الثلاثاء 18 شعبان 1440 هـ :: 23 أبريل 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

حديث السبعين ألف


عناصر المادة
نص حديث السبعين ألفاً:
شرح حديث السبعين ألفا:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
نص حديث السبعين ألفاً:
00:00:11
 فقد روى حصين بن عبد الرحمن قال: "كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:  عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب  ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبروه، فقال -عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب-:  هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون  فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال:  أنت منهم  ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال:  سبقك بها عكاشة  [رواه البخاري: 6541، ومسلم: 549].
شرح حديث السبعين ألفا:
00:02:52
 هذا الحديث العظيم من أحاديث الرقاق، التي فيها إحياء للقلوب.
أوجه الاتفاق والاختلاف بين حديث السبعين ألفاً وحادثة الإسراء والمعراج:
يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: أن الأمم قد عرضت عليه، وهذا أمر شبيه بما حصل في الإسراء والمعراج.
ولكن هناك بعض أوجه المخالفة، فالإسراء والمعراج الذي وقع بمكة كان فيه تفتيح لأبواب السماوات باباً باباً، ولقاء بالأنبياء كل واحد في سماء، ومراجعة بينه وبين موسى -عليه السلام- فيما يتعلق بفرض الصلوات، وطلب تخفيفها، وهذا الحديث حصل بالمدينة.
إذن، هذه الرؤيا حصلت في المدينة، والإسراء والمعراج حصل في مكة.
ولكن هنا تشابه بين ما هو موجود في مطلع هذا الحديث المرفوع، وبين ما حصل في الإسراء والمعراج.
وما حصل بالمدينة بعد الهجرة معظمها في المنام.
قال في هذا الحديث الذي له قصة، القصة هذه يرويها حصين بن عبد الرحمن -رحمه الله-.
نبذة مختصرة عن حصين بن عبد الرحمن:
وهو حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، الثقة، توفي سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة، وكان عمره ثلاث وتسعون سنة.
يقول: "كنت عند سعيد بن جبير" وهو الإمام الفقيه من أجلاء أصحاب ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-، وهو كوفي، مولى لبني أسد، قتل بين يدي الحجاج ظلماً وعدواناً، وذهب إلى الله شهيداً فيما نحسب، سنة خمس وتسعين للهجرة، ولم يكمل الخمسين عاماً، ومع ذلك فقد روى سعيد بن جبير علماً غزيراً نافعاً، ملأ كتب التفسير والحديث.
محاورة بين سعيد بن جبير وحصين بن عبد الرحمن:
رجلان من التابعين، حصين بن عبد الرحمن يقول: "كنت عند سعيد بن جبير" رجلا من التابعين، فقال: "أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟" كوكب سقط، ويرى أحيانا هذا إذا كانت السماء صافية، انقضاض الكوكب.
والبارحة ما بعد الزوال، وقبل الزوال تقول: الليلة، إذا أردت أن تتحدث عن شيء مضى قبل الزوال تقول: الليلة، وإذا أردت أن تتحدث عن شيء مضى بعد الزوال، تقول: البارحة.
وبعض الناس يقولون: البارحة من طلوع الشمس إلى الغروب، ومن الغروب إلى طلوعها، يقولون: الليلة، حصل الليلة كذا وكذا، من غروب الشمس إلى طلوع الشمس أو الفجر.
قال: "أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟".
قال حصين: فقلت: "أنا" ثم قلت: "أما إني لم أكن في صلاة".
هذا الرجل وهو حصين -رحمه الله- رأى النجم وهو ينقض، لكن يقول للحاضرين: أنا لم أكن سهران في الليل؛ لأنني كنت أصلي، إنما كنت سهران لسبب آخر، ما هو السبب؟
قال: "ولكني لدغت"، فالسبب الذي من أجله كان مستيقظا في الليل، ما منعته الصلاة من النوم، لكن منعه الألم من اللدغ.
بُعد السلف عن الرياء:
وهذا فيه فائدة بليغة في قضية الابتعاد عن الرياء؛ لئلا يحسب من الذين يحمدون بما لم يفعلوا؛ لأن الله -تعالى- ذم الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فهذا حصين من أعداء الرياء، وهكذا كان السلف -رحمهم الله- في إخلاصهم.
قال حصين: "أما" هذه أداة استفتاح.
وقيل: هي بمعنى حقاً.
"أما إني لم أكن في صلاة" أي حقا لم أكن في صلاة، الحقيقة أني لم أكن في صلاة؛ لئلا يظن السامعون أنه قائم يصلي، فيكون كأنه قد رآى بشيء لم يفعله، أو سمَّع بشيء لم يفعله.
وهذا -طبعا- من نقص التوحيد؛ إذا رآى الإنسان وسمع بأعماله، فهو حتى يبرئ نفسه من هذا، وضحها، وقال: إني كنت مستيقظاً لأجل لدغ، لا لأجل الصلاة "ولكني لدغت".
واللدغة للعقرب، والظاهر أنها كانت شديدة، ولذلك لم ينم منها طيلة الليل.
مشروعية الرقية:
قال سعيد: "فما صنعت؟ قلت: ارتقيت" أي: طلبت الرقية، لأجل اللدغة.
قال: "فما حملك على ذلك؟" ما السبب أنك استرقيت وطلبت الرقية؟
والألف والسين والتاء، تفيد الطلب، مثل: استغفر، طلب المغفرة، استرقى طلب الرقية.
قال: "فما صنعت؟ قلت: ارتقيت" أي استرقيت، طلبت الرقية.
قال: "فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي".
المحاورة بين السلف لمعرفة الحق والوصول للحقيقة:
إذن، كان بين السلف محاورة للوصول إلى الحقيقة، ومعرفة الحق، فسعيد بن جبير -رحمه الله- لم يقصد الانتقاد لهذا الرجل، بل قصد أن يستفهم منه، ويعرف مستنده في طلب الرقية، لماذا طلب الرقية؟ وهذا فيه فائدة، وهي طلب الحجة في المذهب، فإذا رأيت رأياً فإنك تطلب الحجة، إذا رأى شخص رأياً، وتناقشت معه، لك الحق أن تطلب الحجة على ما ذهب إليه، فالآن سيأتي حصين بالدليل، قال: "حديث حدثناه الشعبي".
نبذة مختصرة عن الشعبي وبريدة بن الحصيب:
والشعبي هو عامر بن شرحبيل الهمداني، المولود في خلافة عمر، وهو من ثقات التابعين وحفاظهم وفقهائهم، مات سنة مائة وثلاثة للهجرة، وهو شيخ حصين.
قال: "وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب"، بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، صحابي مشهور، مات سنة ثلاث وستين.
الرقية النافعة:
عن بريدة بن الحصيب أنه قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة".
"لا رقية" التي هي القراءة على المريض أو المصاب، وهي معروفة.
وظاهر هذا النص أن الحديث موقوف على الصحابي الذي هو بريدة، لكن الحديث قد جاء من رواية أحمد وأبي داود والترمذي عن عمران بن حصين به مرفوعاً، وقال الهيثمي: "رجال أحمد ثقات": لا رقية إلا من عين أو حمة  [رواه أبو داود: 3886، والترمذي: 2057، وابن ماجة: 3513، وأحمد: 19922، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"].
"العين" معروفة وهي إصابة العائن لغيره، والعائن حاسد.
و"الحمة"، سم العقرب.
فمعنى هذا الحديث: لا رقية أشفى أو أولى من رقية العين والحمة.
فحصين استند في طلب الرقية إلى هذا الحديث، وهو يدل على أن الرقية من العين أو الحمة مفيدة؛ فإن الرقى تنفع -بإذن الله- من "العين"، ومن "الحمة" أيضاً.
إذن، أنفع ما تنفع الرقية في مسألة العين، وتنفع في اللدغة، والشفاء من السم، وكثير من الناس يقرأ على الملدوغ، فيبرأ حالاً.
رقية أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- لسيد قوم لدغته حية:
وقد وقعت القصة المشهورة للصحابي الجليل أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- لما بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- في سرية، فاستضافوا قوماً فلم يضيفوهم، فلدغ سيد القوم، لدغته حية، فقالوا: من يرقي؟ كانوا لؤماء، ما أكرموا الضيوف وهم الصحابة، فلدغ سيدهم الكافر سيد القبيلة، فجاءوا يقولون: من يرقي؟ ثم قالوا: لعل هؤلاء الركب عندهم راقٍ لعل هؤلاء الركب المسلمين الذي نزلوا بجانبنا وما أضفناهم لعل عندهم راق؟ فجاؤوا إلى السرية فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: نعم، ولكن لا نرقي لكم إلا بشيء من الغنم، اشترطوا شرطاً على هؤلاء البخلاء، قالوا: ما نرقي سيدكم ورئيس قبيلتكم إلا مقابل قطيع من الغنم؟ فقالوا: نعطيكم، فاقتطعوا لهم من الغنم، عينوها، ثم ذهب أحدهم، وهو الراوي أبو سعيد -رضي الله عنه-، ذهب يقرأ عليه الفاتحة، فقرأها ثلاثاً أو سبعاً، فقام هذا اللديغ كأنما نشط من عقال، يمشي ما به بأس، ولا كأن شيئاً لدغه، فانتفع اللديغ بقراءة الفاتحة، ولذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي سعيد بعدما رجعوا إليه يستفتونه عن الغنم الذي أخذوه، وأباحه لهم، وأخبر أنه حلال لهم، قال لأبي سعيد:  وما يدريك أنها رقية؟  [انظر: الحديث في البخاري: 2276، 5749، ومسلم: 5863] كيف عرفت أن الفاتحة رقية؟ من الذي أخبرك؟! تعجب من علم هذا الصحابي، وأقرار له على أن الفاتحة يرقى بها.
وسائل علاج العين:
والعين -طبعا- ترقى بوسائل كثيرة، وتستعمل لها طرق أخرى غير الرقية، يعنى أن علاج العين يكون: بالرقية، وقراءة المعوذات، والفاتحة. هذا أمر.
الثاني: ما جاء في الحديث الصحيح عن سهل -رضي الله عنه-، وكان جميل الخلقة، فمر به عامر فرآه وكان يصيب بالعين، فقال: ما رأيت اليوم كجلد مخبأة -والمخبأة هي البكر، أي أنه استحسن جلده الأبيض- ما رأيت قط كجلد مخبأة مثل اليوم أبداً، فلبط سهل، أي أنه انشل فجأة، ولم يستطع أن يتحرك، فلما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- غضب، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟  ثم دعا هذا العائن وأمره أن يغتسل، ويكون ذلك في إناء، ويصب الماء على جنبه الأيمن والأيسر داخلة إزاره، يجمع ماء الوضوء والغسالة، ثم يسكب على المعيون من الخلف، على رقبته وظهره [ينظر الحديث في سنن ابن ماجه: 3509، ومسند أحمد: 16023، وقال محققو المسند: "حديث صحيح"، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 2828] فسكبوه عليه، قيل: يسكب عليه فجأة، وقيل: بعلمه، فسكبوه عليه فقام ليس به بأس. فهذا العلاج الثاني للعين.
وهناك أشياء عرفت بالتجربة، مثل أن يؤخذ أي شيء من آثار العائن مما يلي جسمه من الثياب كثوبه، أو طاقيته، أو التراب الذي مشى عليه وهو رطب، ويصب عليه الماء، ويرش به المصاب، أو يشربه المصاب، أو بقية شرابه، كما إذا شرب العائن كأساً من الشاي العائن، فتأخذ بقية الشاي، فيشربها المعيون فتنفع بإذن الله، وهذه أشياء مجربة، وأجازها أهل العلم.
واجب العائن إذا رأى ما يعجبه:
وأما العائن فإنه يجب عليه إذا رأى ما يعجبه أن يبرك عليه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف:  هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟  [ابن ماجه: 3509، وأحمد: 16023، وقال محققو المسند: "حديث صحيح"، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 2828] أي: هلا قلت: بارك الله عليك، أو بارك الله لك في أهلك وفي مالك، يبرك عليه، ولا يقل: ما شاء الله تبارك الله، يقول: اللهم بارك فيه، اللهم بارك عليه.
وإذا رأى ما يعجبه من نفسه ومن ماله يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله؛ كما جاء في قصة صاحب الجنتين: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ  [الكهف: 39] يعني هذا بفضل الله، وليس من حيلتي ولا من قوتي، لكن من الله؛ حتى لا يصيبه العجب والغرور.
أما إذا رأى إنساناً وخاف أن يحسده، فإنه يبرك عليه، أو إذا علم من نفسه أنه إذا نظر في شيء أعانه وحسده، فإنه يبرك عليه، ويقول: اللهم بارك فيه ولا تضره.
وبعض العامة يقولون: يصلى على العائن صلاة الغائب! وهذا ليس عليه دليل، يقولون: يصلى على الحاسد والعائن صلاة الجنازة! وهذا ما له أصل، وما له دليل، وهذه عبادة تحتاج إلى دليل.
الآن لما حدث حصين سعيد بن جبير بمستنده في طلب الرقية لأجل اللدغة، قال حديث:  لا رقية إلا من عين أو حُمة .
قال سعيد -رضي الله عنه-، وهذا من باب المباحثة في العلم والنقاش، قال: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" أي: من بلغه علم فأخذ به فقد أحسن، لا يلام، أدى ما وجب عليه، وعمل بما بلغه من العلم، بخلاف من يعمل بجهل، يعمل بجهل ولا يعلم؛ فهذا مسيء آثم.
وهذه فضيلة في علم السلف، وحسن أدبهم وهديهم، وتلطفهم في تبليغ العلم، وأن من عمل بما بلغه عن الله ورسوله فقد أحسن.
يقول: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن" سعيد بن جبير -الآن- يريد أن يستدرك على حصين، يقول: إذا كنت قد عملت بهذا الحديث:  لا رقية ، فعندنا حديث آخر، ما هو؟
قال: "ولكن حدثنا ابن عباس".
نبذة مختصرة عن ابن عباس -رضي الله عنه-:
وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، الذي دعا له عليه الصلاة والسلام بقوله:  اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل  [رواه أحمد: 2397، وقال محققو المسند: "إسناده قوي على شرط مسلم"]، فكان كذلك، وتعلم التفسير، وفهم الكتاب العزيز، ولم ينقل عن صحابي مثلما نقل عن ابن عباس في التفسير، ولذلك قال عمر أو ابن مسعود: "لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد" [تهذيب الآثار، لأبي جعفر الطبري: 172/172] يعني لو كان قديم في السن مثلنا، وكبير في السن مثلنا، مثل عمر وابن مسعود "ما عشره منا أحد" أي: ما بلغ عشره في العلم، لكن ابن عباس من قدر الله أنه كان صغيراً، لما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- كان غلاماً، ومع ذلك روى أحاديث كثيرة، ورزقه الله الفهم والعلم، وروى عن الصحابة عن النبي، وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أشياء سمعها منه مباشرة.
ومات رحمه الله في الطائف سنة ثمان وستين.
عرض الأمم على النبي -صلى الله عليه وسلم-:
يقول: عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:  عرضت علي الأمم ، وهذا العرض -كما ذكرنا- حصل شبيه له في حادثة الإسراء والمعراج التي كانت من مكة.
 عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط .
وفي رواية: فأخذ النبي يمر معه الأمة  [رواه البخاري: 6541].
والأمة، العدد الكثير.
والرهط: الجماعة دون العشرة، إذا كان هناك جماعة دون العشرة يطلق عليهم في اللغة العربية: رهط، والأمة: الجماعة الكثيرة.
 فرأيت النبي ومعه الرهط  من الثلاثة إلى التسعة  والنبي ومعه الرجل والرجلان  "و" هنا بمعنى "أو"؛ لأنه لو كان "الواو" على حقيقتها الرجل والرجلان كان صاورا ثلاثة، وكان قال: ثلاثة، لكن قال:  النبي ومعه الرجل والرجلان  يعين النبي ومعه رجل أو رجلان  والنبي يمر معه النفر .
وفي رواية:  والنبي يمر معه العشرة  [رواه البخاري: 6541]،  والنبي ليس معه أحد  ورأى أنبياء ما معهم ولا شخص واحد.
وفي رواية: فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي ليس معه أحد  [رواه أحمد: 3806، وقال محققو المسند: "صحيح"].
الحاصل من هذه الروايات: أن الأنبياء يتفاوتون في الأتباع، في أنبياء أتباعهم كثر جداً، أمة، وفي أنبياء رهط وعشرة، وثلاثة وخمسة واثنان، وواحد، ومن الأنبياء من لم يتبعهم أحد، قال:  فنظرت فإذا سواد كثير  [البخاري: 6541، ومسلم: 549].
وفي رواية:  إذ رفع لي سواد عظيم  [رواه البخاري: 5705، ومسلم: 549] يعني بينما أنا كذلك  إذ رفع لي سواد عظيم  السواد ضد البياض، والسواد يطلق على الشخص إذا رؤي من بعيد، وقد يكون واحداً وقد يكون جماعة، فيكون بلفظ الجنس.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- رأى أنبياء يمرون، النبي معه واحد واثنان وثلاثة ورهط وجماعة، رأى نبياً معه أمة، وعدد كثير  سواد كثير قد ملأ الأفق  ناحية السماء تسمى: أفقا، جهة من السماء ناحية يقال لها: أفقا.
فظنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته، قلت:  يا جبريل! هؤلاء أمتي؟ قال: لا  [رواه البخاري: 6541].
وفي رواية:  فرجوت أن يكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه  [رواه البخاري: 5752].
وعند أحمد:  حتى مر على موسى معه كبكبة من بنى إسرائيل، فأعجبوني، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل  [رواه أحمد: 3806، وقال محققو المسند: "صحيح"].
والكَبكَبة، والكُبكُبة، الجماعة من الناس إذا انضم بعضهم إلى بعض.
فالآن عرف النبي -عليه الصلاة والسلام- أن هؤلاء ليسوا أصحابه ولا أتباعه: ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير  [رواه البخاري: 6541].
وفي رواية: عظيم  [رواه البخاري: 5705، ومسلم: 549].
وفي رواية: فقيل لي:  انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر  [رواه مسلم: 549] فرأى مثله  فإذا سواد قد ملأ الأفق  [رواه مسلم: 5705]، فقيل: انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء  [رواه البخاري: 5705]  فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال  [رواه أحمد: 3806].
وفي لفظ عند أحمد:  فرأيت أمتي، فأعجبتنى كثرتهم وهيئتهم قد ملؤوا السهل والجبل، فقال: يا محمد، أرضيت؟ قلت: نعم أي رب  [رواه أحمد: 4339، وابن حبان في صحيحه: 6084، والبخاري في الأدب المفرد: 911، وقال الألباني: "حسن صحيح" كما في صحيح الأدب المفرد: 704].
ولو قال واحد -طيب-: لماذا لم يعرفهم وهو قد عرفهم في مرة أخرى بآثار، وهو أخبر أنه يعرفهم بالغرة والتحجيل؟
فيقال: إنه رآهم من بعيد، والرؤية من بعيد ليس بالضرورة أن يرى فيها الشخص ملامح تفصيلية لوجوه المرئيين.
إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبعين ألفا من أمته يدخلون الجنة بغير حساب:
قال:  فقيل لي: هؤلاء أمتك ومعهم سبعون ألفاً قدامهم  في سبعين ألف في المقدمة  لا حساب عليهم ولا عذاب  [رواه البخاري: 6541].
هنا صار مع الأمة هؤلاء السبعون ألفاً العظماء، هؤلاء الذين لا حساب عليهم، وهم الذين لا حساب عليهم ولا عذاب.
أقوال الصحابة في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب:
"فخاض الناس في أولئك" النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدما حدث بالحديث، وأخبر أن هؤلاء السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذا من كرامتهم، وهؤلاء لا حساب عليهم ولا عذاب، لا في القبور، ولا بعد قيام الساعة. نفي الحساب والعذاب، يفهم منه العموم، لا حساب عليهم ولا عذاب لا في القبر، ولا عند قيام الساعة.
دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- بيته، وانقطع الحديث عند هذا الحد "فخاض الناس في أولئك" خاضوا للوصول إلى الحقيقة، لمعرفة من هم هؤلاء السبعون ألفاً؟ وبدأت الاستنتاجات الآن من الصحابة، وهذا العمل من الصحابة -رضوان الله عليهم- دليل على شدة حرصهم على الخير، وأن يكونوا من هؤلاء، ويا ترى هل هم منهم أو ليسوا منهم؟ وبدأت الاستنتاجات في هؤلاء السبعين الألف، "فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" والمقصود الصحبة المطلقة، وربما يكون المقصود الصحبة في الهجرة.
ولكن إذا قلنا: إنهم كل الصحابة، فالصحابة أكثر من سبعين ألفاً، كم عدد الصحابة؟ قدر عدد الصحابة الذين حجوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع فقط، مائة وأربعة وعشرين ألف صحابي.
وإذا قلنا: الذين صحبوه في الهجرة فقط، فهم أقل من سبعين ألفاً.
هل ممكن يحمل على صحبة معينة مثلاً: من صحبه قبل الحديبية؟ لأنه قال لخالد بن الوليد:  لا تسبوا أصحابي  [رواه البخاري: 3673، ومسلم: 6651] مثلاً.
وقلنا: الذين قبل الهجرة، المهاجرون أقل، لا يبلغون سبعين ألفاً.
فالمحتمل أنهم من كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى فتح مكة؛ لأن بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً.
وهذه مسألة تحتاج إلى نظر وتنقيح.
ماذا قال الصحابة الجالسين؟ بدأوا يستنبطون يستنتجون الآن منهم؟ يطرحون الاحتمالات "فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً".
لماذا؟
قالوا: نحن يمكن أشركنا ثم أسلمنا، يمكن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، الذين لم يشركوا أبداً، هؤلاء أناس ولدوا في الإسلام، يعني أبناء الصحابة، وذكرت أشياء، وخاض الناس في الاحتمالات، حتى طلع عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبروه، قالوا: من السبعون ألفاً؟ هل هم هؤلاء؟ هل هم هؤلاء؟
صفات السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب:
فقال صلى الله عليه وسلم:  هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون .
إذاً، عرفنا الآن أنه ليس المقصود ناس في زمن معين، لكنهم ناس عندهم صفات معينة، ممكن يوجدوا في أي جيل.
المقصود بقوله:  لا يسترقون :
هؤلاء السبعون ألفاً لهم صفات معينة، قال:  هم الذين لا يسترقون .
جاء في رواية في صحيح مسلم: لا يرقون  [رواه مسلم: 549].
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى أن هذه اللفظة خطأ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رقى، وجبريل رقى، وعائشة رقت، والصحابة كانوا يرقون؛ فمستبعد أن يكون من صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة دون حساب ولا عذاب: أنهم لا يرقون!
فأنكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- هذه الرواية، وزعم أنها غلط من راويها، وقال: العلة أن الراقي يحسن إلى الذي يُرقيه، الراقي محسن فكيف يخرج من السبعين ألفاً وهو محسن؟!  مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ  [التوبة:91] و هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ  [الرحمن:60]، فالراقي محسن، كيف يكون من صفاتهم: "لا يرقون"؟ قال: هذا غلط من الراوي، والصحيح: لا يسترقون  [ينظر: مجموع الفتاوى: 1/182، 328].
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل [رواه مسلم: 5859]، والنفع مطلوب، ومن جملة النفع: أن يرقيه، فكيف يُحث على أن ينفع الإنسان أخاه بالرقية، ثم يقول له: أنت لست من السبعين ألفاً؟!
إذن، لا يرقون  مستبعدة، والصواب:  لا يسترقون .
أما الرقية، فهي من جنس الدعاء، ومن رقى غيره فقد أحسن إليه.
لكن  يسترقون  في نقص في المسترقي الذي يطلب الرقية.
وقلنا:  يسترقون  الألف والسين والتاء، تفيد الطلب، مثل: استغفر، طلب المغفرة، استجار: طلب الجوار، استرقى: طلب الرقية.
ف  لا يسترقون  أي: لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم.
لماذا؟
أسباب عدم طلب السبعين ألفا للرقية:
أولاً: لقوة اعتمادهم على الله -عز وجل-، لا يطلبون من أحد رقية؛ لأنهم يعتمدون على الله اعتماداً تاماً.
ثانياً: لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله، لا يريدون أن يذلوا أنفسهم لغير الله، ويلجؤوا إلى بشر، لا يريدون أن يذلوا أنفسهم عند بشر، ويقفوا طوابير عند هؤلاء الشيوخ في العيادات والمساجد، لا يريدون أن يقفوا طوابير في الرقية، ولا يأتي إليه ويتوسل إليه: وتكفى يا شيخ! ويطلبون منه الرقية، فلا يريدون إذلال النفس.
ثالثاً: لا يريدون أن يفتحوا على أنفسهم أي باب تعلق بغير الله؛ لأنك تجد في الواقع فعلا أن عدداً من الذين يذهبون لبعض القراء والراقين يتعلقون بهم، ويظن أن الشيخ هذا أو الراقي ينفع بنفسه أو بذاته أو بكلامه، مع أن النفع من الله وهذا سبب، فلا يريدون أن يكون عندهم أي تعلق بغير الله، فيستغنون عن كل الراقين وكل القراء، ولا يطلبون من أحد رقية.
 لا يسترقون  لا يطلبون من أحد الرقية ألبتة.
ففرق بين من سأل وطلب، وبين من رقى غيره.
وبعضهم حاول أن يحمل اللفظة التي في مسلم على أشياء قال: لا يرقون  يعني الرقية الشركية.
لكن هذا الحمل فاسد؛ لأننا إذا قلنا بهذا، فما هي الميزة فيهم؟ لأن كل المؤمنين أصلاً يجب ألا يرقوا الرقية الشركية، فما صار لهم ميزة السبعون ألفا، إذا قلنا:  لا يرقون  الرقية الشركية.
إذن، الراجح قوله:  لا يسترقون .
والإنسان الذي لا يسترقي تام التوكل.
ويلاحظ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سُحِر، ما طلب من أحد من البشر رقية، وإنما نزل جبريل فرقاه بأمرٍ من الله -تعالى-:  بسم الله أرقيك من كل شىء يؤذيك  [رواه مسلم: 5829].
ونفهم من هذا أيضاً: أن الرقية في حد ذاتها ليست ممنوعة، وليس ممنوعاً أن الشخص يرقي ولا يسترقي، لا بأس أن يسترقي إذا كانت عقيدته صحيحة، وأن الرقية إذا كانت مشروعة فلا شيء فيها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك  [رواه مسلم: 5862]، فإذا كان هناك شيء عن الرقية، فهو لأجل الشرك، ولا بأس بها ما لم يكن شرك.
فإذن، طلب الرقية فيه نزول عن مرتبة الكمال في التوكل، وهؤلاء السبعون ألفاً بالمنزلة العالية، لا يناسب أن يكون من صفاتهم أنهم يطلبون رقى من الناس، ولو كانت مباحة.
وقيل في هؤلاء أيضاً: إنهم مقصودون بقوله تعالى:  وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ  [الواقعة: 10 - 11].
لكن قد وردت أحاديث تفيد أن هؤلاء السبعين ألفاً، يدخلون بعد غيرهم، في حديث رواه الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان من حديث رفاعة الجهني قال: أقبلنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر الحديث، وفيه:  وعدني ربي أن يدخل من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوؤا أنتم، ومن صلح من أزواجكم وذراريكم مساكن في الجنة  [رواه أحمد: 16263، وابن حبان في صحيحه: 212، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 7062].
فإذن، في ملاحظة: أن هؤلاء السبعين لا يستلزم أن يكونوا هم أفضل من غيرهم، يمكن أن يكون هناك غيرهم أفضل، لكن في سبعين ألفا يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب، وقد يكون فيمن يحاسب أفضل من هؤلاء السبعين ألفاً من جهة الدرجة في الجنة، لكن هؤلاء لا يحاسبون.
المقصود بقوله:  ولا يكتوون :
العبارة الثانية:  ولا يكتوون .
أما الكي "يكتوون" يعني يطلبون الكي، اكتوى طلب من يكويه، مثل استرقى في المعنى، اكتوى طلب الكي.
ولا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم استسلاماً لقضاء الله، وتلذذاً بالبلاء، وصبراً عليه، لمزيد من الأجر، وعدم حاجة للمخلوقين، واستغناءً عنهم، ولجوءًا تاماً إلى الخالق، وتفويض الأمر إلى الله.
-طيب- الكي نفسه: ما حكمه؟
قد جاءت الأحاديث بجوازه؛ كما روى جابر بن عبد الله: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث إلى أبي بن كعب طبيباً، فقطع له عرقاً وكواه. حسمه وكواه.
وفي صحيح البخاري عن أنس: أنه كوى من ذات الجنب، والنبي -صلى الله عليه وسلم- حي [انظر: البخاري: 5720 و5721].
وجاء عند الترمذي في حديث أنس: "أنه صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة" [رواه الترمذي: 2050، وابن حبان في صحيحه: 6080، وأبو يعلى في مسنده: 3582، وقال حسين سليم أسد : "إسناده صحيح"].
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعاً:  الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي  [رواه البخاري: 5680].
وفي لفظ:  وما أحب أن أكتوي  [رواه البخاري: 5683، ومسلم: 5873].
-طبعا- ويلاحظ التدرج في العلاج من الأسهل إلى الأصعب، أولاً: الواحد إذا مرض يأخذ الدواء اللذيذ الذي هو هنا مثله هنا بشربة عسل، فإذا احتاج إلى شيء أكثر يأخذ شيئًا مراً، وربما يحتاج إلى استخراج، ولذلك قال:  وشرطة محجم .
فإذن، في دواء بالامتلاء بالأخذ، وهناك دواء بالاستفراغ، مثل الحجامة، يخرج الدم الحجامة، وفي دواء آخر شيء الكي، قال:  الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار .
فإذن، هي مرتبة من الأسهل إلى الأصعب، ما يذهب الواحد إلى الكي مباشرة وعنده دواء أسهل أو ألذ، وما في ألم، أو ما في تمثيل، ما في تشويه للجسم، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه" [زاد المعاد: 4/65- 66] يعني لو راجعنا أحاديث الكي، سنجد أنها أربعة أنواع: في أحاديث أنه فعله، أو أقر على فعله، وفي أحاديث أنه قال: لا يحب الكي، وفي أحاديث: أنه أثنى على من ترك الكي، مثل حديثنا هذا، وفي أحاديث: أنه نهي عن الكي، يقول ابن القيم -رحمه الله-: "ولا تعارض بينها بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على منعه" [زاد المعاد: 4/66]؛ لأنه قد لا يحب شيئاً وهو ليس بممنوع، لم يكن يحب لحم الضب:  أجدني أعافه [رواه البخاري: 5391، ومسلم: 5146].
لكن هل هو ممنوع هل هو محرم؟
الجواب: لا.
"وأما الثناء على تاركه -الكي- فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهية" [زاد المعاد: 4/66] يعني إذا عندك اختيار لا تستعمل، إذا اضطررت استعمل.
وإذا قلنا: أن النهي يمكن أن يحمل النهي أيضا على الكراهية لا على التحريم.
-طبعا- ويلاحظ هنا أنه قال:  وكية نار  فالكي البارد الذي يستعملونه في المستشفيات لا يعتبر كياً بالنار، الذي يسبب تشويهاً الجلد، فالكي هنا الكي بالنار، وفيه تشويه -كما ذكرنا- للجسم، فهو مكروه، أو فهو تعافه النفوس السليمة، ولا تريد هذا الأثر، لكن إذا لم يجد الإنسان دواءً إلا هو، فآخر الدواء الكي.
المقصود بقوله: لا يتطيرون :
-طيب- قال: لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون .
ما هو المقصود بالتطير؟
التشاؤم.
فمعنى: لا يتطيرون  يعني لا يتشاءمون.
التطير مأخوذ من الطير، والمصدر: طيرة، والتطير اسم المصدر، وهو عبارة عن التشاؤم بالطير.
العرب كانوا يتشاءمون بالطيور، حتى لو أراد الإنسان منهم عملاً كسفرٍ، أو بيعٍ أو زواجٍ، ونحو ذلك؛ أمسك طيراً فأطلقها، فإن ذهبت يميناً، قال: هذا خير وبركة! وأقدم عليه، وإن ذهبت شمالاً، قال: هذا شؤم وشر! فتركه.
وما علاقة مزاج العصفور أن يذهب يميناً أو شمالاً في قضية الخير والبركة والشؤم والشر؟!
ولذلك كان أمراً سخيفاً، يدل على سخافة عقول الذين يعتقدون هذا الاعتقاد.
لكن التطير استخدم في معنى أعم من قضية إطلاق الطير، والنظر هل يذهب يميناً أو شمالاً، فكانت العرب تتشاءم من أشياء مرئية وأشياء مسموعة، أو أزمنة معينة أو أمكنة معينة، فربما تشاءموا بصوت البوم والغراب، من المسموعات، أو تشاءموا برؤية الأعور من المرئيات، أو المجذوم، ونحو ذلك؛ يعني يذهب واحد يفتح محله في الصباح، فيجد في طريقه شخصاً أعور آت من الطرف الآخر، فيقول: هذه أولها! فيعود، ولا يفتح الدكان.
والتشاؤم بالأمكنة كما التشاؤم بالأزمنة، والتشاؤم بالأزمنة -طبعا- مشهور، كانوا يتشاءمون في شهر شوال في النكاح خاصة، ويقولون: الذي يتزوج في شوال شر!
ولذلك ورد عن الصحابة مخالفتهم، وكانت عائشة لا تدخل نساءها إلا في شوال، إذا جهزت امرأة للزواج تجعل الدخلة والعرس في شوال نكاية في اعتقاد أهل الجاهلية.
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "تزوجني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أحظى عنده مني" [رواه مسلم: 3548].
لو كان شر شوال ما كنت أنا بهذه المنزلة، ولا كان الزواج المبارك هذا.
ومنهم من كان يتشاءم بيوم الأربعاء، وفي حديث موضوع:  آخر أربعاء من كل شهر يوم نحس مستمر هذا المنحوس الذي وضع الحديث.
وهناك من كان يتشاءم بشهر صفر.
-طبعا- وبعض الناس الآن يتشاءمون بالرقم (13)، وهذا من التشاؤم الموجود عند الغربيين على تقدمهم والتكنولوجيا التي عندهم، والتطور، والمخترعات، تجد بعض شركات الطيران العالمية، أرقام المقاعد: أحد عشر، اثنا عشر... أربعة عشر، ما فيها ثلاثة عشر، مصاعد في ناطحات السحاب: أحد عشر، اثنا عشر... أربعة عشر، الطابق ثلاثة عشر ما فيش.
-طيب- هو الطابق الرابع عشر هو الثالث عشر حقيقة، يعني هو ما في طابق في الهواء غير موجود ومحذوف، الرابع عشر هو الثالث عشر، ولكنهم قوم لا يفقهون! مع أنهم يعتبرون أنفسهم متقدمين لكنهم تراهم يتشاءمون من شيء يدل على سخافة عقولهم.
-طيب- وقضية التشاؤم قضية طويلة -سبق أن تعرضنا لها في درس بعنوان: "التفاؤل" في سلسلة الأخلاق الإسلامية-.
المقصود بقوله:  وعلى ربهم يتوكلون :
-طيب- قال:  لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون .
 وعلى ربهم يتوكلون  هذه الجملة مفسرة لما تقدم، على احتمال: أن ترك الاسترقاء والاكتواء والطيرة حقيقة التوكل.
ويحتمل أن تكون من العام بعد الخاص، يعني ذكر بعض أفراد العام، ثم ذكر العام بعده.
وهذه المسألة وهي قوله:  وعلى ربهم يتوكلون  هذه هي الصفة الواضحة المهمة، أهم صفات السبعين ألفاً هؤلاء: أنهم يتوكلون على الله:  وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  [الأنفال: 2]، والأشياء المذكورة تدل على ذلك ..  لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون  تدل على أنهم متوكلين على الله، عندهم صدق في الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه، وهذا تحقيق التوحيد، وهذا مقام الذي يحب الله ويخافه ويرجوه، ويرضى به ويرضى بقضائه، ويعرف نعماءه -سبحانه وتعالى-، فهؤلاء المتوكلين على الله -عز وجل-.
التوكل عند الصوفية وعند العلماء الموحدين:
هنا زعمت الصوفية من هذا الحديث: أن التوكل يقتضي أن الإنسان لا يعمل شيئاً، حتى لو هجم عليه أسد، لا ينزعج ولا يسعى في طلب رزق، والذي مكتوب سيأتيه.
وأبى ذلك جمهور العلماء الفضلاء الموحدون، قالوا: إن هذا اعتقاد فاسد، وإن التوكل على الله هو: الثقة بوعده، واليقين بقضائه، وابتغاء الرزق بالأسباب، مما لا بد له منه من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو بإعداد السلاح، وبإغلاق الباب من اللص، ونحو ذلك، ولكن لا يطمئن قلب المتوكل على الله إلى الأسباب، ولا يعتقد أنها تجلب نفعاً، أو تدفع ضراً، بل السبب والمسبب فعل الله -تعالى-، والكل بمشيئته عز وجل، الله خلق الأسباب، وخلق آثار الأسباب، وخلق المسببات، ولا يجري شيء إلا بمشيئته عز وجل.
والذي يركن إلى الأسباب قادح في توكله على الله، والذي لا يتخذ أسباباً بالكلية، جاهل بالتوكل على الله، يظن نفسه متوكلاً، وليس كذلك.
فالأخذ بالأسباب أمر فطري ضروري حتى الحيوان يعرفه، البهيمة تعرفه، الطير يسعى آخذاً بالأسباب، ويذهب في الصباح يبحث عن الدودة والطعام، والله يرزق الطير لتوكلها عليه:  لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا -جياعاً- وتروح بطانا  [رواه الترمذي: 2344، وابن ماجه: 4154، وأحمد: 205، وصححه الألباني في صحيح ابن ماحه: 3359].
تذهب في أول النهار جياعاً، وتعود ممتلئة البطون، متوكلة على الله، لكن هل الطير يقعد في عشه، ويقول: الرزق المكتوب لي سيقع علي من السماء؟!
لا، الطير يغدو، والغدو والرواح عمل، وذهاب للبحث، لكن أفئدة الطير مليئة بالتوكل على الله، ولذلك الله يرزقها، ما عمرك تجد طائراً يذهب ويعود من غير شيء، لا بد أن يرجع بشيء، من توكل الطائر على الله.
فهذا الحديث نتعلم من الطير، من خلق الله، من الحيوانات، أشياء عظيمة كما نتعلم التوكل من الطير. إذن، التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، وكيف لا يأخذ الإنسان بالأسباب، وقد جاء في الحديث الصحيح:  إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه  [رواه أبو داود: 3530، والنسائي: 4449، وابن ماجه: 2137، وأحمد: 24078، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 2770].
وكان داود -عليه السلام- يأكل من كسبه:  وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ  [الأنبياء: 80].
والله -عز وجل- يقول: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ  [النساء: 102].
إيش يعني وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ؟
الانتباه والحراسة، وقسم الجيش نصفين: نصف يصلي، ونصف يراقب، هذه كلها أخذ بالأسباب.
إذن، التوكل على الله لا يعني أبداً ترك الأسباب، لكن التوكل على الأسباب هو المصيبة.
والآن أكثر الناس يتوكلون على الأسباب؛ قلبه معتمد على الطبيب، وعلى الدواء، وعلى التخطيط للمشروع، والاعتماد على الله غائب، وهكذا ما يمكن أن يحدث تكسبا إلا بتحصيل السلعة، ونقلها، وبيعها وعرضها، ولا يمكن للإنسان أن ينفق على عياله إلا بالتكسب، والسعي، والأخذ بالأسباب.
وهؤلاء الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ما هو معناه أنهم لا يتداوون، ولا معناه أنهم لا يعملون شيئاً من الأسباب المشروعة، بل إنهم يتخذون الأسباب المشروعة.
حكم التداوي:
وبالنسبة لقضية التداوي فإننا نعلم بأن التداوي قد وردت الوصية به، والأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله:  تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام .
وهذا التداوي لا ينافي التوكل على الله؛ لأنه من الأسباب، لكن حصل نقاش للعلماء، يحسن أن نعرج عليه في قضية التداوي: هل هو مباح وتركه أفضل؟ أو هو مستحب أو واجب؟
فالمشهور عن الإمام أحمد -رحمه الله- الأول الذي هو أنه مباح، وتركه أفضل.
والشافعي مشهور عنه الثاني، وهو الاستحباب.
أبو حنيفة قوله في التداوي: يداني الوجوب.
وقال مالك -رحمه الله-: يستوي فعله وتركه.
لكن ليس هناك أحد قال: إن التداوي حرام، ليس بحرام هو أخذ بسبب.
وقال بعض العلماء المعاصرين: الصحيح أن التداوي أنواع:
أولا: ما علم أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب، يعني يهلك إذا ما فعله، ويغلب على الظن أن هذا الدواء نافع، ويمكن أن يهلك لو ما أخذه، فيجب أن يأخذه.
ثانيا: ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه، فهذا أخذه أفضل، ما تساوى فيه الأمران، فتركه أفضل، ولكن استعمال الدواء المباح مباح بالجملة.
بشائر أخرى لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- غير السبعين ألفا:
هؤلاء السبعون ألفاً، لما النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر عنهم؛ جاءت في روايات أخرى بشائر لنا: أولاً بالإضافة إلى صفاتهم، قال:  تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر ،  أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة .
قال أيضا في رواية:  فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفاً لا يحاسبون  البشارة أن هؤلاء السبعون ألفاً، ليسوا فقط سبعون ألفاً، بل إن معهم آخرون.
وقد جاء في حديث أبي هريرة وسنده جيد عند أحمد والبيهقي:  فاستزدت -يعني استزدت ربي- فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً  كل ألف من السبعين ألفاً معهم سبعون ألفاً زيادة.
وفي رواية:  مع كل واحد من السبعين ألفاً سبعون ألفاً  لكن هذه الرواية ضعيفة، لكن الرواية الصحيحة: أن الله زاد النبي -صلى الله عليه وسلم- مع كل ألف من السبعين ألفاً هؤلاء الذين لا يحاسبون من أمته، مع كل ألف معهم زاده سبعين ألفاً.
وفي رواية:  وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي .
حثية الرب كم؟
الله أعلم.
وفي صحيح ابن حبان بسند جيد عن عتبة بن عبد الله:  ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفاً ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه  فكبر عمر -رضي الله تعالى عنه-.
-طيب- فهؤلاء السبعون ألفاً، مع كل ألف سبعين ألفاً، كم يكون المجموع؟
أربعة ملايين وتسعمائة ألف، غير الحثيات، هؤلاء من أمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمة النبي -صلى الله عليه وسلم- تطلق باعتبارات: إحداها: أمة الاتباع، ثم أمة الإجابة، ثم أمة الدعوة.
فالأولى: أهل العمل الصالح، والثانية: عموم المسلمين.
والثالثة: من عداهم ممن بعث إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ترجمة عكاشة -رضي الله عنه-:
ولما حصلت هذه البشارات "قام عكاشة" وهو من عكش الشعر إذا التوى، إذا التوى الشعر يقال في اللغة: عكش، ويقال: عكش القوم إذا حمل عليهم في الحرب، والعُكَاشة بالتخفيف: اسم للعنكبوت، وأيضاً اسم لبيت النمل، ويصح في اسم هذا الصحابي الوجهين: : عُكَّاشة و عُكَاشة، كلاهما صحيح، لو قلت: عُكَّاشة بن محصن، وعُكَاشة بن محصن، كلاهما صحيح.
ومحصن، بكسر الميم وفتح الصاد، ابن حرثان من بني أسد من خزيمة -رضي الله عنه-، كان من السابقين إلى الإسلام، وكان من أجمل الرجال، هاجر وشهد بدراً، وقاتل فيها.
وقيل: إنه قاتل حتى انقطع سيفه في يده، فأعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئاً، فصار في يده سيفاً كرامةً، ذكره ابن إسحاق بدون سند.
وقد استشهد رضي الله عنه في قتال الردة، مع خالد بن الوليد سنة اثنتي عشرة للهجرة.
لما سمع عكاشة بهذا سبق الناس قال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  أنت منهم .
وفي رواية:  اللهم اجعله منهم .
ف: أنت منهم  الأولى إذن خبر بمعنى الدعاء، أو يقال: أنه سأل الدعاء، ثم أجيب، فأخبر بالجواب  أنت منهم .
المقصود بقوله:  سبقك بها عكاشة :
-طيب- قام رجل آخر فقال: ادع الله أن أكون منهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم:  سبقك بها عكاشة  النبي -صلى الله عليه وسلم- إذن ما دعا للثاني؟ -طيب- لماذا لم يدع للثاني؟
قال:  سبقك بها عكاشة  قالوا: إن معنى  سبقك بها   أي: بإحراز تلك الصفات، فأنت لست مثله، في قضية التوكل، وعدم التطير، إلى آخره.
وقيل: في عدم دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- للثاني هذا، ذكر سببان:
الأول: أن هذا الرجل كان منافقاً، فلم يرد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو له، وهو منافق، ولم يرد أن يجابهه بما يكره، فقال:  سبقك بها عكاشة .
وقيل: إن هذا ضعيف؛ لأن الأصل في الصحابة عدم النفاق، فما الذي يثبت أن هذا كان منافقاً؟
وثانياً:  ادع الله أن يجعلني منهم  غالباً ما يصدر إلا من قلب صحيح، حريص على دخول الجنة، وهذا يتعارض مع النفاق، وإلى هذا مال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه ليس القضية قضية نفاق، لكن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم خاف أن ينفتح الباب، فكل واحد يقول: ادع الله أن أكون منهم، فيدخل فيها من ليس بأهلها؛ فقال هذه الكلمة التي أصبحت مثلاً:  سبقك بها عكاشة .
إذاً، أراد صلى الله عليه وسلم ألا يأتي أحد ليس على مستوى هذا الأمر ويطلب، ثم يرد، ويرد، ويكون هناك دخول في قضية تعيين أشخاص، والتفريق بين الأشخاص، فحسماً للمادة قال:  سبقك بها عكاشة .
وربما يطلب بعض المنافقين ذلك مندساً، وتتسلسل القضية بدون أن يكون لها نهاية واضحة.
بعض الفوائد المستفادة من حديث السبعين ألفاً:
هذا بالنسبة لشرح هذا الحديث العظيم من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وعرفنا منه: أهمية التوكل على الله، وأن ترك الاكتواء أفضل، وترك التطير واجب، وأن ترك الاسترقاء هو الأفضل.
وفضل أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- على بقية الأمم، كما وكيفاً.
فأما الكم، فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى أهل الجنة من أتباعه يملؤون كل الآفاق، آفاق السماء، أكثر من الذين مع موسى.
وأما الكيفية، فهم متوكلون على الله؛ لا يسترقون ولا يتطيرون، هذه فئة خاصة.
ولكن فيه: أن موسى ومن معه يلوننا في الأفضلية، أتباع موسى -عليه السلام- الصالحون والعباد والشهداء، والعلماء من بني إسرائيل.
والحديث فيه: تسلية للنبي -صلى الله عليه وسلم- حين رأى الأنبياء، وبعض الأنبياء ما معه إلا الرجل والرجلان، وليس معه أحد، فيعلم عند ذلك فضل الله عليه، وشرفه عند الله ومكانته؛ بأن جعل أتباعه أكثر الأمم، وأكثر من أتباع أي نبي آخر.
وعرفنا: أن كل أمة تحشر مع نبيها.
ويؤخذ منه فائدة دعوية مهمة جداً، وهي: أن عدد الأتباع ليس دليلاً على نجاح الداعية، فربما يقوم الإنسان بالدعوة ويجتهد ويدعو ويبذل، ولا يستجيب له أحد، فلا يكون عدم اتباع الناس له دليلاً على أنه مخطئ أو ضال أو مذنب، بل قد يكون ابتلاء من الله، نبي هل هناك أكثر من نبي؟ ومع ذلك ما تبعه أحد وما استجاب له أحد وهو نبي؟ يفهم الدعوة ويفقهها ويعرف أساليبها والطرق الناجحة فيها، ويبذل أسباب النجاح؛ ومع ذلك ما كتب له أن يتبعه أحد؟
إذاً، الداعية إلى الله إذا كان صادقاً مع الله، متخذاً الأسباب فقيهاً بأمور الدعوة، يتخذ الأساليب الناجحة، لو ما وفق في أشخاص يهتدون على يديه، فلا تذهب نفسه حسرات، ولا يحزن، ولا ييئس، هؤلاء أنبياء ما مشى معهم أحد، فما بالك بمن هو أقل منهم؟!
وفائدة أخرى مهمة جداً: وهي أن كثرة الأشخاص لا تدل على أن هذا حق، ليست الكثرة معياراً للحق أبداً، فلا يغتر الشخص بالكثرة:  وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  [الأنعام: 116]  وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103].
ومنه نعلم: فساد المذهب الديمقراطي الذي يقوم على رأي الأغلبية؛ لأنهم يأخذون آراء السفهاء والشذاذ والهمل في الشوارع، يأخذون آراءهم بالعدد استفتاء، ثم يقولون: الأغلبية كذا.
-طيب- الأكثرية هؤلاء همل، ولذلك انتخاب الخليفة عند المسلمين، من الذي ينتخبه؟ أهل الحل والعقد، وليس عموم الرعاع من الناس.
كذلك هؤلاء الغربيون يتباهون بأن عندهم الحرية، ومبدأ الأكثرية، فيصوتون على أي شيء، تريدون إجهاض؟ تصويت، أكثر الناس يريدون إجهاض؟ إجهاض.
فكثير من الناس سفهاء لا عقل لهم، أتباع الشهوات، أتباع الأهواء، لو قيل لهم: تريدون أن يكون الزنا مسموحاً به؟ لربما قال أكثر الناس: نعم. أتريدون السماح بالخمر؟ لربما قال أكثر الناس: نعم.
إذاً، مبدأ الأكثرية الذي تعتمد عليه الأنظمة الجاهلية، هو جاهلي، وليس من الدين.
لكن أكثر العلماء، إذا أراد الإنسان أن يطمئن إلى قول، وليس بالضرورة أيضاً أن يكون الحق مع جمهور العلماء، فقد يكون الحق مع غير الجمهور، حتى في قضية المسلمين المؤمنين العلماء، ربما لا يكون الحق مع الجمهور، يكون مع من هو أقل منهم؛ لأن الدليل معهم.
فإذاً، لا يصح أن يغتر الإنسان بالكثرة، حتى ولو كانوا على الحق لا يغتر بهم، كيف يعني؟ قال تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ  [التوبة: 25] الطرف المقابل كفار، فالإنسان لا يغتر بالكثرة ولا يغتر مع الكثرة.
فإذا رأيت كثرة الهالكين لا تغتر، وتقول: هؤلاء على الحق؛ لأنهم أكثرية.
وإذا رأيت كثرة أهل الحق فلا تعجب بهم، ويحصل الإعجاب، فيكون سبب الهزيمة والفشل، فهذه قضية الأكثرية والأقلية قضية مهمة جداً ينبغي أن تعرض على الشريعة.
وفي الحديث: علم من أعلام نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعجزة من معجزاته، وبرهان على نبوته عليه الصلاة والسلام، وأنه يوحى إليه أخبر: أن عكاشة منهم، وعكاشة لا ارتد ولا غير، ولا بدل، واستمر، ومات شهيداً -رضي الله عنه-، بقي محبوساً من الكفر حتى مات على الإسلام.
فإذا أراد الإنسان أن يخبر عن أمثلة من المبشرين بالجنة من غير العشرة، يقول: عبد الله بن سلام، وعكاشة بن محصن -رضي الله عنهما- مثلا.
كذلك في الحديث: استعمال المعاريض:  سبقك بها عكاشة  ليس المانع الحقيقي أن عكاشة سبقه، لكن المانع أنه عليه الصلاة والسلام خاف أن ينفتح الباب، فيسأل هذه المرتبة شخصٌ ليس من أهلها، فقال:  سبقك بها عكاشة .
و-طبعا- أيضا: هذا دليل على حسن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والله -تعالى- أعلم.