الإثنين 24 محرّم 1441 هـ :: 23 سبتمبر 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

الاحتكار وغلاء الأسعار


عناصر المادة
الخطبة الأولى
موجة الغلاء تجتاح الأسواق
موقف التاجر المسلم عند الغلاء
توجيهات عند ارتفاع الأسعار
الفاروق وإدارة الأزمة الاقتصادية
حكم التسعير والاحتكار
شهر الله المحرم
الخطبة الأولى
00:00:05

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

موجة الغلاء تجتاح الأسواق
00:00:49

عباد الله، إن غلاء الأسعار مما عم به البلاء، وما يقع في الناس أولاً بسبب ذنوبهم: وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ سورة النساء:79، ولكن هذا الداء لا بد من النظر إليه من منظار الشريعة؛ لأن مثل هذه الظواهر الخطيرة إذا لم تُعالج أدت إلى كوارث ونتائج سيئة: انتشار الفقر في المجتمعات، وظهور الأمراض الخطيرة الاجتماعية من البطالة والسرقة والإجرام، وكثرة المتضررين، واتساع الطبقة الفقيرة، وإلحاق كثير من أفراد الطبقة المتوسطة بالفقراء، أن يشيع العنت، ويحدث التأثر المباشر لتمس الظاهرة الدخل الأسري، وهذا الدخل المسكين الذي ينتف من هنا، ويؤخذ من هنا إذا حصل لحوق الضرر به عم الغم والهم والحزن، والغني ربما لا يشعر، فيقول لمن يرسله لشراء شيء له: اشتره بأي ثمن كان.

 

فقير في المجاعة لا ينام *** ومسكين ببؤس مستهام

ومبخوس المعيشة فهو صب *** على علاته أبداً يلام

ويفترش الثرى والناس ناموا *** على ريش الأسرة قد أقاموا
 

وهنا موجة من الغلاء تجتاح أسواق العديد من البلاد العربية والإسلامية، ارتفعت فيها أسعار المواد الغذائية حتى الأساسية ارتفاعاً فاحشاً، مما أدى إلى إنهاك جيوب الشرائح الاجتماعية من ذات الدخل المحدود، ولا شك أن مثل هذا يؤدي بتسلسله إلى نتائج ذات آثار أخرى كعزوف الأفراد عن الشراء، وانخفاض حركة البيع والشراء مما يؤدي إلى الركود الاقتصادي، وهذا سيعم ضرره الكثير، تضاعفت أسعار الخضروات في بعض الحالات إلى مائتين أو ثلاثمائة بالمائة، وهكذا مس هذا الارتفاع حليب الأطفال، ومواد البناء، وأسلاك الكهرباء، والحديد والإسمنت، ثم الأراضي والعقارات، وارتفاع الإيجارات، وفواتير الخدمات، والنواحي الصحية، وتكليف التعليم والنقل، ونحوها، وهكذا من الأمور التي تضرب القوة الشرائية للفرد.

 

 

والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا أنه لا تصيبنا مصيبة إلا بما كسبت أيدينا، ولكن هذا يُدفع بالتوبة، ويدفع كذلك بمعرفة الأسباب وعلاجها، فإذا وُجد الجشع والطمع من بعض التجار فلا بد من علاجه، وإذا ضعفت المراقبة فلا بد من تعزيزها، وإذا تقلص دعم المواد الأساسية فلا بد من زيادته، وإذا كانت الخصخصة في بعض القطاعات هي السبب فلا بد من مراجعة، وإعادة النظر فيها.

وهذه العولمة التي أكلت الأخضر واليابس لها آثار بشعة في غلاء الأسعار، وتدخل الشركات الأجنبية الغنية التي تقوم بشراء المنشآت المحلية باسم تحرير التجارة، وإلغاء القيود، كلها في الحقيقية خسائر للاقتصاد المحلي؛ لأن هؤلاء سيقومون بتحويل أرباحهم أولاً بأول إلى الخارج، وفي بعض البلدان العربية بيعت شركات الإسمنت، وهي الصناعة الحاكمة في قطاعات البناء والإنشاءات إلى شركات أجنبية، وخلال خمسة عشر شهراً فقط ارتفعت الأسعار ثلاثة أضعاف، وكذلك تحولت صناعات أساسية في البلد كالنسيج إلى صناعات خاسرة بعد أن كانت رابحة، وإلى استيراد بعد أن كان تصديراً، وطرد للعمالة الكثيفة المدربة والخبيرة، وإخراج نحو من مائة وخمسين ألف فني وخبير في هذه الصناعة العريقة إلى سوق البطالة، ولما بيعت بعض مصانع الأدوية المحلية إلى شركات أجنبية هكذا أيضاً تضاعفت الأسعار، واشترط المشترون الأجانب ألا يقوم المحليون الذين باعوهم ببناء مصانع أخرى، عجباً لهذا، وهكذا تمضي العجلة في هذه العولمة التجارية التي تأكل الأخضر واليابس.

وقد كان غلاء الأسعار في تاريخ هذه الأمة حاصلاً في بعض مراحلها، فقد حكى صاحب النجوم الزاهرة في أواخر عهد بني العباس: "عظم الغلاء ببغداد في شعبان حتى أكلوا الجيف والروث، وماتوا على الطرق، وأكلت الكلاب، وبيعت العقار بالرغفان" أرغفة الخبز "وهرب الناس إلى بلدان أخرى؛ فماتوا في الطريق".

وضرب الغلاء أيضاً في القرن الخامس بعض بلدان المسلمين كمصر، وحصل بذلك هلاك كثير، وأكلت الدواب التي لا تؤكل، وكانت الأقوات في غاية القلة والغلاء، ومات كثير من الناس، حتى مات في شهر صفر وحده مائة وثلاثون ألفاً.

وهكذا من المصائب التي تبتلى بها هذه الأمة -وهي أمة مرحومة- جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وفتنة، كما أخبر النبي ﷺ.

موقف التاجر المسلم عند الغلاء
00:07:46

ونظرة إلى الواقع الإسلامي لحال التجار في عهد السلف تبين لنا كيف ينبغي أن يكون موقف التاجر المسلم في مثل هذه الأحوال.

إن محبة الخير للمسلمين أمر أساس، وقد كان الواحد يحذر أن يزداد ربحه على حساب معاناة الآخرين، والتاجر المسلم يتحلى بحسن النية، والرفق بالمسلمين، وتوفير الجيد لهم بالثمن المناسب لهم، وأن يكون أميناً، وقد خرج "النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار ، فاستجابوا لرسول الله ﷺ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق رواه الترمذي، وهو حديث صحيح [رواه الترمذي (1210)]، إنهم يجتنبون أكل أموال الناس بالباطل، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه [رواه أحمد (20172)]، ولا يغشون: "وقد مر النبي ﷺ على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟  قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال:  أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني " [رواه مسلم (102)].

التاجر المسلم لا يكذب، ولا يحتال، وهذا اللحن في الكلام، وأنواع المخادعة في الدعايات والإعلانات والمسابقات التجارية فيها كثير من الخداع للناس، وأكل أموالهم بالزور، ودفعهم إلى شراء ما لا يحتاجون، ويكون هذا المشتري المسكين في النهاية هو الخاسر.

ولا بد من التفقه قبل البيع والشراء، كما قال عمر رضي الله عنه: "لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين" حديث موقوف حسن [رواه الترمذي (487)].

وينبغي أن يكون سمحاً في المعاملة، سمحاً في القضاء والاقتضاء، سمحاً في البيع والشراء، وقد قال ﷺ: رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى [رواه البخاري (2076)]، وأن يكون سخياً بالصدقات: "قحط الناس في زمن أبي بكر، فقدمت لعثمان رضي الله عنه قافلة من ألف راحلة من البر والطعام، فغدا التجار عليه، فخرج إليهم، فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة براً وطعاماً، بعنا حتى نوسع على فقراء المدينة، فقال لهم: ادخلوا، فدخلوا، فقال: كم تربحوني على شرائي؟ قالوا: العشرة اثني عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة أربعة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة خمسة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال: زادني بكل درهم عشرة عندكم زيادة؟ قالوا: لا، قال: فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة"! هكذا كان عثمان رضي الله عنه، وابن عوف، وغيرهم من أغنياء التجار، يجودون على فقراء المسلمين، ولا يستغلون مثل هذه الفرص لكي يرفعوا الأسعار، ويحتكروا الأطعمة ليبيعوا على الناس بالغلاء، إن الرفق بالمسلمين أمر جد طيب، وإن الحرص على مصلحتهم أمر جد حسن، أين أخلاق الأمانة؟

جاء عن محمد بن المنكدر رحمه الله: أنه كان له سلع تباع بخمسة وأخرى بعشرة، فباع غلامه في غيبته شيئاً من الخمسيات بعشرة، فلما عرف لم يزل يطلب ذلك المشتري طول النهار حتى وجده فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة، فقال: يا هذا قد رضيت، قال: وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث: إما أن تستعيد مالك وتعيد السلعة، وإما أن نرد إليك خمسة، وإما أن تأخذ بدلاً من سلعة الخمس سلعة العشر، فقال: أعطني خمسة، فرد عليه خمسة، وانصرف الأعرابي المشتري يسأل ويقول: من هذا الشيخ؟ فقيل له: هذا محمد بن المنكدر، فقال: لا إله إلا الله، هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا.

يا ليتني أبيع الشيء يكسب فيه *** المشتري الربح ديناراً بعشرين

أحب شيء إلى نفسي معاملة *** كسب العميل فنأتيه ويأتينا
 

وكان أبو حنيفة رحمه الله بزازاً يبيع القماش، وكان عنده ثوب فيه عيب فجعله جانباً فجاء خادمه في غيبته، فباع الثوب المعيب بقيمته لو كان سليماً، فلما جاء الإمام إلى محله، وسأل عن ذلك الثوب، قال الغلام: بعته، قال: بكم؟ قال: بكذا، -أي: بسعر السليم-، قال: هل أطلعت المشتري على البيع الذي فيه؟ قال: لا، فتصدق بقيمة الثوب كله.

توجيهات عند ارتفاع الأسعار
00:13:47

عباد الله، في حالات ارتفاع الأسعار لا بد أيضاً للمستهلكين والمشترين من توجيهات:

فمن ذلك: عدم التوسع في الشراء، وجعله هواية كما هو عند الغرب، بعض الغربيين يجعلون من هواياتهم التسوق! النزول إلى الأسواق، الطواف بالأسواق، الشراء، صارت لذة وشهوة نفس، ليست بحسب الحاجة لكن شهوة ولذة وهواية! فنقول: هذا المال محاسب عليه الإنسان فيما اكتسبه وفيما أنفقه، فلا تجعلن الأمر الذي عليه مناط حسابك يوم الدين شهوة نفس، والمهم أن تشتري بغض النظر عما تنفق، وليس المسلم الحكيم بالذي يرهق نفسه بكثرة الشراء، ويهدر الأوقات والأموال والأعمار، وفي كثير من الأحيان يكون مصير شراء ما لا حاجة إليه من الأطعمة براميل القمامة، وقد قال تعالى: وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ، وقال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ سورة الأعراف:31، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها، فإن أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يصبرون عنها وتكثر أمراضهم بسببها".

مر جابر بن عبد الله ومعه لحم على عمر رضي الله عنهما، فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: هذا لحم اشتهيته فاشتريته، قال: أو كلما اشتهيت شيئاً اشتريته؟! أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَاسورة الأحقاف:20، ولا بد نم تربية الأولاد على هذا المبدأ لتكون الأسرة متحدة في هذه السياسة في الشراء.

ثم مراعاة الأولية في الإنفاق، وقد جاءت الشريعة بالحكمة، والحكمة وضع الأشياء في مواضعها، ونهت عن الظلم، وفي عدم وضع الشيء في موضعه في الشراء ظلم للنفس، وقد وجد في بعض الدراسات أن الكماليات هي ثلثا المشتريات، ووجد أن العربة التي تملؤها ربة البيت في البقالات والمحلات الكبيرة غالبها من هذا الجنس الذي يمكن الاستغناء عنه، يقول أحد المستهلكين: هذه المعلبات في الأسواق الكبيرة خربت بيت، كلما أذهب إليها لأشتري أدفع حوالي خمسمائة وأحس أني لم أشتر شيئاً مفيداً.

ثم ثالثاً: لا بد من ترشيد الاستهلاك، والحرص على أن يُصرف القرش في محله، وإذا صارت القضية إنفاقاً في سبيل الله جادت النفس، وأما بالنسبة لما يشتريه الإنسان في العادة فالسياسة فيه قوله تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًاسورة الإسراء:29.

ورابعاً: التحلي بخلق القناعة، والغنى في الحقيقة غنى النفس، والنبي ﷺ أوصانا في أمور الدنيا أن ننظر إلى من هو دوننا وليس إلى من هو فوقنا، فقال: انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله رواه مسلم [رواه مسلم (2963)]، وقال ﷺ: قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه رواه مسلم [رواه مسلم (1054)]، إذن إذا نظرت إلى من هو دونك في المعيشة حمدت الله على النعمة، أما إذا كنت ترمق من هو فوقك دائماً لا تستريح.

هي القناعة فالزمها تعش ملكاً *** لو لم يكن منك إلا راحة البدن

وانظر إلى مالك الدنيا بأجمعها *** هل راح منها بغير القطن والكفن
 

وخامساً: الفطنة وعدم الاغترار بالعروض والإعلانات والدعايات، نحن في عصر الإعلام والإعلان، وهذه الإعلانات تحوي كثيراً من المبالغات والكذب، وعلى العاقل ألا ينساق وراءها، وحتى لا يتزايد الشعور بالحرمان أيضاً إذا لم يستطع فيبقى في ألم وحسرة، أو يلجأ إلى الاستدانة، وهذه بطاقات الائتمانية التي كان في ترويجها خداع من أكبر الخداع للمسلمين، وغش من أعظم الغش للمسلمين، وإيقاع في الربا الذي هو من أكبر الآثام في حياة المسلمين؛ ولذلك لا بد من الحذر الشديد في قضية الشراء المسبق، ولا يشعر الإنسان ماذا يدفع؛ لأنه من المال الغير، ثم بعد ذلك سيشعر به آلاماً منغصة أضعافاً مضاعفة.

وسادساً: الحذر من إنفاق المال في المحرمات، والنبي ﷺ قد أخبرنا أن السؤال: من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ والإنفاق في الحرام تبذير، وقد قال الله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِسورة الإسراء:27، والعلاج العام للقضية التوبة والرجوع إلى الله، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَسورة الروم:41، فإذا ظهرت المنكرات في المجتمع، وعم الفساد والخنا والفجور، والربا والزنا أتاهم الله بأنواع البلاء: يحبس الغيث، يغلي السعر، وهكذا ما من مصيبة إلا وسببها الذنوب والمعاصي: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍسورة الشورى:30.

عباد الله، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، والاستغفار من أسباب الازدهار: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًاسورة نوح:10-12.

ثم عدم نسيان الفقراء، تقوم الجمعيات والمؤسسات الخيرية والأفراد بإيجاد الحلول على جميع المستويات لهؤلاء المساكين: وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَسورة البقرة:272، يا ابن آدم، أنفق؛ أنفق عليك [رواه مسلم (993)].

الفاروق وإدارة الأزمة الاقتصادية
00:21:14

عباد الله، لقد كان في تاريخنا المشرق من أنواع إدارة الأزمات قبل أن يعرفه أهل الإدارة في العصر الحديث، ولما قامت الأزمة في عهد عمر رضي الله عنه في عام الرمادة، وحصل قحط شديد، وقل الطعام، ودام تسعة أشهر وسمي بعام الرمادة؛ لأن الريح كانت تسفي تراباً كالرماد، وقيل: لأن الأرض صارت سوداء مثل الرماد، فما هي التدابير التي اتخذها عمر رضي الله عنه في إدارة هذه الأزمة؟

أولاً: حث الناس على كثرة الصلاة والدعاء واللجوء إلى الله، وكان يصلي بالناس العشاء ثم يخرج حتى يدخل بيته فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب -أطراف المدينة-، فيطوف عليها، ويقول في السحر: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي، ويقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين -يعني القحط-، وارفع عنا البلاء، يردد هذه الكلمة.

ثانياً: كتب إلى عماله على الأمصار طالباً الإغاثة، وفي رسالته إلى عمرو بن العاص والي مصر بعث إليه: يا غوثاه، يا غوثاه، أنت ومن معك، ومن قبلك فيما أنت فيه، ونحن فيما نحن فيه؛ فأرسل إليه عمرو بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدقيقة والدهن، وبعث إليه بخمسة آلاف كساء، وهكذا أرسل إلى سعد بن أبي وقاص؛ فأرسل إليه بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثة آلاف عباءة، وإلى والي الشام؛ فأرسل إليه بألفي بعير تحمل الدقيق، ونحو ذلك مما حصل من مواساة المسلمين لبعضهم؛ لأن هذه الأمة واحدة، فإذا مس بعضها شدة تداعى الباقي لها، جسد واحد.

ثالثاً: أحس عمر بمعاناة الناس، قال أنس رضي الله عنه: كان بطن عمر يقرقر عام الرمادة، وكان يأكل الزيت، ولا يأكل السمن، فقرقر بطنه؛ فنقرها بأصبعيه، وقال: تقرقر! إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيا الناس -أي: يأتي الله بالحياة والمطر الذي يغيث به الأرض-، وقال أسلم: كنا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت هماً بأمر المسلمين، ثم يقوم رضي الله عنه بوعظ الناس، وينادي: أيها الناس، استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، وسلوه من فضله، واستسقوا سقيا رحمه، وطلب الناس من العباس عم النبي ﷺ الرجل الصالح، وأقرب الحاضرين إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج ليستسقي لهم استشفاعاً بدعاء الرجل الصالح من آل البيت، وكان العباس حياً فلم يطلبوا من ميت، ولم يطلبوا شيئاً لا يقدر عليه الحي، وخرج العباس يدعو الله فدعا ودعا، وبكى فاستجاب الله، ونزل الغيث.

حكم التسعير والاحتكار
00:24:45

لا بد أن يكون في مجتمعات المسلمين العمل على زيادة الإنتاج، وتوفير السلع بأنسب الأثمان، ودعم السلع للمواد الأساسية، وانتشار المؤسسات الخيرية، والقضاء على الربا الذي هو السبب الرئيس للتضخم المؤدي إلى غلاء الأسعار، ثم منع الاحتكار، فهذه عدة إجراءات لمن ولاه الله أمر المسلمين أن يقوم بها، فيجوز له أن يسعر للناس إذا دعت الحاجة كما بين الفقهاء، والنبي ﷺ لما قالوا له: "سعر لنا" غلا السعر في عهده ﷺ، فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال  حديث صحيح [رواه الترمذي (1314)].

 

لا بد أن يكون في مجتمعات المسلمين العمل على زيادة الإنتاج، وتوفير السلع بأنسب الأثمان، ودعم السلع للمواد الأساسية، وانتشار المؤسسات الخيرية، والقضاء على الربا الذي هو السبب الرئيس للتضخم المؤدي إلى غلاء الأسعار، ثم منع الاحتكار

 

هذا الترك للتسعير؛ لأن المسألة لم تصل إلى حد الضرورة، والنبي ﷺ كان يرجو التفريج، وهذا ما حصل، وأما إذا وصلت القضية إلى تواطأ من التجار، وتلاعب بالأسعار، وحبس للمواد حتى يرتفع سعرها، ويكثر الطلب، والعرض قليل عن مؤامرة فلا بد من فك هذا الظلم، كما قال العلماء، ويكون في هذه الحال التسعير جائزاً, وإن طبيعة الاستغلال والجشع التي تدفع حتى إلى رفع أسعار الأدوية التي يحتاجها المرضى من غير اهتمام ولا نظر في حالهم، والأصل أنه لا يحدد سعر للبيع، والسوق يحدد السعر بنفسه، ولكن إذا كان الغلاء ناتجاً عن مؤامرة واتفاق وحبس، فإن التدخل بالتسعير صحيح تماماً من الجهة الشرعية، وأما إذا ارتفعت الأسعار نتيجة لقلة العرض وكثرة الطلب دون أن يكون للتجار دخل في ذلك، فلا يجوز التسعير حينئذ.

وكذلك إذا كانت السلعة ليست من ضرورات الناس فلا يجوز التسعير أيضاً، وإذا كان للسلعة بدائل يمكن اللجوء إليها بدون ضرر فلا يتحكم بالسعر ويفرض أيضاً، ولكن إذا صارت السلع مما يحتاجه الناس حاجة ماسة، وحصل الاتفاق والاستغلال من التجار، فقال شيخ الإسلام رحمه الله: ما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب ألا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة، وإنما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله تعالى.

والاحتكار -عباد الله- ليس خاصاً بالأقوات بل كل ما يحتاج إليه الناس، ويقعون بسبب غلائه أو فقده في حرج وضيق، كالطعام واللباس، والدواء والعقار للسكن، ووسائل النقل الآن، والمكيفات في البلاد الحارة، والثلاجات بل بعض البرامج في الأجهزة، والنبي ﷺ قال: لا يحتكر إلا خاطئ [رواه مسلم (1605)]، الخاطئ هنا العاصي الآثم، وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار، الاحتكار فيما يحتاجه الناس كالأقوات محرم ولا يجوز، وإذا صار هناك من يحتكر الأقوات، وهناك من يحتكر العقار، وهناك من يحتكر الدواء لا شك أن الناس يقعون في حرج عظيم، قال العلماء: فإذا صار التسعير لا بد منه جمع الإمام التجار، واستشار أهل الرأي والبصيرة، وكان في المجلس من يمثل المستهلكين والمشترين، ويحدد السعر المناسب للجميع، وليس للربح في الشريعة أصلاً حد معين، ولكن إذا كان للسلعة سعر معروف في السوق فلا يجوز للبائع أن يخدع مشترياً جاهلاً أو مغفلاً، ونحو ذلك فيرفع السعر ليظنها أصلية، أو لأنه لا يعرف سعر السوق أصلاً إذا رفع عليه رفعاً فاحشاً، فهذا خيار الغبن الذي يجوز بموجبه للمشتري رد السلعة رغماً عن البائع، وأخذ الثمن.

ولو كانت السلعة سعرها في السوق بمائة، فباعها بمائة وواحد أو اثنين أو ثلاثة أو خمسة مثلاً، فهذه زيادة يسيرة يتغابن فيها الناس عادة، وأما إذا باعها بمائة وخمسين مثلاً فإن هذا غبن واضح، ولماذا نهي عن تلقي الجلب، وبيع الحاضر للبادي، ونحو ذلك من الحالات؟ لأجل ألا يحدث مثل هذا الغبن أو الخداع.

شهر الله المحرم
00:30:26

عباد الله، نحن ندخل في شهر عظيم من الأشهر الحرم: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَسورة التوبة:36، أربعة حرم عند الله ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، والتاريخ الهجري لم يكن في بداية الإسلام معمولاً به حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته صارت مناسبة أن أبا موسى رضي الله عنه من ولاة عمر وأمرائه كتب إلى عمر: أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة، فاستشارهم، فقال بعض الناس: أرخوا كما تؤرخ الفرس بمن يملك أمرهم، فكره الصحابة ذلك، فقال بعضهم: أرخوا بتاريخ الروم، فكره الصحابة ذلك، ثم قال بعضهم: أرخوا بمبعث النبي ﷺ، وقال آخرون: أرخوا بهجرة النبي ﷺ، فقال عمر رضي الله عنه: الهجرة فرقت بين الحق والباطل؛ فأرخوا بها، وفعلاً كانت الهجرة هي الفيصل، وهي الفارق، وهي النقلة العظيمة التي نقلت الإسلام من الحال الذي كان فيه محاصراً بمكة إلى الحال الذي انتشر فيه في العالم.

وشاور عمر رضي الله عنه الصحابة من أي شهر يكون ابتداء السنة، إذا حددنا الهجرة هي السنة الأولى لكن من أي شهر تبدأ السنة؟ فقال بعضهم: من رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وقال بعضهم: من ربيع الأول الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة مهاجراً، واختار عمر وعثمان وعلي أن يكون من المحرم؛ لأنه شهر الحرام يلي  عودة الناس من الحج، فهذا الموسم الذي ينفض عنه الناس، وسيرجعون ببدء أعمالهم، فرأى عمر رضي الله عنه أن تبدأ السنة فيه، فجعل أول التاريخ عام الهجرة وأول السنة محرم.

وهكذا صار للمسلمين تاريخاً يؤرخون به؛ ولذلك كره العلماء استعمال واعتماد التواريخ الأخرى التي تؤرخ بها أمم أهل الأرض من غير المسلمين؛ لأن لنا تاريخاً معتمداً قد أجمع عليه الصحابة واستعملوه، فلا بد أن تستعمله الأمة، وبعض الناس اليوم من المسلمين لا يعرف التاريخ الهجري ولا الأشهر القمرية إلا في رمضان، أو في ذي الحجة أحياناً، وهذا من هجر المعالم الإسلامية لهذه الأمة؛ لأن هذه الأمة لها ميزات ومميزات، لها شعارات، لها أمور تحدد هويتها، ومن ذلك التاريخ الهجري الذي ينبغي نشره بين الناس، واعتماده، واستعماله، والبدء به.

عباد الله، شهر محرم شهر يستحب فيه الصيام، قال النبي ﷺ: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم [رواه مسلم (1163)]أضافه إلى الله: (شهر الله)، وهذه الإضافة إضافة تعظيم، والله سبحانه وتعالى يصطفي ما يشاء من الزمان والمكان، وهذا التفضيل حق لله تعالى فلا يجوز لأحد أن يحدد ميزة وفضلاً، أو أجراً لشهر دون شهر بلا دليل، والتهنئة بأول العام الهجري ليست من السُنة بطبيعة الحال، ولا من فعل السلف، لكن بعض العلماء قال: من هنأ ترد عليه تهنئته، ولكن لا تبتدئ بالتهنئة.

وأما الاحتفال برأس السنة الهجرية، وإقامة مظاهر الأعياد والفرح والاحتفالات، فإنها بدعة -ولا شك- محرمة، فتحويل رأس السنة الهجرية إلى عيد كارثة عقدية؛ لأننا نفتات على الشريعة، ونتقدم على ما حدده رب العالمين من عيدين في السنة.

وقد كثرت البدع والمبالغات في رسائل الجوال: إني لأحبك، صل على نبيك عشراً، وأرسلها إلى عشر، وسيكون في ميزانك مليون، وتختم بها سنتك قبل أن تطوى الصحيفة! جهل عظيم ومبالغات! من الذي قال: إن للعام الهجري صحيفة تطوى؟ هنالك طي للصحائف عند الملائكة بأمر رب العالمين في أوقات معينة، فما هو الدليل على طي صحيفة نهاية العام الهجري؟

ثانياً: تحديد أعداد للعبادات برسائل الجوال: افعل كذا بعدد كذا، وإذا كان العدد لم يرد في الشريعة بفضل معين في وقت معين، أو حال معينة، فإن جعله بهذا العدد في وقت لم ترد الشريعة به كنهاية العام الهجري بدعة ولا شك.

ثم ما أدراك يا مسكين أن مليون حسنة صارت في ميزانك؟ وهذا لا يعلمه إلا رب العالمين، ولا يحصي أعمال العباد إلا هو؛ ولذلك فلا بد من الحذر عند نشر مثل هذه الرسائل التي يقال في آخرها: لا تقف الرسالة عندك أرسل قبل نهاية العام، ونحو ذلك.

وأما تذكير الناس بمحاسبة النفس، وما انقضى من أعمارهم من السنين، والتوبة إلى الله، فإن المسلم يحاسب نفسه فعلاً، إذا انقضى العام تذكر ماذا فعلت في العام الماضي، ماذا أنوي أن أفعل في العام القادم، ونحو ذلك، هذا يتذكره المسلم، وكذلك بالأضحية التي فيها شكر لله أن أخره إلى هذا الوقت، وعادت عليه بسنة جديدة.

عباد الله، لا بد من التفقه في الدين بتمييز السنن من البدع، لا بد أن يكون لنا من العلم نبراس نهتدي به في الظلمات.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين.

اللهم فرج عن أمة محمد ﷺ، اللهم ارفع عنها البلاء والوباء، والغلاء وكيد الأعداء يا سميع الدعاء، اللهم إنا نسألك النصر على العدو.

اللهم إنا نسألك أن تفتح لأمة محمد ﷺ فتحاً مبيناً، اللهم عجل فرجنا وفرج المسلمين، وانشر الأمن والإيمان علينا، والبركة والخير، وعلى إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين.

واجعل بلدنا هذا آمناً رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين، من أراد بلدنا بكيد فكده، وخذه ودمره.

اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا أجمعين، اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأرشد الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور.

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَسورة النحل:90، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

1 - رواه الترمذي (1210)
2 - رواه أحمد (20172)
3 - رواه مسلم (102)
4 - رواه الترمذي (487)
5 - رواه البخاري (2076)
6 - رواه مسلم (2963)
7 - رواه مسلم (1054)
8 - رواه مسلم (993)
9 - رواه الترمذي (1314)
10 - رواه مسلم (1605)
11 - رواه مسلم (1163)