الأربعاء 19 محرّم 1441 هـ :: 18 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

تأملات قرآنية


عناصر المادة
الخطبة الأولى
كيف يستمتع المسلم بكتاب الله
الخطبة الثانية
قراءة التفسير يساعد على فهم معاني القرآن.
الخطبة الأولى
00:00:10

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

كيف يستمتع المسلم بكتاب الله
00:00:53

أصدق الحديث كتاب الله، فيه خبر من قبلنا، ونبأ من بعدنا، وحكم ما بيننا هذا الكتاب الذي جعله الله سبحانه وتعالى حبلاً ممدوداً بيننا وبينه، فيه آيات بينات، نور وبركة، وهو شفاء لما في الصدور، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِسورة المائدة16. معجز في لفظه، معجز بما حواه، هذا القرآن العظيم لو تدبر فيه المسلم لرأى فيه ما يحير الألباب، لرأى فيه ما يثبت على طريق الهدى والصواب، لرأى فيه الحكم والأحكام والمواعظ والأخبار والقصص والأمثال

 

أصدق الحديث كتاب الله، فيه خبر من قبلنا، ونبأ من بعدنا، وحكم ما بيننا هذا الكتاب الذي جعله الله سبحانه وتعالى حبلاً ممدوداً بيننا وبينه، فيه آيات بينات، نور وبركة، وهو شفاء لما في الصدور، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ سورة المائدة16. معجز في لفظه، معجز بما حواه، هذا القرآن العظيم لو تدبر فيه المسلم لرأى فيه ما يحير الألباب، لرأى فيه ما يثبت على طريق الهدى والصواب، لرأى فيه الحكم والأحكام والمواعظ والأخبار والقصص والأمثال

 

، يرى فيه وحدانية الله تعالى، والدلالة على ذلك والأوامر الإلهية، والأحكام، وكذلك يرى ما فيه مما يدهش في صياغته، ولفظه، وما يحويه من المعاني، وإذا تأملت يا عبد الله ما في هذا القرآن من العجائب، فإنه يزيدك إيماناً وتنتقل من مجرد القراءة إلى التأثر ومن السماع إلى الاستماع ومن الاستماع إلى الاستمتاع والتلذذ بكلام الله سبحانه وتعالى، وهذا ما ينبغي أن يرتقي المسلم فيه بنفسه، فإذا تأملت ما فيه من النظم العجيب وكيف يدل التقديم والتأخير فيه على أمور متعددة لوجدت عجباً، فمن ذلك وأنت تقرأ في سورة الفاتحة:إِيَّاكَ نَعْبُدُ سورة الفاتحة5.قدم المفعول به على الفعل، وأصل الجملة نعبد إياك، يتقدم الفعل أولاً، فلماذا قدم المفعول هنا وقال: إياك نعبد وما الفرق بين إياك نعبد ونعبدك؟ الجواب: إن هذا التقديم والتأخير يفيد الحصر إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني: لا نعبد إلا أنت كما قال تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ سورة الزمر66. حصر العبادة فيه سبحانه، وعدم إشراك أحداً معه فيها، بينما لما قال:اهدِنَا الصِّرَاطَ سورة الفاتحة6. ما قدم وأخر هنا كما سبق، ما قال: إيانا اهد، وإنما قال: اهدِنَافقدم الفعل أولاً؛ لأن الهداية ليست محصورة فينا، بل يهدينا ويهدي غيرنا؛ ولذلك أنكر النبي ﷺ على الأعرابي لما قال: ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال: لقد حجرت واسعاً (رواه البخاري6010).

عندما تتأمل في هذا النظم العجيب: لما مر سليمان وجنوده على وادٍ النمل قالت نملة نادت: يَانبهت أَيُّهَا خصت وسمت النَّمْلُ أمرت ادْخُلُواعينت مَسَاكِنَكُمْ، لَا يَحْطِمَنَّكُمْ حذرت، سُلَيْمَانُ خصت، وَجُنُودُهُ عمت، وَهُمْأ شارت، لَا يَشْعُرُونَ اعتذرت، اعتذرت وبينت عذر نبي الله سليمان وأنه لو حطم بمن معه النمل فهو غير مدرك لوجودهن، وعندما تتأمل الاختصار، وكيف تعرض الأحداث بشكل سريع في كلمات وجيزة وجمل قصيرة كما ذكر ربنا في نهاية قوم نوح، وَقِيلَالفعل المبني للمجهول، يَاالنداء، أَرْضُ ابْلَعِي أمر مَاءكِ، وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَسورة هود44. دعاء عليهم، هكذا توالت في إيقاع سريع هذه الجمل القصيرة التي فيها كل القصة، ما بعد الإهلاك ماذا حصل، وَقِيلَ يَا أَرْضُوالله ينادي مخلوقاته فتستجيب، كما قال في آية أخرى عن السماوات والأرض اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ سورة فصلت11. هذا البيان وهذه الفصاحة والبلاغة التي جعلت العرب وهم في قمة البلاغة لما نزل القرآن ما كانوا في تخلف بلاغي مثل الآن، كانوا في قمة البلاغة والفصاحة، معلقاتهم على الكعبة التي فيها ذلك البيان وتلك الفصاحة، لكن لما نزل أعجزهم أسكتهم، كما قال بعض أئمة اللغة وهو مار بقوم فرأى جارية قد حملت قربة ماء فعجزت عنها فوقعت فانكسر فم القربة، وهي تقول: "يا عم، تريد الاستعانة به: أدرك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها". قال: "ويحك ما أفصحك"، قالت: "لا فصاحة بعد القرآن، فإن الله في آية واحدة ذكر خبرين وأمرين ونهيين وبشارتين، وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى خبر، فَإِذَا خِفْتِ إخبار لها بأن ذلك سيقع، وماذا ستعمل عنده، أَنْ أَرْضِعِيهِ الأمر الأول، فَأَلْقِيهِ الأمر الثاني، وَلَا تَخَافِي النهي الأول، وَلَا تَحْزَنِي النهي الثاني، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِالبشارة الأولى، وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ البشارة الثانية، وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ سورة القصص7.

وترى ما في القرآن من التقديم والتأخير مدهشاً، فعندما ذكر الثقلين في موضع قدم الإنس وفي موضع قدم الجن، فقال سبحانه: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًاسورة الإسراء88.  بينما قال في آية أخرى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ سورة الرحمن33كلاهما في معرض التحدي، الأول: التحدي في الإتيان بمثل كلام الله، والثاني: التحدي أن ينفذوا يوم القيامة من حصار الملائكة التي تطوقهم، فلا يستطيع أحد أن يخترق؛ لأنه لا سلطان إلا سلطان الله هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ سورة الحاقة29.لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ سورة الرحمن33. ولا سلطان لكم، فلماذا قدَّم الإنس في معرض التحدي بالقرآن للإتيان بمثل القرآن، وقدم الجن في معرض التحدي بالنفاذ من أقطار السماوات والأرض والهرب؟ الجواب: لأن الإنس في باب الفصاحة والبلاغة والبيان أقدر من الجن، ولذلك قال: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا سورة الإسراء88. بينما الجن أقدر من الإنس في النفاذية والاختراق والطيران ولذلك قدمهم في التحدي في الهرب والاختراق يوم القيامة فقال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ سورة الرحمن33.ترى الألفاظ التي اختيرت بعناية.

نوح عليه السلام قال عنه: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا سورة العنكبوت14. ما قال: ألف سنة إلا خمسين، ولا قال: ألف سنة إلا خمسين سنة، وكلها أعداد ألف وخمسين، قال: أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، فلماذا كانت السنة تمييزاً للألف والعام تمييزاً للخمسين؟ من المعروف في لغة العرب أن كلمة السنة تأتي بمعنى الشدة والقحط، واجعلها عليهم سني كسني يوسف [رواه البخاري804]. وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ سورة الأعراف130.قحط، وكانت المدة التي قضاها نوح في قومه سنوات شدة، قحط في عدد المدعوين الذين استجابوا، ما استجاب إلا قليل جداً، وكانت من قومه إيذاء وحصار، كرب وشدة، بينما كانت الخمسين التي قضاها بعد هلاكهم هو والذين نجو معه وآمنوا كانت سنوات طيبة، ولذلك عبر بالسنة هناك وبالعام هنا كما قال يوسف عليه السلام:ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَسورة يوسف49.

أنت ترى يا عبد الله: حسن اختيار الكلمات والعناية بذلك في التعبير عن الأمر الطيب والأمر السيئ. اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ سورة الفاتحة6-7. ضاف الإنعام إلى نفسه أَنعَمتَإضافة صريحة مباشرة، غَيرِ المَغضُوبِ مبني للمجهول، ما قال: غير الذين غضبت عليهم، تعليماً للأدب في الخطاب، ولذلك قالت الجن وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا سورة الجن10 ففي الرشد والأمر الحسن جاء التعبير أَرَادَمباشر، في نسبة ذلك إليه، وفي الشر أُرِيدَ، أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِفجاء التعبير بالمبني للمجهول، مع أن الله هو الذي أراد في الحالين، لكن أدب الخطاب، قال الخليل: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ سورة الشعراء78-79.فنسب الفعل إلى الله مباشرة لما كانت أشياء طيبة: خلقني، يهديني، يطعمني، يسقيني، قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ سورة الشعراء80. ما قال: يمرضني، إذا أمرضني، وإنما قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِوالشفاء أمر طيب فأضافه مباشرة إلى الله، وعبد الله الصالح الخضر قال في خرق السفينة وعيب السفينة: الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وفي قضية إنقاذ الوالدين من الولد الكافر وكذلك في تنشئة الولدين الغلامين في المدينة، فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ، أراد الله أن يبدلهما، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا؛ لأن الإبدال خير فنسبه إلى الله مباشرة وذكر الفاعل.

إذا تأملت ختام الآيات فهو عجب عجاب، ويروى أن الأصمعي رحمه الله تعالى لما كان جالساً في المجلس وقرأ قول الله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ سورة المائدة38.  سها وقال: والله غفور رحيم، وكان بجانبه أعرابي جالس فقال: ما هذا؟ قال: كلام الله، قال: ليس هذا بكلام الله، فانتبه الإمام رحمه الله وأتى بالآية كما هي: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وكان من قبل قد قرأها والله غفور رحيم، فأنكر الأعرابي أن يكون ختم الآية بغفور رحيم أن يكون كلام الله، فقال الأصمعي للأعرابي: تحفظ القرآن، تقرأ القرآن يعني تحفظه؟ قال: لا، قال: كيف علمت؟ قال: هذا ليس موضع رحمة فيغفر ولكنه موضع عزة فيحكم، فلا يمكن أن تكون الآية وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِوالله غفور رحيم ، لا يمكن لكن وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ نعم هذا كلام الله.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل القرآن، بارك لنا في القرآن العظيم وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
00:17:49

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأنزل الكتاب فيه آيات محكمات، وجمعه في صدر نبينا صلى الله عليه وسلم، فلم ينس منه شيئاً، أشهد أنه رسول الله الرحمة، المهداة البشير والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله، وصحبه، وذريته الطيبين، وأزواجه، وخلفائه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله:

هذا القرآن ثروة عظيمة، هذا القرآن مائدة كبيرة، هذا القرآن ما قدره كثير من المسلمين حق قدره، فلا يزال مهجوراً بينهم، تارة هجر تلاوة، وتارة هجر تدبر، وتارة هجر عمل، وتارة حتى هجر الاستشفاء به أهملوا ذلك، لا بد من العودة للقرآن، لا بد من التلاوة بعناية، لا بد من معرفة التفسير للتدبر، فإنه والله فيه الأعاجيب، وأنت ترى هذه الكلمات وهذا التعبير مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ  سورة النحل66. لبناً، الفرث والدم مستقذران، بقدرة الله ينشأ من بينهما لبن خالص من الشوائب ليس مثل الفرث شوائب، سائغ ليس مثل الدم مقرف في شربه، لا يستسيغه أهل الفطر السليمة، تجد الترتيب في الكلمات، وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ سورة النحل68. لتجد التدرج في النزول، فإن من النحل نحل جبلي يكون في الجبال في أعاليها يتخذ بيوتاً مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا، ومنها ما هو شجري وَمِنَ الشَّجَرِ خلاياه تحت، وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ما يصنعه الناس لها للنحل، وهذا أسفل من الشجر، فتأمل كيف تدرج في النزول الجبال، الشجر،  يعرشون، ورتب ليس هناك عشوائية ولا فوضى، كل كلمة لها دلالة، وكل حرف له دلالة، وكل ترتيب في الكلمات له دلالة، في معرض تقبيح الفاحشة في تلك الكلمات ذكرها ربنا عن النسوة في امرأة العزيز ماذا فعلت؟ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ سورة يوسف30. امرأة أنثى، والزنا من الذكر قبيح ومن الأنثى أقبح؛ لأن فيها حياء أكثر مما في الذكر، ولذلك قال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ سورة النــور2. فقدم الزانية، مع أن الزنا منهما جميعاً قبيح، امْرَأَةُ الْعَزِيزِ إذاً هي متزوجة، ليست عزباء، والزنا من المتزوجة أقبح فقد كفاها الله وأغناها وأعفها بزوج فلماذا تزني لماذا تريد الفاحشة؟ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ العزيز: إذاً هذا صاحب مرتبة اجتماعية عالية فهذه ليست من سقط القوم والمفترض في أصحاب المراتب الاجتماعية العالية المحافظة على السمعة، ومع ذلك تريد الفاحشة، امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ العادة أن المرأة مطلوبة والرجل طالب، حتى في النكاح، لكن أن تكون هي الطالبة وهو المطلوب إن عكس هذا يدل على قبح إضافي تراود هي بنفسها، ثم تراود من؟ فَتَاهَا إذاً لم تراود رجلاً في مثل طبقتها الاجتماعية من الذي راودت إذاً؟ عبدها مملوكها خادمها، هذا أقبح، امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا تحوي هذه المعاني في هذه الكلمات القليلة نظم قرآني معجز، ولكل حرف دلالة، فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا سورة الكهف97. لماذا أضيفت التاء في النقب وحذفت في الظهور على السد؟ لا بد لكل زيادة في المبنى من زيادة في المعنى، فما هي الزيادة في المعنى الذي أضافتها إضافة التاء وزيادتها، أيهما أصعب الظهور على السد والارتقاء من فوق أم النقب والخرق، وهذا سد من قطع من حديد آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ سورة الكهف96. جمعت بإرشادات وخطة ذي القرنين رحمه الله لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً في غاية التخلف، علمهم الصناعة وكيف يحمون أنفسهم، ووضع خطة العمل زُبَرَ الْحَدِيدِ ثم أججوا النيران، هاتوا المنافخ انفخوا فصارت النيرات تصهر قطع الحديد لتلتحم مع بعضها البعض في جسم واحد يملأ ما بين السدين الجبلين، انفخوا، حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا وطبقاً واحداً منصهراً قال: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا النحاس المذاب، نحاس مذاب يصب فوق هذا السد الحديدي، حديد ملبس بالنحاس سبيكة في غاية المتانة والصلابة اختراقها صعب جداً جداً أصعب من الارتقاء عليه، ولذلك قال: فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا، والأمثلة كثيرة جداً.

يا عباد الله:

ونحن نرى هذا الإعجاز العظيم في كلام الله سبحانه وتعالى نرى العجب العجاب فيه حتى في التشبيه، لما وصف شجرة الزقوم قال: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ سورة الصافات62. شجرة الزقوم من عالم الغيب في جهنم، ليست موجودة في الدنيا، ورؤوس الشياطين بالنسبة لنا من عالم الغيب؛ لأننا لا نراهم، ولم نر الشيطان، لا نراه، فشبه غيباً بغيب، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ، فكيف شبه غيباً بغيب ونحن لم نر هذا ولا هذا؟ الجواب: أنه أراد بيان قبحها وقد استقر في النفوس أن الشياطين في غاية القبح شكلاً ومضموناً؛ ولذلك جرى في التشبيه على ما استقر في النفوس من قبح الشياطين، فقال عن شجرة الزقوم: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ، قبيحة المنظر جداً.

للحرف الواحد دلالات، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى سورة الضحى5. ما هو الفرق بين السين وسوف، ما هو الفرق بين سيعطيك وسوف يعطيك؟ الجواب: إن سوف تدل على مزيد من التنفيس ومزيد من طول الأمد، ولذلك سميت حرف تنفيس؛ لأن الزمن فيها أطول، فكأنه يقول له: سيعطيك الله فاصبر، وإذا ما جاءت العطية الآن لا تيأس وعليك بالصبر والعطية ستأتي ولا بد.

قراءة التفسير يساعد على فهم معاني القرآن.
00:27:54

عباد الله:

لا تنقضي عجائب القرآن، ومهما استغرق المستغرقون في دراسته والتأمل فيه والنظر والمقارنة والبحث والتدبر لن تشبع النفوس ولن تنقضي عجائب القرآن، لكن بلا تفسير، بلا معرفة المعاني كيف ستتدبر، لا بد من معرفة المعاني، اقرأ ولو التفسير الميسر، ولو تفسيراً مختصراً، ثم تحيي سنة المدارسة في بيتك مع أهلك وأولادك على مائدة هذا القرآن العظيم.

 

لا تنقضي عجائب القرآن، ومهما استغرق المستغرقون في دراسته والتأمل فيه والنظر والمقارنة والبحث والتدبر لن تشبع النفوس ولن تنقضي عجائب القرآن، لكن بلا تفسير، بلا معرفة المعاني كيف ستتدبر، لا بد من معرفة المعاني، اقرأ ولو التفسير الميسر، ولو تفسيراً مختصراً، ثم تحيي سنة المدارسة في بيتك مع أهلك وأولادك على مائدة هذا القرآن العظيم.

 

اللهم اجعلنا من أهلك؛ أهل القرآن، علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آنا الليل وأطراف النهار، اللهم اجعلنا به عاملين، وعلى هديه سائرين، وبنوره مستبصرين يا أرحم الراحمين.

عباد الله:

الله عز وجل ذكر الظلمات بالجمع والنور بالإفراد، وقال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا سورة الأنعام153. بالإفراد والسبل بالجمع؛ ليبين لنا أن طريق الحق واحد.

اللهم اجعلنا من أهل الصراط المستقيم، وجنبنا سبل الضلال يا رب العالمين، أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم ارحم موتانا واشف مرضانا، واقض ديوننا، واستر عيوبنا، واجمع على الحق كلمتنا، اللهم انصر إخواننا في الشام وبورما ومالي وسائر الأرض يا رب العالمين، اللهم اقمع الباطنية والصليبيين، واليهود والمشركين، اللهم اجعل بأسهم بينهم واجعل دائرة السوء عليهم، وائتهم من حيث لا يحتسبون واجعلهم وأموالهم وأسلحتهم غنيمة للمسلمين، اللهم عجل فرج المسلمين، يا أرحم الراحمين اكشف ما نزل بهم من ضر يا رب العالمين، اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ذنوبنا كيوم ولدتنا أمهاتنا، اللهم اجعلنا آمنين في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء والفتنة والبلاء والغلاء يا سميع الدعاء.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

1 - (رواه البخاري6010)
2 - رواه البخاري804