الخميس 24 ربيع الأوّل 1441 هـ :: 21 نوفمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

الجهاد


عناصر المادة
أهمية وفضل الجهاد في سبيل الله.
ربط النفس المؤمنة بالثواب الأخروي.
سبب عدم مسارعة الإنسان للعمل.
الجهاد أفضل عقد.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أهمية وفضل الجهاد في سبيل الله.
00:01:24

لقد أنزل الله علينا آياته العظيمة لنتدبرها ونتفكر فيها، وكثير من الأحيان تكون آية من كتاب الله مفتاح خير عظيم في قلوب كثير من المسلمين الصادقين، وكثير من الأحيان ما تكون آية من كتاب الله نقطة تحول عظيمة في حياة فرد مسلم يسير إلى ربه على هدىً وبصيرة، وأحياناً ما تكون آية من كتاب الله تجديداً لعقد وعهد مع الله عز وجل فيها دفع لكثير من الشرور والويلات، وإزالة لكثير من الصدى الذي علق بنفوس المسلمين، يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ سورة التوبة111، قال صاحب الظلال رحمه الله: هذا النص الذي تلوته من قبل وسمعته ما لا أستطيع عده من المرات في أثناء حفظي للقرآن، وفي أثناء تلاوته، وفي أثناء دراسته بعد ذلك، هذا النص حين واجهته في الظلال أحسست أني أدرك منه ما لم أدركه من قبل في المرات التي لا أملك عدها، إنه نص رهيب يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين بالله؛ وعن حقيقة البيعة التي أعطوها، وفي توحيدنا لربنا سبحانه وتعالى، نقول: إنه هو الله الأكرم الكريم الجواد المنان، هذه الأسماء وغيرها تظهر معانيها بجلاء ووضوح في مثل هذه الآية: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، من هو صاحب السلعة أصلاً، من صاحب النفس، من هو خالقها، من الذي يملكها؟ إنه الله عز وجل، عجباً يشتريها وهو يملكها، يعطي مقابلاً لها وهي ملكه أصلاً، ولهذا قال الحسن وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم، إنها رحمة الله بهذه النفس، إن النفس تريد مقابلاً، إنها مفطورة على طلب الجزاء والثواب، لا تعطي بدونه، هكذا فطرها الله سبحانه، فهو يشتريها منهم ويعطيهم مقابلاً لها، وأي مقابل؟ إنها الجنة، وتأمل يرحمك الله- يا أخي - في هذه الصيغة إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ فجعل المبيع هو المقصد وهو العمدة في العقد، وهو أنفس المؤمنين وأموالهم، ولم يقل: إن الله باع الجنة بأنفس المؤمنين وأموالهم وإنما قال: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم هذا هو المهم الأهم الذي ينصب عليه العقد بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وهذا زيادة في التكريم والتقدير لأنفس المؤمنين وأموالهم، ورفعة لهم، واعتناءً بهم رحمة من الله عز وجل.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وتأمل قوله سبحانه: بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، لم يقل اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة، وإنما قال: بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم، كأنه قيل: بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم، وتأمل في قوله سبحانه: يُقَاتِلُونَ وَيُقْتَلُونَ، لم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل إذا كانوا قاتلين أيضاً تم ذلك العقد وحق لهم ذلك الثمن، قاتلين في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ولنصر دينه، وتأمل في قوله: يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ هي إشارة إلى مكان التسليم، أين مكان التسليم؟ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ، أين مكان التسليم؟ إنه ساحة المعركة، إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم: (الجنة تحت ظلال السيوف)(رواه البخاري2819)، لقد انعقد البيع وانتهى ولكن مكان التسليم في ساحة المعركة، وكذلك قوله: يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ معرفة ما هو السبب الذي لأجله قد انعقد البيع، هو الجهاد والقتال لإعلاء كلمة الله، وتأمل في قوله سبحانه وتعالى: وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ، أربع مؤكدات يؤكدها سبحانه وتعالى على نفسه، لماذا أيها الإخوة؟ إن الله أصدق قيلاً وأصدق حديثاً، لا يوجد أصدق منه في قوله وحديثه، والله لا يخلف الميعاد، فلماذا إذن يقول: وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ومن أوفى بعهده من الله، إنها لدفع النفوس المسلمة إلى التضحية في سبيل الله، إن المؤمنين الخلص، يكفيهم الوعد؛ لأن إيمانهم بالله عز وجل وبصفاته يؤدي بهم إلى تصديقه سبحانه وتعالى في كل كلمة وفي كل وعد يعدهم لا يحتاجون إلى أوراق، ولا إلى أختام، ولا إلى رهن، ولا إلى  أشياء محسوسة، وإنما هو وعد من الله يكفي لأن يعمل المسلمون بكل طاقاتهم وأن يضحوا بكل إمكاناتهم.

ثم قال سبحانه: فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ، لقد آن لكم أن تستبشروا وأن يحل بكم السرور والمسألة قد أبرمت وانعقدت وانتهت لقد آن لكم أن تستبشروا، بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ في المستقبل، هذا البيع في المستقبل نسيئة ولكن نسيئة الله أقوى من نقد غيره، وتأمل عمق هذه الكلمة إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ، إذن لما اشتراها الله سبحانه وتعالى خرجت من عهدتهم لم تعد لهم، وهو ليست لهم أصلاً، ولكن زيادة تكريم وتأكيد، ولما كان الأمر كذلك صارت نفس المسلم موهوبة لخدمة الدين، لخدمة الخالق عز وجل، خدمة شريعته ودينه، ولذا وجب صرفها لصاحبها، وحبسها على خدمة مالكها، تقدم لخدمة الدين ولنفع عباد الله المؤمنين، تقدم النفس عن طيب نفس، إذن لا محل للشهوات المحرمة، ولا للأهواء المتبعة في هذه النفس؛ لأنها صارت وقفاً لله تعالى.

ربط النفس المؤمنة بالثواب الأخروي.
00:10:58
 
هدف القرآن في ربط النفس المؤمنة بالثواب الأخروي الجنة، وليس بالثواب الدنيوي، هذا هو المنهج الذي كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على تربية أصحابه عليه
 

 

وانظر إلى هدف القرآن في ربط النفس المؤمنة بالثواب الأخروي الجنة، وليس بالثواب الدنيوي، هذا هو المنهج الذي كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على تربية أصحابه عليه، كان يمر على آل ياسر وهم يعذبون في رمضاء مكة، فكان يقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)(رواه الحاكم5646)، ما اقتصر إلا على ذكر الجنة، (إن موعدكم الجنة) وليس شيئاً آخر، الجنة فقط، وليس ملكاً، ولا نعيماً، ولا أموالاً ولا مناصب ولا وجاهات، وإنما هي الجنة فقط، ولما عقد البيعة مع الأنصار بيعة العقبة، لما أعطوه النفوس والأموال في سبيل الدفاع عن بيضة الدين والذود عن حياض الشريعة، أن يفدوا رسول الله بما يفدوا به أموالهم وأهليهم، ماذا أعطاهم عليه السلام مقابل ذلك؟ ماذا أعطاهم؟ ما أعطاهم إلا الجنة فقط من عند الله عز وجل، بل وحتى بسطاء المسلمين في الصدر الأول الذين تربوا على يد الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح قصة الأعرابي الذي لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال قسمه بين الناس، فأوتي لهذا الأعرابي بجزئه ونصيبه من المال، فاستغرب واستنكر، وحمل المال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "ما هذا يا رسول الله، ما على هذا بايعتك، إنما بايعتك على أن أرم في سبيل الله بسهم هاهنا فأقتل فأدخل الجنة"، فقط، ما بايعتك على المال، بايعتك على أن أرم في سبيل الله بسهم في نحري هاهنا فأقتل فأدخل الجنة، ولما قامت المعركة، ونفر النفير، ذهب ذلك الرجل فقاتل في سبيل الله فأتي به بعد المعركة محمولاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصابه السهم في المكان الذي كان قد أشار إليه فمات، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدق الله فصدقه الله)(رواه النسائي1953)، لماذا التربية على الجنة؟ ولماذا ربط النفس المؤمنة بالجنة؟ حتى لا تفكر النفس بالثواب الدنيوي، فتطمع وتهلك وتتيه في أودية الدنيا وشعابها، حتى يستكمل الإخلاص، وحتى تنقى النية وتصبح النفس كلها سلماً لله عز وجل، هذه الآية مهمة جداً للمسلم في غمرة المشوار التربوي الطويل، في بعض الظروف والأحيان يكون المسلم بعيداً عن الجهاد وساحته ولما يأت وقت الجهاد بعد، وفي غمرة الانتظار قد تأسن النفس وقد تصدأ القلوب، وإذن كان لا بد من تحديث النفس على الأقل بالغزو إذا هي لم تغز، لأن من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية، كيف يحدث المسلم نفسه بالغزو؟ أيها الإخوة يحدثها بمثل هذه الآية، ولما جبلت النفس على البذل بقدر الثمن، فكلما كان الثمن أعلى كان العطاء المبذول أكثر وأوفر صار هذا أمر عجباً، لو كان العطاء مائة كان البذل بقدر ذلك، ولو كان العطاء ألفاً كان البذل بقدر ذلك، ولو كان العطاء مائة ألف كان البذل بقدر ذلك، ولو كان العطاء آلاف الألوف كان البذل بقدرها، ولكن لما كان العوض شيئاً غير محدود عقلاً، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لما كان العوض جنة عرضها السماوات والأرض صار بذل الإنسان المسلم الصادق بلا حدود، عطاءً في سبيل الله؛ لأن المقابل غير محدود، لذلك يكون العطاء غير محدود، وهذا من أسرار عظمة هذا الدين؛ لأنه يستثمر طاقات النفس البشرية المخزنة ويجعلها تنفق بلا حدود؛ لأن الثمن غير محدود، هذا هو الفرق بين عمل المؤمن في المجتمع المؤمن، وبين عمل الكفار في المجتمع الجاهلي؛ لأنهم يطلبون على أعمالهم ثمناً دنيوياً، وإذا لم يبذل لهم عوض ما بذلوا جهداً ولا عملاً، ولكن المؤمن يبذل ويبذل لله عز وجل، لا ينتظر شيئاً دنيوياً، لذلك كان معطاءً عطاءه لا ينقطع، بل إنه يتواصل، وتحل فيه البركة.

قال ابن عطية رحمه الله: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة وفى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ الآية، وهذه البيعة عظيمة عند كل مؤمن، لا تسقط إلا بسقوط إيمانه، وتجديد هذه البيعة، واستشعار هذا العهد دائماً مع الله عز وجل؛ هو الذي يطهر النفس من الآفات المهلكة والموروثات الجاهلية التي علقت وتراكمت على مر الطريق، وهذا التجديد في العقد والعهد هو الذي يضمن الاستعداد إذا جاء وقت المعركة؛ لأنه بغير استعداد إذا قام قائم الجهاد فإن سوق البيع إذا انقضى والمسلم قد توانى قد تفارط به الأمر، وفاته البيع وخسر الصفقة، فلا بد من تجديد العقد والعهد مع الله عز وجل، حتى إذا جاء الوقت وقام قائم الجهاد ونادى المنادي يكون المسلم على استعداد للنفير، انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاًسورة التوبة41.

سبب عدم مسارعة الإنسان للعمل.
00:18:06

ما الذي يقعد بالإنسان المسلم عن إتمام هذه الصفقة، وما الذي يثبطه، لماذا لا ينطلق، لماذا لا يسرع؟ إنها مسألة تتعلق بالإيمان بالغيب، إذا خف الإيمان بالغيب خف استشعار الثمن وعظم الجنة، كيف ينطلق الإنسان؟ النفس تريد الثواب معجلاً الآن، والجنة مؤجلة، النفس تستمتع الآن في الدنيا باللذات الحسية، ولكنها لا تستمتع بالجنة وهي في الدنيا؛ لأن الجنة في دار الآخرة، والإنسان قد خلق عجولاً، يريد الثواب الآن، يريد أن يرى الثمرة في الدنيا، يريد أن يرى الجزاء بعينيه، والثواب ماثلاً أمامه بين يديه، ولكن الله قد امتحن المسلم بثمن مؤجل ليس في الدنيا، ولذلك كان أول صفة وصف الله بها المتقين في أول سورة البقرة، آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَسورة البقرة1-2، أول صفة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِسورة البقرة3، الإيمان بالغيب ضعيف عند الكثيرين، ولذلك الحماس لهذا الدين قد خبا نوره وضعفت قوته، والقتل في سبيل الله وفقدان النفس، وذهاب أعز ما يملك الإنسان هو أمر صعب على الإنسان جداً، ما الذي يهونه؟ إنها التربية على مثل هذه الآية، إن الناس يموتون، كلهم إلى فناء، منهم من يموت بمرض، ومنهم من يموت بحادث، ومنهم من يموت بسقوط وتردٍ، ومنهم من يموت حرقاً، ومنهم من يموت غرقاً، فالموت لا بد منه، إذن فلتكن النهاية عزيزة كريمة في سبيل الله، فليكن هذا الذي لا بد منه في سبيل إعلاء كلمة الله.

 
إن الناس يموتون، كلهم إلى فناء، منهم من يموت بمرض، ومنهم من يموت بحادث، ومنهم من يموت بسقوط وتردٍ، ومنهم من يموت حرقاً، ومنهم من يموت غرقاً، فالموت لا بد منه، إذن فلتكن النهاية عزيزة كريمة في سبيل الله، فليكن هذا الذي لا بد منه في سبيل إعلاء كلمة الله.
 

أثامن بالنفس النفيسة ربها *** فليس لها في الخلق كلهم ثمن

بها أشتري الجنات إن أنا بعتها *** بشيء سواها إن ذلكم غبن

إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها *** فقد ذهبت مني وقد ذهب الثمن.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي علم الأمة أمر الجهاد وأقام لواءه، أصلي وأسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من سار على طريقه وسنته من عباده المؤمنين.

الجهاد أفضل عقد.
00:21:28

أيها الإخوة، إنكم لا ترون ترغيباً في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية، ولا ترى عقداً أعظم من هذا العقد، أعظم عقد عُقد في الكون إلى قيام الساعة، وإذا أردت أن ترى مدى شرف هذا العقد فتأمل من هو المشتري؟ إنه الله عز وجل، من هو البائع؟ إنهم المؤمنون، ما هي السلعة؟ إنها النفس الغالية والأموال العزيزة، ما هو الثمن؟ إنه الجنة، جنة عرضها السماوات والأرض، أين مكان التسليم؟ إنه في ساحة المعركة، أين كتب العقد ودون، أين؟ في أعظم كتب الله المنزلة الثلاثة، التوراة والإنجيل والقرآن، من هو السفير بين البائع والمشتري إنه أعظم الملائكة جبريل، وأعظم البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان هذا البيع بحق، وكانت هذه الصفقة أعظم صفقة عقدت في هذا الكون إلى قيام الساعة، وهي أفضل وأعظم مما يعقده الناس اليوم من صفقات، ومما يتباهون به ويتكثرون، ولكن أيها الإخوة إن آيات القرآن مترابطة، وإن معانيها متشابكة، ولذلك لو تأملت في الآية التي تلي هذه الآية لوجدت أمراً عجباً، إن الذين باعوا هذه البيعة، وعقدوا تلك الصفقة هم صفة مختارة ذات صفات مميزة، منها ما يختص بذوات أنفسهم في معاملتهم مع الله عز وجل في الشعائر، ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل لدين الله، وإقرار منهج الله في الأرض، من هم هؤلاء الذين يحق لهم أن يستبشروا بهذا البيع العظيم، يقول الله في الآية التي تليها: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَسورة التوبة112، إن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة إلى القتال، لا، إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في شعائر ومشاعر، وأعمال قلب وجوارح، وأخلاق ومعاملات، ولا يمكن لهذه القاعدة أن تستقر إلا بالتربية الصحيحة، طالت أم قصرت، مهما كانت وسائلها وأسبابها، فيظهر هذا الجهاد ويعلو على بنيان أساسه من تقوى الله ورضوان، تربية تنتج أناساً صفاتهم تائبون عابدون حامدون سائحون صياماً وسفر طاعة في الأرض، راكعون ساجدون آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر، حافظون لحدود الله، وبعد ذلك يتم تسليم الثمن لهم.

اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، اللهم طهرنا من الشح والبخل، اللهم واجعلنا موصولين بحبلك، اللهم واجعلنا مجاهدين في سبيلك، اللهم وإذا قام قائم الجهاد فاجعلنا من الذين ينفرون خفافاً وثقالاً، اللهم طهر بلاد المسلمين من الشرك والبدعة، اللهم طهر بلاد المسلمين ممن اغتصبها من أعدائك وأعداء المسلمين، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والكفر والزيغ والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد، اللهم من أراد بلدنا هذا بسوء وسائر بلاد المسلمين اللهم فاردد كيده في نحره، اللهم واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم واجعلنا من الذين يعبدونك على بصيرة، ومن الذي يجاهدون في سبيلك حق الجهاد.

1 - (رواه البخاري2819)
2 - (رواه الحاكم5646)
3 - (رواه النسائي1953)