الأربعاء 20 ذو الحجة 1440 هـ :: 21 أغسطس 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر

مواعظ وأحكام من شهر الصيام


عناصر المادة
مقدمة
التعريف اللغوي والاصطلاحي للصيام
فضل صيام شهر رمضان
آداب وفوائد وسنن الصيام
حال السلف الصالح مع رمضان
أحكام الصيام
موجبات صيام شهر رمضان
أحكام الصوم في السفر
أحكام المرض ومتى يكون عائقاً عن الصوم
أقسام المرض
عبادة القيام في شهر رمضان
أصناف الناس من حيث القدرة على صيام رمضان
حكم السجين المسلم عند دخول الشهر
شرط العلم في مفطرات الصيام
من أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان
القيء عمداً أثناء الصيام يبطله
حال السلف -رحمهم الله- مع الصلاة في رمضان
رسالة في أحكام الصيام للنساء
أسئلة وإجابات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن الله -سبحانه وتعالى- قد امتنّ على عباده بمواسم الخيرات فيها تضاعف الحسنات وتمحى السيئات وترفع الدرجات تتوجه فيها نفوس المؤمنين إلى مولاها فقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها، وإنما خلق الله الخلق لعبادته فقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
مقدمة
00:00:39
 والصيام من أعظم العبادات التي فرضها الله على عباده فقال -عز وجل-: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183]، ورغّب فيه فقال: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 184]، وأرشدهم إلى شكره على فرضه بقوله: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 185]، وحبّبه إليهم وخفّفه عليهم؛ لئلا تستثقل النفوس ترك العادات وهجر المألوفات، فقال -عز وجل-: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة: 184]، ورحمهم ونأى بهم عن الحرج والضرر، فقال سبحانه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184]، فلا عجب أن تقبل قلوب المؤمنين في هذا الشهر على ربهم الكريم يرجون ثوابه والفوز العظيم، ولما كان قدر هذه العبادة عظيماً كان لا بد للمسلم من تعلم أحكامها وما يتعلق بها؛ ليعرف ما هو واجب عليه فيفعله، وما هو حرام فيجتنبه، وما هو مباح فلا يضيّق على نفسه بالامتناع عنه.
التعريف اللغوي والاصطلاحي للصيام
00:01:57
 والصيام كما عرّفه العلماء هو: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
وقد أجمعت الأمة على أن صومه فرض، وقد قال النبي ﷺ: بُني الإسلام على خمس وذكر منها:  صوم رمضان [رواه البخاري: 8، ومسلم: 16]. ومن أفطر منه شيئاً بغير عذر فقد أتى كبيرة عظيمة من الكبائر كما قال النبي ﷺ في الرؤيا التي رآها: حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قلت من هؤلاء قال: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم، أي قبل وقت الإفطار  وهو حديث صحيح. [رواه ابن حبان: 7491، والحاكم في المستدرك: 1568، والطبراني في الكبير: 7667، وابن خزيمة: 1986، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1005].
قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: "وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان من غير عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال" [فيض القدير: 4/311].
وقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "إذا أفطر في رمضان مستحلاً لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالاً له وجب قتله، وإن كان فاسقاً عوقب عن فطره في رمضان" [الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 2/473].
فضل صيام شهر رمضان
00:03:30
 فأما فضله فهو عظيم، فإن الله قد اختصه بنفسه قد اختصه لنفسه وأنه يجزي به فيضاعف أجر صاحبه بلا حساب، لقوله:  إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به [رواه البخاري: 5927، ومسلم: 1151]. وأن الصوم لا عِدل له، وأن دعوة الصائم لا تُرد، وأن له فرحتان إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه، وأن الصوم يشفع للعبد يوم القيامة، فيقول: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه  وهو حديث حسن. [رواه أحمد: 6626، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن صحيح: 984].  وأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك [رواه البخاري: 1894، ومسلم: 1151]. وأن الصوم جُنّة وحصن حصين من النار، وأن  من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً [رواه البخاري: 2840، ومسلم: 1153]، وأن من صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتم له به دخل الجنة، وأن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد . [رواه البخاري: 1896، ومسلم: 1027]. وكذلك فإن فيه ليلة هي خير من ألف شهر، وإذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسُلسلت الشياطين [رواه البخاري: 3277، ومسلم: 107].
فعما قريب إذن -أيها الإخوة- تُفتح أبواب الجنة، عما قريب بعد أيام تفتح أبواب الجنة، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه [رواه البخاري: 1901].
ولله -عز وجل- عند كل فطر عتقاء، والله -سبحانه وتعالى- رحيم وهو حكيم خبير، يعلم نفوس عباده وما يصلحهم، فجعل لهم عبادات إذا فعلوها كانت تدريباً لهم على الالتزام بالواجبات وترك المحرمات فإن في الصيام ترك للمباحات في الأصل، فمن باب أولى أن يترك العبد، وكذلك إذا جاع بطنه اندفع جوع كثير من حواسه، فإذا شبع بطنه جاع لسانه وعينه ويده وفرجه، بخلاف ما لو جاع البطن عفّت هذه الجوارح، ومن ذاق ألم الجوع أحسن إلى الفقراء، ومن تعود الصيام تربّت فيه الإرادة واجتناب الهوى، وفيه قهر للطبع، واعتياد للنظام، ودقة المواعيد، وإعلان لمبدأ وحدة المسلمين، فتصوم الأمة وتفطر في شهر واحد، وهو هبة من الله للدعاة إلى الله الذين ينتهزون الفرص التي تكون فيها قلوب الناس في رقة وإقبال، فيعمدون إلى تكثيف الدعوة في هذا الموسم فهو هبة من الله لكي يعين الدعاة إلى سبيله، ولذلك ترى أثر الكلمات والمواعظ والدعوة في هذا الشهر أكثر من غيره.
ولذلك كان حرياً بالدعاة إلى الله أن ينتهزوا الفرصة في هذا الشهر؛ لكي يجتهدوا في دعوة الناس والتأثير عليهم، ولكن ليس معنى هذا أن ينشغل هؤلاء الدعاة بالناس عن أنفسهم فلا يهذبوها ولا يجتهدوا بالعبادة، بل إن في هذا الشهر موسم للدعوة كما أن فيه موسم للعبادة.
آداب وفوائد وسنن الصيام
00:07:12
 وأما الصيام فإن له آداباً وسنناً ومن ذلك: السحور، ففيه فوائد متعددة ومنها: البركة.
ثانياً: مخالفة أهل الكتاب.
ثالثاً: الثناء على الذي يفعله نعم سحور المؤمن التمر، وكذلك الثناء على من تسحر بالتمر.
فأما الثناء على المتسحرين فإن الناس لا يزالون بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر، وهذه من السنن والرطبات، ثم التميرات، ثم حسوات الماء إذا لم يوجد.
من السنن كذلك قوله: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله [رواه أبز داود: 2357، والنسائي في الكبرى: 3315، وحسنه الألباني في المشكاة: 1993].  
قال بعض العلماء إنه يقال في أيام الظمأ إذا صام في الصيف بخلاف ما إذا صام في الشتاء حيث لا يوجد ظمأ، لكن إذا وجد فهو يقول: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله.
وكذلك فإن فيه مناسبة لترك الرفث وقول الزور، وكذلك سائر المحرمات؛ لأنه يوجد ناس صائمون ليس لهم من صيامهم إلا الجوع، وينبغي إحياء معنى الصيام الحقيقي في نفوس الناس؛ لأن مما أذهب الحسنات في شهر الصيام وجلب السيئات: الانشغال بالمسلسلات، والأفلام والمباريات، والجلسات الفارغات، والتسكع في الطرقات مع الأشرار ومضيعي الأوقات، وكثرة اللهو بالسيارات، وازدحام الأرصفة والطرقات، حتى صار شهر التهجد والذكر والعبادة هو شهر كسل بالنهار، وسهر بالليل على أمور ليست من مقاصد الصيام على الإطلاق.
بل إن هناك من يفوت من الصلوات في النهار ما هو فرض واجب، وبعضهم ربما استقبله بالضجر، وبعضهم يسافر فيه للتمتع بالإجازات، وبعضهن تأتي المساجد بالمنكرات تبرجاً وتعطراً، وحتى بيت الله الحرام لا يسلم من مثل هذه الشرور، وكذلك بعضهم يجعله فرصة للتسوّل، أو للألعاب النارية والمفرقعات، أو للصفق بالأسواق والتطواف في المحلات، وهكذا يحصل لمن لا يعرف مقاصد الصيام ولا يتتبعها.
ثم إن المسلم يضبط لسانه فلا يسخط ولا يقاتل ولا يشاتم، ويقول مرتين مرة لنفسه إني صائم، ومرة للطرف الآخر إني صائم، وكذلك فإن عدم الانغماس في الملذات مما يجعل العبادة حية في النفوس؛ لأن بعض الناس عندهم يكون في الليل تعويض عما فقد بالنهار، فلا يكاد يستفيد شيئاً من هذه الجهة.
وأما الجود بالعلم والمال والجاه والبدن والخلق فإنه من الأفعال العظيمة في هذا الشهر الكريم: لأن النبي ﷺ كان كثير الجود في رمضان، والجمع بين الصيام والإطعام سبب عظيم لدخول الجنة، إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلّى بالليل والناس نيام [رواه الحاكم: 270، والطبراني في الكبير: 3467، وصححه الألباني في المشكاة: 1232]. و من فطّر صائماً كان له مثل أجره [رواه الترمذي: 807، وابن ماجه: 1746، وصححه الألباني في المشكاة: 1992]. فإذا أشبعه تم الأجر، وإذا أعطاه ما يأكله ويفطر عليه فإن له أجر، لكن ليس أجر من أعطاه كفايته كأجر من أعطاه ما يسد به رمقه، وقد آثر عدد من السلف الفقراء على أنفسهم بطعام إفطارهم، منهم عبد الله بن عمر، ومالك بن دينار، والإمام أحمد -رحمه الله-، وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين.
وينبغي أن تُهيأ هذه الأجواء والنفوس للعبادة ويكون ذلك بالإسراع إلى التوبة والإنابة، والفرح بدخول الشهر، وإتقان الصيام وإحسان القيام وتحري الأوقات الفاضلة ومواصلة الختمات، وعمرة في رمضان تعدل حجة، والصدقة في الزمن الفاضل مضاعفة، والاعتكاف في هذا الشهر مؤكد، ولا بأس من التهنئة بدخوله، وإذا دعا المسلمون بعضهم لبعض بالدعاء الطيب فلا حرج في ذلك.
حال السلف الصالح مع رمضان
00:12:33
 أيها الإخوة إن السلف -رحمهم الله- كان لهم اجتهاد كثير في العبادة، فالنبيﷺ على رأس هذه الأمة كان قيامه بالليل معروفاً في طوله وتفطر قدميه -عليه السلام- كل ذلك شكراً لربه على ما أنعم به عليه، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وهكذا أصحابه الذين قاموا معه، والذين صاموا معه، والذين عبدوا الله -عز وجل- عبادة طويلة، والسلف الذين ساروا على منوالهم، وكان الربيع بن خيثم -رحمه الله- بعدما أُشل بالشلل النصفي يُهادى بين رجلين إلى مسجد قومه يُحمل حملاً، فيقول له بعض أصحابه: يا أبا يزيد، لقد رخص لك لو صليت في بيتك، فيقول: إنه كما تقولون ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح، فمن سمعه منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه ولو زحفاً ولو حبواً" [بغية الطلب في تاريخ حلب: 8/3575].، وكان عدي بن حاتم يقول: "ما جاء وقت الصلاة إلا وأنا إليها بالأشواق، وما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا لها مستعد" [رواه ابن أبي شيبة: 35258].
وكان ﷺ يحادث أهله ويحادثونه، فإذا حضرت الصلاة قام فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه كما تقول عائشة -رضي الله عنها-"، وكان علي بن الحسين -رحمه الله- إذا توضأ يصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء، فيقول: هل تدرون بين يدي من أريد أن أقوم" [المجالسة وجواهر العلم: 3/154].
وعندما استيقظ سليمان بن الأعمش -رحمه الله- من النوم لحاجة فلم يصب ماء، فوضع يده على الجدار فتيمم ثم نام، فقيل له في ذلك فقال: "إني أخاف أن أموت على غير وضوء"، وقال النبي ﷺ: ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن [حلية الأولياء: 5/49].
وتوضأ منصور بن زاذان يوماً فلما فرغ دمعت عيناه ثم جعل يبكي فقيل له: رحمك الله ما شأنك، قال: "وأي شيء أعظم من شأني، أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله أن يعرض عني" [صفة الصفوة: 2/7].
كان ذلك لصلاح قلوبهم وصفاء سرائرهم، وقد قيل ليزيد بن عبد الله: ألا نسقف مسجدنا، قال: "أصلحوا قلوبكم يكفيكم مسجدكم، ومن صلح قلبه لم ينظر إلى سقف ولا نقش، بل اهتم بصلاته.
أحكام الصيام
00:15:24
 أيها الإخوة، إن هذا الصيام له أحكام ومن ذلك ما يتعلق بثبوت دخول الشهر، فيثبت دخوله برؤية هلاله أو بإتمام شعبان ثلاثين يوماً، ويجب على من رأى الهلال أو بلغه الخبر من ثقة أن يصوم، وأما العمل بالحسابات الذي ينادي به البعض في دخول الشهر فإنه بدعة؛ لأن حديث النبي ﷺ: صوموا لرؤيته [رواه البخاري: 1909، ومسلم: 1081]. نص في المسألة، ما قال: الحسابات قال: صوموا لرؤيته، علق الصيام بالرؤية وجعل ابتداء الشهر بالرؤية، وليس لنا مناص إلا أن نأخذ بالرؤية في ابتداء الشهر، ولو أن بعض الناس رآه بالمناظير المقربة، فإن المسألة ستعود إلى الرؤية بالعين، لكن أن تحسب القضية حسابات ويعتمد على الحسابات ونترك الرؤية والرسول ﷺ يقول في هذه العملية بالذات  إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب  هو ما قال: كونوا أميين، لا تكتبوا ولا تحسبوا دائماً، لكن قال في هذه القضية بالذات، قالها في مناسبة في دخول رمضان: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا أو هكذا وقبض الأصبع، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته [رواه البخاري: 1913، ومسلم: 1080]. فإذن، في مسألة الصيام لا كتابات ولا حسابات بالرؤية، وهذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان سواء كان ناس أميين أو مثقفين كما يقولون أو أنهم يقرءون أو لا يقرءون، العبادة معلقة بشيء واضح جداً صوموا لرؤيته كنت في قرية أو في مدينة، في مكان فيه تقدم علمي أو ليس فيه تقدماً علمياً الشريعة لكل زمان، وما يدريك أن بعد زمان لا يعلمه إلا الله يعود الناس إلى ما كانوا عليه وتذهب كثير من هذه الآلات الموجودة، فإذاً وماذا كانت البشرية تفعل في هذه السنين مئات السنين الماضية ماذا كانت تفعل في الصيام؟ فإذاً قضية الاعتماد على الرؤية لا مناص منها، لا بد أن يكون هناك رؤية، لكن رؤية شرعية وليست رؤية من هب ودب، رؤية شرعية قائمة على إخبار الثقات إذا كان مسلماً بالغاً عاقلاً موثوقاً بخبره لأمانته وبصره، إذا رأى الهلال بعينه يُعمل بخبره، العمل بخبر الثقة، العمل بخبر الواحد الثقة من القواعد المستقرة في هذه الشريعة.
موجبات صيام شهر رمضان
00:18:15
 يجب الصيام على كل مسلم بالغ عاقل مقيم قادر سالم من الموانع كالحيض والنفاس، والبلوغ بأي علامة من العلامات المعروفة، نبات الشعر الخشن حول القُبل، إنزال الماء باحتلام أو غيره، إتمام خمس عشرة سنة، وكذلك الأنثى تزيد أمراً رابعاً وهو الحيض، ويؤمر الصبي بالصيام لسبع إن أطاقه، وذكر بعض أهل العلم أنه يُضرب على تركه لعشر كالصلاة، وأجر الصيام للصبي ولوالديه أجر التربية والدلالة على الخير، وكان الصحابة يصوّمون صبيانهم ويجعلون لهم لعباً إذا بكى الولد من الجوع أعطوه اللعبة لينشغل بها عن الجوع حتى يكون عند الإفطار.
وبعض الناس اليوم يتساهل في أمر أبنائه وبناته بالصيام، وربما يكون الولد متحمساً فيثبطه، وهذا من عدم الفقه في التربية، وعدم معرفة مصلحة الولد، الشفقة الحقيقية: أن تتعاهدهم بالعبادة، وليس أن تقول لا تصم يا ولد لا زلت صغيراً، دعه يصوم، هذه المرأة الصحابية الربيع بنت معوذ تقول في صحيح البخاري في صيام عاشوراء لما فرض، كان من قبل مفروضاً: "كنا نصوم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار"، ثم الآن رمضان في نهار قصير وجو بارد، فماذا نريد أعظم من الفرصة هذه في تعويد الصبيان على الصيام، والشفقة الحقيقة كما قلنا  قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ [التحريم: 6]. وينبغي الاعتناء بصيام البنت في أول بلوغها؛ لأن بعض النساء بعض البنات قد لا تصوم خجلاً يأتيها الدم دم الحيض ثم لا تقضي فتؤمر بالقضاء تؤمر بالقضاء وتفهّم ما يجب عليها لله -عز وجل-، الكافر إذا أسلم والصبي إذا بلغ أثناء النهار يلزمهم الإمساك بقية اليوم؛ لأنهم صاروا من أهل الوجوب، ولكن ليس عليهم قضاء ما فاتهم من الشهر؛ لأنهم لم يكونوا من أهل الوجوب قبل ذلك.
والمجنون مرفوع عنه القلم، ولو فرضنا أن شخصاً يأتيه عقله أحياناً ويذهب عنه أحياناً، فإنه إذا رجع إليه عقله صام وإذا ذهب عقله لم يؤمر بالصيام، وكذلك المصروع مبتلى بعض الناس بمرض الصرع ربما يغشى عليه فترة طويلة أو يغيب عن الوعي فترة طويلة، ومن مات أثناء الشهر فليس عليه ولا على أوليائه شيء فيما تبقى من الشهر؛ لأنه ليس حياً في بقية الشهر، فلا يكلّف بشيء في تركته ولا أولاده يكلفون بشيء.
ومن جهل فرض الصوم في رمضان أو جهلت بعض أحكام المفطرات فإن كان حديث العهد بالإسلام، أو في دار حرب، أو نشأ بين الكفار معذور بالجهل يُعذر مثله، ومن كان بين المسلمين يأتي يقول: أنا ما كنت أدري أن الوطء في رمضان فيه كفارة صوم شهرين، لو أدري ما أفطرت، نقول: ما يعفيك من الكفارة، عليك الكفارة سواء علمت أو ما علمت فعليك الكفارة المغلظة أين أنت؟ أين تسكن؟ من حولك؟ ألست في بلد فيه مسلمون وعلماء، أليس الاتصال متيسراً؟ أليست هناك كتب وأشرطة وخطب ودروس؟ أنت غير معذور، يجب عليك أن تتوب، وتأتي بالكفارة المغلظة.
أحكام الصوم في السفر
00:22:17
 أما المسافر فإنه إذا سافر سفر مسافة أو عُرفاً سفر، فإنه يجوز له أن يفطر، لكن بعد أن يتجاوز البلد وما اتصل به من البنيان، ولا إفطار قبل مغادرة البلد، ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، ولا يقصر من الصلاة إلا بعد أن يغادر البلد، ويشترط عند جمهور العلماء لكي يفطر المسافر: أن يكون السفر ليس بسفر معصية، فإن كان سفر معصية فلا يجيزون له الإفطار، ويقولون كيف يعان على سفر المعصية بالإفطار؟ وكذلك إذا قصد بسفره التحيّل على الفطر، فلو قال: أنا أريد أن أفطر، فسأسافر من أجل الإفطار، فنقول: لا سبيل لك إلى ذلك، ولو سافرت لا تفطر، لأن ما قصدك بالسفر إلا التحيل على الإفطار، فيعاقب بنقيض قصده، ويُمنع من الإفطار.
ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة سواء كان قادراً على الصيام، أو عاجزاً عنه، يشق عليه أو لا يشق عليه، سافر في الظل والماء ومعه من يخدمه، سافر بالدرجة الأولى في الطائرة، ما دام سفر يجوز له أن يفطر ما دام سفراً ولا يحق لأحد أن يمنعه من الرخصة التي أعطاه الله إياها، ومن عزم على السفر في رمضان لا ينوي الإفطار حتى يسافر ويخرج من البلد ينوي الإفطار؛ لأنه قد يعرض له ما يمنعه من السفر، فكيف إذا كان لا زال في البلد ينوي أن يفطر ثم قد يعرض له ما يؤخر السفر وقد نوى الإفطار فتورط، ولذلك لا ينوي المسافر الإفطار إلا بعد أن يغادر البلد، ويفارق البيوت العامرة المأهولة، وينفصل عن البنيان، وتقلع الطائرة به، ويبتعد عنها وعن البلد، والمطار إذا كان خارج البلد كمطار الدمام الآن يفطر فيه؛ لأنه خارج البلد والسفر بدأ منذ أن خرج من البلد.
وأما إذا كان المطار داخل البلد متصل ببنيان البلد فلا يفطر إلا بعد أن تبعد الطائرة عن بنيان البلد، ولو أن شخصاً أتم يومه وأقلعت الطائرة فرأى الشمس في الجو وكان قد أفطر في الغروب عند الغروب في الأرض، فإنه لا سبيل إلى إعادته للصيام لأنه قد أتم يومه ولا يجب عليه أي شيء من جهة الإمساك أو القضاء؛ لأنه قد تم يومه وهو على الأرض، فلو رأى الشمس بعد ذلك لا يضره، وإذا غربت الشمس في الجو أفطر إذا كان أقلع قبل الغروب، أقلع قبل الغروب وقال أنا لا أريد الرخصة في السفر؛ لأن ما بقي شيء، إقلاعي قبل المغرب بربع ساعة لو أني أفطرت الآن سيكون يعني راح اليوم هذا علي، وعلي قضاء يوم آخر، أنا أريد أن أصوم ما في مشقة والجو بارد والنهار قصير والسفر مريح، نقول: لا بأس بذلك، لكن متى يتم يومه إذا غربت على الأرض أو إذا غربت في الطائرة؟ إذا غربت وهو في الطائرة، ولا يجوز للطيار أن يهبط إلى مستوى لا ترى فيه الشمس؛ لأنه تحايل، لكن إذا نزل لمصلحة الطيران فاختفى قرص الشمس أفطر، من وصل إلى بلد نوى فيه الإقامة أكثر من أربعة أيام فإنه يعتبر مقيماً عند جمهور العلماء يجب عليه الصيام، وهذا الذي يذهب للدراسة في الخارج عند جمهور العلماء والأئمة الأربعة أنه مقيم يجب عليه ما يجب على أهل تلك البلاد، لكن لو أن مسافراً مر ببلد، دخل في بلد، لم ينو الإقامة بها أكثر من أربعة أيام، يمكن يمر مرور ربما يجلس ساعات، ربما يجلس يوماً يومين ثلاثة أربعة، لكن ليس أكثر من أربعة فله أن يفطر إذا أراد.
ومن ابتدأ الصيام وهو مقيم ثم سافر أثناء النهار جاز له أن يفطر ويأخذ بالرخصة ولو كانت عادته أن يسافر دائماً كبعض الموظفين وأصحاب سيارات الأجرة والطيارين والملاّح الذي سكنه في السفينة وأهله فيها فهو مقيم، وأما إذا كان يسافر ويرجع في اليابسة يقيم، ثم يسافر مرة أخرى في البحر ويرجع وبيته في اليابسة، فهذا له أن يفطر في سفره، والذين يذهبون من الموظفين شركات النفط يومياً مسافة سفر، وربما يدخلون في البحر إلى محطات أو منصات التنقيب يعملون ويرجعون يجوز لهم الإفطار إذا كانت المسافة مسافة سفر، وإذا قدم المسافر أثناء النهار إلى البلد فالأولى أن يمسك مراعاة لحرمة الشهر وخروجاً من الخلاف في هذه المسألة لكن عليه القضاء أمسك أو لم يمسك، وإذا ابتدأ الصيام في بلد ثم سافر إلى بلد صاموا قبلهم أو بعدهم، بدأ الصيام في بلد، ثم سافر إلى بلد صاموا قبلهم أو بعدهم، اختلاف المطالع الرؤية عندهم غير الرؤية هنا، فإن حكمه حكم من ذهب إليهم ولو زاد عن ثلاثين لا يصلي العيد إلا معهم ولا يفطر إلا معهم، فإن كان لما وصل إلى هناك إذا بهم يصلون العيد بعد ثمانية وعشرين يوماً بالنسبة له، فعليه أن يقضي يوماً؛ لأن الشهر لا يكون أقل من تسعة وعشرين، يفطر معهم ويصلي العيد وعليه قضاء يوم بعد ذلك، وهذا الكلام يهم كثيراً العمال الذين يسافرون إلى بلدانهم البعيدة قبل نهاية الشهر.
أحكام المرض ومتى يكون عائقاً عن الصوم
00:29:29
 أما بالنسبة للمريض فكل مرض خرج به الإنسان عن حد الصحة واختلت صحته يجوز أن يفطر به لقوله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر [البقرة: 185]. وأما الشيء الخفيف كالسعال والصداع فلا يفطر به الإنسان، وإذا ثبت بالطب أو علم الشخص من تجربته الشخصية وعادته أو غلب على ظنه أن الصيام يجلب له المرض، هناك ناس في الأحوال العادية بدون صيام ما هم مرضى، إذا صاموا جاءهم بعض الأمراض مثلاً إغماء، فمن علم من عادته أنه إذا صام مرض أو زاد مرضه أو تأخر برؤه يجوز له أن يفطر، بل يُكره له الصيام، وإذا كان المرض مطبقاً فلا يجب على المريض أن ينوي الصيام بالليل، ولو قال يحتمل أنني أصح في الصباح أنوي بالليل الصيام نقول لا يجب عليك، الآن أنت مريض، الآن أنت مريض لا يجب عليك أن تنوي بالليل، ولأن العبرة بالحال الحاضرة.
وكذلك فإن الذين يُغمى عليهم بأي سبب من الأسباب، إذا أُغمي عليهم من الفجر إلى المغرب، فهذا لا يصح صومه عند جمهور العلماء، إذا بدأ الصيام وهو مستيقظ عقله معه، أغمي عليه أثناء النهار، فإن صيامه صحيح، ومن أغمي عليه بسبب منوم وضع له لمصلحته أو مخدر في عملية جراحية فغاب عن الوعي، فإن كان ثلاثة أيام فأقل يقضي قياساً على النائم وإن كان أكثر لا يقضي قياساً على المجنون كما أفتى بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، وقضاء المغمى عليه واجب عند جمهور العلماء مهما طالت المدة كما ذكر ابن قدامة رحمه الله في المغني، وأما الذين يمارسون مهناً شاقة فإن الأصل أنه لا يجوز لهم أن يفطروا وعليهم أن ينووا الصيام بالليل ولو كانت الصنعة تشق عليهم فإنهم يصومون يأخذ إجازة يعمل بالليل يبحث عن عمل آخر المهم أنه لا يعمل عملاً يسبب أن لا يصوم، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: 2]. وليست امتحانات الطلاب بعذر يبيح الإفطار إطلاقاً، ولا يجوز طاعة الوالدين في هذا الموضوع.
أقسام المرض
00:32:35
 المرضى أنواع: هناك مريض يرجى برؤه، ينتظر الشفاء ثم يقضي، وليس عليه شيء آخر ولو طال المرض.
هناك مرض مزمن لا يرجى برؤه في تقدير الأطباء هذا الإنسان الذي عنده مرض لا يرجى برؤه أو كبير السن العاجز عن الصيام عليه إطعام عن كل يوم مسكين نصف صاع من قوت البلد، يجوز أن يجمع الفدية في آخر الشهر ويطعم ثلاثين شخصاً، أو تسعة وعشرين حسب الأيام، ويجوز له أن يطعم كل يوم بيومه، ولكن يجب أن يخرجها طعاماً أو يوكل من يخرجها طعاماً؛ لأن الله عز وجل قال: فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة: 184]. فنص على الإطعام، فلا يجوز إخراجها مالاً، فتخرج طعاماً؛ إما هو يشتري الطعام ويعطي بنفسه أو يوكل جهة خيرية، أو ثقة، يعطيه مالاً يقول: أخرج طعام مسكين عن كل يوم أو في آخر الشهر خمسة وأربعين كيلو رز مثلاً مع إدام، لحم، دجاج، يوزّع على ثلاثين مسكيناً مطبوخاً أو غير مطبوخ، وإذا كان مطبوخاً، وجبة لو اشترى وجبة من مطعم فأعطاها المسكين أجزأ ذلك، والمريض الذي أفطر من رمضان وينتظر الشفاء ثم قالوا مرضك مزمن فعليه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره ولا إثم عليه؛ لأنه ليس بمفرط، من كان ينتظر الشفاء فمات ليس عليه ولا على أوليائه شيئاً؛ لأن المرض أصلاً ليس مزمناً، وقد يكون مرضه مزمناً عند الأطباء فيفطر ويطعم ومع تقدم الطب يتغير الحال ويقولون: وجدنا لك حلاً أخيراً وجدنا لك علاجاً، هل عليه شيء فيما مضى؟ كان أطعم، قالوا من أول مرضك ليس له علاج فأطعم، الآن اكتشفوا علاجاً ليس عليه على ما مضى شيء، لأنه فعل ما وجب عليه في ذلك الحين، ولما يُشفى يصوم، تحول من صاحب مرض مزمن إلا صاحب مرض غير مزمن، الفترة التي أطعم فيها عندما كان مرضه مزمناً انتهى ما عليه فيها شيء، لما قالوا له مرضك الآن يمكن علاجه إذن ينتظر ليقضي ينتظر ليشفى ويقضي من الوقت الذي قالوا له إن مرضك صار له علاج، ومن مرض ثم شفي وتمكن من القضاء فلم يقض، هذا لا بد من إخراج فدية طعام مسكين عن كل يوم من ماله، وإذا رغب أحد من أقاربه أن يصوم عنه فلا بأس بذلك لعموم قوله ﷺ: من مات وعليه صيام صام عنه وليه [رواه البخاري: 1952، ومسلم: 1147].
عبادة القيام في شهر رمضان
00:35:57
 أيها الإخوة، إن هذا الشهر فيه عبادات ومن أجلها القيام، ونحن نتحدث بين فينة وأخرى عن قيام السلف وعباداتهم، يقول عدي بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، وكان إبراهيم بن ميمون المروزي ومهنته الصياغة وطرق الذهب والفضة إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردها ألقاها وراء ظهره وذهب إلى الصلاة، وسعيد بن المسيب يقول: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة؛ لأن كله في الصف الأول فمتى يشاهد قفا شخص في الصلاة إلا أن يكون الإمام، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: 26]. وقال أسيد بن جعفر: "ما رأيت عمي بشر بن منصور فاتته التكبيرة الأولى، ولا رأيته قام في مسجدنا سائل قط إلا أعطاه" [صفة الصفوة: 2/222].
وبعضهم لم تفته التكبيرة الأولى مع الإمام إلا في يوم واحد لعذر طيلة أربعين عاماً، قال ابن السماع: "مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوم ماتت أمي" [سير أعلام النبلاء: 9/49].
وقال ميمون بن حيان: "ما رأيت مسلم ين يسار متلفتاً في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انهدمت ناحية المسجد ففزع أهل السوق لهدته، وإنه في المسجد في صلاته ما التفت".
وعندما سئل خلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها؟ قال: "لا أعود نفسي شيئاً يفسد علي صلاتي، قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ قال: "بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان فيقال: فلان صبور ويفتخرون بذلك، فأنا قائم بين يدي ربي أفأتحرك لذبابة؟"، وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته، وقال عبيد الله بن سليمان حفيد أبي عبد الله الوزير: "أبلى جدنا سجادتين، وشرع في الثالثة"، السجادة الأولى بليت والثانية بليت من كثرة الصلاة عليها واشترى الثالثة، وأبلى موضع ركبتيه ووجهه ويديه من كثرة صلاته، وكان له كل يوم كر دقيق يتصدق به، فلما  وقع الغلاء تصدق بكرين من دقيق"، لما وقع الغلاء زادت الصدقات، وقد صلّى أبو عبد الله النباحي يوماً بأهل طرسوس فصيح النفير فلم يخفف الصلاة، فلما فرغوا قالوا: أنت جاسوس، قال: ولم؟ قالوا صيح بالنفير وأنت في الصلاة فلم تخفف؟ قال: "ما حسبتُ أن أحداً يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما يخاطبه به الله -عز وجل-" [تاريخ دمشق لابن عساكر: 21/19].
فهذا لم ينتبه أصلاً أن هناك أصوات خارجية ولا أن أحداً ينادي، وأبو طلحة -رضي الله عنه- صلّى في حائط -يعني بستان وفيه شجر- فأعجبه دبس طار في الشجر يلتمس مخرجاً فأتبعه بصره ساعة ثم لم يدر كم صلّى، أشغله شيء في الصلاة فتصدق ببستانه كله، وصلى رجل صالح في بستان له والنخل مطوقة بثمرها، فنظر إليها فأعجبته فلم يدر كم صلّى، فجعلها صدقة في سبيل الله -عز وجل-، وجعله عند عثمان -رضي الله عنه- فباعه بخمسين ألفاً، وكان محمد بن إسماعيل البخاري يصلي ذات ليلة فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة فلما قضى الصلاة قال: "انظروا أي شيء آذاني".
ولم تكن تمنعهم لم يكن يمنعهم كبر السن وضعف الجسم من الوقوف الطويل، فهذا أبو إسحاق السبيعي -رحمه الله-  "ذهبت الصلاة مني، ضعفت ورق عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة، فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران" [سير أعلام النبلاء: 5/397].
هذا لما ضعف يقول: إني مسكين الآن ما أستطيع إلا البقرة وآل عمران.
وضعف أبو إسحاق السبيعي عن القيام فكان لا يقدر أن يقوم إلى الصلاة حتى يُقام، فإذا أقاموه فاستتمّ قائماً قرأ ألف آية وهو قائم، وعطاء بن أبي رباح كما قال عنه ابن جريج: "لزمتُ عطاء ثماني عشرة سنة، وكان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية في البقرة وهو قائم" لا يزول منه شيء ولا يتحرك. [تهذيب الكمال: 18/347].
أصناف الناس من حيث القدرة على صيام رمضان
00:41:30
 إن من أصناف الناس في رمضان الكبير والعاجز والهرم، والعاجز هو الشيخ الفاني الذي فنيت قوته وأصبح كل يوم في نقص إلى أن يموت لا يلزمهما الصلاة، ولهما أن يفطرا ما دام الصيام يجهدهما ويشق عليهما، وكان ابن عباس -رضي الله عنه- يقول في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة: 184]. إنها ليست بمنسوخة، لكنها في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً".
وأما من سقط تمييزه وبلغ حد الخرف فلا يجب عليه ولا على أهله شيء لسقوط التكليف، فإن كان يميز أحياناً ويهذي أحياناً وجب عليه الصوم حال تمييزه ولم يجب عليه حال هذيانه، ومن قاتل عدواً -والكلام الآن ينفع المسلمين في فلسطين والشيشان والفلبين وكشمير وغيرها من بلدان المسلمين في إفريقيا وغيرها- من قاتل عدواً أو أحاط العدو ببلده، والصوم يضعفه عن القتال ساغ له الفطر ولو بدون سفر، وكذلك لو احتاج للفطر قبل القتال أفطر، وقد قال النبي ﷺ لأصحابه قبل القتال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا [رواه مسلم: 1120]. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وأفتى به أهل الشام وهم في البلد لما نزل بهم التتار، حوصرت البلد أفتاهم بالإفطار في رمضان للزوم دفع العدو المحاصر للبلد.
ومن كان سبب فطره ظاهراً كالمريض فلا بأس أن يفطر ظاهراً في المستشفى يفطر أمام الناس، ومن كان سبب فطره خفياً كالحائض، فالأولى أن يفطر خفية خشية التهمة، تفطر في البيت ليس أمام أولادها حتى لا تتهم إلا إذا بينت لهم الحقيقة وعرفوها، وتشترط النية في صوم الفرض وكذا كل صوم واجب كالقضاء والكفارة لأجل حديث النبي ﷺ: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل [رواه ابن ماجه: 1700، وصحح إسناده الألباني في الإرواء: 4/27].
ويجوز أن تكون النية في أي جزء من الليل، والليل يبدأ من بعد المغرب إلى الفجر، ولو نوى قبل الفجر بلحظة صح صومه، والنية عزم القلب على الفعل، والتلفظ بها بدعة، وكل من علم أن غداً رمضان ونوى صيامه، فهذه نية، ومن نوى الإفطار أثناء النهار ولم يفطر بمفطر كالأكل والشرب فالراجح: أن صيامه لم يفسد بمثابة من أراد الكلام أثناء الصلاة ثم لم يتكلم، وقال بعض العلماء: أنه يفطر؛ لأن النية قد ذهبت، وهي شرط طيلة الصيام، ولذلك فالأحوط له أن يقضي، أما الردة لو أن واحداً سبّ الدين أثناء نهار رمضان ارتد فإنها تحبط نيته بلا خلاف تبطلها، ولكن صائم رمضان لا يحتاج أن يجدد النية في كل ليلة من ليالي رمضان، بل تكفيه نية الصيام عند دخول الشهر، طيلة الشهر النية الأولى هو عليها، ما غير، لكن لو أنه أفطر بعذر كمرض، أو سفر، إذا رجع من السفر وقام من المرض فإنه يحتاج إلى نية جديدة من الليل لكي يواصل الصيام في هذا الشهر، والنفل المطلق لا تشترط له نية من الليل لحديث عائشة: "دخل علي رسول الله ﷺ ذات ليلة ذات يوم فقال: هل عندكم شيء  قلنا: لا، فقال: فإني صائم [رواه مسلم: 1154]. والنفل المعين كعاشوراء وعرفة فإنه ينوي له من الليل ليتم أجره، ومن شرع في صوم واجب كالقضاء والنذر والكفارة فلا بد أن يتمه ولا يجوز أن يفطر بغير عذر، لكن صوم النافلة ممكن يقطعه ولو بغير عذر لحديث الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
لكن هل يُثاب من أفطر بغير عذر على ما مضى من صومه، واحد صام وجاء الظهر وأفطر اللي راح يثاب عليه، قال بعضهم بأنه لا يثاب عليه؛ لأن ما تم اليوم، لكن لو أن امرأة صامت أثناء النهار حاضت، الذي مضى من صيامها هذا لا يُحسب لها، وعليها القضاء، لكن لها أجر عند الله لأنها أفطرت رغماً عنها، أطاعت ربها في الصوم، وأطاعت ربها في الفطر، فلذلك مأجورة على تنفيذ أمر الله، والحائض تؤجر على صبرها على أمر الله إذا حاضت، فلو قالت: أريد آخذ حبوباً، نقول: أحسن لك لا تأخذي حبوباً؛ لأن صبرك على أمر الله الذي قدر عليك الحيض أفضل لك من أخذ الحبوب، ومن لم يعلم بدخول رمضان إلا بعد الفجر، كشخص انتظر أول ليلة يتوقع فيها رمضان انتظر ما أعلن شيء فنام، ينبغي له أن يحتاط يوصي بعض أهله أن يوقظوه قبل الفجر حتى يسأل هل ثبت أو ما ثبت، إذا ثبت ينوي؛ لأنه لو نام إلى ما بعد طلوع الفجر وما عنده نية وقام قالوا: ثبت، يمسك وعليه قضاء هذا اليوم، لأنه صامه من غير نية.
حكم السجين المسلم عند دخول الشهر
00:48:26
 هناك في الأرض مظلومون من المسلمين في السجن والحبس، وقد لا يخبرهم الأعداء أنه صار رمضان ثبت أو ما ثبت أصلاً، فماذا يفعلون؟ السجين والمحبوس إن علم بدخول الشهر بمشاهدة أو إخبار من ثقة وجب عليه الصيام، وإلا فإنه يجتهد لنفسه ويعمل بما غلب على ظنه، فإن تبين له بعد ذلك أن صومه وافق رمضان أجزأه ذلك عند الجمهور، وإذا وافق صومه بعد رمضان أجزأه عند جماهير الفقهاء، لكن إذا طلع من السجن حسب الأيام اللي صامها طلع قبل رمضان، وتوقع وصام طلع التوقع قبل رمضان، فلا يجزئه وعليه القضاء، فإذا وافق صوم المحبوس بعض رمضان دون بعض أجزأه ما وافقه وما بعده دون ما قبله، إذا وافق صومه قبل رمضان لا يُعتد به، والذي لم يستطع وبقي السنوات الطويلة يصوم على التوقعات ما يخبرونه بشيء، فهذا لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ويجزئه ما فعل لأنه بذل وسعه، وأما بالنسبة للإفطار والإمساك فإذا غاب جميع قرص الشمس أفطر الصائم ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق لقوله ﷺ: إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم [رواه ابن حبان: 3512، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 364].
 والسنة أن يعجّل الإفطار، ولكن لا يعني أن يسوق السيارة بسرعة جنونية ليعجل الإفطار، لا، يعجل الإفطار إذا وجد الإفطار، وكان النبي ﷺ لا يصلي المغرب حتى يفطر ولو على شربة ماء"، رواه الحاكم وهو في السلسلة الصحيحة للألباني -رحمه الله-.
فإن لم يجد الصائم شيئاً يفطر عليه نوى الفطر بقلبه، ولا يمص أصبعه كما يفعل بعض العامة، وليحذر من الإفطار قبل الوقت، "فإن النبي ﷺ رأى أقواماً معلقين من عراقيبهم تسيل أشداقهم دماً، فلما سأل عنهم أُخبر أنهم الذين يفطرون قبل تحلّة صومهم"، الحديث في الصحيح لابن خزيمة. [رواه ابن حبان: 1986، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1005]. 
ومن تحقق أو غلب على ظنه أو شك أن فطره حصل قبل المغرب فعليه القضاء لأن الأصل بقاء النهار، واحد أفطر ثم اكتشف أنه أفطر قبل المغرب، أو غلب على ظنه أنه أفطر قبل المغرب، والإنسان إذا شك غربت الشمس أو لا، لا يجوز له أن يفطر حتى يتيقن أن الشمس غربت؛ لأن الأصل بقاء النهار، ولا ينتقل عن الأصل إلا ليقين، وينبغي الحذر من الاعتماد على خبر الأطفال الصغار والمصادر غير الموثوقة، وربما يقوم لك صغير في البيت يؤذّن قبل المغرب بعشر دقائق في ساحة البيت فتحسبه مؤذناً، أو يرفع لك صوت إذاعة أو قناة تلفزيون على بلد قبل الوقت فيسرع الهلوع الشغوف بالطعام على أي صوت؛ مسجل غير مسجل، من بلد أخرى، من إذاعة أخرى، من طفل في الساحة، فلذلك ينبغي الاحتراز لأجل أن الإفطار قبل تحلة الصوم مصيبة عظيمة، وينبغي مراعاة فوارق التوقيت في المدن والقرى؛ لأن التقاويم مذكور فيها وقت الإفطار التقريبي على بلدان معينة كبيرة، القرى والهجر والأماكن الأخرى ينبغي لهم الانتباه، والشريعة أعطتنا الدليل القاطع على الإفطار وهو غياب القرص، ولذلك إذا غاب قُرص الشمس أمامك وأنت تنظر في مستوى الأفق، فلا عبرة بشيء لا تنتظر شيئاً آخر أبداً، ولو ما سمعتَ المؤذن، هب أن أحداً ذهب إلى ساحل إلى البحر في البلد هنا، ورأى الشمس تغرب في عين حمئة، وجدها تغرب في البحر، الأفق مستوي، هل ينتظر أذاناً؟ ما ينتظر أذاناً، عنده الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن اليوم قد اكتمل، واختفى القرص كله، ما بقي دليل أكبر من هذا فيفطر، وأما بالنسبة للفجر فإذا طلع البياض المعترض المنتشر في الأفق من جهة المشرق وجب على الصائم الإمساك حالاً سواء سمع أذاناً أم لا، وإذا كان يعلم أن المؤذن يؤذن عند طلوع الفجر ومنضبط ودقيق مؤذن الحي يمسك عليه حال سماع الأذان، وأما إذا كان المؤذن هذا يؤذن قبل الوقت، وأنت تعلم أنه قبل الوقت فلا يلزمك الإمساك على أذانه، وإن كان لا يعلم حال المؤذن أو اختلف المؤذنون، ولا يستطيع أن يتبين الفجر بنفسه عمل بالتقاويم؛ لأن هذا هو المتيسر؛ لأن المؤذنين لا يؤذنون على طلوع الفجر الحقيقي، لا يرون بسبب العمارات وأنوار المدن لا يكاد يظهر الفجر داخل البلد، فالناس المؤذنون يؤذنون على التقويم، فإذا قال: المؤذنون عندنا شيء قبل وشيء بعد، أمسك على أذان من؟ نقول: أمسك على التقويم؛ لأنهم أصلاً يؤذنون على التقويم، خذ من الأصل الذي يأخذون منه، والاحتياط بالإمساك قبل الفجر بعشر دقائق بدعة من البدع، ولذلك الذين يطبعون تقاويم في الدعايات في أصحاب الشركات، ويعملون خانة قبل الفجر بعشر دقائق يكتبون: الإمساك، الإمساك خمسة، أذان الفجر خمسة وعشرة، هذه بدعة و هذه الخانة يجب أن تُلغى وتُشطب ولا يجوز ترويجها بين الناس؛ لأن هذه بدعة من البدع، والله قال:وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[البقرة: 187]. فلماذا نحرم الناس من الأكل والشرب قبل الفجر بعشر دقائق.
وهناك بلدان فيها ليل ونهار مستقر واضح خلال أربع وعشرين ساعة، فعلى المسلمين في تلك البلدان التي فيها ليل ونهار في الأربع وعشرين ساعة أن يصوموا بحسب الليل والنهار، إذا طلع الفجر يمسك إذا غربت الشمس يفطر، طال النهار أم قصر، افرض قالوا في الدول الإسكندينافية أو في بعض هذه الدول ربما النهار خمس ساعات، نقول: خمس ساعات من الفجر إلى المغرب، افرض قالوا: عشرين ساعة نقول: عشرين ساعة من الفجر إلى المغرب، ولكن قد يوجد في بعض البلدان عدم قدرة على تمييز النهار من الليل، فهؤلاء يقيسون حالهم إلى أقرب البلدان إليهم ممن لديهم ليل أو نهار متميز.
شرط العلم في مفطرات الصيام
00:56:43
 والمفطرات ما عدا الحيض والنفاس لا يفطر بها الصائم إلا بشروط ثلاثة: أن يكون عالماً غير جاهل، ذاكراً غير ناس، مختاراً غير مضطر ولا مكره، ومن المفطرات ما يكون من نوع الاستفراغ كالجماع والاستقاء والحيض والاحتجام، ومنه ما يكون من نوع الامتلاء كالأكل والشرب، ومن المفطرات ما يكون في معنى الأكل والشرب كالأدوية والحبوب عن طريق الفم، أو الإبر المغذية، وحقن الدم، ونقل الدم، وإما الإبر التي لا يستعاض بها عن الأكل والشرب لكنها للمعالجة كالبنسلين، والأنسولين، أو لتنشيط الجسم، أو إبر التطعيم لا تضر الصيام، سواء أُخذت في الوريد، أو في العضلات، والأحوط: أن تجعل هذه الإبر بالليل، غسيل الكلى الذي يتطلب خروج الدم لتنقيته ثم رجوعه مرة أخرى مع إضافة مواد كيماوية وغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم يعتبر مفطراً؛ لأنه الدم يخرج من الجسم يُمرر على أجهزة تضيف عليه مواد مغذية كأملاح وفيتامينات أو سكريات، فهذا يفطّر، يقضي بعد ذلك، والراجح أن الحقنة الشرجية وقطرة العين والأذن لا تفطر حتى لو أحس بطعم القطرة في حلقه؛ لأن العين والأذن ليست منفذاً طبيعياً إلى الحلق، وقلع السن ومداواة الجرح لا يفطر، بخاخ الربو لا يفطّر؛ لأنه غاز مضغوط يذهب إلى الرئة وليس بطعام وهو محتاج إليه في رمضان وفي غير رمضان فمتى يصوم، وسحب الدم للتحليل لا يفطر؛ لأنه كمية يسيرة وتدعو الحاجة إليه، ودواء الغرغرة لا يبطل الصوم إن لم يبتلعه، ومن حشا سنه بحشوة طبية فوجد طعمها في حلقه فلا يضر ذلك صيامه كما أفتى الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-.
غسول الأذن وبخاخ الأنف إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق بالنسبة لبخاخ الأنف قطرة الأنف، إذا وما وصل للحلق لا يفطّر إذا وصل يفطّر؛ لأن الأنف منفذ مباشر إلى الحلق، والأقراص والأشياء العلاجية التي تؤخذ عن طريق المهبل من التحاميل أو المنظار المهبلي، أو الفحص المهبلي بالنسبة للمرأة لا يفطّر، إدخال المنظار أو اللولب ونحوه إلى الرحم لا يفطّر، ما يدخل الإحليل أو مجرى البول الظاهر للذكر أو الأنثى من القسطرة، وهو الأنبوب الدقيق أو الذي يدخل، أو المادة المظللة على الأشعة، أو يُحقن بأشعة لفحص السرطان، أو محلول لغسل المثانة لا يفطّر، حفر السن وقلع الضرس وتنظيف الأسنان أو فرشاة الأسنان إذا اجتنب ما ينفذ إلى الحلق لا يفطّر.
وكذلك بخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب الابتلاع لا يفطّر، الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية غير السوائل والحقن المغذية لا تفطّر، غاز الأكسجين لا يفطّر، غازات التخدير والبنج لا تفطّر، ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد، كالدهونات والمراهم، واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية والكيميائية لا تفطر، قسطرة أو قسطرة الشرايين بإدخال الأنبوب الدقيق للتصوير أو علاج أوعية القلب لا يفطر، إدخال المنظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء لا يفطّر، أخذ العينات والخزعات من الكبد أو غيره ما لم تكن مصحوبة بمحاليل فإنه لا يفطر، منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل أو محاليل فإنه لا يفطّر، أي مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي كذلك لا يفطّر.
من أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان
01:01:11
 من أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان دون عذر فقد أتى كبيرة عظيمة من الكبائر وعليه التوبة والقضاء، وإذا كان إفطاره بمحرم كمسكر والعياذ بالله ازداد فعله شناعة وقبحاً، وعليه التوبة العظيمة، والإكثار من النوافل، وجبر نقص الفرائض لعل الله أن يتوب عليه، ومن نسى فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه [رواه البخاري: 1933، ومسلم: 1155]. وفي رواية: فلا قضاء عليه ولا كفارة [رواه الحاكم: 1569، والطبراني في الأوسط: 5352، وابن حبان: 3521، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 6070].
وإذا رأى من يأكل ناسياً فإن عليه أن يذكره لعموم قوله تعالى:وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[المائدة: 2]، ولعموم قول الرسول ﷺ: فإذا نسيت فذكروني  [رواه البخاري: 401، ومسلم: 572].
وهذا في الأصل منكر يجب عليك أن تغيره إذا رأيته، ومن تخيل أنه يمكن إذا أراد أن يجامع الزوجة أن يفطر بالأكل والشرب قبل الجماع حتى لا تصير عليه الكفارة المغلظة يعامل بنقيض قصده، ويكون هتك حرمة الشهر مرتين، لأكله وجماعه والكفارة المغلظة عليه أوكد، وحيلته وبالٌ عليه، وتجب التوبة النصوح، ولا يمكن أن تقول الشريعة للمجامع فقط عليك كفارة مغلظة، وإذا أكل وشرب واستعان على الجماع في المجامع يقال ليس عليه هذا لا يمكن كما ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله-.
التقبيل والمباشرة والمعانقة واللمس وتكرار النظر من الصائم لزوجته أو أمته إذا كان يملك نفسه جائز لما في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يقبّل وهو صائم ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لأربه، والشخص إذا كان سريع الشهوة ولا يملك نفسه فلا يجوز له ذلك لأنه يؤدي إلى إفساد صومه، فإن قال: أنا ما أدري عن نفسي، نقول: لا تتورط ولا تقترب من كل شيء يمكن أن يفسد صومك، ولا تغتر بنفسك وتقول اضبط نفسي، اترك هذا من أوله، والقاعدة الشرعية كل ما كان وسيلة إلى محرم فهو محرم، وإذا جامع فطلع الفجر وجب عليه أن ينزع وصومه صحيح، ولو أمنى بعد النزع فلا يضره، ولو استدام الجماع إلى ما بعد طلوع الفجر أفطر وعليه التوبة وقضاء  والكفارة المغلظة، إذا أصبح الإنسان وهو جُنُب فلا يضر صومه، نام، أصبح ما اغتسل من الجنابة قبل الفجر لا يضر صومه، ولكن عليه أن يغتسل لصلاة الفجر، وكذلك الحائض والنفساء، نوت الصيام لكن ما اغتسلت من الحيض، انقطع الدم بالليل نوت ما اغتسلت من الحيض، قامت في الصباح واغتسلت، صيامها صحيح، إذا نام الصائم واحتلم فإنه لا يفسد صومه إجماعاً بل يتمه وتأخير الغسل لا يضر الصيام لكن عليه أن يبادر به لأجل الصلاة ولكي تقربه الملائكة، وأما من استمنى في نهار رمضان عمداً بلمس أو تكرار نظر وجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يمسك بقية يومه وأن يقضيه بعد ذلك، وينبغي على الإنسان المسلم أن يبتعد عن كل ما هو مثير للشهوة من المناظر والأشياء والخواطر الرديئة ويطردها، أما بالنسبة للمذي فإنه لا يفطر لكن الإنسان يجرح صيامه إذا تعمد أن يستعمل أي شيء أو يتصرف بأي تصرف يؤدي إلى خروج، أما الودي وهو السائل الغليظ اللزج بعد البول بدون لذة فلا يفسد الصيام ولا يوجب الغسل، وإنما يجب منه الاستنجاء والوضوء لأجل الصلاة.
القيء عمداً أثناء الصيام يبطله
01:05:17
 القيء إذا تعمده أفطر، إذا لم يتعمده وذرعه وفاجأه وغلبه فإنه ليس عليه شيء، أما إذا تعمده بوضع إصبعه أو عصر بطنه أو تعمد شم رائحة كريهة أو دوام النظر إلى منظر كريه يمكن أن يتقيأ فتقيأه فعليه القضاء، وإذا راجت معدته لم يلزمه منع القيء؛ لأن ذلك يضره فترك نفسه على طبيعتها فخرج القيء ليس عليه شيء.
وأما ما بين الأسنان فإنه لا يبتلعه بعد الفجر؛ لأنه أكل، لكن إذا ذهب إلى الحلق بدون قصده وعجز عن تمييزه ومجه فهو تبع للريق ولا يفطر، وأما العلك فإن العلك في الغالب فيه مواد سكرية، ولذلك فإنه لا يجوز مضغه وقد يكون له أجزاء تتفتت وتبلع، ولذلك لا يقرب الإنسان أي شيء يؤدي إلى تفطيره وإفساد صومه، وإما بالنسبة للمضمضة فإنها لا تفطر، وإذا تمضمض وأخرج الماء يكفي ولا يحتاج أن يبالغ في البصق فهذا ليس من التحرز الشرعي، ومن أصابه رعاف فصيامه صحيح وهو شيء بغير اختياره، وكذلك إذا جرح في لثته أو دميت بالسواك فلا يجوز ابتلاع وعليه إخراجه ولو دخل بغير اختياره فلا شيء عليه، وكذلك القيء أو أول القيء إذا صعد إلى الحلق ثم رجع بغير قصده فلا شيء عليه، والنخامة المخاط النازل من الرأس والنخاع البلغم الصاعد من الباطن إن ابتلعها قبل وصولها إلى فيه لا يفسد الصوم لعموم البلوى بها، لكن إذا وصلت إلى الفم يخرجها ولا يبتلعها ولو دخلت بغير قصده فلا تفطر، والذين يعملون في محطات تحلية المياه ويتعرضون لبخار الماء فعليهم أن يتجنبوا استنشاق بخار الماء واستنشاق بخار الماء في مثل حال العاملين في محطات تحلية المياه لا يضر بالصوم لا يضر، استنشاق بخار الماء في مثل حال العاملين في محطات تحلية الماء لا يضر صومهم، وكذلك المرأة التي تطبخ ويتصاعد بخار الطعام وهذا شيء يصعب جداً تجنبه، وليس عليها في ذلك شيء، وأما ذوق الطعام يكره بغير حاجة لما فيه من تعريض الصوم للفساد، ولو ذاقت الطعام بطرف اللسان، ثم مجته لمعرفة ملحه فلا حرج في ذلك، ومضغ الطعام للولد إذا لم تجد الأم منه بداً فهذا لا بأس به فتخرجه له.
وكذلك إذا احتاج لتذوق شيء عند شرائه عن ابن عباس قال: "لا بأس أن يذوق الخل والشيء يريد شرائها" حسّنه في إرواء الغليل، [إرواء الغليل: 4/85]. والسواك سنة للصائم في جميع النهار وإن كان رطباً، وإذا استاك وهو صائم فوجد حرارة أو غيرها من طعمه فبلعه فلا يضره ذلك، لكن السواك الطبيعي، أما السواك الذي أُضيف إليه نكهة الليمون أو النعناع فهذا لا يستعمله الصائم، ولا يجوز تعمد ابتلاع فتات السواك وإن دخل إلى فمه إلى حلقه شيء دون قصده فصيامه صحيح، وما يعرض للصائم من جرح أو ذهاب الماء بغير اختياره إلى حلقه لا يفسد صومه.
وكذلك الغبار والدخان والذباب بغير قصد لا يضر، وابتلاع الريق لا يفطر ومثله غبار الطريق وغربلة الدقيق، ولا يضره نزول الدمع إلى حلقه، ولا يضره أن يختضب بالحناء، وكذلك لا يضره دهن رأسه، والكحل لا يضر أيضاً، والمراهم المرطبة والملينة للبشرة؛ خصوصاً في الشتاء لا تضر الصيام، ولا بأس بشمّ الطيب واستعمال العطور ودهن العود والورد ونحوها، والبخور يبتعد عن استنشاقه مباشرة، أما رائحته فلا تضر، ويُستحسن أن تؤجل فرشاة معجون الأسنان إلى الليل ويكون في النهار بالسواك، والأحوط للصائم ألا يحتجم، والخلاف في المسألة شديد.
والتدخين من المفطرات وليس عذراً في ترك الصيام إذ كيف يعذر بالمعصية، والانغماس في الماء للتبرُّد لا بأس به وصبه على الرأس من الحر والعطش لا بأس به، ويكره للصائم السباحة لما فيها من تعريض الصوم للفساد، ومن كان عمله في الغوص أو وظيفته تتطلب الغطس فإن كان يأمن من دخول الماء إلى جوفه فلا بأس بذلك، ومن أكل أو شرب أو جامع ظاناً أن الفجر لم يطلع، ثم تبين له أن الفجر قد طلع فلا شيء عليه؛ لأن الله أباح لنا ما لم يتبين.
قال ابن عباس: "أحلّ الله لك الأكل والشرب ما شككتَ" [فتح الباري لابن حجر: 4/135].
لكن إذا تيقنتَ أن الفجر قد طلع لا يجوز لك، وبعض الناس يقول إذا قام من النوم لا أريد أن أنظر في الساعة ولا أفتح الستارة وهذا إهمال وتقصير فعليه أن ينظر فربما يكون طلع الفجر، لكن لو نظر فلم يجد ما يشير إلى طلوع الفجر فلا بأس أن يأكل، وإذا طلع الفجر وفي يده طعام أو شراب فإن الفقهاء قد اتفقوا على أنه يلفظه ولا شيء عليه، والحديث الذي ورد ضعّفه بعضهم بأنه شاذ في أن الإنسان إذا كان في يده شيء يأكل.
حال السلف -رحمهم الله- مع الصلاة في رمضان
01:12:31
 نعود مرة أخرى إلى قضية الاهتمام بالصلاة في هذا الشهر الكريم، وحال سلفنا -رحمهم الله- في ذلك حال عظيم، قال الوليد بن علي: "كان سويد بن غفلة يؤمنا في شهر رمضان في القيام وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة".
[تاريخ دمشق: 72/372].
وكان معروف من واصل إمام مسجد بني عمر وابن سعد يختم القرآن في كل ثلاثة سفراً وحضراً، أمّ قومه ستين سنة لم يسه في صلاة قط" [صفة الصفوة: 2/69].
وكان طلق بن حبيب يقول: "إني لأحب أن أقوم لله حتى أشتكي ظهري، فيبتدئ بالقرآن حتى يبلغ سورة الحجر، ثم يركع، وقال ثابت البناني: "كنت أمر بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك" [البداية والنهاية: 12/ 189].
وكان عبد الله بن مسعود إذا قام في الصلاة كأنه ثوب مُلقى" [مختصر تاريخ دمشق: 14/64].
"وكان سعيد بن جبير إذا قام إلى الصلاة كأنه وتد"[صفة الصفوة: 2/44].
وكان العنبس بن عُقبة يسجد فتقع العصافير على ظهره، فكأنه جذم حائط" [تاريخ دمشق لابن عساكر: 28/170].
وقال أبو بكر بن عياش: "رأيتُ حبيب بن أبي ثابت ساجداً فلو رأيته قلت ميت"[سير أعلام النبلاء: 5/291].
يعني: من طول السجود.
وقال ابن وهب: "رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع حتى نودي بالعشاء".
[سير أعلام النبلاء: 7/266]. وقال علي بن الفضيل: "رأيتُ الثوري ساجداً فطفت سبعة أسابيع" [سير أعلام النبلاء: 7/277].
يعني تسعة وأربعين شوطاً قبل أن يرفع رأسه، كلما مر يجده ما زال ساجداً، أنتعجب من سجدة هذا أم من طواف هذا، ويقول معاذ بن مرة: "أدركتُ سبعين رجلاً من أصحاب محمد ﷺ لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئاً مما أنتم عليه إلا الأذان" [سير أعلام النبلاء: 5/154].
وقال ميمون بن مهران: "لو نُشر فيكم رجل من السلف ما عرف إلا قبلتكم"[سير أعلام النبلاء: 5/76].
هذا مقارنة الحال بالحال، لكن الذي يتكلم هو من السلف، فكيف بنا نحن، وسئل حاتم الأصم عن صلاته فقال: "إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى صلاتي وأجعل الكعبة بين حاجبي والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت ورائي أظنها آخر صلاتي، ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيراً بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعاً بتواضع، وأسجد سجوداً بتخشع وأقعد على الورك الأيسر، وأفرش ظهر قدمها، وأنصب القدم اليمنى على الإبهام، وأتبعها الإخلاص ثم لا أدري أقبلت مني   أم لا، ومر حسان بن أبي سنان بغرفة قال: منذ كم بنيت هذه؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: وما عليك منذ كم بنيت، تسألين عما لا يعنيك فعاقبها بصيام طويل.
رسالة في أحكام الصيام للنساء
01:16:10
 وأخيراً بالنسبة لأحكام الصيام رسالة سريعة في الأحكام إلى النساء التي بلغت فخجلت وكانت تفطر فعليها التوبة العظيمة وقضاء ما فات مع إطعام مسكين عن كل يوم كفارة التأخير إذا أتى عليها رمضان الذي يليه ولم تقض، ومثلها في الحكم التي كانت تصوم أيام عادتها خجلاً ولم تقض، فإن لم تعلم عدد الأيام التي تركتها على وجه التحديد صامت حتى يغلب على ظنها أنها قضت الأيام التي حاضت فيها ولم تقضها من الرمضانات السابقة مع إخراج كفارة التأخير عن كل يوم مجتمعة أو متفرقة بحسب التيسير، ولا تصوم الزوجة غير رمضان وزجها حاضر إلا بإذنه، فإذا سافر فلا حرج تصوم كما تشاء، والحائض إذا رأت القصة البيضاء وهو سائل أبيض يدفعها الرحم بعد انتهاء الحيض تنوي الصيام من الليل وتصوم، وإن لم يكن لها طهر تعرفه فإنها إذا جفت واحتشت فخرج نظيفاً صامت، فإن رجع الحيض أفطرت، وأي دم أو كدرة في وقت الحيض فهو حيض، وإذا استمر انقطاع الدم من الفجر إلى المغرب وقد صامت بنية من الليل صح صومها، والحائض أو النفساء إذا انقطع دمها ليلاً فنوت الصيام ثم طلع الفجر قبل اغتسالها فمذهب العلماء كافة صحة صومها، والمرأة التي تعرف أن عادتها تأتيها غداً تستمر على نيتها وصيامها ولا تفطر، قد لا تأتي العادة قد تتأخر، والأفضل للحائض أن تبقى على طبيعتها وترضى بما كتب الله عليها، ولا تتعاطى ما تمنع به الدم، وتقبل ما قبل الله منها من الفطر في الحيض والقضاء بعد ذلك، وهكذا كانت أمهات المؤمنين ونساء السلف، وإذا كان موانع الحيض ثبت بالطب أنها تضر فلا يجوز للمرأة أن تستعملها، وبعضهن تستعمل أشياء تسبب اضطراب الدورة وتصبح مسكينة لا تعرف متى تصلي، ومتى تصوم، وهل هي طاهر؟ وهل هي حائض؟ كل ذلك بسبب استعمال اللوالب والحبوب، دم الاستحاضة لا يؤثر في الصيام لو كان النازل استحاضة وليس بحيض فصيامها صحيح، وإذا أسقطت الحامل جنيناً متخلقاً، أو ظهر فيه تخطيط لعضو كرأس أو يد فهي نفساء، لا تصوم، وإذا كان ما سقط علقة أو مضغة لحم لا يتبين فيه شيء من خلق الإنسان فدمها دم استحاضة، وعليها الصيام إن استطاعت وإلا أفطرت وقضت، وكذلك لو عملت عملية التنظيف للرحم فلم ينزل شيء فاستطاعت الصيام وصامت فصيامها صحيح، ذكر العلماء أن تخلق الجنين يبدأ بعد ثمانين يوماً من ابتداء الحمل، أربعين يوماً نطفة، أربعين يوماً علقة، ثم المضغة يبدأ التشكل، والنفساء إذا طهُرت قبل الأربعين صامت واغتسلت للصلاة، فإن صامت ثم رجع الدم أثناء الأربعين توقفت عن الصيام، والمرضع إذا صامت بالنهار ورأت في الليل نقطاً من الدم وكانت طاهراً بالنهار فصيامها صحيح، والراجح قياس الحامل والمرضع على المريض فيجوز لهما الإفطار وليس عليهما إلا القضاء سواء خافتا على نفسيهما أو ولديهما، وقد قال النبي ﷺ: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم  رواه الترمذي وقال حديث حسن. [رواه الترمذي: 715، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1835].  
والحامل إذا صامت ومعها نزيف فصيامها صحيح ولا يؤثر على صيامها.
وكذلك فعلى المرأة أن تحافظ على نفسها وعلى زوجها، وأن تتباعد عنه وتترك التزين في نهار رمضان إذا كان ذلك يمكن أن يفسد صيامه.
ويجب على المرأة قضاء ما أفطرته من رمضان، ولا يشترط للصيام الواجب على المرأة إذن الزوج، وإذا شرعت المرأة في قضاء الصيام الواجب فلا يحل لها الإفطار إلا من عذر شرعي، ولا يحل لزوج المرأة أن يأمرها بالإفطار وهي تقضي، وليس له أن يجامعها وهي تقضي وليس لها أن تطيعه في ذلك، وأما صيام النافلة فقد تقدم أنها لا يجوز أن تشرع فيه وزوجها حاضر إلا بإذنه.
هذه طائفة من الأحكام المتعلقة بالشهر الكريم ونحن سنقدم عليه ونسأل الله أن يعيننا فيه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا من المقبولين فيه، وأن يعيننا على صيامه وقيامه ويجعله شهر نصر للإسلام والمسلمين.
أسئلة وإجابات
01:21:55
 يقول: ما صحة حديث:  رغم أنف امرئ أدرك رمضان ولم يغفر له  ؟
صحيح، ولذلك يجب الأخذ بالأسباب التي تدعو إلى المغفرة.
الإمساك أثناء الأذان أو في أول الأذان؟
إذا كان المؤذن يؤذن لطلوع الفجر متى ما بدأ بالأذان تمسك، وليس الأكل إلى آخر الأذان، إذا كان يؤذن لطلوع الفجر، وإذا ثبت عندك أن المؤذن يؤذن مبكراً والفجر لم يطلع فلك أن تأكل إلى أن يطلع ولو انتهى الأذان.
ما هي أخبار الشيخ ابن عثيمين؟
هو في المستشفى ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يخفف عنه، وأن يعافيه.
أفطر أياماً من سنوات مضت عمداً ماذا عليه؟
أن يتوب إلى الله، ويقضي الأيام، ويطعم مسكيناً عن كل يوم، ولا تتكرر هذه الكفارة بمضي السنين، مرة واحدة.
تقبيل الزوجة إذا كان يؤدي إلى فساد الصيام فلا يجوز له أن يفعل ذلك.
الطلاب يدرسون وهناك اختبارات، كيف يفعلون في رمضان؟
سددوا وقاربوا، ولا بد أن يجد الإنسان وقتاً، ويراعى في العادة الدوام، وحتى الوظائف أنها أقل من باب التفرغ للعبادة، ليس من المطلوب أن يكون الناس في رمضان مثل وقت الإفطار في القوة والنشاط ليس صحيحاً، والذي يقول رمضان شهر الجهاد لازم يكون نشاطنا مثل قبل رمضان ما يمكن، بل في الجهاد قال:أفطروا فالفطر أقوى لكم[رواه مسلم: 1120]. هذا شيء الدين واقعي، لكن عندما يأتي رمضان المفترض أن تقل الأعمال الدنيوية لتزداد الأعمال الأخروية، فإذا نقصوا لك الدوام والحصص؛ هذا لأجل أن يزيد الإنسان في العبادة.
يقول: إذا تذوق شيئاً يريد شرائه هل يجوز له ابتلاعه؟
كلا، لا يجوز له ذلك.
يقول: ترديد الأذان الأول للجمعة؟
نقول هذا سنة، متى سمع الأذان الأول أو الثاني يردد.
بعض أصحاب القنوات الفضائية يقومون الآن بالإعداد والاستعداد لإفساد صيام الناس؟
نقول: هذا شر وبيل ومستطير، وينبغي تحذير عباد الله من ذلك، وألا يكون هذا الهم فيه الأفلام والفوازير، والتي كثيراً ما يقوم بأدائها الماجنات الفاسقات، والذين يريدون تزوير القضية، وإنساء الناس العبادة، وجعل الوقت يمضي في الترف والمرح بزعمهم، صار هناك برامج فكاهية خاصة برمضان، وأشياء من التمثيليات التي قد تسمى دينية، وفيها من الفُحش والمجون ما الله به عليم، فيقال: إنها لأجل شهر الصيام، وبعض هذه الأشياء التي تطيش فإنها أيضاً من أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان في رمضان، ولذلك فعلينا أن نجتنب بالليل أو بالنهار ما يفسد الصوم أو ينقص الأجر أو يجعل الإنسان ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.
يقول: من عليه حق لآدمي؟
ينبغي عليه أن يبادر بتقديمه وإعادته إليه.
ما حكم الذهاب لزيارة قبر غير قبر والدي في بلد غير بلدي؟
لا يجوز شد الرحال لزيارة القبور كائناً من كان.
ما حكم الإفطار على ساعة العصر؟
إذا كانت إذا علم أنها إذا علمت دقتها جاز الإفطار بناء عليها.
امرأة أفطرت وهي في عملية الاستحاضة، لا تعلم بحكم الاستحاضة، ولما علمت قامت بالصوم؟
فعليها القضاء الآن؛ لأن المستحاضة أحياناً تكون مثل المريضة، فيها ضعف وهزال، يجوز لها أن تفطر وتقضي.
قطع الجلد لا يفطر.
جدتها توفيت قبل أكثر من اثنا عشر، وآخر مرة اعتمرت فيها قبل اثنا عشر سنة، هل يجوز القيام بعمرة عنها في رمضان؟
نعم، لكن الأفضل أن يعتمر الحي لنفسه ويدعو للميت، أي عمل خير الأولى أنت الأولى به، والميت تدعو له، الميت تدعو له.
نتخذ الصلاة في مساجد متعددة كوسيلة للدعوة؟
لا بأس طيب.
الغش حرام ولا يجوز، حتى لو كان في المسابقات الرمضانية؛ لأنهم أعطوك المسابقة لتحلها أنت وليس لكي تنقل إجاباتها من غيرك، وقد كنتُ سألت شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن عائلة حلّت المسابقة بنت فيها والباقي كلهم نسخوا الإجابات، ثم كلهم أخذوا جوائز، فقال: يردونها إلا هي، مع التوبة إلى الله، يردون الجوائز، الناس إذا قلت لهم، يا شيخ هذه بسيطة؛ بسبب عدم الورع تحصل أشياء كثيرة.
رجل عليه دين كبير وله أشقاء قضوا عنه ثلاث أرباع الدين وبقي عليه مبلغ، هل يجوز له الزكاة؟
 إذا طولب وليس عنده يجوز أن يدفع له من الزكاة.
صيام يوم الشك منهي عنه إلا من كان له عادة من قبل فإنه يواصل على عادته.
الصور التي للذكرى؟ لا تتخذها، لا تتخذها.
وهذا يقول أنه متعود على مص الإبهام منذ أن كان صغيراً؟
فعليه أن يجاهد نفسه إذاً في ترك مص الإبهام.
هل يشترط أن يرى هلال رمضان كل واحد من المسلمين؟
لا، إذا رآه ثقة لزم كل المسلمين الصيام.
مرض نفساني تركت بسببه الصيام؟
عليها إذا كانت قادرة وما صامت التوبة مع القضاء، وإذا كان العملية راح لها أكثر من سنة مع التمكن من القضاء فالتوبة وإطعام مسكين عن كل يوم كفارة التأخير مع القضاء.
هذا السؤال بالنسبة لمن ترك الصيام وكان لا يصلي.
إذا كان غير مصلي كان كافراً، فلما صلّى أسلم فلا يؤمر بقضاء الصيام في وقت الكفر، لكن إذا كان حال تركه للصيام كان مصلياً فعليه القضاء مع كفارة التأخير.
 هل يجوز الاستعانة بآلات الرصد لرؤية الهلال؟
نعم تجوز الاستعانة بآلات الرصد في رؤية الهلال، لكن هذه رؤية وليست حسابات فلكية ما دمنا في رؤية فنحن بخير، ما دمنا في الرؤية فنحن بخير.
أيهما أفضل في نهار رمضان قراءة القرآن أم صلاة التطوع؟
هذا يختلف باختلاف أحوال الناس، وقد يكون العمل المعين في حق شخص أفضل منه في غيره، بحسب الأنفع لقلبه، وهذه قاعدة عند الإمام أحمد -رحمه الله- وغيره، يرون أن الأنفع للقلب يفعله الإنسان، أيهما كان الأنفع لقلبه يفعله.
يقول: أُعلن في أحد المساجد أنه يوجد إفطار لكل من يريد الصيام في كل يوم خميس؟
فأجاب الشيخ محمد بن صالح العثيمين هذا الإعلان لا بأس به؛ لأن فيه دعوة للخير وليس المقصود به البيع ولا الشراء، وإنما المحرم أن يعلن في المسجد عن البيع أو الشراء أو التأجير أو الاستئجار مما لم تبن له المساجد من أجله وأما الدعوة إلى الخير وإطعام الطعام والصدقة فلا بأس، وأما بالنسبة لكونه هل هو اجتماع غير مشروع على العبادة أم لا فإنه في الحقيقة لم يعلنوا عن الصيام، وإنما أعلنوا عن الإفطار فلا بأس به؛ لأنه لو قلت: إعلان على الجميع الصيام في النوافل فهذه هذا شيء غير مشروع، ليس من هدي النبي ﷺ ولا السلف وإحراج الناس بهذه الطريقة ليس من المصلحة الشرعية، لكن هؤلاء أعلنوا عن الإفطار ولم يعلنوا عن الصيام، والمقصود الاتفاق الجماعي على الصيام، وإلزام الناس به، وإحراج الأشخاص مخالف للشريعة، وأما أن يقال يوجد إفطار في مكان كذا الذي يصوم يأتي فهذا لا بأس به.