الثلاثاء 15 شوّال 1440 هـ :: 18 يونيو 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر
  • برنامج هدى وبينات يأتيكم يومياً في شهر رمضان المبارك الساعة 5 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

النصيحة المؤثرة - المحاضرة الثانية


عناصر المادة
ملخص المحاضرة الأولى
عظم شأن النصيحة لدى الصحابة
شروط النصيحة وآدابها
موقف المنصوح من النصيحة
النصيحة بين اللين والشدة
النصيحة بين اللين والمداهنة
النصيحة بين التملق والتشهير
التملق والتزلف في النصيحة
النصيحة بين التدرج وعدمه
النصيحة بين التلميح والتصريح
النصيحة بين التعميم والتخصيص
وسائل قبول النصيحة
أمور ينبغي توفرها في المنصوح
شبهة والرد عليها
إن الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1].
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  [الأحزاب: 70 - 71].
أما بعد:
ملخص المحاضرة الأولى
00:00:51
 أيها الإخوة: تكلمنا في الجزء الأول من هذا الموضوع النصيحة، في المرة الماضية عن تعريف النصيحة وأهميتها ومكانتها في الدين.
وذكرنا بأن قول رسول اللهﷺ: الدين النصيحة  يعني فعلا بأن الدين كله هو النصيحة.
وذكرنا بأن معنى هذا الكلام قول الرسول ﷺ عندما سأله الصحابة، لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم .
فإذا فهمنا النصيحة بهذا المعنى الواسع الشامل.
النصيحة لله ماذا تعني النصيحة لله؟ يعني: اتباع أوامره، واجتناب نواهيه.
وكذلك النصيحة للرسول ﷺ اتباع ما جاء به، ومعرفة سنته، وتطبيقها، وتوقيره، واحترامه وآله.
ولكتابه بتطبيق ما جاء بالكتاب هذه النصيحة للقرآن.
ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فماذا بقي بعد ذلك يخرج من النصيحة من أمور الدين؟
لا شيء، كل الدين يدخل في النصيحة.
عظم شأن النصيحة لدى الصحابة
00:02:13
 والنصيحة كانت تعني عند صحابة رسول الله ﷺ أمراً عظيماً، فقد كانوا يتناصحون فيما بينهم، بل إنه حتى التجمعات التي كانت موجودة على عهد رسول الله ﷺ الناس جماعات وأفراد كانوا يقيمون بالنصيحة؛ فمثلاً: خزاعة المسلمون الذين كانوا على عهد الرسولﷺ يصفهم بعض الصحابة بقولهم: "كانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ" أفراد وطائفة من هذه القبيلة "كانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ"، ينصحون له، ويبينون له الخير، ويحذرونه من شرور تقع بالمسلمين، أو توشك أن تقع بهم.
وكذلك كان تقييم بعض الصحابة لبعض الأفراد الذين كانوا في عهد الرسول ﷺ ينطلق من منطلق النصيحة أيضاً؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري -رضي الله عنه- لما اتهم بعض الصحابة رجلاً بالنفاق، فسألهم الرسول ﷺ عن هذا؟ فقالوا: فإننا نرى وجهه ونصيحته للمنافقين" [رواه مسلم: 33].
إذاً، كان مقدار نصيحة الرجل أو القبيلة ووجهتها إلى أين هي متجهة، كانت من معايير التقييم عند الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-.
ورجل من المسلمين يخرج من المسجد فيعترض الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ليدل له على أمر، ويقول له: هذه نصيحة، ثم يرسل الخليفة رسولاً فيأتي بهذه الرجل، ويقول له: ما نصيحتك" والحديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى-: 3696].
نحن ذكرنا بأن الكلام عن هذا الموضوع من الممكن أن يقسم إلى ثلاث أقسام، الكلام عن الناصح، وعن النصيحة، وعن المنصوح.
وتكلمنا في المرة الماضية عن الناصح، ونريد أن نتكلم في هذه الليلة إن شاء الله عن النصيحة وعن المنصوح، وقد يشترك الكلام في النصيحة مع الكلام في الناصح.
شروط النصيحة وآدابها
00:05:05
 النصيحة لها شروط ولها آداب، فمن شروط النصيحة:
أولاً: أن تكون مبنية على الدليل الصحيح؛ لأننا نلاحظ أن كثيراً من الناس قد ينصح في أمر خطأ، قد يأمر بمنكر أو ينهى عن معروف، من باب النصيحة، وإنما أوتي من جهله؛ لأنه ما عرف الأمر على وجهه، ولم يعرف دليل ما يأمر به.
فالدليل مهم من عدة جهات:
الجهة الأولى: أنك تعرف هل نصيحتك في محلها أم لا؟ هل الشيء الذي تنصح به نصيحة فعلاً؟
ثانياً: أنه يدعم نصيحتك عند المنصوح، عندما تقدم كلاماً بدليل سيكون له من الوزن والقيمة ما لا يكون للكلام عندما يكون الكلام خالياً من الدليل، وهذا صحيح، وأمر مشاهد ومعروف بالتجربة؛ لأن الناس الذين لديهم عقل لا يقبلون الأمور بغير أدلة، وقد يناقشون ويعترضون، فإذا لم يكن لديك دليل فيما تقدمه لهم فإن هذه النصيحة ستكون نصيحة ناقصة.
والدليل بعمومه سواء كان من الكتاب أو من السنة أو من أقوال الصحابة، أو من الإجماع أو قياس صحيح، إلى آخره..
ثانياً: من آداب النصيحة: الإيجاز، فإن الناس سيملون إذا سمعوا كلاماً مكرراً ومعاداً ومطولاً، فإنهم يحبون في الغالب أن تعطيهم زبدة الكلام كما يقولون، ولذلك ترى كثيراً من الناس يسمع محاضرة، ويسمع خطبة، ويسمع كذا، فيقول: هذا فلان الخطيب، أو هذا المحاضر، أو هذا الناصح؛ تكلم علينا نصف ساعة أو ساعة ما ندري ما هي الزبدة.
فالإيجاز في النصيحة من الأشياء تجعل النصيحة مقبولة لها أثر في النفوس.
والشرط الثالث: الوضوح، الوضوح في النصيحة أمر مطلوب؛ لأنك إذا عرضت القضية مشوشة متداخلة لا يعرف أولها من آخرها، فإن الناس لم يتأثروا؛ لأنهم لم يفهموا ماذا تقصد، ولذلك إعداد النصيحة قبل عرضها من الأمور المهمة، أن تركز فكرك، وتجمع الشتات المبعثر من الأفكار والكلام قبل عرضه على الناس ليكون واضحاً، تقدم شيئا واضحاً.
دعوة الرسول ﷺ من أهم صفاتها: الوضوح.
الكلام الذي كان الرسول ﷺ يقوله للناس من أهم صفاته: أنه كان كلاماً واضحاً؛ لذلك ما تجد الناس قد انصرفوا من مجلس من مجالسه عليه السلام بغير فهم، وإنما كان الرسول ﷺ أحياناً يطرح عليهم موضوعاً، وينتظر منهم السؤال عن هذا الموضوع  الدين النصيحة  قلنا: لمن يا رسول الله؟ وهكذا..
لكن عندما يفسر الرسول ﷺ أو يجيب عن سؤال أو ينصح إنساناً تكون النصيحة في غاية الوضوح، تصل إلى شغاف القلوب، فتمس تلك الضمائر فيحيها الله -عز وجل- فتتأثر بهذا الكلام الذي سمعوه.
وكذلك فإنه من الأمور المهمة في النصيحة: أن تكون خالية من التكلف والتفاصح والتعاظم، وهذا أمر تطرقنا إليه في كلامنا على الناصح، وأن تكون بعيدة عن سوء الظن؛ لأن كثيراً من الناس نصائحهم ليست نصائح وإنما هي عبارة عن اتهامات، اتهامات مبنية ومؤسسة على سوء الظن، فعندما يحس الشخص الآخر  بأنك تتهمه وتسيء الظن به فلن يعتبر هذه نصيحة، ولن يستجيب مطلقاً، ولذلك الواحد إذا انتقد فإنه ينتقد في شيء مؤكد مثبت، يبني عليه نصيحته.
أما أن يخمن ويظن ويسيء الظن ثم يقدم الكلام على أنه نصائح؛ فإنها أمور تجرح المشاعر، وتؤذي الآخرين، ولا يمكن لهذه النصيحة أن تكون ناجحة.
كذلك ينبغي أن تكون النصيحة خالية من ألفاظ التفسيق والتجهيل والتكفير، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن الإنسان مجرد ما يسمع في نصيحتك: يا فاسق، يا كافر، يا ضال، وتتلو هذه الجمل ألفاظ جارحة فإنه سيصد تلقائياً عن تقبل نصيحتك، وإن كان ما يفعله حقيقة فسق أو جهل أو ضلال أو كفر فإنه ليس من الحكمة أن تتهمه بهذا مباشرة، قد يكون ما يفعله فعلاً فسقاً، لكن ليس من المصلحة أن تقول له: يا فاسق، أنت كذا وكذا.
وكذلك لا بد أن يراعي الإنسان الحكمة عند طرح النصيحة؛ لأنه أحياناً تؤدي النصيحة إلى تفرق شمل، أو تؤدي إلى منكر أكبر من المعروف الذي تحمله في طياتها، فلذلك على الإنسان المسلم أن يكون حكيماً، ويقدر أبعاد الأمور عندما ينصح، قد تكون الحكمة أن تؤخر النصيحة إلى وقت قادم، إلى مستقبل قريب، ولا تطرحها الآن؛ لأنه ليس هذا وقت طرحها مثلاً، فمن القواعد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن الإنسان لا يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر إذا كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه، أو يبين معروفاً أكبر من المعروف الذي يدعو إليه.
ولقد نهى الله -عز وجل- الصحابة -رضوان الله عليهم- عن سب آلهة المشركين، مع أن سب آلهة المشركين من الأمور المشروعة؛ لأنها آلهة زائفة، ومع ذلك فقد نهى الله -عز وجل- صحابة الرسول ﷺ في ظرف من الظروف، ووقت من الأوقات عن سب آلهة المشركين، لماذا؟ يقول الله -عز وجل-: وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ  [الأنعام: 108]؛ لأن سب آلهة المشركين سيؤدي إلى أن يسب الكفار الله -عز وجل-، وسب الكفار لله -عز وجل- منكر عظيم جداً، فلذلك إذا علمت أن الشخص الآخر سيسب الدين أو يسب الرب -عز وجل- جراء النصيحة التي ستنصحه بها، إذا غلب على ظنك هذا أو اعتقدت هذا من واقع الشخص، فإنه في هذه الحالة لا يستحسن أن تنصح، وتؤخر أو تتخذ وسيلة أخرى تتلافى بها هذه السلبية.
كذلك النصيحة من أهم ما فيها هو الأسلوب، وقد ركز القرآن الكريم على الأسلوب في النصيحة تركيزاً كبيراً، فقال الله -تعالى- لموسى وهارون عندما أرسلهما إلى فرعون: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طـه: 44]، فما هي صفة القول؟ ما هي صفة النصيحة التي أمر الله موسى وهارون أن يقدمانها لفرعون؟ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طـه: 44].
والعجيب أن كثيراً من المسلمين لا يلتزمون بهذه الصفة القرآنية للنصيحة، في الوقت الذي استفاد منها كثير من أعداء الإسلام.
فأنت إذا نظرت مثلاً إلى طريقة المبشرين بالدين النصراني المحرف وأسلوبهم تجد أن الأسلوب يعتمد اعتماداً كبيراً على اللين، والعاطفة، واستثارة المكامن الحساسة في النفس المخاطبة، فوصلوا إلى نجاح عظيم بسبب حسن أسلوبهم، الفكرة كفر، الأسلوب ممتاز، صارت النتيجة إدخال كثير من الناس في النصرانية، أو إبعادهم عن الإسلام، يتدسسون إلى المسلمين تدسساً رفيقا بلين ولطف، فيصلون إلى ما يريدون الوصول إليه من الأهداف المدمرة لعقائد المسلمين وأخلاقهم.
نحن وراث العلم النبوي، والطريقة المحمدية، نحن الأحق والأجدر باتباع اللين في الأسلوب، وإذا نظرت إلى سيرة الرسول ﷺ وجدت نصيحته ﷺ تتصف اتصافاً كاملاً بهذه الصفة، نحن الآن نتكلم تحت عنوان: "النصيحة بين اللين والشدة"، حديث معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم معروف، لما جاء في الصلاة وتكلم، وشمت الرجل الذي عطس من الصحابة، والصحابة ينظرون إليه شزراً، ويضربون بأكفهم على أفخاذهم، يصمتونه، يسكتونه، فماذا قال الرجل -رضي الله عنه- بعدما دعاه الرسول ﷺ بعد السلام والفراغ من الصلاة ونصحه؟ قال: فوالله ما كهرني، يعني ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، وهكذا..، ما ضربني ولا كهرني، ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال لي نصيحة واضحة باللين: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس [رواه مسلم: 537].
ولذلك الرجل هذا بقيت في نفسه هذه اللمسة النبوية في النصيحة حتى أخبر بها طائفة من الناس، بقيت مؤثرة في نفسه.
ومن هنا نعرف مدى نجاح الناصح.
موقف المنصوح من النصيحة
00:17:47
 نجاح الناصح يقاس بأشياء كثيرة؛ منها: ما هو موقف المنصوح من النصيحة؟ وما هو الأثر الذي تركته النصيحة في نفس المنصوح، فهذا الصحابي -رضي الله عنه- نصيحة الرسول ﷺ تركت في نفسه أثراً بالغاً، لذلك يقول الرجل: "فوالله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ﷺ"، لماذا؟ لهذا الأسلوب الفذ الذي اتبعه الرسول ﷺ.
أيضاً قصة الأعرابي الذي بال في المسجد معروفة، تكلمنا عنها في موضوع الرفق.
النصيحة بين اللين والشدة
00:19:10
 أحياناً يضطر الناصح إلى شيء من الشدة، في بعض المواقف يكون الشخص المنصوح يحتاج إلى نوع من الشدة، وإذا ما شددت عليه في القول قد لا يتأثر؛ لأن بعض النفوس يُدخل إليها من باب الشدة والتقريع.
ومعرفتها تعتمد على الفقه الذي يتكون عند الناصح الداعي إلى الله -عز وجل- من كثرة مخالطته، وخبرته بالناس، ومعاشرته لهم.
أحياناً تضطر إلى نوع من الشدة، كأن تكون النفسية التي أمامك من النوع الذي يتأثر بالشدة، أو يكون الخطأ الذي حصل خطأ كبيراً؛ يعني ما يمكن واحد أمامي يسب بالدين، ويستهزئ بالإسلام، وبصفات الله -عز وجل-، ويتنقص من الرسول ﷺ، ثم أقول له: يا أخي لو سمحت، لا يمكن؛ لأن الموقف لا يسمح باستخدام اللين.
اللين هو الأساس والقاعدة، لكن ليس هو المضطرد في جميع الأساليب.
لكن إذا اضطر الإنسان أحياناً إلى استخدام الشدة فإنه من المناسب أن يخلط مع أسلوب الشدة شيئاً من اللين، ويستخدم شيئاً من عبارات التلطيف، والناظر في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- الموجودة في تاريخ نجد لابن غنام -رحمه الله- يجد فيها استخداماً جيداً لأسلوب اللين مع الشدة، فتجد الشيخ في رسائله أحياناً يشتد على المرسل إليه الخطاب أو النصيحة، يشتد عليه شدة بالغة في أمر يتعلق بالشرك أو الموقف من المشركين والمنافقين، أو الموقف من القبور، أو الموقف من غلاة الصوفية، لكنه لا يلبث أن يتبع تلك الجملة الشديدة بجمل تلطيفية جيدة، تخفف من وقع الشدة الوقع السلبي على المنصوح.
ولو كان الوقت مناسباً لذكرنا لكم أمثلة، ولعل الوقت يتاح -إن شاء الله- الكلام على رسائل مؤثرة.
النصيحة بين اللين والمداهنة
00:21:17
 كذلك موضوع آخر النصيحة بين اللين والمداهنة، يفهم الناس أحياناً قول الله -تعالى-: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا [طـه: 44] فهماً معوجاً، خاطئاً كيف؟ يفهمون أن اللين في الأسلوب يعني اللين في المضمون، يفهمون أن اللطف مع الناس، يعني أنك تميع لهم كثيراً من القضايا الإسلامية التي تنصحهم بها.
وهذه فكرة خطيرة في الحقيقة تؤدي إلى انزلاقات ومنعطفات تجنح بالداعية عن الصراط المستقيم.
إذا فهم هذا الداعية أن قول الله -عز وجل- مثلا: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا [طـه: 44] يعني أنه يلين في الحق، بمعنى أنه إذا سأل عن حكم شرعي مثلاً فتجده يفهم أن من اللين أن يميع الحكم، ويُفهم الناس بأن المسألة فيها سعة، وفيها مجال، وهي محرمة بالنص الواضح القاطع، فتجده من فهمه المعوج للين ينحرف في عرض الأحكام والمبادئ والتصورات الإسلامية القاطعة، يعرضها بأسلوب مهزوز، أسلوب ركيك، أسلوب فيه من التميع ما يشوه المنظر، أو ما يشوه النظرة، نظرة هذا الشخص لهذه الأحكام وهذه التصورات.
وهذه من المسائل التي تجعل النصيحة قبيحة فعلاً؛ لأنها تؤدي إلى سلبيات ونتائج عكسية كثيرة.
فاللين في الأسلوب لا يعني اللين في الحق، كوني أتلطف مع شخص فأعرض له حكما شرعياً، حكم الغناء مثلاً، ممكن أعرضه بأسلوب لين، لكن لا يمكن مطلقاً وليس من الصحيح أن أقول: والله -يا أخي- عموماً الغناء فيه أقوال، واختلف بعض العلماء فيه، وإذا كانت الموسيقى هادئة فإن الأمر فيه سعة، وإذا كان ما هو فيه رقص، وهكذا.. بعض الناس يفهم اللين بأنه تهاون في الأحكام التي تتعلق بمظهر المسلم، وهكذا..، أو الموقف من الكفار مثلاً، يعني والله لا بأس إذا كانوا.. إذا كان.. وإذا كان..، وتخرج القضية عن إطار الإسلام الصحيح.
النصيحة بين التملق والتشهير
00:24:15
 أحياناً تخرج النصيحة عن كونها نصيحة إلى كونها تشهيراً، فتجد عبارات التجريح منهالة على الشخص المنصوح، وقد نسي الناصح الفكرة تماماً، ونسي الموضوع، وبدأ الآن يجرح في الشخص المنصوح، فتخرج النصيحة عن كونها نصيحة إلى أن تصبح تشهيراً وتجريحاً.
التملق والتزلف في النصيحة
00:24:57
 وأحياناً تخرج النصيحة عن كونها نصيحة إلى أن تصبح تملقاً وتزلفاً، فتجد هذا الشخص عندما يكون مع مديره مثلاً في العمل، أو مع إنسان مسؤول عنه؛ ويحتاج الوقت الآن إلى نصيحة، يحتاج إلى أن ينصح هذا المسؤول، أو ينصح هذا المدير، فتجد النصيحة فيها من التميع، والانحراف في مضمونها لذات الشخص، لأجل هذا الشخص، ولمنصب هذا الشخص، ما يجعلها تملقا وتزلفاً، وتجد العبارات تنطلق في المدح والثناء، وتصحيح وضع هذا الشخص وتطمينه إلى أنه بخير؛ مع أنه منغمس إلى أذانه في أوحال المعاصي والأخطاء.
فينبغي أن نعدل: وإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ [الأنعام: 152]، وأن نحق الحق، وأن لا نميل يميناً ولا يساراً ونحن نعرض دين الله -عز وجل-، وننصح الناس.
النصيحة هذه عبادة، ومسؤولية، فإذا انقلبت إلى تجريح أو تشهير، أو تملق أو تزلف؛ فقد خرجنا بدين الله -تعالى- عن الطريق الصحيح إلى أغراض أخرى شخصية، ومطامع دنيوية، لا تلبث أن تميت قلب الناصح.
النصيحة بين التدرج وعدمه
00:26:39
 أحياناً يكون من الحكمة في النصيحة: أن تتدرج أثناء عرضها، واحد مثلاً يرتكب مجموعة من المنكرات، وأنت ترى الآن أن تنصحه في أكبر هذه المنكرات، تبدأ بالمنكر الأكبر، لا يعني هذا تدرجك في عرض النصيحة عليه، أن تنصحه في هذه المسالة أولاً، وبعد فترة من الزمن تفتح معه موضوعاً آخر، وبعد فترة ثالثة تفتح معه موضوعا ثالثاً، وهكذا..، هذا لا ينافي صراحة الإسلام، ولا ينافي عرض الحق على الناس؛ لأنك أنت لا تلغي هذا المنكر من حسبانك، أو تهمله تماماً، وإنما تؤجله إلى وقته المناسب، وفي نيتك أنك ستطرحه في يوم من الأيام عندما ترى الوقت مناسباً بدون دخول الهوى في الموضوع؛ لأنه إذا دخل الهوى فإن الوقت المناسب لن يأتي أبداً.
وأحياناً يكون الموقف يتطلب أن تنصح الشخص بجميع ما فيه، مثلاً: أنا وجدت واحداً في طريق سفر، ولن أجد هذا الشخص مرة أخرى، أو يغلب على ظني بأني لن ألقاه مرة أخرى، ولن يكون عندي الوقت أصلاً حتى أتدرج معه؛ لأني لن أمكث معه فترة طويلة من الزمن، هذا الآن مرور عابر، فوجدت عليه من المنكرات في مظهره، فلا بأس مباشرة إني آتي وأكلمه، هذا هو الوقت الآن، هذا هو الوقت الوحيد، تتبع قاعدتك: قل كلمتك وامش، لأنه ما عندك وقت أن تلتقي بهذا الشخص مرة أخرى، ولا أن تتدرج معه، وإنما تعرض له القواعد الأصلية في طاعة الله ورسوله، وأن المظهر والمخبر شيء مهم، ومتصل ببعضه البعض، ثم تقول له: يا أخي هذا الذي الآن تفعله في مظهرك يخالف الإسلام، نصيحة، ما في وقت، هذا هو الوقت الوحيد .
فأحياناً يكون التدرج حكمة، وأحياناً يكون تمييع للفكرة الإسلامية، وأحياناً يكون عرض النصيحة بشكل يمس جميع الأشياء الواقعة في هذا الشخص من المنكرات تهوراً ومنفراً، وأحياناً يكون حقاً، بل هو الحل الوحيد.
فإذاً، على الداعية إلى الله الناصح أن يميز في المواقف والأوقات والأحوال بين ما هو مناسب في التدرج وعدمه.
النصيحة بين التلميح والتصريح
00:29:56
 تتصف بعض النفسيات بأنها ذات حساسية مرهفة، فإن من الحكمة أن تكون النصيحة بأسلوب التلميح، هذا مثال وإلا المواقف كثيرة التي يكون الحكمة في النصح أن تكون بأسلوب التلميح، وليس بأسلوب التصريح.
فأسلوب التلميح من الأساليب الناجحة، إذا أحسن استخدامها، والرسول ﷺ كان يستخدم هذا الأسلوب، وكان يقول مثلاً:  ما بال أقوام يفعلون كذا وكذ  لم يكن يصرح بأسمائهم، ما بال أقوام  والشخص يعرف بينه وبين نفسه وهو يقارن الكلام المعروض أنه من هذا النوع أو لا، أنه من هؤلاء الأقوام أو لا، أنه مقصود بالكلام أو لا.
 ما بال أقوام  من الأساليب المهمة في النصيحة التي فيها تلافي كبير لقضية التشهير والتجريح، أو التأثر السلبي من أصحاب النفوس المفرطة في الحساسية.
وقد يكون أحياناً استعمال التلميح خاطئاً، عندما لا يفهم الشخص الآخر ماذا تقصد، فبعض الناس يلمح ويستخدم شطارته في التلميح، ولكن هذا التلميح يؤدي إلى عدم وضوح الفكرة أبداً عند الشخص المنصوح، لا يفهم ماذا تقصد، من كثرة التلميحات صارت النصيحة عبارة عن ألغاز ومعميات لا يمكن فكها ولا حلها، ولا فهم المقصود منها.
فإذًا لكل ميدان رجال، ولكل مقام مقال، فالتلميح أسلوب جيد في بعض الأحيان، ولكن إذا كان الشخص لم يفهم من التلميح؛ فهنا ينبغي المصير إلى التصريح الذي يوضح القضية؛ لأنه ما فهم، ولا تلقى الفكرة، ولا وصلت مداركه إلى فهم المغزى، فلذلك يكون استخدام التصريح في هذه الحالة بأسلوبه الشرعي وحدوده وآدابه الإسلامية من الأمور المفيدة.
والإكثار من التلميح قد يكون ذو سلبية في بعض الأحيان؛ مثلاً تجد في بعض المجالس ناصحاً يقول: في بعض الناس يسوون كذا، وبعض الناس يفعلون كذا، وبعض الناس كذا، هذه طريقة بعض الناس وبعض الناس ليست ناجحة دائماً، بل إنها قد تسبب كراهية للناصح؛ لأنها عبارة عن لمز من طريق خفي، عبارة عن نغزة من طرف خفي، إذا تكررت تصبح إيذاءً، والمنصوح يشعر بأنك تغمزه، بنوع من الإيذاء، ففي هذه الحالة لا يكون من الحكمة في النصيحة استخدام بعض الناس وبعض الناس كما يفعل البعض.
النصيحة بين التعميم والتخصيص
00:34:19
 هذه من النقاط المهمة، وقد ذكرنا لها مثالاً قبل قليل قول الرسول ﷺ: ما بال أقوام  بأسلوب التعميم، وأحياناً كان الرسول ﷺ يخصص في النصيحة، ويذكر اسم الشخص، أو صفاته، ويبين ويوضح بحسب ما تقتضيه المصلحة.
وسائل قبول النصيحة
00:35:02
 من الأمور المساعدة على تقبل النصيحة:
أولاً: ذكر الإيجابيات والثناء على الحسنات للشخص المنصوح، تبغى تنصح شخصاً، كل واحد من الناس مهما كان شريراً فيه جوانب خير، وفيه إيجابيات.
فإذا أردت يا أخي الناصح أن تكون نصيحتك ذات وقع حسن، فعليك بأن تذكر في ثنايا الكلام، وطيات الحديث شيئاً من إيجابيات الشخص الذي يقف أمامك يستمع للنصيحة، وشيئاً من مزاياه الطيبة.
والرسول ﷺ كان يستخدم هذا الأسلوب مع العتاة الكفرة، كان يستميل قلوبهم بتلك الألفاظ الحسنة التي فيها ذكر لبعض سجاياهم، حتى مع المسلمين كان الرسول ﷺ يستخدم هذا الأسلوب، كان يقول: إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة [رواه مسلم: 18]؛ لأن هذا الرجل فيه هذين الخصلتين، فالرسول ﷺ قال لأشج عبد القيس وهو من عظماء قومه ليتألف قلبه، ويستميله، ويثني على ما فيه من الخصال الحميدة، لأهداف متعددة، حتى يستأنس هذا الشخص، ويميل قلبه، وحتى يقتدي الآخرون بهذه الصفات الحميدة عند هذا الرجل.
كان الرسول ﷺ يستخدم هذه الأساليب.
فإذًا استخدام عبارات الاستمالة في النصيحة من الأمور المشجعة على قبولها؛ فمثلاً عندما تقول: يا أخي مثلك لا يخفى عليه أن هذا الأمر كذا وكذا، أو تقول مثلاً: أنت يا أخي في مقام أعلى من أنت ترتكب هذا الأمر، أو أنت مثلا أوعى من أن يصدر منك هذا الفعل السيء، أو مثلاً تقول له معنى قول الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس عيباً *** كنقص القادرين على التمامي
تقول: يا أخي الحمد لله أنت عندك ميزات، وعندك قدرات، وعندك إمكانيات، وأنت عندك كمال في جوانب كثيرة، وعندك استعداد لتكمل النقص في نفسك في الجوانب الفلانية، فهلا أكملت النقص في هذه الأشياء؟ والحمد لله والله أعطاك قدرات، وأعطاك مواهب، وأعطاك إمكانية واستطاعة لتتلافى هذه الأشياء، وتؤسس في نفسك الخصال الحميدة الفلانية، وتمنع هذه الأخلاق الرديئة من البروز والظهور بصبرك على نفسك، وبقوة نفسك وشخصيتك تستطيع أن تفعل كذا وكذا.
هذه من العبارات التي تستمال بها قلوب الناس.
وأحياناً يقول الواحد: هذه أساليب مكشوفة، واحد أحياناً يقول: هذه كلمات رخيصة وأساليب ممزوجة، ومكشوفة، وما في داعي لاستخدامها.
الحقيقة أن هذا ليس بصحيح على إطلاقه.
قد يستخدم أحياناً مع بعض الناس مثلاً هذا الأسلوب، مثلاً: يا أخي أنت ما يتناسب مع مكانتك أن تفعل كذا، هو لو استخدم معه هذا الأسلوب يتأثر به تأثراً إيجابياً مع أنه يستخدمه، هذا يلاحظ الواحد أحياناً على نفسه، أحياناً يستخدم أساليب من هذا القبيل مع الناس، لكنه هو عندما يُطرى بمثل هذه الكلمات يتأثر، مع أنه يستخدمها هو بنفسه، فلذلك لا يقول الناصح: والله هذه أساليب مكشوفة، وخلاص هذه قضايا مستهلكة، لا، هذه أشياء حتى مع أن المنصوح يعرفها لكنها ذات أثر عليه.
ومن الأمور أيضاً المساعدة على تقبل النصيحة: إذا أردت أن تنصح فتكلم أولاً على نقاط الاتفاق حتى يصل المنصوح معك إلى نوع من الاستئناس يجعله مهيأ لتقبل النصيحة؛ مثلاً: أريد أكلم شخصاً عن منكر واقع فيه، لو أول ما كلمناه ذكرنا له المنكر مباشرة، أو الشيء الذي يخالفه فيه، يخالفه في الفكرة، يخالفه في التصور، واحد يحمل فكرة منكرة، أو تصوراً خاطئاً مثلاً: واحد متعصب لرجل من الرجال، لو أنا أتيت مباشرة وقلت له: التعصب مذموم، وأنت متعصب، وتأخذ بأقوال فلان من غير دليل، وترمي بأقوال الناس من الآخرين، ما عندك تمييز، وهذا.. وهذا، عرض نقطة الاختلاف مباشرة من الأمور التي تصد عن قبول النصيحة.
لكن لو عرضت نقاط الاتفاق في البداية يحس الشخص الآخر بأنه قريب منك جداً، فعندما تعرض نقطة الاختلاف فيما بعد يكون وقع العرض عليه واقعاً إيجابياً، أو على الأقل فيه مجال للتقبل، بخلاف لو عرضت نقطة الخلاف من البداية.
وهذا نستفيد منه حتى في المناقشات الفقهية والنصائح، في الأشياء التي فيها اختلاف في الأحكام.
هذه الأمور المهمة عندما أقول لشخص: يا أخي إن الله يقول: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال: 46]، لا يمكن أن يختلف معي في هذه المسألة.
يا أخي الله يقول: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65].
يا أخي إن الله يقول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36].
يا أخي هل أنت تتفق معي في أنه إذا صح الحديث عن الرسول ﷺ يجب أن المصير إليه؟ أن هذا الحديث عن الرسول ﷺ حجة؟
هذه نقاط الاتفاق تقرب كثيراً من وجهات النظر.
ومن الأمور المساعدة كذلك على تقبل النصيحة: معرفة الناس في مراتبهم وطبقاتهم، وقد أمر رسول الله ﷺ الصحابة أن ينزلوا الناس منازلهم، نصح الصغير ليس مثل نصح الكبير، الصغير أحياناً لو شديت عليه بالكلام يطيع، والرسول ﷺقال: واضربوهم عليها لعشر سنين [رواه أحمد: 6756، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"] لكن لا يمكن أن تضرب واحداً عمره عشرون سنة أو ثلاثون سنة للصلاة، لكن يمكن أن يؤثر الضرب في واحد عمره عشر سنوات، إحدى عشرة سنة، اثنا عشر سنة، يمكن أن يؤثر الضرب فيه، ويحمله على الصلاة.
فإذًا نصح الكبار ليس مثل نصح الصغار، ونصح أرباب المنزلة أو الجاه أو المال، ليس مثل نصح من ليس عنده هذه الأشياء، فإنزال الناس منازلهم، ومعرفة طبقاتهم، ومراتبهم، من الأمور المساعدة على تقبل النصيحة.
نصح المثقف ليس مثل نصح العامي، نصح الجاهل ليس مثل نصح المتعلم، وهكذا..
أيضاً من الأمور المساعدة على تقبل النصيحة: نقد الفكرة نفسها بدون التعرض لقائلها، نقد الفكرة تصويباً أو تخطيئاً من الأمور المؤثرة، بينما لو تعرضت للقائل فإن النفوس ستتجه من محبي هذا القائل إلى الدفاع عنه، فتخرج القضية عن كونها نصيحة في تعديل فكرة من الأفكار إلى كونها تجريح وتعديل فلان من الناس.
فإذًا، الناصح عندما ينصح يحاول أن ينقد الفكرة لا أن ينقد الشخص الذي ينقد الفكرة بالدرجة الأولى؛ لأن الناس إذا نقدت الأشخاص أمامهم، وفيهم حب لهؤلاء الأشخاص فإنهم يرفضون نصيحتك، لكنك لو عرضت الفكرة من غير أن تقول قال فلان، يمكن أن يستجيب، لكن إذا قلت: هذا من قول فلان، ولذلك فهو كذا وكذا فهو خطأ.
هذه النسبة إلى القائل من الأمور التي تحمل الشخص على رفض الفكرة.
الجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي اخترع الفكرة، فأحياناً يكون ذكر الاسم لتحذير الناس من رجل مبتدع أو منحرف انحرافاً خطيراً أو يخشى عليه من حب الرئاسة مثلاً، أو أن يتأثروا به تأثراً سلبياً يكون من الأمور المطلوبة.
كذلك لابد أن نعلم أن لكل نفس باب، وإليها طريق، فهذا يدخل له من باب الثناء ، وهذا يدخل إليه من باب العاطفة، وهذا يدخل إليه من باب التسلسل الفكري، وهذا يدخل إليه من باب التهديد والتخويف، وهذا يزعجه التطويل، ويحب الاختصار، وهذا يؤثر الشرح والبيان، وهكذا..
فالناس أنواع، وانتقاء الأسلوب المناسب لكل واحد منهم مطلوب، وأحياناً تكون عبارتان تؤديان نفس المعنى واحدة تجد لها مكانة في النفس، والأخرى تكون مرفوضة.
هذه قصة تروى عن أمير في الماضي رأى رؤيا فأتى بواحد من رعيته أو حاشيته لكي يعبرها له، فقال له: إن تعبير رؤياك أن أهلك سيموتون كلهم، فضربه وحبسه وطرده.
وعرض هذه الرؤيا على شخص آخر، فقال له: إن معنى هذه الرؤية أن الله سيطيل في عمرك حتى تكون آخر أهلك موتاً، فما الفرق في المعنى؟ المؤدى واحد، معناه أنهم سيموتون قبله، لكن الأول قال: هذا معناه أن أهلك كلهم يموتون، والثاني قال: معناها أنها ستطول بك الحياة حتى تكون آخر أهلك موتاً.
نفس المعنى، نفس المؤدى، لكن الأسلوب، الجملة، الكلمات، طريقة التعبير، اختلفت، فأكرمه وكافأه، وأثنى عليه.
لماذا حصل هذا هنا وهذا هنا؟
لاختلاف الأسلوب، قد تكون الكلمة أحياناً لها عكس معناها، ونفس الكلمة لها معنى ولها معنى معاكس، كيف نعرف هذا؟ باختلاف الأحوال والقرائن التي تقترن بها أثناء عرضها، مثلاً: إذا خرجت مع زميل لك من العمل آخر الدوام والناس مرهقين جداً، فمشيتما في الطريق، أو أوصلته بسيارتك إلى باب بيته، إذا نزل من الباب ماذا يقول؟ تفضل معنا.
تفضل أيش معناها؟ معناها مع السلامة، صحيح هذا معناه، ولذلك تجد من يريد أن يقطع الكلام يقول: تفضل، تفضل، فيقول الآخر: لا، شكراً مع السلامة.
لماذا يكون معنى تفضل أحياناً يقصد هذه الكلمة، وأحياناً يكون معنى تفضل مع السلامة؟ حسب الواقع إذا أنت طالع من الشغل، ومرهق وتعبان، ليس من المعقول أن يكون المقصود من الكلمة المعنى الحقيقي.
كذلك أحياناً واحد يتكلم، ويأتي آخر يريد أن يدخل في عرض الكلام، فيقول له: من غير ما أقطع كلامك، هو قطع كلامه، أحياناً يزورك واحد، وطالت الزيارة، وصاحب البيت يتململ، فذلك يريد أن يستأذن ، فيقوم صاحب البيت يجامل: استرح قليلاً، معناها بسرعة.
فإذًا الكلمات ينبغي فيها حسن الانتقاء، حتى يكون الأسلوب ناجحاً، هذه النصيحة مثل العرض، تعرض بضاعة، تعرض سلعة، لكن فيه فرق بين من يعرض السلع الدنيوية ومن يعرض السلع الأخروية، إذا هؤلاء أصحاب علم التسويق يزينون السلعة، ويحرصون حرصاً شديداً ودراسات حتى تظهر السلعة بأجمل منظر للمستهلك، فلماذا نحن الدعاة إلى الله المسؤولون عن هذا الإسلام، المكلفون من الله -تعالى- لنشر الدين، لا نستخدم فعلاً أساليب الجذب الشرعية لتسويق الفكرة الإسلامية بين الناس إن صح التعبير.
كذلك من عوامل نجاح النصيحة: اقترانها بالموعظة، الموعظة التي فيها تذكير بالله، وتذكير بالجنة والنار، وهكذا..
وهذه القضية لها نماذج كثيرة في عهد السلف -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم من صلحاء الناصحين والعلماء.
خطاب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز، وخطاب سفيان الثوري إلى هارون الرشيد، من النصائح المؤثرة جداً، وتجد فيها مواعظ كثيرة وتذكيراً بالله -عز وجل-، ولذلك ترى أثر خطاب سفيان الثوري على هارون الرشيد، وخطاب الحسن البصري على عمر بن عبد العزيز كان قوياً جداً، لاقتران هذه النصائح بالموعظة، وأنا أسوق لكم الآن نموذجاً واحداً من النصائح التي حصلت في بلاد الأندلس.
لما بنى عبد الرحمن الناصر مدينته الخالدة الزهراء في الأندلس تفنن في بنائها وجعلها من أعاجيب في العالم، وكان مما بناه فيها الصرح الممرد، اتخذ قبته قراميد من ذهب وفضة، حتى أنفق عليها من خزينة الدولة مالاً عظيماً، وكان في قرطبة عالمها الفقيه الجليل منذر بن سعيد قاضي الجماعة، فهاله انهماك الخليفة الناصر في بناء الزهراء، وما أنفقه من أموال الدولة عليها، وكان الناصر يحضر صلاة الجمعة في المسجد الجامع، ويستمع إلى خطبة قاضيه منذر بن سعيد، فوقف الخطيب يخطب الجمعة وكان مما بدأه في تقريع الناصر على إنفاقه للأموال، وانهماكه في بناء الزهراء، أن تلا قول الله –تعالى-: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: 128- 135].
ثم واصل ذلك بقول الله -تعالى-: مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى [النساء: 77].
ثم أخذ يذم تشييد البنيان والإسراف في الإنفاق حتى خشع القوم وبكوا وضجوا.
ثم التفت إلى الناصر، وقال له أمام الناس يومئذ: ما ظننت أن الشيطان -أخزاه الله- يبلغ بك هذا المبلغ. ما ظننت أن الشيطان يضحك عليك ويوصلك لهذه الدرجة، ولا أن تمكنه قيادتك هذا التمكين، تسلم قيادتك للشيطان، مع ما أتاك الله وفضلك به على العالمين، حتى أنزلك الله منازل الكافرين.
فاقشعر الناصر، وقال: انظر ماذا تقول، كيف أنزلتني منازلهم؟ فكر كيف تضعني منازل الكافرين، قال: نعم، أليس الله -تبارك وتعالى- يقول: وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ [الزخرف: 23- 34]، هذه لمن: لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ [الزخرف: 33 - 34] يعني مثل فعل هذا الرجل، فوجم الخليفة ونكس رأسه ملياً ودموعه تجري على لحيته خشوعاً لله -تبارك وتعالى-، وندم على ما فعل، ثم أقبل بعد انتهاء الخطبة والصلاة على قاضيه منذر بن سعيد، فقال له: جزاك الله -تعالى- يا قاضي خيراً عنا وعن المسلمين، وكثر في الناس أمثالك، فالذي قلت والله لهو الحق، وقام من مجلسه ذلك، وهو يستغفر الله، وأمر بأن ينقض سقف القبة، وأن تكون قراميدها تراباً.
فإذًا اقتران النصيحة بالموعظة، التذكير بالله -عز وجل-، ذكر الجنة والنار وعذاب القبر، الأشياء الإيمانية المؤثرة، التذكير بعظمة الله وصفاته من الأمور التي تجعل النصيحة ذات وقع على الناس، وتوجيهها إلى الكبار ونصحهم وهزهم بهذه الآيات له أثر كبير أيضاً.
هل يشترط أن تكون النصيحة شفوية؟
الآن مفهوم الكلام أنك تتكلم عن النصيحة، فقد يظن الناس أن النصيحة هي النصيحة الشفوية فقط، ولكن  كثيراً ما تكون النصيحة المكتوبة أجدى وأنفع من النصيحة الشفوية، مثل: ما وقع في خطاب الحسن البصري وسفيان الثوري -رحمهم الله تعالى-.
أحياناً تكون النصيحة عبارة عن شريط يحمل في طياته تبيين مسائل وتصورات ومفاهيم، وتبيين أخطاء ومنكرات، فيكون هذا الشريط من وسائل النصيحة المؤثرة، ويؤثر هذا كثيراً في حالات؛ منها: أن يكون بينك وبين المنصوح سوء تفاهم أو علاقات غير حسنة، فكونك تأتي وتكلمه شفوياً هذا قد يسبب نوعاً من الأخذ والعطاء والجدل والمراء في الموضوع، فعندما تكتب له كتابة، أو تعطيه مثلاً شريطاً يتضمن ما تريد أن تكلمه عنه، فإنه يزيل هذه السلبية، أو إذا كان الشخص أصلاً يماري ويجادل، من طبيعته المراء والجدال ولا يمكن يتكلم كلمتين وراء بعض إلا ويدخل بينهم بكلمة من عنده، ففي هذه الحالة يكون نصحه بطريق الكتابة إليه من الأمور المناسبة؛ لأنه غير معقول واحد يأتي له مثلاً خطاب، يقرأ سطرين ويرد عليهم، لا يمكن أن يفعل هذا، بل تجده يسترسل في القراءة إلى الأخير، فتأتيه الفكرة كاملة واضحة مستتمة، وهكذا..
بخلاف إذا أنت ناقشته بنفسك وتحول الموضوع إل جدل وأخذ وعطاء.
كذلك يكون استخدام هذا الأسلوب مناسباً أيضاً إذا ما كنت تريد أن يعرف المنصوح من الذي نصحه، أحياناً يكون ذكر الاسم فيه حساسية معينة، قد لا يقبل الشخص، إذا ما عرف اسمك يقبل وإذا عرف اسمك يمكن يؤثر، فعند ذلك يكون عدم ذكرك للاسم بطريق الكتابة من الأساليب الطيبة.
وهذه الأشياء يكون لها تأثيراً بإذن الله إذا أخلص الإنسان النية ولو بعد حين، فقد حدث مرة من المرات، هذه قصة واقعية: أن أحد الناس الذين هداهم الله -عز وجل-، كانت له أخت لا تتحجب، ليست ذات حجاب شرعي، فكان مسافراً على عجل فأهدى لها شريطاً عن الحجاب، وكان سفره طويلاً وبعيداً، ورجع بعد سنة، وجد أن أخته قد تحجبت، فسألها : سبق أن تكلمنا في هذا الموضوع تكراراً لكن ما هو السبب؟ فقالت: أتذكر ذلك الشريط الذي أهديتني إياه مرة من المرات، كان هو السبب المؤثر في نفسي فتحجبت.
وأحياناً  كما تقول الحكمة: وما السيل إلا اجتماع النقط.
ومن الأمور التي من المهم أن ننتبه إليها: لا يشترط في النصيحة المؤثرة أن هذه النصيحة الناجحة أن يبكي المنصوح، ولكن أن تتبين نجاح النصيحة من عدمها بالأثر الذي لاقته في نفس المنصوح.
فبعض الناس يظن إذا ما تأثر المنصوح وما بكى وما ذرفت عيناه بالدموع أنه ما تأثر، قد يكون أحياناً رجل يملك نفسه ويملك عاطفته، ولا يستجيش بسهولة وتنطلق منه العبرات ويتأثر، فإذًا التأثر الشكلي البكاء ليس من علامات النجاح، بل إن بعض الناس قد يبكي عند سماع نصيحة أو موعظة، ولكن إذا فارق المجلس انتهى كل شيء.
فالعبرة بالمادة التي تلقى والأسلوب الذي يلقى على نفس ذلك الشخص، فيتأثر بإذن الله.
كذلك ينبغي أن نعرف التوقيت الصحيح للنصيحة، وخصوصاً إذا كانت النصيحة تهدف إلى علاج الأخطاء.
فينبغي كما يقول بعض الكتاب الإسلاميين: أن لا تكون النصيحة بعد الخطأ بفترة طويلة، فينسى الشخص المخطئ خطأه، ويصبح التعليق بارداً جداً، لكنه لا بد من الضرب على الحديد وهو ساخن؛ لأن الحديد إذا كان ساخناً فإنه يسهل تشكله، فتأخير النصيحة على الأخطاء إلى أمد بعيد له عدة سلبيات؛ منها: إشعار المذنب بأن ما فعله كان صحيحاً، لماذا لم يعترض علي؟ إذا تأخرت النصيحة عن الخطأ فترة طويلة فإن الشخص يطمئن إلى واقعه، ويرضى بالواقع، ويقول: لو كان خطأ كان اعترضوا علي.
ثانياً: إذا جاءت النصيحة متأخرة يكون في نفس المنصوح شيء من الشيطان، ما الذي دفع الناصح الآن لينصح، الآن بعد الفترة هذه؟ هذا أكيد حاجة شخصية، أكيد دافع شخصي، لماذا الآن تأخر حتى الآن وجاء يبلغ النصيحة عن الموضوع؟ أكيد حاجة شخصية، لو كان أصلاً يبغى ينبه كان من أول نبهني، لكن الآن الظاهر بعدما صارت هذه المشكلة بيني وبينه جالس يتصيد الأخطاء، ويفكر في الماضي، فطلع لي الآن مجموعة النصائح.
ثالثاً: برود الحدث وعدم وجود القابل النفسي للاستجابة.
هذه بعض السلبيات التي تترتب على تأخير النصيحة عن الأخطاء.
ولكن قد يكون من المصلحة أحياناً التأخير، خاصة إذا كانت نفس المنصوح أو المخطئ مضطربة جداً، بحيث أنه لا يقبل الآن أي كلام، فتأخير النصيحة حتى تهدأ نفسه وتستقر أموره وتتضح المواقف من الأشياء المهمة.
أخيراً -أيها الإخوة-: المؤمن مرآة أخيه [رواه البخاري في الأدب المفرد: 238، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 177] كما يقول الرسول ﷺ، وصديقك من صدقك، لا لمن صدقك، صديقك من صدقك، أعطاك الصدق في نفسك، لا من صدقك، الذي كل ما قلت كلاماً يقول: صادق.
الحرص من المنصوح على النصيحة أمر مهم؛ لأن العين كما قال الشاعر:
فالعين تصبر منها ما دنا ونأى *** ولا ترى نفسها إلا بمرآة
الواحد ينطر إلى الذي أمامه والبعيد، يراها في الآخرين لكنه لا يرى نفسه إلا بمرآة، حقيقة، ولذلك انظر إلى بلاغة الوصف النبوي عندما قال النبي ﷺ قال: المؤمن مرآة أخيه  لماذا كان مرآة؟ لأنه يعكس له صورته، ويعكس له عيوبه، ومحاسنة بالنصائح، قال عمر بن عبد العزيز: "من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه".
وقال بعضهم: "من نصحك فقد أحبك، ومن داهنك فقد غشك، ومن لا يقبل بنصحك فليس بأخ لك".
أمور ينبغي توفرها في المنصوح
01:05:15
 من الأمور المهمة للمنصوح: أن يبحث عن الناصح، يأخذ إخوانه المقربين والناس الذين حوله يسألهم، يا أخي فلان ماذا تجد علي؟ هل تجد عندي عيوب؟ بصرني بعيوبي، هل لك ملاحظات؟
إذًا طلب النصيحة، وعلى ذلك يدل قول الرسول ﷺ: وإذا استنصحك [رواه مسلم: 2162] زيادة الألف والسين والتاء ماذا تفيد في اللغة العربية؟ معنى الطلب، استنصحك طلب النصيحة، استكتب طلب الكتابة، استشار طلب المشورة، وهكذا..
 وإذا استنصحك  فمن صفات المؤمن: أنه يطلب النصيحة من الآخرين، هذا من أول واجبات المنصوح أنه يبحث عن الناصح الأمين.
ثانياً: يطلب النصيحة، هو الذي يطلب النصيحة، ما ينتظر الناس يأتون وينصحونه، نحن نطلب النصيحة، كل واحدة فينا يطلب النصيحة من الآخرين فإن الأخطاء تقل إلى درجات متدنية جداً.
ثالثاً: تقبل النصيحة، من الأمور المهمة، بل هو عماد القضية كلها تقبل النصيحة، أساس المسألة كلها تقبل النصيحة، موسى -عليه السلام- لما جاء رجل قال له:إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص: 20]،  فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ  [القصص: 20]، ماذا فعل موسى -عليه السلام-؟
 فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ  [القصص: 21]، مباشرة، ما قال: والله أنا أقدر أدبر أموري، وأنا أقدر أدبر نفسي، وأستطيع أن أختفي، وأنا ماهر، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص: 21]؛ لأن ذلك الرجل كان قد اطلع على أحوال القوم، وتبصر بالأمور التي لم يعرفها موسى -عليه السلام- فلذلك قال: فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص: 20 - 21]، بادر بتنفيذ النصيحة فوراً.
وبعض الناس المنصوحين يتقبلون النصيحة بالقول، يعني: جزاك الله خيراً، وما قصرت، وأنا مخطئ، إلخ..، وصحيح كلامك، لكن عملياً لا يطبق، هذه هي المشكلة، والرسول ﷺ أمرنا أن نبحث عن الناصح حتى في الأشياء التي قد تبدو ليست ذات أهمية، فالرسول ﷺ قال في الرؤيا، إذا رأى الإنسان رؤية في المنام: أن لا يقصها إلا على واد أو ناصح أو ذو علم.
لماذا يقص الرؤيا على الناصح؟
حتى لا يؤول له الرؤيا بتأويل سيء فتقع كما أخبر؛ لأنه يقول الرسول ﷺ: الرؤيا على رجل طائر، ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت [رواه أبو داود: 5020، وابن ماجه: 3914، وأحمد: 16182، وصححه الألباني في الصحيحة: 120] حسب الذي يعبرها، فإن عبرها بسوء وقعت كما أخبر، وإن عبرها بشيء طيب وقعت كما يقول، هذا من العجائب التي أخبر بها الرسول ﷺ.
فإذاً، إذا رأيت رؤيا فلا تقصها إلا على من بينك وبينه مودة، أو ناصح، أو واحد عنده علم، يفسر لك الأمور، فيطلب الناصح حتى في تفسير الرؤيا.
هناك قصة مهمة جداً لكن لن نستعرضها الآن وإنما سنشير إشارة، مرة في موسم الحج كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع الناس، قام واحد من الناس قال: والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، والله لئن مات عمر لأبايع فلاناً أو فلاناً، واحد جاء قام من هؤلاء الناس الجهلة الذي لا يعرفون الأمور، قال: بيعة أبي بكر فلتة لا على أساس ولا على شيء، لكن صارت كذا، وترى لو مات عمر فأنا سأبايع فلاناً وفلاناً.
عمر -رضي الله عنه- غضب غضباً شديداً لما بلغه الكلام، وهم أن يقوم وينصح ويكلم الناس، ويأمر، ويؤنب هذا الشخص على فعلته، ويبين القضية، لأن القضية خطيرة، هذا جاء يقول للمسلمين الآن ترى كل واد يبايع الذي يريده ترى المسألة مفلوتة، هم عمر أن يقوم فجاءه عبد الرحمن بن عوف، قال: يا أمير المؤمنين انتظر، يا خليفة انتظر حتى تقدم المدينة فإن فيها من أصحاب الرسول ﷺ وعلماء الناس وفقهاءهم من إذا سمع الكلام أداه كما سمعه وعرفه وفهمه، أما الآن الناس هنا في الجح فيهم من العوام والطغام، والناس الجهلة الذين يحملون الأمر على غير محمله انتظر حتى تقدم المدينة.
فأخذ عمر -رضي الله عنه- بنصيحة عبد الرحمن، وانتظر حتى قدم المدينة يتكلم فكان بكلامه وقع طيب، وأثر كبير على الناس، والقصة في الصحيح.
ولعلنا نقف عندها وقفات في المستقبل -إن شاء الله-.
كذلك ، كان عمر -رضي الله عنه- يوما مع أصحابه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين اتق الله، فقال بعض الحاضرين لذلك الرجل: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ يعني: أمير المؤمنين يقال له: اتق الله؟ فقال عمر: دعوه فليقلها "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها" عبارة ذهبية.
فإذًا، لا يستهين للإنسان أن ينصح من هو أعلى منه، ولا يستهين المنصوح الكبير أن يطلب النصيحة ممن هو أدنى منه، فرب طالب علم أسدى لعالم نصيحة غالية، ورب مرب تلقى نصيحة ممن يربيه وأب تلقى نصيحة من ابنه لا تقدر بثمن، فإن بعض أذهان الناصحين قد تنقدح على أمور لا تخطر ببال المنصوح أبداً، حتى لو كان أعلى قدراً وأجل وأعلم.
فلذلك لا يحمل المنصوح الأعلى منزلة ومرتبة أن يطلب النصيحة ممن هو أدنى منه.
شبهة والرد عليها
01:11:58
 بعض الناس المنصوحين يقول: إذا أنا قبلت كلام فلان فهذا يعتبر مطعن في شخصيتي، لماذا؟
يقول: هذا يدل على ضعف شخصية، أنه جاء فلان كلمني وأنا على طول نفذت كلامه، يعني: أنا ما عندي شخصية.
هذا على العكس تماماً، ليعلم كل منصوح بأنه إذا قبل النصيحة فإنه سيكون له في نفس ناصحه مكانة عظيمة، يقول الشافعي -رحمه الله-: "ما نصحت أحداً فقبل مني إلا هبته" خفت منه، هبته، عظم في عيني، "واعتقدت مودته، ولا رد علي أحد النصح إلا سقط من عيني ورفضته".
فإذاً يكون صدر المنصوح واسعاً، ويتقبل، خصوصاً الناس الذين يصلون في المساجد، وينصحون من بعض المصليين، تجد الواحد أحياناً تأخذه العزة بالإثم، ويرفض النصيحة، ويقول: أنت أفهم مني؟ وأنت .. هذا دين جديد، وأنت مبتدع، إلى آخره.. بدون أن يقيس ويعرف الكلام وأدلة الكلام.
كذلك من آداب المنصوح: أن يتيح الفرصة للناصح لإبداء النصيحة، ويشجعه لإكمال كلامه، واستفراغ المزيد مما عنده؛ لأنك تجد أحياناً المنصوح يقطع الكلام على الناصح، من الآداب أن يستزيد ويستفرغ ما عند الناصح، ويشجعه على إتمام النصيحة، ويشعره بأنه غير متحرج أبداً، وأن هذا لا يعتبره نقداً ولا تجريحاً، وأنه يطلب منه أن يكمل كلامه.
كذلك من آداب المنصوح: أن يدعو للناصح بظهر الغيب، وأن يقول له: جزاك الله خيراً؛ لأن الله قال: هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: 60]، هذا يحسن إليك بالنصيحة فأنت أحسن إليه، من صنع لأخيه معروفاً فقال له: جزاك الله خيراً فقد أجزل في العطاء .
فإذًا، هذا المنصوح إذا سمع النصيحة يقول الناصح: يا أخي جزاك الله خيراً، وواجبك أديته، وأنت مثاب إن شاء الله، وأنت مأجور على نصيحتك، وهكذا..
هذه طائفة من النقاط المتعلقة بالنصيحة.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
استماع القول واتباع أحسنه من صفات المؤمنين، فنسأل الله أن يجعلنا كذلك.
وصلى الله على نبينا محمد.