السبت 20 رمضان 1440 هـ :: 25 مايو 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر
  • برنامج هدى وبينات يأتيكم يومياً في شهر رمضان المبارك الساعة 5 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

سنة الله في التغيير - الدرس الثاني


عناصر المادة
ملخص الدرس السابق
التغيير من الأحسن إلى الأسوء
قصة مملكة سبأ
قصة أصحاب البستان
قصة الأبرص والأقرع والأعمى
أمثلة على التغيير من الأسوء إلى الأحسن
سمو تعامل المسلمين مع بقية الأديان
سنة الإصلاح الموصلة للنجاة
صور التغييرات المذمومة في الوقت الحاضر
التغييرات المذمومة في الإصلاح ومجالات ذلك
الإصلاح الممدوح ومجالاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
ملخص الدرس السابق
00:00:12
فقد تحدثنا -أيها الإخوة والأخوات- عن سنة التغيير، وقد ذكرها الله -تعالى- بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11].
وقال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال: 53]وهذه السُّنَّة هي قانون ثابت، مفاده: أن الله لن يغير حال قوم من وضع إلى آخر، إلا إذا غيروا ما في نفوسهم، فحدوث التغيير من الله مبني على حدوث التغيير من البشر، إن حسناً فحسن، وإن سيئاً فسيء، هذه السنة عامة في البشر، وليست خاصة بأمة معينة، تنطبق على المجتمعات، وتنطبق على الأفراد.
وقد تحدثنا عن القسم الأول، وهو التغيير من الحسن إلى السيء، أو من السيء إلى الأسوأ، كما قال عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال: 53]. فتغيير النعمة يعني سلب.
وحكم الله عادل لا يسلبهم النعمة إلا بعد كفرانها، وقد يكون سبب التغيير إلى الأسوأ -كما ذكرنا-: الكفر بالنعمة: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112].
قد يكون: الظلم والبغي، هو السبب، كما قال تعالى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ [الأنبياء: 11].
قد يكون: التمرد على أوامر الوحي، هو السبب: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا [الطلاق: 9].
قد يكون السبب: اقتراف الذنوب والمعاصي؛ كما قال سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ[الأنعام: 6].
قد يكون السبب: ترك شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحديداً، كما قال سبحانه: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة: 78 - 79].
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما من رجل يكون في قوم يُعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه، فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا [رواه أبو داود: 4341، وهو حديث حسن، حسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود: 4339].
ويدل على ذلك أيضاً: حديث السفينة، فإن هؤلاء لما خرقوا -زعموا- الخرق في نصيبهم: وقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعاً [رواه البخاري: 2493] هذا موضع الشاهد.
قد يكون السبب في التغيير: الرضا بالدنيا، والتنافس عليها، كما دل عليه حديث: إذا تبايعتم بالعينة وهذا البيع المذموم، والحيلة الخبيثة: وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع -وذكرنا-: ليس العيب في الأخذ بأذناب البقر والزرع، ولكن الرضا بذلك، والانهماك التام به، والانشغال بهذا عن طاعة الله، قال: وتركتم الجهاد فهي عملية مركبة من عدة أمور: تبايعتم بالعينة، يعني فشت فيكم البيوع المحرمة: وأخذتم أذناب البقر، ورضيتمم بالزرع انهماك بالدنيا: وتركتم الجهاد هذه المركبات، قال: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتىى ترجعوا إلى دينكم [رواه أبو داود: 3464، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود: 3462، وفي صحيح الترغيب والترهيب: 1389].
التغيير من الأحسن إلى الأسوء
00:05:12
أمثلة قرآنية في سلب النعم بسبب الذنوب:
حفل القرآن الكريم بعدة صور للتغير، ناس كانوا في خير غير الله عليهم صاروا في شر، كانوا في نعمة صاروا في نقمة، كانوا في سعادة صاروا في شقاء.
قاعدة التغيير الإلهي بضرب الأمثال الحية الواقعية في القرآن لنا لنتعظ، ونأخذ العبرة من هؤلاء الذين غير الله عليهم؛ لأنهم غيروا.
و-ذكرنا-: أن قوم فرعون كانوا في خير عظيم: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ [غافر: 29].
كما قال النبي لقومه: إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ [هود: 84].
قال الله عن قوم فرعون: كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ[الدخان: 25 - 27].
إذاً، هذه كانت حقيقة واقعة، هذا كان حالهم فعلاً: جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [الدخان: 52 - 28].
وقال: وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137] فجاءهم التدمير، وسلب النعمة.
قصة مملكة سبأ
00:06:34
من الأمثلة القرآنية: مملكة سبأ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ[سبأ: 15] عن يمين الوادي وشماله: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ[سبأ: 15].
ماذا تريدوا أكثر من ذلك؟
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ في جوها وهوائها وزرعها.
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ في بيئتها وأهلها.
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ فيها خيرات بلدة طيبة.
وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ: 15] ماذا تريدوا أكثر من ذلك؟
فَأَعْرَضُوا [سبأ: 16] كلمة واحدة تبين كيف حصل التغيير منهم.
فَأَعْرَضُوا أعرضوا يعني تركوا هدى الله، وآياته، وما أرسل به رسله، ومنهجه، وشرعه، أعرضوا، وولوا هذا كله أدبارهم، أهملوه، وتركوه، وصدوا عنه.
أعرضوا، نبذوه.
فَأَعْرَضُوا حصل منهم التغيير، كانوا في خير ونعمة، حصل منهم التغيير: فَأَعْرَضُوا فغير الله عليهم، حسب القانون، الله لا يحابي أحداً من خلقه، لا يمن ولا شام، ولا مصر، ولا غرب ولا شرق: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سبأ: 16].
سبحان الله! فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سبأ: 16] كان الماء سبب الخير عندهم! فصار الماء سبب دمارهم:: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ[سبأ: 16] هذه المادة نفسها التي كانت سبب الخيرات صارت هي سبب المحق والدمار: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ: 16] تغيرت الأمور تماماً، لو رأيتها هذه قبل وبعد -كما يصورونها اليوم قبل وبعد- قبل تسونامي وبعد تسونامي- لرأيت عجباً، كانت خضراء، فصارت قاحلة، كانت يانعة فصارت خراباً يباباً، صارت أوحالاً وطيناً، ذهبت الزروع والثمار: وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ: 16].
لماذا؟ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا [سبأ: 17].
لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا [سبأ: 17] بالسبب هذا: وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: 17].
الله لا يظلم: وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ[سبأ: 17].
فقوم حكى الله عنهم: أنهم كانوا أولوا قوة، وأولوا بأس شديد، فصار أمرهم إلى ما ذكر الله، كانوا في نعمة وغبطة، كانوا في اتساع في الأرزاق والزروع، كانت المرأة تدخل بين الشجر وعلى رأسها المكتل فلا تخرج إلا وقد امتلأ دون عناء منها، فقط بمجرد ما تدخل بين الشجر وتخرج، والثمر ينزل عليها، فتخرج ممتلئاً.
كانوا في خير، لكن ما رعوها حق رعايتها، كفروا بأنعم الله، فأذاقهم الله لباس الجوع، كانت من أخصب أرض باليمن وأثراها، وأعذبها وأكثرها جناناً، كان أهلها في أطيب عيش، وأهنئه، وأرفعه، وأرغده، في غاية الخصب، وطيب الهواء، وصفاء الفضاء، وتدفق الماء، وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة.
فبعث الله إليهم رسلا تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروا له: فَأَعْرَضُوا عما أُمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل عليهم، فدمر نعمتهم، وفرق كلمتهم، لا شوكة، ولا منعة، لا قوة، ولا اجتماع كلمة.
خرب الله السد، وانهال عليهم تيار الماء، واجتاح أراضيهم، فأتلف الجنات والبساتين، وأفسد المزارع، ودمر المنازل، وأغرق البلاد، وأفسد العمران، واضطر من نجى منهم للنزوح عنها، فجلاهم عن الديار، ومزقهم كل ممزق.
قصة أصحاب البستان
00:12:28
مثال آخر: أصغر في الباب نفسه -لأننا -ذكرنا-: أن سنة الله في التغيير تشمل الأفراد والجماعات، البلدان والأمم-: أصحاب البستان لما بخلوا بحق الله، أحرق بستانهم: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم: 17 - 20] إلى أن قال الله: كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [القلم: 33].
قيل: إن صاحب البستان أصلاً كان رجلاً صالحاً أعطاه الله مالاً وفيراً، وكان يعطي هكذا .. وهكذا .. في سبيل الله، فكان أولاده ينظرون إلى فعل أبيهم على أنه إسراف، وأنهم أولى بهذا، فلما مات الوالد، وورث الأولاد، أجمعوا فيما بينهم، وحلفوا بالله: أن المال الذي ورثوه لهم وحدهم، وأنهم لن يعينوا أرملة ولا مسكيناً، ولا يعطوا أحداً منه شيئاً، فلما استوى الزرع، وآتى الشجر أكله، أقسموا في تلك الليلة: أنهم سيذهبون في الصباح الباكر لجنيها، ليقطفوا ثمارها في الليل.
أقسموا: أنهم سيقطفوا ثمارها وحدهم، ولا يأتي الصبح حتى يكون المحصول قد جُمع، وأُخذ إلى مكان بعيد، فلا يراه محتاج، فانطلقوا في الليل: وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [القلم: 24] بصوت خفي، هكذا يتهامسون، ليلاً وهم خارجون، وعلى حرمان المساكين مجتمعون، فجازاهم الله على سوء نيتهم بأن أرسل على مزرعتهم ريحاً أصبحت كالصريم، هشيماً تذروها الرياح.
قصة الأبرص والأقرع والأعمى
00:14:58
قص الله علينا على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- على مستوى الأفراد أيضاً: قصة الأبرص والأقرع والأعمى، وكيف أن الله غيَّر على الأبرص، لما منع حق الله، مع أنه قد عافاه من تلك العلة، وغيّر على الأقرع لما منع حق الله، وكان قد عافاه من تلك العلة، وثبَّت النعمة على الأعمى، بعد أن عافاه؛ لأنه ما غيّر، بل آتى حق الله: أمسك مالك، فإنما ابتليتم فقد رُضي عنك، وسخط على صاحبيك [رواه البخاري: 3464، ومسلم: 7620].
إفساد بني إسرائيل "اليهود" في الأرض في القديم والحديث:
بنو إسرائيل، لما أفسدوا في الأرض مرتين، وعلو علواً كبيراً، سلط الله عليهم في كل مرة من يسومهم سوء العذاب، فدمرت معابدهم، وأُحرقت بيوتهم، وسيموا سوء العذاب، وتسلط بختنصر عليهم وجنده، فأحرقوا مملكة بني إسرائيل، وشردهم الله.
وسلط الله على اليهود أيضاً أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- وراء نبيه، فأُجلي اليهود، وقتل منهم من قُتل، وتشتتوا، وشردوا تشريداً، وقال الله لهم: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء: 8].
وهذه سنة إلهية، ووعد الله لا يتخلف، ووعيده في هؤلاء: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء: 8] نافذ.
ولما عادوا في هذه السنين المتأخرة إلى الإفساد -يقيناً-؛ لأن حجم إفساد اليهود في الأرض لا يعادله حجم إفساد آخر. فلا شك أن اليهود أكبر المفسدين في العالم، فهم أكبر المفسدين في اقتصاد العالم، وأكبر المفسدين لأخلاق العالم، وأكبر المفسدين لسياسات العالم، وأكبر المفسدين حتى لأذواق العالم، وموضات الناس، وأكبر المفسدين حتى في عالم الألبسة والأزياء، وعلى المستوى الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، وعلى شتى الصُعد، حتى عالم الترفيه والألعاب أكبر المفسدين في الأرض، ولا بد أن يأخذهم الله، حسب السنة الإلهية لا بد أن ينتقم الله منهم، فلعله يجمعهم في هذا المكان ليسلط عليهم من عباده من يسومهم سوء العذاب، ويكون في ذلك من الإفناء والقتل والدمار والتشريد، ويكون عليهم من أنواع الذل والهوان، ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، وهذه حقيقة.
ولعل التغيرات الأخيرة فيها تقريب لهذا الوعيد الذي يمكن أن ينزل بهم، وأن تباشيره وبوادره قد بدأت.
فلا شك أنهم يعيشون الآن في قلق، ولا شك أن الحمايات التي حولهم تنهار، ولا شك أن وضعهم صار أخطر من قبل، وهم يرون أن كل محاولات الإفساد والتطبيع ما أفادت، وأن بقاء الانتقام منهم في صدور أهل الإسلام واضح جداً، وإن مات أجداد، فقد ظهر في الأحفاد من عنده هذه الرغبة، هذا شيء يُقذفه الله في النفوس، هذا شيء يقيض الله له أسبابه، هذا شيء يهيئه الله، تدبير رب العالمين مستمر، ووعيده قادم، ما يمكن أن يرد ذلك أحد.
وربما يعي الناس أن التغيير الذي يحدثه الله لا يد لأحد في دفعه، حتى وإن كان بطريق البشر، لكنه كالزلزال والبركان، لا يملك أحد إيقافه؛ لأنه قدر.
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء: 8] إن عدتم إلى الطغيان والإفساد؛ عدنا إلى الانتقام منكم، وتسليط الأعداء عليكم. وسيكون الانتقام النهائي من اليهود على الأرض، عندما يقتل عيسى ومن معه، الدجالَ ومن معه، فلا يبقى في الأرض يهودي واحد، سيكون ذلك الانتقام النهائي الإلهي من اليهود في الدنيا، بحيث لا يبقى في الأرض يهودي، إما أن يُسلم، وإما أن يقتل، بعد أن قُتل سيدهم وكبيرهم وملكهم وقائدهم؛ الدجال.
أمثلة على التغيير من الأسوء إلى الأحسن
00:21:23
نحن -ذكرنا- في سنة التغيير: التغيير من الحسن إلى السيء، أو من السيء إلى الأسوأ، لكن ألا يوجد تغيير من سيء إلى حسن؟ ما في ناس كانوا في شر، كانوا في شرك، في كفر، لما آمنوا، الله -عز وجل- غيَّر لهم إلى الأحسن؟
قوم يونس لما آمنوا، كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ومتعهم إلى حين، كان سينزل فيهم عذاب محقق، لكن لما آمنوا، كشف الله عنهم العذاب، ومتعهم.
الله -عز وجل- ذكر هذا التغير إلى الأحسن في قوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: 96] يعني لو غيروا إلى الإيمان والتقوى، سنغير إلى عالم البركات نفتحها عليها، من السماء ومن الأرض: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: 66] أهل القرى والمدن والبلدان المختلفة، لو آمنوا بقلوبهم إيماناً صادقاً، وعملوا صالحاً، واتقوا الله، لجاءهم الخير العميم، وأرسل الله السماء عليهم مدرارا، وأنبت لهم من الأرض ما يعيشون به، وكذلك تعيش به بهائمهم، في أخصب عيش، وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب.
قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [المائدة: 66] لو أن بني إسرائيل حقيقة أقاموا التوراة الحقيقية غير المحرفة، والإنجيل الأصلي الذي أنزله الله على عيسى، لو أقاموا التوراة الأصلية في زمانها، والإنجيل الأصلي في زمانه: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ[المائدة: 66].
فإذاً، كان سينزل عليهم رزق عظيم من السماء، وينبت لهم من الأرض.
وقال سبحانه تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن: 16] كثيرا، سعة رزق.
والصحابة -رضوان الله عليهم- لما غيَّروا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإسلام، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الرذائل إلى البر، والحسنات، الله -سبحانه وتعالى- غيَّر من أجلهم، وقال الله لهم: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [الأنفال: 26].
قال قتادة -رحمه الله-: "كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا، مكعومين على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يُحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم رُدي في النار، لا دين ولا دنيا، يُؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلاً منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم مُنعم يُحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله -تعالى-" [تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: 4/40].
قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "أنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله" [مستدرك الحاكم: 1/61].
إذا أردنا العزة بفارس والروم سيذلنا الله، إذا أردنا العزة بالكفر سيذلنا الله، إذا أردنا العزة بالدنيا سيذلنا الله، ما عندنا حل ولا خيار ولا طريق، ولا سبيل، إلا واحد: أن نكون أعزاء بالدين، فيعزنا سبحانه.
سمو تعامل المسلمين مع بقية الأديان
00:26:55
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قام بهذا الدين في حركة تغييرية شاملة انطلقت من مكة، فشملت أرض العرب، ثم خرجت من جزيرتهم إلى بلاد العالم، وهكذا أحدث الإسلام في نفوس البشر هداية واستقامة، وجاءت الخيرات، وكانت فارس تحت حكم المسلمين أحسن من فارس كسرى، وكانت الشام تحت حكم المسلمين أحسن من شام الروم.
لو قارنت حال الفرس في حكم الإسلام، أحسن من حالهم في عهد كسرى؛ لأن الملوك كانوا فارس وهرقل، كان كسرى وقيصر وغيرهم عندهم إذلال، ويسخرون الناس لخزائنهم، ولذلك خزائن كسرى لما فُتحت وجد فيها من كد الفرس وعرقهم، وخزائن هرقل لما فُتحت وجد فيها من كد الروم وعرقهم، ما لا يعلم به إلا الله، كله أُخذ، فوزع.
ولم يكن المسلمون في بلاد فارس والروم، يعملون في الرعية مثلما كان يعمل كسرى فيمن تحت يده، ولا كانوا مثل ما كان يعمل هرقل فيما تحت يده.
ثم هذه الشعوب أسلمت، ولم يبق منها إلا القليل، من أهل ذمة، وضُربت عليهم الجزية، وأهل خراج، يعملون ويؤخذ منهم الخراج.
أما الباقي أسلموا، وعاشوا مثل غيرهم من مسلمي العرب، يأخذون كما يأخذون، يجاهدون كما يجاهدون، يغنمون كما يغنمون، ولذلك جيوش الفتوحات إلى أمصار أخرى، كان فيها من روم أسلموا، أو فرس أسلموا، أخذوا كما أخذ المسلمون العرب، ما كان في تفريق، ولذلك كان الدين خيراً على أهل البلاد المفتوحة من دينهم الأول، وسلطان المسلمين عليهم كان خيراً من سلاطينهم الأول، ولذلك ربعي بن عامر قال لرستم: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله" [البداية والنهاية: 7/46] يعني: نحن لم نأت لمصلحتنا، جئنا لمصلحة شعوبكم أنتم أيضاً، ما خرجنا فقط لنستولي ونأخذ غنائم، لنخرج شعوبكم من عبادتكم إلى عبادة الله، فنكون خيراً على شعوبكم، وخيراً على بلادكم، وبركة الإسلام على بلادكم، سيكون فيها من الخصب والخير أكثر مما كان في عهدكم، وهكذا حصل.
أصلاً أُنشأت أمصار ومدن عامرة مزدهرة، ما كانت أيام كسرى أصلاً، ولا ... ؛ مثل البصرة والكوفة، وغيرها، وخُطت بغداد، هذا مدن إسلامية جديدة، واضح فيها العمران والازدهار، ما كانت أيام كسرى، وحصل مثل ذلك في الشام، مصّر المسلمون أمصاراً، وبنوا خططوا مدنا، وقامت بلدات نشأت بفتح المسلمين لتلك الأقاليم.
فنعم الله على الأقوام والأمم منوطة ابتداءً ودواماً بصفات وعقائد وعوائد وأعمال تقتضيها، إذا غيروا ما بأنفسهم من العقائد والأخلاق سيأتي التغيير تبعاً لذلك إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: إن لله عباداً اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها الله منهم فحولها إلى غيرهم [رواه الطبراني في الكبير: 805، والأوسط:5162، وحسنه الألباني لغيره، كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2617)].
حتى على مستوى منصب وثروة، تذهب من هذا، إذا ما قام بحق الله فيها.
سنة الإصلاح الموصلة للنجاة
00:31:44
هذه سنة التغيير ما هو الواجب فعله طبقاً لها؟ ماذا يجب أن نفعل اليوم؟
نحن نعرف أن هنالك إفساداً يقوم به أعداء الله، من اليهود، من المنافقين.
أعداء الله يقومون بعمليات إفساد كبيرة في الأرض، سواءً في بلاد المسلمين أو في غير بلاد المسلمين.
إفساد -كما ذكرنا- في الاقتصاد، إفساد في الإعلام، إفساد في الاجتماع، إفساد في عالم المرأة، إفساد في العلاقات، إفسادات كثيرة تحدث اليوم.
إذا قلنا: أن هذه الإفسادات هي من التغيير السيء، معنى ذلك أنه سيأتي أسوء، سيأتي من الله مقابل هذا سلب نعم، حلول نقم، بلايا، رزايا، عقوبات من أنواع شتى، في المال، وفي الصحة، وفي العلاقات، وفي النفوس.
تداركاً للأمر، وتفاعلاً مع سنة التغيير، يجب أن نقوم بمقتضى السنة الأخرى، وهي: سنة الإصلاح التي تؤدي إلى النجاة.
سنة ارتباط النجاة بالإصلاح، هذه السنة، هي ضمن السنة التغييرية العامة، بمعنى إذا أصلح الناس أحوالهم، ومجتمعهم، وبلدهم، ستأتي الخيرات، أقل شيء نجاة من العذاب، فيكون عذاب قادم في سلب خيرات، حلول نعم، كوارث، تسلط أعداء اقتتال داخلي، فتن، أي نوع من أنواع الاكتساح للعذاب، على الأقل هذا ننجوا منه، بعملية تغييرية بشرية، بالإصلاح، وإلا فإن التدمير الشامل قادم.
صور التغييرات المذمومة في الوقت الحاضر
00:34:24
لقد وقع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه في انكسارات وتراجع، وحصل فيه خلل، في نواحي متعددة، وميادين شتى، فحصل من التغييرات السيئة، في عالم العقيدة، انتشار الشرك، عبادة القبور والأضرحة، الاستغاثة بغير الله، شد الرحال للشرك، صرف أنواع من العبادة لغير الله.
على مستوى الشريعة، جرى تنحية شريعة الإسلام إلا من رحم الله، وعمت بلاد المسلمين قوانين شرقية وغربية، وعُطلت حدود، أين يقام حد السُكر؟ أين يقام حد السرقة؟ ما نجى من هذا إلا القلة في المسلمين، وبقيتهم يحكمون بغير شرع الله، لا في الحدود، ولا في الاجتماع، ولا في الاقتصاد، ولا .. ولا.. يحكمون بغير شرع الله، فنُحيت الشريعة، وحلت القوانين الوضعية.
في مستوى العقيدة، من جهة الولاء لله -عز وجل-، والبراءة من الشرك، انتشرت أشياء كثيرة من موالاة الكافرين، والتشبه بهم، والعصبيات التي صارت تجمع وتفرق، فليس الدين الذي يجمع ويفرق عند كثير من الناس، بل العصبيات، سواءً عصبيات لقبائل، أو عصبيات لبلدان، أو لأقاليم، أو لجنسيات.
عصبيات، كانت الأعاجم تتعصب للمدن، والعرب تتعصب للقبائل.
على مستوى العلاقات الداخلية والخارجية، تجد كذلك غياباً للعدل، انتشاراً للظلم والفساد.
على مستوى التعليم تجد تحريفاً وطمساً لمناهج الشريعة، وتكريساً للفصل بين الدين ومناحي الحياة.
على مستوى عالم الاجتماع، طمس للفطر، وتعميم للفساد في عالم النساء والرجال، وهكذا.
انظر بحقك في أمر الدواوين *** فالكل قد غيروا وضع القوانين
لم يبق شيء على ما كنت تعهده *** إلا تغير من عال إلى دونِ
الأمة كلها تعاني من أنواع من الضعف والتخلف، نتيجة لذلك.
التغييرات المذمومة في الإصلاح ومجالات ذلك
00:37:16
الإصلاح على الطريقة الغربية:
هنالك أطروحات في موضوع الإصلاح خطيرة، تقوم على مبادئ الحريات المطلقة، تقوم على استيراد الديمقراطية الغربية وتطبيقها، كأن الله ما أنزل شورى!.
أين الديمقراطية؟! كأن الله ما شرع شيء اسمه أهل الحل والعقد.
أين الانتخابات على الطريقة الغربية؟! كأن الله ما أنزل قوانين لتحكم.
أين القوانين الغربية والشرقية؟ وهكذا..
كأنه ليس في الإسلام قواعد للبيوع، وين المعاملات العالمية الربوية؟!
إذاً، هذه القضية، وهي تبني: مناهج إصلاح أجنبية، فيقولون لك -مثلاً-: إصلاح في التعليم، تأتي تنظر في ماذا الإصلاح هذا الذي في التعليم؟
تجد إلغاء مناهج شرعية، أو تقليصها، إحداث الاختلاط في أماكن التعليم... إلى آخره..!.
تأتي إلى الإصلاح الاقتصادي، وأين الإصلاح الإقتصادي؟
يقولون: أيوه! نطبق الرأسمالية! هذه الرأسمالية الغربية! هذه التي نجحت وجعلت الغرب قويا!.
يا جماعة! الغرب ينهار! اتقوا الله! الغرب ينهار! ألا ترون نظمهم المالية قد اهترأت؟! ألا ترون أن بنوكهم إلى إفلاسات؟! ألا ترون مؤسساتهم المالية في خسارات؟! ألا ترون سندات خزينتهم الحكومية ذاهبة، تقلص وانحسار؟! صار سوق السندات الخزينة الغربية يتلاعب فيها تجار معينون كما يتلاعبون في أسواق البورصة على مستوى الشركات؟! صار الدول يتلاعب بها الآن! يبحثون عن حل الآن؟! اليونان، إيطاليا، أسبانيا، أوروبا كلها؟
أليسوا هم الذين يقولون: اليورو إلى انهيار؟! كيف تقول بعد ذلك: الرأسمالية الغربية هي الحل؟!
فالمصيبة أن بعض المفتونين من المنتسبين للملة الإسلامية، يريدون الإصلاح على الطريقة الغربية، يذهب إلى بلاد الغرب! يجد فيها حريات! وأنه يستطيع أن يتكلم! ويفعل! ويحصل على رعاية صحية! وعلى تعليم عالي! وعلى .. ! وعلى..!. خلاص ولِ وجهك شطر أوروبا وأمريكا!. لماذا؟ لأن عندهم هذه الحريات!.
الحريات هذه موجودة في ديننا مقننة! يعني بدون أضرار جانبية! الشريعة كفلت حريات! لكن ما هي من ضمنها أنك الحرية الدينية بحيث الواحد يغير من الإسلام إلى أي دين آخر! هذا خط أحمر! من بدل دينه فاقتلوه [رواه البخاري: 3017] ما في حرية هنا! هنا في خط أحمر! ممنوع! ما في حرية في حجاب المرأة تلبس ما تشاء! وهكذا ما في حرية في المعاملات المالية بحيث أن الذي يُرابي يُرابي!.
وأنتم تريدون حريات كاملة، مثل حريات الغرب حريات شاملة؟! يعني بهيمية؟! حتى لو استولت عليها الأنانية الفردية؟! لأن البشر إذا أُطلقت لهم الحريات انتهكوا حدود الله! وقعوا في الجرائم!.
البشر إذا أطلقت لهم الحريات الشاملة هذه بالتأكيد سيقع الظلم! الحرية تنتهي وتقف عند حدود الله.
عندك حرية تخترع! عندك حرية تأكل ما تشاء! فقط إذا أتيت على الخمر والميتة والخنزير! هذه خط أحمر!.
عندك حرية تلبس ما تشاء، فقط إذا أتيت إلى الحرير والذهب للرجال ممنوع! خط أحمر!.
عندك حرية تعبر وتتكلم! لكن ليس إلى درجة أنك تنشر قصص إباحية! وتقول: حرية! وتتكلم بالكفر العلني! وتقول: حرية!.
يأتي بعض هؤلاء، ويقولون: إصلاح! وأين الإصلاح؟!
يقولون: الإسلام المدني!.
ما الإسلام المدني؟!
إهمال أمور الآخرة تماماً.
الإسلام المدني! ما في أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأنه هذا ضد حريات الناس! ما نتدخل! خلاص! يزني يزني على كيفه! يشرب الخمر بكيفه! يعمل أي شيء بكيفه!.
هذا الإسلام الجديد الذي يريدونه، ما في أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، ولا جهاد في سبيل الله، يقولون: هذه الحرية! ويضربون أمثلة! يقولون: نحن نريد النموذج -مثلاً- الفلاني! يتكلموا على نماذج في بلاد الأناضول! يقولون: هذا هو المطلوب!.
وإذا كانت هذه تجربة غير كاملة؟! بمعنى ما اكتملت شرعاً؟! يعني الشريعة لم تطبق تماماً بعد؟! طُبقت جزئياً تريد النموذج هذا الجزئي تعتمده أنت كمنهج؟! هات النظام الغربي وطبقه!.
الغرب الآن يعاني من ويلات كثيرة! الغرب إلى انهيار! واضح الآن أن الصين تتقدم على حساب الغرب! ورثت قوة من قوتهم!.
إذاً، هذه عمليات الإصلاح الخاطئة المنحرفة الوهمية! ما هي إصلاح! هي عبارة عن إفساد: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة: 12].
والله -عز وجل- كرر هذا وبينه في كتابه: المنافقون يدعون الإصلاح! وراية الإصلاح الحقيقية ليست بأيديهم!.
المنافقون في الحقيقة يفسدون تحت شعار الإصلاح! لكن شعارهم وهمي، ليس حقيقياً!.
الإصلاح الحقيقي بيد المسلمين الذين يسيرون على وفق الكتاب والسنة!.
والذين يريدون اليوم إسلاماً مختصراً أو مخففاً، أو من نوع آخر، ويزعمون: أنهم قد جاؤوا بإصلاحات مأخوذة من أعداء الله! ومناهج غربية فُتنوا بها! في الحقيقة يؤيدون أولئك من حيث يشعرون أو لا يشعرون! ويتناغمون معهم في الطرح! أقصد أصحاب الإصلاح الوهمي، أو الذين جاؤوا بأشياء من المجتمع المدني، يريدون تحجيم الدين فيها، وإقصاء أحكام، وإلغاء أشياء، أحياناً يقولون: هذه لسنا مُلزمين بها! هذه من الأشياء الاختيارية التي تؤخذ حسب المكان والزمان! هذا فهم جديد للإسلام! اجتهاد جديد قدمنا به! هذا نص لا يدل على كذا! يعملون ما يشاؤون من التلاعبات! تحت ستار حرية التفكير! حرية العقل! حرية الاجتهاد! ثم يقولون: هذا المناسب للواقع!.
هؤلاء يعينون المنافقين قطعاً، يسيرون معهم في الطريق نفسه، وإن لم يكونوا بزندقة المنافقين، ولكنهم مؤيدون لهم، ومتعاونون معهم.
الإصلاح الممدوح ومجالاته
00:45:65
فإذاً، الإصلاح الذي سينجي من عذاب الله، الإصلاح الذي سيؤدي إلى إبعاد العذاب، هو الإصلاح الحقيقي في عالم العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والعادات، والسياسات، والاجتماع، والاقتصاد، والمال، والأخلاق، والآداب، والصناعات... ! إلخ...
نريد إذاً إصلاحاً عقدياً، علمياً، تقنياً، تربوياً، أخلاقياً، وفق منهج الله، بالضوابط الشرعية.
نريد إصلاحا على منهج عمر بن عبد العزيز، استلم الحكم، وكان قد حدثت انحرافات ممن قبله، كان في انحرافات في بيت المال، كان في انحرافات في أنواع من السياسات، فقام عمر بن عبد العزيز ورد المظالم إلى أهلها، وأول ما بدأ بنفسه، ثم الزوجة فاطمة بنت عبد الملك، وأهله وعشيرته، وطبق الشرع على الجميع، واختار الأخيار، فعينهم، وأصحاب الأمانة والقوة، فوزعهم على البلدان والولايات، أحيا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقامها، ونهض بها، وحرص على الإصلاح، وحارب البدع، وكان له مواجهات مع القدرية، ومع غيرهم، وكان يحضرهم عنده، ويناضرهم.
قام بالإصلاحات الاقتصادية، قام بإصلاحات العلم والتعليم، وتدوين السنة، قام بإصلاحات كثيرة جداً.
النتيجة عم الرخاء في البلاد، وفاض المال، قال يحيى بن سعيد مبيناً نموذجاً من آثار إصلاحات عمر بن عبد العزيز: "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرا، ولم نجد من يأخذها مني، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا -عبيدا- فأعتقتهم" [سيرة عمر بن عبد العزيز، ص: 59)].
وقال عمر بن أسيد: "والله ما مات -يعني عمر بن عبد العزيز- حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله" كل الأشياء غطيناها، كل المجالات غطيناها، ماذا نسوي بفلوسك؟ نأخذها أين نوديها "قد أغنى عمر الناس" [فتح الباري، ابن حجر: 6/613].
كان عمر بن عبد العزيز وصل في وقت ينادي كل يوم، يُنادى في الناس في عهده: أين المساكين؟ أين الغارمون؟ أين الناكحون الذين يريدون الزواج العفاف؟ أين اليتامى؟ خلاص! سد كل الحاجات، وفاض المال فعلاً، وشيء من أشراط الساعة، يعني صار الرجل -فعلاً- يهم أين يذهب بصدقته.
هذا التغيير الذي أحدثه عمر -رضي الله رحمه الله- كان له نتائج من الله -تعالى-، وتغيير من الله واضح جداً، مع أن خلافة عمر بن عبد العزيز لم تستمر سوى سنتين، ولكن عم العدل والشرع، والشرع طُبق حقيقة.
والسنن الإلهية مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً، فتعمل في حياة الأمم والأفراد عملاً مطرداً.
تأمل! أن سنة التدافع، والمداولة، والتمكين، بينها ترابط.
كذلك علاقة: التدافع، والمداولة، والتمكين، بسنة التغيير واضحة، وعلاقة سنة التغيير بالإصلاح واضحة.
والتغيير للإصلاح فريضة شرعية؛ لأن الله قال: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: 88].
وهذا الإصلاح الشامل لعقائد الناس، وعادات الناس، ومعاملات الناس، وعبادات الناس، مطلوب لاتقاء غضب الله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: 117] لأنفسهم ولغيرهم.
فإذاً، هذه سنة إلهية، الأمم التي يكون فيها الظلم، ويُفسد فيها المفسدون، ولا ينهض للإصلاح من يدفع الظلم والفساد، ومن يستنكر ويُنكر ويغير، فإن سنة الله ستحق عليه، إما بالاستئصال، أو بالانحلال، أو بالاختلال، وهي على درجات ومراتب: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25].
إنها عامة: أوشك أن يعمهم الله بعقاب [رواه أبو داد: 4340، والترمذي: 2168، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود: 4338].
إذاً، هذا الإصلاح مطلوب اليوم منا دفعاً لتغيير من الله يقع علينا بشر، أو عقوبة، أو عذاب.
هذا الإصلاح على المستوى الفردي والأسرة، والمجتمع، والبيئة، الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والثقافة.
هذا الإصلاح الذي يكون للنفوس والقلوب.
هذا الإصلاح الذي فيه تزكية.
هذا الإصلاح الذي فيه نشر الحياة والعفاف والفضيلة.
هذا الإصلاح المنهجي، بحيث يسلم للناس دينهم.
لا بد من إصلاح في موضوع مناهج الاستدلال، وطرق الاستدلال، ومصادر التشريع.
في خلل في مصادر التشريع عند الناس، ممكن يأخذون من قوانين وضعية، ممكن يقول لك: الكتاب والسنة والقانون الوضعي! هذا عمل يحتاج إلى إصلاح.
الشريعة مصدر للقوانين! فهناك مصادر أخرى عندهم، هذه تحتاج إلى إصلاح، لا بد أن يكون القانون: الشريعة هي المصدر الوحيد للقوانين، هذا عملية تحتاج إلى إصلاح في عالم القوانين، تقنين في عالم الدساتير.
هناك إصلاح يتعلق بموضوع الشورى، ووظيفة أهل الحل والعقد.
هناك إصلاح يتعلق في موضوع الاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هناك إصلاح في ميادين الدعوة والدعاة، لا بد أن تُصلح أمور الدعوة، والمنهج، والأساليب، لا بد أن يكون في من يقوم بها، هذا فرض كفاية، وإذا ما يكفي الذين يقومون، يرتب من يقوم.
ولا بد أن تكون عملية الدعوة عملية احتسابية: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [ص: 86].
ولا بد أن يكون أمر الدعاة صحيحاً، ما يكون في دعاة على انحراف، دعاة على زيغ، دعاة يريدون شهرة، سواءً شهرة إعلامية، أو شهرة...! ليست القضية دعوة إلى شخص! القضية دعوة إلى منهج! ولا بد أن يكون المنهج صحيحاً، فنحتاج إلى إصلاح في عالم الدعوة، صار هناك دعاة إلى انحراف! دعاة إلى باطل! صار هناك دخل ودخن في النوايا تحتاج إلى إصلاح!.
المناهج الدعوية المطروحة تحتاج إلى إصلاح؛ لأن هناك مناهج دعوية باطلة زائفة، هنالك مناهج دعوية مدخولة مغشوشة، هناك مناهج مسمومة، هناك مناهج فيها أخطاء وانحرافات لا بد أن تقوَّم: وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: 142].
هناك إصلاح لا بد أن يتم في عالم الذرية والأولاد: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الأحقاف: 15] هذه دعوة الخليل -عليه السلام-.
هناك إصلاح في عالم الإعلام؛ لأن ما يعرض على الشاشات كثير منه يُسخط الله، ومجلبة للعذاب، وسبب للتغيير على الناس.
من الذين سيتصدى لهذا؟!
الإصلاح الذي يُعرض في المعروضات! الإصلاح إصلاح ما يُعرض!.
لا بد من إصلاح في الوضع الاقتصادي والمالي، محاربة الربا، الميسر، الغرر، وكل المعاملات المحرمة.
الميسر يكتسح الناس في أشياء كثيرة، الغرر والجهالة تكتسح عقوداً ومعاملات متعددة، الربا يكتسح ويدخل في عقود كثيرة جداً، تقام أنشطة اقتصادية على غير القرآن والسنة: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ [الأعراف: 85] يعني في إصلاح اقتصادي: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأعراف: 85]، وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا [الأعراف: 86].
هناك إصلاح للأمن، إصلاح يعالج وضع الجرائم، إصلاح يعالج وضع الاختلال الموجود عند الناس مما يجعل في إخافة، وإرعاب، وانتشار لسرقات، ما نسمعه خطف فتيات! هروب فتيات..! إلخ.. ! أشياء رهيبة! إجرام! وإجرام منُظم! وإجرام عشوائي! واستدراجات! واغتصابات!.
هذه أشياء تتعلق بأمن الناس، الأمن العقدي، الأمن المالي، أمن الأعراض.
فإذاً: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص: 57]، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67].
لا بد من إقامة العدل.
فإذاً، هذه الإصلاح المهمة جداً، لكي يحدث التغيير المؤدي إلى يأتينا الله بنعمه بدلاً من نقمه، وأن يأتينا برحمته بدلاً من عذابه.
هذه نبذة عن سنة التغيير والإصلاح، بقي الكلام في سنن أخرى، مثل: سنة الإملاء والاستدراج، سنة النصر، وغيرها، ستأتي -بمشيئة الله تعالى- في دروس قادمة.