلق الباب، وكان عبد الله رضي الله عنه قد تغطى بثوبه حتى لا يعرف، فهتف به البواب فدخل بسرعة ثم كمن، اختبأ في مربط حمار عند باب الحصن، وجعل يرقب البواب ماذا يصنع بالمفاتيح، فلما أخذ البواب الأغاليق، وجعلها على ود، كما في رواية البخاري أيضاً وهو الوتد، ووضع مفتاح الحصن في كوة -الفتحة في الجدار- عرف مكان الأقاليد،

والأقاليد هي المفاتيح، قال: فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن نتدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على وتد، فقمت إلى الأقاليد، جمع إقليد وهو المفتاح، ففتحت باب الحصن وكان أبو رافع يسمر عنده، فإذن فتح الباب الداخلي، وكان أبو رافع في علالي له، والعلالي هذه الغرفة العلوية كان لها، يرتقى إليها بعجلة، والعجلة هي السلم من الخشب، فمن حسن تخطيط ذلك الصحابي وبيعه لنفسه لله عز وجل قال: جعلت كلما فتحت باباً أغلقت علي من داخل، فانتظر حتى ذهب السمار من عند اليهودي وانفض مجلس اليهودي، وصار وحده مع أهله، جعل عبد الله رضي الله عنه،

يدخل ويغلق الباب بعد دخوله، بعد أن أغلق أبواب البيوت على اليهود الآخرين، جعل هو لا يدخل من باب بعد ذلك إلا ويغلقه حتى لا ينفذوا إليه إلا بعد أن يكون قد أتم المهمة، ثم إذا أتم المهمة فلا يضر ما يحدث له بعد ذلك، وقال: إن نذروا بي – أي: علموا – يكون هو قد نفذ المهمة التي أبدى لرسول الله ﷺاستعداده لها،

ولما كان الظلام كان موقع ذلك اليهودي غير معروف بالضبط، البقعة والضجعة التي هو مضطجع فيها، فلذلك نادى المسلم فقال: يا أبا رافع؟ قال: من هذا؟ قال اليهودي: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، ضربت الموضع الذي انطلق منه الصوت بالسيف فما أغنيت شيئاً – أي لم أقتله وإن أصابه السيف – لكنه لم يمت، فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه وغير الصحابي صوته، هناك دقة في التنفيذ وذكاء وحسن تدبير وتخطيط، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته، ولم أقتله بعد، ثم وضعت ضبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهر فعرفت أني قتلته،

وبالمناسبة فإن من العجيب أن ابن إسحاق رحمه الله ذكر أن هذا الصحابي لم يكن قوي البصر كان في بصره شيء، ومع ذلك نفذ المهمة، ربما معتمداً على سمعه أكثر من بصره، يضربه ثم يأتيه كأنه يغيثه ويغير صوته، ويقول: مالك؟ فينخدع اليهودي ويقول: لأمك الويل انظر من ضربني ، وضربه مرة أخرى ثم اتكأ على سيفه، أدخله في بطنه واتكأ المسلم عليه بوزنه حتى خرج من ظهره وسمع صوت العظيم يقرقع نتيجة دخول السيف فيه، فالآن عرف بأنه الرجل قد هلك، قال: فأضع السيف في بطنه ثم اتكئ عليه حتى سمعت صوت العظم وضبيب السيف -حرفه وحده-، والآن نجحت المهمة فبقي أن يفر المسلم بنفسه، ويحاول النجاة ليدخر هذه الروح لمعركة أخرى ومناسبة ينصر فيها الله ورسوله، فما كان المسلمون لينجوا بأرواحهم إلا لأجل محاولة تقديمها في مناسبة أخرى يزدادون بها أجراً عند الله،

وقيل: إن هذا المسلم لما جعل يفتح الأبواب ويخرج والناس بدءوا يفزعون وأهل الرجل قد علموا وصاحوا واستنصروا جعل يقول لكل من قابله: من قتل سلام؟ من قتل سلام؟ ويخرج كهيئة المفجوع المندهش، والناس يفاجؤون بالخبر، وهو يقول لكل من قابله: من قتل سلام وينزل، وينزل الباب وراء الباب، وهكذا حتى وصل إلى سور الحصن فتسلقه، قال: حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، يظن أنه قد وصل إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي، اتضح أنه لم يصل إلى الأرض، ولعل هذا يفسره ما تقدم من كونه في بصره شيء من الضعف رضي الله عنه، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، وهكذا جاء في رواية قال: فانخلعت رجلي فعصبتها. . فيجمع بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت من الساق، فعصب رجله، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته، زيادة في التأكد، زيادة في الحرص على أن تكون المهمة قد نفذت فعلاً، فبقي مكانه مختبئاً، قلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته، فلما صاح الديك عند الفجر،

قام الناعي على السور، وكان من عادة العرب أنهم إذا مات فيهم الكبير العظيم الشأن، ركب راكباً فرساً وسار فقال: نعي فلان، نعي فلان، وهذا نعي الجاهلية، يشهرون بموت ميتهم بهذه الطريقة، فقام الناعي على السور يقول: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، إذن خرج الخبر من اليهود أنفسهم بأن صاحبهم، وتاجرهم، وكبيرهم قد مات، قال: فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، أي: أسرعوا، أسرعوا الآن لتبشير النبي ﷺ، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: (ابسط رجلك) فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط . مسح النبي ﷺ على رجل عبد الله رضي الله عنه، فقال: قمت أمشي ما بي قلبة، كأنه ليس به علة، وفي الرواية الأخرى أنه سبق أصحابه فأعانه الله بالرغم مما نزل به حتى وصل إلى النبي ﷺ وبشره، وهذا من كرامات الأولياء أن يسبق مكسور الرجل أصحابه السليمين ليصل فيبلغ، وبعد ذلك يشعر بالألم، ومعلوم أن الإنسان إذا كان به اهتمام شديد قد استولى عليه فربما لا يشعر بالدم يتدفق من جرح أو بكسر إلا بعد انتهاء الشيء الذي كان يستولي على شعوره، كانت الرغبة في تبشير النبي ﷺ، وأن تقر عينه بهذا الخبر مسيطرة على الصحابي، فلم يحس بالألم إلا بعدما وصل فبسط رجله فمسح النبي ﷺ، هذه معجزة لنبينا فقام الصحابي يسير ليس به قلبة، وكأنه لم يصبه علة ولا شيء.

جواز اغتيال من بلغته دعوة الإسلام وبقي مصراً على معاداته ومحاربته.
00:59:10

وأخذ العلماء من هذا الحديث جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر، وقتل من أعان على رسول الله ﷺ بيده، أو ماله، أو لسانه، وكذلك الأخذ بالشدة في محاربة المشركين، والوصول إليهم في عقر دارهم، والتعرض للمخاطر لأجل رفع لواء الإسلام، ونصرة الله ورسوله،

 
 

كانوا مجاهدين وليس نائمين، كانوا عاملين وليسوا خاملين، كانوا مضحين وليسوا من أهل الدنيا، كانوا طائعين وليسوا عصاة فاسقين، كانوا يسهرون في الليل قائمين لله، وفي النهار مجاهدين في سبيل الله، وليسوا في الليل على المعاصي وفي النهار على الدنيا.

أيها الإخوة: لذلك انتصر ذلك الجيل، فإذا قال قائل: ما بالنا لا ننتصر؟ فالجواب واضح من حالنا.

اللهم إنا نسألك أن ترد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم أيقظ في نفوس المسلمين الحمية لجهاد اليهود، واجمع كلمتهم على قتال المشركين يا رب العالمين، اللهم انصر هذه الأمة نصراً عاجلاً، اللهم أغثهم غوثاً سريعاً، اللهم إنا نجأر إليك في ساعتنا هذه أن تجعل فرج المسلمين قريباً.

 أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.

الخطبة الثانية
01:01:06

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى خلفائه وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

التذكير بأهوال يوم القيامة وما يحدث فيه من الأمور العظام
01:01:32

عباد الله:

اتقوا الله حق تقاته، واتقوا يوما لا يجزي والد عن ولده شيئاً، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، اتقوا يوم القيامة يوم يجمعنا الله في يوم لا ريب فيه، يوم الحشر، إنه اليوم الآخر الذي تقوم فيه الساعة، إنه يوم البعث الذي تبعث فيه الأجساد من قبورها، إنه يوم الدين يوم الحساب والجزاء؛ لأن الله يجزي العباد ويحاسبهم في ذلك اليوم، إنها الصاخة يا عباد الله، إنها التي تصخ الأسماع وتورث الصمم من قوة الصوت فيها، ففيها زلزلة وصوت قوي شديد، يصم الأسماع من قوته فلذلك سميت بالصاخة، إنه يوم الخروج الذي يخرج فيه العباد من قبورهم عندما ينفخ في الصور.

عباد الله:

اخشوا القارعة التي تقرع القلوب بأهوالها، اخشوا يوم الفصل، وما أدراك ما يوم الفصل؟ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَسورة المرسلات 38إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَسورة الدخان 40. يفصل الله بين الناس، بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين الظالم والمظلوم، يفصل بينهم، إنها الطامة الكبرى التي تطم على كل أمر هائل مفظع وتزيد عليه وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّسورة القمر 46.إنها تعلو وتغلب على كل هائلة أخرى، الطامة التي تطم تعلو على كل شيء آخر، فينسى الناس لأجلها أي شيء آخر يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ سورة الحـج 2يوم الحسرة وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ سورة مريم 39. لماذا يوم الحسرة؟ لشدة تحسر العباد في ذلك اليوم وتندمهم، فأما الكفار يتحسرون لعدم إيمانهم قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا سورة الأنعام 31.والفساق الفجار، وما أكثر الفجور اليوم حتى بين المسلمين، شراب الخمور ومواقعو الزنا أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ سورة الزمر 56-58. لكن هيهات فات الأوان لا يرجعون، قضى الله أنهم إلى الدنيا لا يرجعون، حتى أهل الإيمان يمكن أن يتحسروا يوم القيامة على ساعة مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله فيها، وكل مجلس من المجالس، أياً ما كان هذا المجلس لا يذكر الله فيه، ولا يصلى على النبي ﷺ إلا كان حسرة على أصحابه يوم القيامة، فكثيراً ما هي تلك المجالس التي يضيعها أصحاب الشُلل، ولعب الورق، وغير ذلك، والمتفرجين على القنوات بالباطل، لا يذكرون الله فيها، ولا يصلون على النبي ﷺ، هذا لا يتناسب أصلاً مع ما يفعلونه في مجالسهم، هذه المجالس تعاطي كثير من المنكرات، وفري الناس بالألسن حسرة على أصحابها يوم الدين.

إنها الغاشية هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِسورة الغاشية 1. التي تغشى الناس بأفزاعها وتعمهم، والنار تغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، هؤلاء أهل النار.

أيها المسلمون:

إنه يوم الحساب إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ سورة ص 26. يحاسب الله فيه عباده، ومعنى الحساب: أن الله يعدد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، فعلت يوم كذا: كذا وكذا، فعلت يوم كذا: كذا وكذا، فعلت يوم كذا: كذا وكذا، كم فعل؟ ويعدد عليهم نعمه، ويقول: أعطيتك كذا وكذا، وجعلتك ترأس، وأعطيتك منصباً، ومالاً، وزوجةً، وأولاداً، وصحة، وأعطيتك كذا، حتى الماء البارد، ثم يقابل البعض بالبعض، حساب، فما زاد فالحكم لصاحبه، زادت الحسنات نجا فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَسورة آل عمران 185وإن كانت الأخرى فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌسورة القارعة 9-11. إنها الواقعة التي لا بد أن تقع متحققة الوقوع إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُسورة الواقعة 1إنها الآزفة وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ سورة غافر 18أزف اقترب، فإذن هي قريبة وإن رآها الناس بعيدة إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًاسورة المعارج 6-7. وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ سورة الحـج 47والزمن يمضي بسرعة، إنه يوم الجمع، يجمع الله فيه الأولين بالآخرين وآدم بأولاده والأرواح بالأجساد والخصماء يجمعهم جميعاً ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ سورة هود 103.

إنها حاقة يتحقق فيها الوعد والوعيد الْحَاقَّةُ سورة الحاقة 1. تحق فيها الأشياء، إنه يوم التلاقي يا عباد الله، يوم التلاقي يلتقي فيه آدم وآخر ولد من أولاده، يتلاقى فيها العباد، وأهل الأرض بأهل السماء، ويلتقي الخالق بالمخلوقين، لقاء، لقاء الله رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِسورة غافر 15.

إنه يوم التناد؛ لكثرة ما يحصل فيه من النداءات، ينادى أصحاب الجنة، وينادى أصحاب النار، وينادى أهل الأعراف، وينادي أهل الأعراف، وينادي أهل الجنة، وينادي أهل النار، مناداة، ينادَون وينادُون، فهو يوم التناد، وهو يوم التغابن الذي يغبن فيه أهل الجنة أهل النار، هناك مقاعد في الجنة لأهل النار من الذي سيرثها؟ أهل الجنة، هناك مقاعد في النار لأهل الجنة من الذي سيرثها؟ الكفار وهكذا، فيرث هؤلاء نصيب هؤلاء، ويرث هؤلاء نصيب هؤلاء، وهكذا يكون الغبن العظيم، يغبنون غبناً فاحشاً، ولا غبن أعظم من هذا، غبن أهل النار.

أيها الإخوة:

إن الله قد حذرنا ذلك اليوم؛ لأجل أن نستعد له ونعد العدة، فليسأل كل واحد منا نفسه ماذا أعددت ليوم الحساب، السؤال المهم والخطير: ماذا أعددنا لذلك اليوم؟

اللهم نجنا في ذلك اليوم يا رب العالمين، اللهم اجعلنا فيه من الآمنين، اللهم اسقنا فيه شربة من حوض نبيك لا نظمأ بعدها أبداً.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.