الاثنين 10 ربيع الآخر 1440 هـ :: 17 ديسمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

النصيحة المؤثرة - المحاضرة الأولى


عناصر المادة
المقدمة:
تعريف النصيحة
أهمية النصيحة
حقيقة النصيحة وماهيتها
أثر النصيحة في المجتمع
حكم النصيحة
مجالات النصيحة
شبهة في النصيحة والرد عليها
موانع قبول النصيحة
الفرق بين النصيحة والتشهير والتأنيب
أشكال وصور التشهير في النصيحة
اختلاط النصيحة بالغيبة
شروط الناصح وآدابه
آفات تعتري بعض الناصحين
المقدمة:
00:00:06
 الحمد لله الذي لا إله إلا هو، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، أحمده سبحانه وتعالى وأثني عليه الثناء الجميل، مما له عز وجل، وصلى الله وبارك على محمد عبد الله ورسوله، الداعي إلى صراط الله المستقيم الذي أرسله الله رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، فأدى رسالة الله -تعالى-، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
موضوعنا موضوع مهم، ويكفي في التدليل على أهميته: حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: الدين النصيحة  [رواه مسلم: 55] يعرف رسول الله ﷺ الدين بأنه: النصيحة.
وهذا الموضوع يتكون من ثلاثة أركان، أو الكلام فيه ينقسم إلى ثلاث شعب، فالكلام على الناصح، والكلام عن المنصوح، والكلام عن النصيحة؛ لأن أركان هذا الموضوع ثلاثة: ناصح، ومنصوح، ونصيحة.
وهذا الموضوع يطول الكلام عنه جداً، ولذلك فقد قسمته إلى نصفين، سنتكلم -إن شاء الله- عن النصف الأول، ونكمل النصف الثاني -إن شاء الله- في محاضرة أخرى.
وقبل أن نبدأ في الكلام عن الأركان الثلاثة لهذا الموضوع، فلا بد من مقدمة يكون فيها تعريف النصيحة وأهميتها ومجالاتها، فأقول وبالله التوفيق وأسأله سبحانه وتعالى أن يقينا الزلل، وأن يجنبنا الباطل، والوقوع فيه.
تعريف النصيحة 
00:02:35
 كلمة "نصيحة" مأخوذة من الفعل العربي: "نصح".
قال ابن منظور -رحمه الله- في لسان العرب: "نصح" أي: خلص، والناصح أي الخالص من العسل وغيره.
العسل إذا كان صافياً يسمى: ناصحاً، يعني: خالصاً.
ويقال: نصحًا ونصيحة في المصدر، وتقول: نصحت فلاناً ونصحت له.
تقول: نصحته ونصحت له، ونصحت له أفصح؛ لأن القرآن ورد بها، فقال عز وجل عن نبيه نوح -عليه السلام-: وَأَنصَحُ لَكُمْ [الأعراف: 62].
وإذا قال: انتصح فلاناً، يعني: قبل النصيحة.
وقال ابن حجر -رحمه الله-: النصح هو تخليص الشيء من الشوائب والغش، فكأنه شبه الناصح بأنه يخلص المنصوح من الغش، ويخلصه من الشوائب التي علقت به وبحاله، كما يخلص العسل من الشمع والشوائب، ومنه قول الله -عز وجل-:  تَوْبَةً نَّصُوحًا [التحريم: 8].
ما هي التوبة النصوح؟
هي التوبة الخالصة من شوائب الرياء والذنوب والإصرار وعدم الندم.
فهذه التوبة النصوح من هذا الباب.
والنصح هو الخياطة أيضا، والمنصحة هي الإبرة، والمعنى أن الإنسان يلم شعث أخيه، يلم ما ظهر من أخيه من عيوب بالنصيحة، كما أن الإبرة تلم الثوب المهترئ الذي يراد رتقه، فتأتي هذه الإبرة، فتلم شعث هذا الثوب، فكذلك الناصح يلم شعث أخيه، وما ظهر منه من العيوب.
فهذا تعريف النصيحة في اللغة.
وأما تعريفها في الشرع.
فقال ابن الأثير -رحمه الله-: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة، وهي إرادة الخير للمنصوح له [النهاية: 5/63].
فهي إذًا -أيها الإخوة- هذه الكلمة تعبر عن إرادة الخير للمنصوح له، وقال ابن الأثير -رحمه الله-: فلا يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة غير كلمة: النصيحة [ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: 5/63] يعني: بلغ من جماع هذه الكلمة وبلاغتها أنه لا يمكن التعبير عن هذا المعنى بكلمة واحدة إلا كلمة: النصيحة.
أهمية النصيحة 
00:05:54
 وقد جاءت في القرآن الكريم بصيغ شتى، جاءت بصيغة الفعل، وجاءت بصيغة الاسم والمصدر، فمن ذلك أن الله ذكر هوداً -عليه السلام- بصيغة الوصف فقال: وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ  [الأعراف: 68]، "ناصح" صيغة الوصف.
وذكر نوحاً -عليه السلام- بصيغة الفعل فقال عز وجل عن نوح -عليه السلام-: وَأَنصَحُ لَكُمْ [الأعراف: 62]، "أنصح" فعل.
الفعل يدل على تكرار لحدوث، لما تقول: "أنصح"، يعني: أستمر في النصيحة نصيحة بعد نصيحة.
نحن نعلم من سير الأنبياء إذا قارنا بين نوح وهود من كان أكثر نصحاً لقومه في التكرار؟ من كان يكرر أكثر؟
نوح، فلذلك جاء التعبير عن دعوة نوح ونصيحته لقومه بالفعل الدال على تكرار الحدوث، بينما جاء عن هود -عليه السلام- بالمصدر الدال على حدوثه حيناً بعد حين، وفترة بعد فترة.
وهذه المسألة هي من الأهمية بمكان، فإن الله -عز وجل- أبلغنا أن النصيحة وظيفة الرسل، فقال عن نوح -عليه السلام-:  أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  [الأعراف: 62].
وظيفة نوح والرسل هي النصيحة، بدليل هذه الآية.
وكيف استطاع إبليس -لعنه الله- أن يخدع أبانا آدم وأمنا حواء بطريق بالنصيحة.
ما هو الدليل؟  وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 21] يعني: كيف دخل إبليس على آدم وحواء؟ من طريق النصيحة، قال لهم: أنا ناصح، أنا أرغب في النصيحة، هذه  شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى [طـه: 120]، أنا ناصح، فما انزلقا وتبعاه إلا بعد أن قاسمهما  إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 21]، فانظر إلى عمق القضية.
وكذلك كيف اقتنع فرعون ومن معه في بيته، بأن تأتي أخت موسى لهم بأمه، إلا بعد ما دخلت عليهم الأخت من باب النصيحة، أن هذه المرأة التي ستأتي بها ناصحة، فقالت أخت موسى لهؤلاء الناس لما عجزت امرأة عن إرضاع موسى -عليه السلام- فجلس يتلوى ويبكي، قالت لهم:فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ  [القصص: 12] فعند ذلك اقتنعوا ووافقوا وأوتي بأم موسى فصارت ترضع ابنها وتأخذ الأجر.
وجعل الله النصيحة حيلة العجزة، وعذر القاعدين للضرورة، ورافعة للحرج عنهم في حال قعودهم، الناس الذين لا يستطيعون الجهاد لأي سبب لمرض أو شيخوخة، جعل الله -عز وجل- النصيحة عذراً لهم في القعود، إذا قعدوا ما عليهم حرج بشرط أن ينصحوه، فقال تعالى: لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: 91] ما عليهم حرج في حالة ماذا؟  إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  [التوبة: 91].
وعن أبي رقية تميم بن أوس الداري، وتميم بن أوس الداري صحابي جليل كني بابنته لأنه لم يكن له غيرها رقية، قال رسول الله ﷺ: الدين النصيحة ، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ورسوله، وأئمة المسلمين وعامتهم  [رواه مسلم: 55].
الرسول ﷺ عظم النصيحة فجعلها هي الدين، لماذا؟
لعظمها، فقال رسول الله ﷺ: الدين النصيحة  عرف الدين بأنه نصيحة؛ لأن النصيحة هي جُل الدين، كما أن الرسول ﷺ قال: الحج عرفة [رواه الترمذي: 889، والنسائي: 3016، وابن ماجه: 3015] هل الحج كله عرفة؟ لا، لكن لعظم عرفة في الحج وهي أعظم ركن في الحج، فقال:  الحج عرفة ، فكذلك هنا قال:  الدين النصيحة .
حقيقة النصيحة وماهيتها 
00:11:25
 فإن قلت: ما معنى قول رسول الله ﷺ لما سأله الصحابة لمن يا رسول الله النصيحة؟ قال: لله  كيف تكون النصيحة لله؟
قد يقول بعض الناس: هل يحتاج الله إلى نصح؟ كيف ينصح العبد ربه؟
فنقول: إن الله -تعالى- لا يحتاج إلى نصح، بمعنى المفهوم المتبادر للذهن عند كثير من الناس.
ولكن كما قال العلماء: النصيحة لله تكون بالإيمان به إيماناً كاملاً بأسمائه وصفاته من غير التعرض لها بأي نوع من أنواع التحريف أو التعطيل أو التشبيه، وطاعة أوامر الله -عز وجل-، والانتهاء عما نهى عنه، وتعظيم حرماته، وهكذا.. هذه هي نصيحة العبد لربه.
فإن قلت: وما نصيحة العبد لرسول الله ﷺ؟
فأقول لك كما قال أهل العلم في شروح الحديث: يعني: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتعظيم حقوق الرسول ﷺ، والإحسان إلى أهل بيته، وإلى ذريته، والقيام بسنته، والذب عنها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وهكذا..، ونشر السنة بين الناس هذه هي نصيحة المؤمن لرسوله ﷺ.
فإن قلت: فما معنى قوله ﷺ: ولكتابه ، قلنا: لمن يا رسول الله، قال: ولكتابه ؟ كيف تكون النصيحة للقرآن؟
النصيحة للقرآن هي الإيمان بأنه كلام الله -تعالى- منزل غير مخلوق، والإيمان بمحكمه ومتشابهة، والعمل بالمحكم، وتطبيقه في الواقع، وتلاوته حق التلاوة، وهكذا.. هذه هي النصيحة للقرآن.
أما النصيحة لأئمة المسلمين فإن كانوا أبراراً يتقون الله -عز وجل- فإن نصحهم بطاعتهم، واتباعهم، وتأييدهم، ونصرتهم، والجهاد معهم، والقيام بحقوقهم، وعدم شق عصا الطاعة عليهم، وهكذا..
والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم وتعليمهم وتفقيههم بأمور دينهم، وهكذا..
فانظر -رحمك الله- كيف جمع هذا الحديث أمور الدين كله.
والآن تعلم كيف كان الدين النصيحة، بهذا الحديث،  الدين النصيحة  عرفنا الآن كيف صار الدين كله عبارة عن نصيحة.
أثر النصيحة في المجتمع 
00:14:22
  
أثر النصيحة في المجتمع الإسلامي أثر عظيم جداً، فإنها أولاً تسقط الواجب عن القائم بالنصيحة؛ لأن النصيحة واجبة، فإذا قام الإنسان بها فقد سقط الواجب عنه، وكذلك فيها تحقيق معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء من النصيحة.
وكذلك تنظيف المجتمع من المحرمات والمنكرات والسلبيات والموبقات هذه كلها من نتائج النصيحة.
والقيام بحقوق الأخوة الإسلامية لا يتحقق إلا إذا قمنا بواجب النصيحة، فإذًا النصيحة مهمة.
والنصيحة من جهة تعبر عن تكامل المجتمع المسلم، فهي مظهر من مظاهر المجتمع المسلم.
الآن عندما نقول أن المجتمع المسلم مجتمع عظيم.
وعندما نقارن بين المجتمع المسلم والمجتمعات الأخرى تبرز النصيحة معلماً بارزاً من المعالم المجتمع الإسلامي، دلونا على أي مجتمع يطبق النصيحة؟ بالعكس تلقى المجتمعات الأخرى غير الإسلامية مجتمعات أنانية، ما أحد ينصح أحداً، ولا أحد يعلم أحداً، وإذا واحد عرف مصلحة في أمر كتمها وأخفاها وصار انتهازياً ينتفع هو منها ويخفيها عن الآخرين.
ولا أحد يصلح خطأ أحد، ودعوى الحرية الشخصية ماشية في تلك المجتمعات، ولا أحد ينكر على أحد أي شيء؛ لأن كل واحد حر في نفسه، ولهذا استشرى الفساد وعم في المجتمعات الأخرى.
أما المجتمع الإسلامي من أهم مميزاته وعناصر تكوينه وبروزه وثباته واستمراريته: النصيحة.
الآن تصور معي لو طبقنا النصيحة تطبيقاً صحيحاً كيف يكون هناك منكر في المجتمع، لو طبقنا النصيحة تطبيقاً صحيحاً كيف يتخلف المسلمون؟ لا يمكن، فما وقع الآن من تقصير وإهمال في النصيحة أدى إلى هذا التخلف الذي عليه المسلمون.
والنصيحة لا تنطلق إلا بشعور بالمسؤولية، متى فرط المسلمون بالنصيحة؟
لما فقدوا الشعور بالمسؤولية.
متى يكون عندك الدافع لتنصح؟
لما تشعر بالمسؤولية عن أفراد المجتمع، وتشعر بالمسؤولية عن حقوق الله -عز وجل- التي فرضها عليك عندئذ تقوم وتنصح.
إذا ما عندك شعور بالمسؤولية لن تنصح.
ولذلك الناس الذين لا يشتغلون بالدعوة ولا بالنصح شعورهم بالمسؤولية ميت، لذلك لا يقومون بحقوق النصيحة.
وانظر معي إلى هذا الحديث العظيم الصحيح، عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم" [رواه البخاري: 57، ومسلم: 56]، وزاد مسلم في صحيحه: "على السمع والطاعة فيما استطعت، والنصح لكل مسلم"[رواه مسلم: 56] فصار رسول الله ﷺ بايع جرير بن عبد الله، وجرير بن عبد الله كان من سادات قومه، كبيراً فيهم، جاء إلى الرسول ﷺ فبايعه، الرسول ﷺ بايعه على السمع والطاعة، وهذا شيء عظيم جداً، والصلاة، وإيتاء الزكاة، أركان الدين، والنصح لكل مسلم.
اشترط الرسول ﷺ في البيعة النصح، لماذا اشترط النصح في البيعة؟
لأهميته، وقرنه بالسمع والطاعة والصلاة والزكاة، قرن النصيحة مع هذه الأشياء دلالة على عظمها، ولذلك كان جرير بن عبد الله قد انتصح نصحاً عظيماً من هذه البيعة، قام بواجب النصيحة على أتم وجه، فكان يكثر النصح كما أشار شراح السير في ترجمة جرير بن عبد الله راوي هذا الحديث أنه كان يكثر النصح جداً، ويبذل النصيحة لكل أحد، حتى في البيع والشراء، حتى قيل: إن غلامه اشترى له فرساً بثلاث مائة درهم، فذهب جرير بن عبد الله إلى البائع، وقال له: إن فرسك خير من ثلاث مائة، فرسك يسوى أكثر من ثلاث مائة درهم، فجعل يزيده حتى بلغ به ثمان مائة درهم، جعل يزيده في السعر يعطيه يقول له: خذ حتى ترضى، ثمان مائة درهم.
ووقع في صحيح البخاري جزء من حديث، وخطب جرير فقال: "أما بعد: فإني أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- قلت: أبايعك على الإسلام فاشترط علي والنصح لكل مسلم" فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد" جرير كان يخطب على المنبر، "ورب هذا المسجد إني لناصح لكم" ثم استغفر الله ونزل [رواه البخاري: 58].
حكم النصيحة 
00:20:07
 فإن أردنا أن نعرف ما حكم النصيحة؟ لما قال رسول الله ﷺ: حق المسلم على المسلم ست ، ماذا ذكر منها؟  وإذا استنصحك فانصحه [رواه مسلم: 2162]،  فانصحه  أمر، ضع هذه الصيغة صيغة الأمر التي تدل على الوجوب أصلاً، وزد عليها كلمة: حق  في بداية الحديث: حق المسلم على المسلم ، والحق كما ذكر ابن حجر -رحمه الله-: لا بد أن يودى، فرجح ابن حجر -رحمه الله- أن النصيحة واجبة، أولاً: لأن الأمر يقتضي الوجوب. ثانياً: لأن الكلمة كلمة:  حق  يعني لا بد أن يؤدي لأنه حق.
وقال في دليل الفالحين: حكمها الوجوب على قدر الحاجة إذا أمن على نفسه [ينظر: دليل الفالحين: 2/462].
وقال ابن حجر -رحمه الله-: هل ينصح للكافر؟ يعني هل النصيحة فقط للمسلم وإلا ينصح للكافر، فقال: ينصح للكافر؟ نعم بدعوته إلى الإسلام، هذه نصيحة الكافر، ويشار عليه بالصواب إذا استشار، لو أتاك كافر، وقال لك: أشتري سيارة كذا وإلا كذا؟
فيشار عليه للصواب، من عموم النصيحة يشار عليه بالصواب.
-طبعاً- من باب دعوته إلى الله -عز وجل-، وتأليف قلبه فيما لا يترتب عليه ضرر بالمسلمين، وهذا الشرط واضح.
مجالات النصيحة 
00:21:48
 وهنا يقودنا الحديث إلى الكلام عن مجالات النصيحة.
الآن فهمنا من الكلام السابق: أن النصيحة في الدين، يعني يأتي واحد ينصحك يقول لك: يا فلان مثلاً اتق الله، هذا منكر، هذا لا يجوز، أو يا أخي أدلك على باب من أبواب الخير لو تطبع الكتاب الفلاني، أو مثلاً لو تبني مسجداً في هذا المكان، لو تتصدق بكذا وكذا أنت ميسور الحال، وهكذا.. هذه نصائح في الدين.
هل النصائح فقط في الأشياء الشرعية أم أنها تتعدى إلى أكثر من هذا؟
الحقيقة أنها تتعدى إلى أكثر من هذا، فمن النصيحة للمسلم بالإضافة لما ذكر سابقاً: نصيحة المسلم بالأخطار التي تحيق به، إذا أحسست بأن أخاك المسلم في خطر فعليك أن تنصحه فوراً، وتنبهه على هذه الأخطار المحدقة به، وكيف السبيل إلى النجاة منها، الدليل: وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى [القصص: 20]، من آخر المدينة مع طول المسافة يسعى يشتد في المشي: قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص: 20].
فالنصيحة هنا ماذا ترتب عليها؟ وماذا تطلبت من هذا المؤمن الذي كان يخفي إيمانه لما علم بالمؤامرة وبالتخطيط لقتل موسى؟ ماذا استشعر هذا المسلم الذي يخفي إيمانه من واجب النصيحة؟
أن يأتي من أقصى المدينة مع طول المسافة، ويشتد ويسعى في المشي حتى يأتي إلى موسى وينبهه إلى الخطر، يقول له: انتبه احذر  إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ [القصص: 20]، أولاً: دله على الخطر، ثانياً: دله على السبيل، فاخرج من هذه المدينة، لا تختبئ؛ لأنهم سوف يبحثون عنك ويمسكوك، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص: 20]،  فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ  [القصص: 21]، وخرج إلى مدين، إلى نهاية القصة.
فانظر إلى الفقه العظيم الذي فقهه أولئك المؤمنون الأوائل من هذه القضية.
وكذلك يدخل في مسالة النصيحة: نصيحتك لأخيك المسلم بجميع الأمور الدنيوية، يريد يشتري سيارة ويستشيرك، فتشير عليه بالصواب، يريد يشتري بيتاً في أي موقع، تشير عليه بالصواب، هل هذا الثمن معقولاً أو غير معقول؟ تنصحه، أنا أريد الزواج من فلانة، من بيت فلان كيف هذا فلان؟ تنصحه، وهكذا..
الوظيفة هذه أدخل أو ما أدخل، أسابق على الوظيفة الفلانية أو ما أسابق، وهكذا..، أشتري السلعة الفلانية وإلا ما أشتري.
إذًا المسالة واسعة وكبيرة جداً، ولذلك يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح في صحيح الجامع: ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه [رواه أبو داود: 3657، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح: 45]  ومن أشار على أخيه المسلم بأمر  واحد قال: أنا أشير عليك يا فلان أنك مثلاً تستثمر أموالك في المشروع الفلاني  وهو يعلم أن الرشد في غيره  هو يعلم أن الصحيح، أو أكثر ربحاً وأنفع أن يستثمر في مكان آخر، فقد خانه، والخيانة عظيمة.
فإذاً، المسألة واسعة.
نكتفي بهذا الكلام عن مجالات النصيحة.
شبهة في النصيحة والرد عليها 
00:25:55
 وهنا تبرز شبهة، مررنا بها سريعاً في كلامنا سابقاً، ولكن لا بد من إلقاء بعض الضوء عليها، يقول كثير من الناس: إن النصيحة تدخل في الحريات الشخصية، ما دخلك يا فلان تطرق بابي؟ وإلا تجي تمسكني مثلاً في المسجد، وإلا بعد الصلاة، وإلا وأنا في الطريق، أو في الوظيفة، وتقول لي: يا فلان اتق الله، لا تفعل كذا، هذا لا يجوز، هذه حياتك فيها الأمر الفلاني خطأ، بيتك فيه الأمر الفلاني خطأ، شخصيتك فيها الأمر الفلاني خطأ كذا وكذا، تصورك في القضية الفلانية ما هو صحيح؟ فيأتي هذا ويقول: أنت ما دخلك؟ حياتي أنا حر فيها، وبيتي أنا حر فيه، وشخصيتي أنا حر فيها، وأخلاقي أنا حر فيها، أنا حر في تصوراتي؟
فهنا نقول: إن الحرية الشخصية مكفولة والحمد لله في الإسلام، وإلا لماذا جعل القصاص في الإسلام، ولماذا جعل حد السرقة، ولماذا جعل حد القذف، لو واحد قال للثاني: يا زاني وذاك بريء يجلد ثمانين جلدة حد القذف، هذا القذف يجلد عليه، لماذا؟ هذا من باب احترام وإرساء قواعد الحرية الشخصية في النظام الإسلامي.
الإسلام يريد من المسلم أن يكون إنساناً حراً مكفول الحرية لا أحد يستطيع أن يعتدي عليه.
لكن هل يرضى الإسلام أن ينطلق الناس في حرياتهم الشخصية، فيتجاوزون الحدود، ويقعون في المحرمات، ويعصون الله -تعالى-، وينتهك كل واحد حرمات الآخر، ويتلاعب كل واحد على الثاني، وتهدم البيوت بهذه المنكرات بحجة الحرية الشخصية؟
كلا، ولذلك فإذا كان واحد مقيماً على منكر، وقال: أنا حر في نفسي؟
نقول له: هذه ليست حرية، وإنما هذه عبودية، عبودية لأي شيء؟ للأهواء؛ لأن هذا يتبع هواه، وصار عبداً لهواه، ما صار حراً.
وقد ذكرنا في خطبة الجمعة الماضية كلاماً عن هذه القضية، وسنذكر -إن شاء الله- في خطبة الجمعة القادمة الكلام على الحديث الذي يحتج به كثير من الناس في هذه النقطة، وهو  من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه [رواه الترمذي: 2317، وابن ماجه: 3976، وأحمد: 1732، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 4839] فسنتكلم -إن شاء الله- عن هذا الحديث في خطبة الجمعة القادمة.
موانع قبول النصيحة 
00:29:00
 سؤال: لماذا لا يقبل الناس النصيحة؟
بعضهم لا يقبلون النصيحة لهوى، كما ذكرنا قبل قليل، وادعاء الحرية الشخصية، والكلام الفاضي هذا.
هل هناك أسباب تمنع الناس من قبول النصيحة؟
هناك أسباب كثيرة، ولكن منها: أن الناصح لم يحسن في عرض النصيحة، ويواجههم مواجهة عنيفة بأسلوبه الحاد، فيسبب عدم قبول النصيحة.
فإذًا، المسألة تعتمد على شخصية الناصح، وعلى الأسلوب والطريقة التي ينتهجها لإيصال النصيحة.
فإذًا، لا بد من استعراض هذه الأشياء والتركيز عليها.
أحياناً يأتي واحد يؤلف كتاباً وينشر الكتاب، فيأتي واحد يرد على أشياء في هذا الكتاب وعلى أشياء في مقالة، حتى الناس هؤلاء السيئين الذين ينشرون مقالات، المقالات التي فيها خلط السم بالدسم، عندما يرد عليهم، وينشر الرد، تجد عناوين: رد على رد، بالإشارة إلى رد فلان على مقالتي، وبالإشارة على رد فلان على كتابتي، أو على كتابي، فإني أقول، ويبدأ ينزل الآن هجوماً، وهجوما معاكس.
فلماذا لا يقبل الناس النصيحة؟
ذكرنا الآن جانب الهوى، وهذا جانب كبير جداً، وسبق أن تطرقنا إلى هذا الموضوع في درسين سابقين.
أفاد رجل مسن بأنه قد ترك الصلاة في فترة ماضية من عمره، لماذا ترك الصلاة؟ قال: لأني كنت مرة أتوضأ في مواضئ عامة، فدخل رجل علي وأنا أتوضأ وقال: أنت يا جاهل، أنت الذي ما تدري ما دينك؟ هذا وضوء ؟ هذا إهمال، وهذا كذا.. أمام الناس، قال: ففوجئت بهذا الأسلوب، فقلت: ليس فقط لن أتوضأ بشكل صحيح، ولكن لن أصلي كذلك.
والحقيقة أن هذه المسألة تقع كثيراً.
يأتي واحد آخر مثلاً ينصحه في الصلاة ، فيقول له: تفكرني أصلي من أجلك؟ ما رأيك ما أصلي؟ لن أصلي.
الناس هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال لا يقدرون الحق قدره؛ لأن المفروض:
أولاً: أن يتخلوا عن أهوائهم ويتبعوا الحق.
ثانياً: أن يكون الحق عندهم أغلى من الأسلوب، قد يكون الأسلوب الذي عرضت به القضية غير صحيح، لكن هنا نقول: أنت تتبع الحق وإلا تتأثر بالأسلوب، هل عندك الأغلى الأسلوب وإلا الحق؟
الحق الأغلى، فلو كان الأسلوب خاطئاً فأنت المفروض أنك تتبع الحق.
الفرق بين النصيحة والتشهير والتأنيب 
00:32:30
 لكن في نفس الوقت نقول لهؤلاء الناصحين، الآن نبدأ نتكلم عن الركن الأول من أركان النصيحة، وهو ما يتعلق بالناصح، كثير من الناس تختلط عليهم الأمور فلا يفرقون بين النصيحة والتشهير والتأنيب، وبين النصيحة والغيبة، ويعتدون في أساليبهم على الناس اعتداءً سيئاً، فنحن الآن سنتكلم عن الفرق بين النصيحة والتأنيب، أو التشهير.
لابن القيم -رحمه الله- مباحث جليلة في الفروق ذكرها في كتاب: "الروح"، وهي مهمة ينبغي الرجوع إليها، فمن المباحث الفروقية التي ذكرها في هذا الكتاب: الفرق بين النصيحة والتأنيب، ما هو الفرق بين النصيحة وبين التشهير؟
يقول ابن القيم -رحمه الله-: النصيحة هي إحسان للمنصوح بصورة الرحمة له، الآن وازن وافتح الآن بنداً في ذهنك لهذه القضية "النصيحة هي عبارة عن إحسان إلى المنصوح، إحسان بصورة الرحمة له" يعني: أنت تتكلم معه وأنت تريد تتحدث بلهجة الراحم لهذا الشخص، والشفقة عليه، والغيرة له وعليه، فهو إحسان محض، إحسان نقي، ما فيه شوائب، يصدر عن رحمة ورقة، ومراد الناصح بها وجه الله ورضاه، هذه نقطة مهمة جداً.
من الفروق: أن النصيحة تأتي على طريقة الإحسان والشفقة والرحمة، وأن يكون هدف الناصح وجه الله -تعالى- ورضاه، والإحسان إلى خلقه، فيتلطف في بذلها غاية التلطف، ويحتمل أذى المنصوح ولائمته، ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق للمريض الجاهل المشبع مرضاً، وهو يحتمل سوء خلقه، وشراسته ونفرته، ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن، فهذا شأن الناصح.
وأما المؤنب أو المشهر، فهو رجل ليس قصده الله والدار الآخرة ولا قصده الإحسان، وإنما قصده التعيير والإهانة، وذم من أنبه، وشتمه في صورة النصح، يعني: هذه شتم لكن بصورة نصيحة، فهو يقول: يا فاعل كذا وكذا، يا مستحق الذم والإهانة في صورة ناصح مشفق، كيف تمشي هذه؟! كيف تركب؟! انظر ابن القيم -رحمه الله- يضع فرقا دقيقاً، يقول: علامة هذا المؤنب أنه لو رأى عاصياً بنفس المعصية، يحبه ويحسن إليه، يعني بينه وبينه مصالح مشتركة، أو بينهم ميول ومحبة وإحسان؛ فإنه لا يعرض له، ما ينصح مثل هذا، مع أنها نفس المعصية، لا ينصح مثله، ولم يقل له شيئاً، ويطلب له وجوه المعاذير، يجلس يقول: يمكن كذا، ويمكن كذا، يجلس الآن يتلمس له معاذير، فإن غلب، ما لقى ولا عذر قال: وأنا ظننت له العصمة؟ يعني: ما في أحد معصوم، كل الناس يخطؤون، وهذا رجل من البشر، ويخطئ، والإنسان عرضة للخطأ، ومحاسنه أكثر من مساوئه، وعنده حسنات كثيرة والحمد لله، والله غفور رحيم، ونحو ذلك.
لاحظ فيا عجباً كيف كان هذا لمن يحبه دون لمن يبغضه؟ وكيف كان حظ ذلك منك التأنيب في صورة النصح، وحظ هذا من رجاء العفو والمغفرة وطلب المعاذير.
ومن الفروق بين الناصح والمؤنب: أن الناصح لا يعاديك إذا لم تقبل نصيحته، بعض الناصحين إذا المنصوح ما قبل النصيحة، لا يكلمه، ولا يسلم عليه، ولا يعرفه، ويشتمه ويسبه، ويذكره بالسوء، وهكذا..، لماذا ما سمع كلامي؟
وقال: قد وقع أجري على الله، وقد قبلت أم لم تقبل، هذا الإنسان الناصح الحقيقي، يقول للمنصوح الذي لا يقبل: وقع أجري على الله قبلت أم لم تقبل، ويدعو له في ظهر الغيب، ولا يذكر عيوبه، ولا يبينها بين الناس ويشهر فيه.
والمؤنب بعكس هذه الصفات.
إن من الصدق في الأخوة: أن يقال للرجل في وجهه ما يكره، فإن كان على وجه النصح فهو حسن، وقد قال بعض السلف لبعض إخوانه: إنك لا تنصحني حتى تقول في وجهي ما أكره، هذا إحسان؛ لأنك تخبر أخاك المسلم بالعيب الذي عنده، هذا إن كان على وجه الإحسان، صحيح أنه شيء يكرهه، لكنك تنصحه، وإن كان على وجه التوبيخ بالذنب فهو قبيح مذموم، وقيل لبعض السلف: أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك؟ فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا، إن كان على جهة التوبيخ ما أريد أن يقول لي.
ومن الأدلة على عدم جواز التوبيخ في النصيحة بغير حاجة؛ لأنه أحياناً يكون في حالات فيها توبيخ بغير حاجة، قوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري: إذا زنت الأمة فتبين زناها  بالحمل وما شابه ذلك، تبين أنها زانية،  فليجلدها  سيدها يجلدها  ولا يثرب [رواه البخاري: 2152، ومسلم: 1703].
ما يعني  لا يثرب ؟
يعني: لا يعيب ولا يوبخ ولا يعير بذنبها، لماذا؟ لأنه أقيم عليها الحد.
والحد إذا أقيم على أحد فهو كفارة له، فلماذا بعد ذلك يقال: فلانة زانية، فلانة زانية، وهي قد أقيم عليها الحد، وطهرت من هذا الذنب.
أشكال وصور التشهير في النصيحة 
00:39:43
 والتشهير له أشكال وصور متعددة؛ فمنها مثلاً: النصيحة أمام الآخرين، ولذلك قيل: النصيحة بين الملأ فضيحة، بعض الناس الذي يؤنبون أبنائهم في المجالس أمام الضيوف، ويجلس يتكلم على ولده في طريقة الضيافة، وفي كذا وفي كذا، أو المدرس الذي يؤنب الطالب في الفصل أمام الناس، أو الزوج الذي يؤنب زوجته أمام أقربائه أو المحارم: أنتِ طبخك كذا، أنتِ كذا في طريقة الضيافة، وهكذا ينزل فيها تأنيباً وشتماً وتعييراً أمام الناس.
هل هذه نصيحة؟
لا يمكن أن تسمى نصيحة، هذا تشهير، وهذا محرم.
ولذلك قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في أبياته المشهورة:
تَعَمَّدني بِنُصْحِكَ في انْفِرَادِي *** وجنِّبني النصيحة َ في الجماعهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ *** من التوبيخِ لا أرضى استماعه
وَإنْ خَالَفْتنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي *** فَلاَ تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَه
انصحني على حدة لا تنصحني بين الناس، إذا ما سمعت كلامي لا تستغرب إذا ما أطعتك.
الشافعي رحمه الله يتكلم بلسان عامة الناس، وإلا هو رحمه الله على جلالة قدرٍ يقبل النصح حتى من الشخص الذي يشهر فيه.
ولذلك تجنب التشهير في النصيحة أمر مهم، ولهذا كانت النصيحة بالقدوة من أعظم وسائل النصح؛ لأنها خالية من التوبيخ والتشهير.
وقد ذكرنا سابقاً هذه القصة اللطيفة ولو أنه ليس لها إسناد كما قال الشيخ الألباني -حفظه الله-، ولكن ليس فيها أحكام، وذلك كما ذكر العلماء لا بأس بذكر هذه القصص التي لا يعرف حالها، أما ما عرف كذبه هذا شيء آخر، أما الذي ما عرف حاله فإن كان فيها فوائد فتذكر للعظة والعبرة، لا لأخذ الأحكام.
القصة المشهورة المعروفة: أن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- دخلا على رجل يتوضأ، وكان هذا الرجل يسيء الوضوء، والله لا يقبل الصلاة إلا بوضوء صحيح، فالآن كيف ينبها هذا الرجل الذي أكبر منهما في السن إلى الطريقة الصحيحة؟ فنظر الحسن للحسين نظرة ذات معنى، ثم تقدما من الرجل، فقالا له: يا عم، أنا وأخي قد اختلفنا أي واحد وضوؤه أحسن؟ أنا أقول: وضوئي أحسن، وهو يقول: وضوؤه أحسن، أنا أقول: وضوئي موافق لوضوء الرسول ﷺ، وهو يقول: أقرب إلى الرسول ﷺ من وضوئي، فجئنا إليك تحكم بيننا، فتقدم الحسن وتوضأ وضوءً كاملاً أسبغ الوضوء، واتبع السنة، انتهى، ورجع وراء، فتقدم الحسين فتوضأ وضوءً لا يقل حسناً عن وضوء أخيه، أمام الرجل، والرجل ينظر، لكن لما رأى الرجل المنظر، يعني قارن بحال نفسه، فهم، قال: والله أنتم الذي صح وأنا الذي خطأ، تبين الآن الخطأ.
فالآن انظر إلى هذا الأسلوب الحكيم الدقيق، الذي ينم عن ذكاء وفطنة في طريقة النصيحة، وقارن بين هذا وبين حال ذلك الرجل الذي ذكرنا قصته قبل قليل والذي ترك الصلاة كلها؛ لأن رجلاً شهر به بين الناس وهو يتوضأ.
والمشكلة أن الناس البعيدين عن الإسلام بالذات، الواحد مثل البلونة، منتفخ ومنتفش، يعني ما يرضى واحد يقرب جنبه أبداً، له حدوده وله كرامته، وهذه أشياء تضخم مع الأسف: كرامته، ومشاعره، وأحاسيسه، دبوس بسيط وتنفقع البلونة، ويثور عليك، ويرغي ويزبد.
مثال: حديث سليك الغطفاني: أنه دخل المسجد والرسول ﷺ يخطب وجلس من غير ما يصلي ركعتين، فالرسول ﷺ الآن الناس جالسين، مجتمعين في خطبة، الرسول ﷺ قال:  أركعت ركعتين؟  قال: لا، قال:  قم فاركعهما  [رواه البخاري: 875].
لماذا الرسول ﷺ ما قال الآن جالس خليه بعد الصلاة أروح أنصحه بيني وبينه؟ لأنه لو الآن جلس فعل المحظور وجلس من غير ما يصلي ركعتين، كيف بعدين يقضيهن؟ ما يمكن، هذا وقته الآن عندما يدخل المسجد، فلذلك أمره الرسول ﷺ بأن يقوم ويصليهما.
كذلك رجل جاء يتخطى رقاب الناس والرسول ﷺ يخطب، واحد جالس يؤذي المسلمين يتخطى رقاب العالم، فالآن قال الرسول ﷺ: اجلس فقد آذيت [رواه أبو داود: 1118، وابن ماجه: 1115، وقال الألباني "إسناده صحيح على شرط مسلم، وكذا قال الحاكم، ووافقه الذهبي" كما في صحيح أبي داود: 1024]، أمام الناس قال: اجلس فقد آذيت ، وإن سكت عليه، وقال: أنصحه بعد الصلاة ماذا كان يترتب على هذا؟ أذية للمسلمين، الرجال يتخطى من صف إلى صف، بل يروح الأخ يصلي في أجر الصف الأول، أجر الصف الأول إذا طرحت منه أذية المسلمين يمكن يطلع الجواب بالناقص، وبعدين بالإضافة إلى هذا أجر الصف الأول يكون بالتبكير إليه، والتهجير في صلاة الجمعة في الساعة الأولى والثانية والثالثة، وهكذا..
أحياناً يكون الذنب عظيماً، ويكون لا بد من تعظيمه في عيون الناس، ولا بد من تسليط الأضواء على هذه القضية التي حدثت، مثال: ابن اللتبية رجل من الصحابة ولكنه كبشر يخطئ، جاء إلى الرسول ﷺ بالصدقات والزكوات، قال: "يا رسول الله هذا لكم وهذا أهدي إلي" هذا حقكم، هذه الزكاة التي أعطوني الناس وكذا، وهذا أنا الناس أهدوني إياه، فالرسول ﷺ غصب غضباً شديداً، وصعد المنبر وجمع الناس، وقال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له أم لا؟ [رواه البخاري: 7174] فكلما جاء نتيجة استخدام عامل في شيء من الفوائد أو العوائد، فإنه يرجع إلى صاحب الحق أصلاً، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه؟ يعني: كان تقريع، لماذا؟ لأن القضية خطيرة، والمسألة تحتاج إلى نوع من نشرها بين الناس حتى يتعظوا بها، فقد يكون هناك سلبية في جرح شعور هذا الشخص، لكن المصلحة أكبر من المفسدة.
ولكن مع هذا يجب على الإنسان أن يكون حكيماً حتى عندما ينصح بين الناس في المجلس، وقصة عبد الله بن المبارك من أجمل قصص هذا الموضوع، كان عبد الله بن المبارك جالساً وحوله أصحابه، ورجل موجود معه، فعطس الرجل في المجلس، وما قال: الحمد لله، عطس ولم يقل: الحمد لله، الآن لو يأتي واحد جاهل يقول: أنت جاهل ما تقول: الحمد لله، تعطس مثل البهيمة، قد يقول الواحد: الآن لو سكت عنها، راح الوقت، فماذا فعل عبد الله بن المبارك حتى يصل إلى مقصوده من إبداء النصيحة مع أنه أمام الناس من غير جرح؟ فقال ابن المبارك على هيئة السؤال موجهاً للرجل الذي عطس، قال له: ماذا يقول الرجل إذا عطس؟ فقال الرجل: الحمد الله، فقال ابن المبارك: يرحمك الله.
فحصلت القضية وانتهت بسلام، الرجل حمد الله، شمتناه، وصار المقصود بدون ما تحدث هناك مضاعفات ولا سلبيات ولا منكرات.
هذه الأشياء تنقدح في شخص مؤمن بالله الذي عنده علم بالشريعة، الذي يسير على نور من الله، يلهمه الله حسن التصرف في المجالس إذا أراد أن ينصح.
وسبحان الله الإخلاص أحيانا تجد أن الناس يتقبلون من فلان، ولا يتقبلون في فلان في المجلس، مع أنها نفس النصيحة ونفس الكلام ونفس الشيء، لماذا؟ لماذا يتقبل من هذا ما يعتبره جرحاً، ولا يتقبل من هذا ويعتبره تعدٍ؟
لأن الرجل الأول إنسان فيه إخلاص وإيمان كبير بحيث أن هذا الإخلاص والإيمان شع من نوره حتى وصل إلى قلب الرجل الآخر، فجعله يتقبل بدون أن يحس أن فيه تعدٍ وجرح.
زائداً الأسلوب، وهو مهم جداً.
لذلك الواحد مثلاً لو يريد يرد على مقالة، على كتاب، إذا ما كان خطر هذه الأفكار المنشورة في ذلك الكتاب أو المقالة عظيماً، ويضلل الناس ولا بد من نشره، فإنه أولاً: يكتب لصاحب الكتاب الأصلي أو المقالة نصيحة، يا أخي أنصحك في الله، وأكتب إليك هذه السطور قياماً بواجب النصيحة أنك ذكرت في مقالك كذا وكذا، وفي كتابك كذا، فلو أنك رجعت وأعلنت للناس الشيء الصحيح كذا وكذا.
نصيحة سرية، في خطاب بيني وبينك، ثم أرسل له هذا الخطاب.
فذاك الشخص الآن يصير عنده استعداد يتقبل، وقد يكون عنده من الإيمان ما يدفعه إلى نشر التعديل أو التغير، ويقول: يا ناس -ينشر بعد ذلك- إني كنت أخطأت في كذا، فنبهني بعض الإخوان فتراجعت، وأشهدكم بأني كذا وكذا..
لكن لو رحت نشرت على طول من دون ما توجه النصيحة له، ثاني يوم يجد أخباره منشورة، فهذا يدعوه إلى عدم التقبل.
وهذه المسألة يحتاج إليها كثيراً الطلاب مع مدرسيهم؛ لأن كثيراً من المدرسين قد يقولون في الفصول الدراسية أشياء خطأ، فهنا ليس من الحكمة أن يقوم الطالب ويقول: هذا خطأ وأنت كذا، والصح كذا وكذا؛ لأن المدرس يشعر بأنه له الأحقية وهو في منزلة أعلى، فكيف ينتقد أمام طلبته، ففي هذه الحالة يكون الانتقاد دافعاً لهذا المدرس أنه يسكت الطالب، ويجلس الطالب، ويرد عليه، وقد يطرده من الفصل، وهكذا..
فهنا يكون من الحكمة ومن آداب النصيحة: أن يخرج الطالب هذا خارج الفصل بعد الحصة، وينبه المدرس إلى هذا الخطأ، فيأتي المدرس إذا كان فيه خير يأتي في الحصة التي بعدها، ويقول: والله أنا يا جماعة قلت كذا وكذا، وأنا أتراجع عن هذا.
أو أثناء الحصة إذا خشى أن الوقت يداهمه يكتب إليه ورقة، ويعطيها له مثلاً، أو يسر إليه كلاما سراً.
وقد تكلم الشيخ ابن عثيمين في موضوع، فتعرض لهذه النقطة، وقال: فأما إذا لم يطع المدرس ولم ينتصح ولم يتراجع، ولم يبين للطلبة خطأ ما قاله، فإن الطالب في هذه الحالة لا يجوز له أن يسكت مطلقاً، ويجب أن يعلن الحق ويصدع به أمام زملائه في الفصل، ويقول: إن المدرس قال: كذا وكذا وكذا، وهذا غير صحيح، مخالف للحق، والدليل كذا، وقد نصحته مثلاً قبل أن أتكلم بكلامي هذا، وأشهدكم على ذلك، يقول الشيخ ابن عثيمين: لا بد أن يعلن، إذا كانت القضية تضلل الناس، وتعطيهم مفهومات خاطئة، وتصورات سقيمة، فهنا لا بد من البيان.
وهذه مسألة تطول، ونكتفي بهذه الإشارة.
اختلاط النصيحة بالغيبة 
00:53:31
 وقد تختلط أحياناً النصيحة بالغيبة.
كيف؟ يعني يأتي فلان يسألني عن واحد: ما رأيك في فلان؟
ما تريد منه؟
والله أريد أشتري منه؟ أريد أتعامل معه؟ أريد أتزوج من عنده؟
أحياناً تتحول النصيحة إلى غيبة، وتلبس الغيبة ثياب النصيحة، فيقول ابن القيم -رحمه الله- في ذلك المبحث الجليل من كتابه: "الروح": "الفرق بين النصيحة والغيبة، أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير المسلمين من مبتدع أو فتان أو غاش أو مفسد، فتذكر ما فيه إذا استشارك في صحبته ومعاملته، والتعلق به، لو جاء واحد استشارك في صحبته أو معاملته، أو التعلق به، التعلق بمن؟ بهذا الغاش، أو المبتدع، أو الفتان، أو سيء الخلق، إلخ..
ما هو الدليل؟
كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس، وقد استشارته في نكاح معاوية وأبي جهم، جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ وقالت: أن ‏ ‏معاوية بن أبي سفيان ‏ ‏وأبا جهم ‏ ‏خطباني ما رأيك؟ انصحني؟
فقال: أما معاوية فصعلوك يعني فقيراً ما عنده شيء، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه [رواه مسلم: 1480] يعني كثير الضرب.
فالرسول الآن نصح لهذه المرأة، هل يعتبر هذا غيبة؟
هذا ذكرك أخاك بما يكره، وأكيد أن أبا جهم يكره أن يقال عنه: أنه لا يضع العصا عن عاتقه، وأكيد أن معاوية يكره أن يقال عنه: أنه صعلوك، فقير ما عنده شيء.
فهنا نقول: هذه نصيحة؛ لأنه يجب أداءها، لو ما أديتها فإنه يترتب على عدم أدائها مفاسد كثيرة، فلذلك ليست غيبة، ومن هذا الباب كلام أئمة الجرح والتعديل في تضعيف الرجال بسوء الحفظ، أو بالبدعة، أو ما شابه ذلك من أشياء، حتى يحذرهم الناس فلا يأخذوا أحاديثهم؛ لأن هذا دين، لو قال: هذه غيبة، ما نكتب كتب الجرح والتعديل،كان الآن نحن أخذنا بأحاديث كثيرة جداً، وكلها ضعيفة وموضوعة.
فإذاً، هذا دين.
فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ولرسوله وعباده المسلمين، فهي قربة إلى الله من جملة الحسنات، هذا الآن الفرق، "وإذا وقعت على وجه ذم أخيك، وتمزيق عرضه، والتفكه بلحمه، والغض منه لتضع منزلته من قلوب الناس، حتى تنزل من قدره في قلوب الناس، فهي الداء العضال، ونار الحسنات التي تأكلها كما تأكل النار الحطب.
فهكذا تتلبس النصيحة الغيبة تأخذ شكل النصيحة، وهي غيبة، فإذا كان في مصلحة للمسلمين يدخل لهم تحذير في خطأ حقيقي فعند ذلك تكون النصيحة ليست غيبة.
أما إذا كان قصدك التشهير والغض من قيمة هذا الرجل في عيون الناس، فتكون غيبة.
الفرقان الأساسيان بين النصيحة والغيبة أو النصيحة والتشهير أمران مهمان جداً:
الأول: النية: نية الذي ينصح غير نية الذي يشهر، نية الذي ينصح غير نية الذي يغتاب، هذه مسالة مهمة جداً.
الثاني: الأسلوب: أسلوب الذي ينصح غير أسلوب الذي يشهر، وأسلوب الذي ينصح غير أسلوب الذي يغتاب.
فالنية والأسلوب كشافان عن أدواء القلوب ووقوعها، وعدم اتضاح الفرق بين هاتين المسألتين.
شروط الناصح وآدابه 
00:57:44
 ولابد - لكل ناصح -الشرط الأول والأخير للناصح-: أن يتجرد في نصيحته لله -عز وجل-، ينصح لأجل ماذا؟ لأجل الله.
وأن لا تكون نصيحته ردة فعل تجاه إنسان معين، أنا والله كرهت إنساناً، وإلا أنا بيني وبينه زعل أقوم وأجرح فيه على سبيل النصيحة، حتى لو ذكرت لوجه الله: أنت كذا وكذا؛ لا نصحا لله ورسوله، ولا قياماً بحقوق الأخوة، إنما لأني أكرهه وأبغضه، بيني وبينه شيء، فجاءت نصيحتي هنا كردة فعل لما أكنه في قلبي من عداوة وبغضاء لهذا الرجل، فهنا ليست نصيحة.
فلابد إذاً من التجرد لله عند النصح.
وكثيرا ما تكون نصائحنا ردة فعل، يعني يكون أنا ما هو ببالي أني أكلم فلاناً عن نقطة معينة، أو عيب معين فيه، فلما تصير مشكلة بيني وبينه، سوء تفاهم، هذا الوقت أستعرض نصائحي عليه، لماذا الآن أظهرتها؟
لأنه الآن صار بيني وبينه سوء تفاهم، لذلك جلست أنشر معايبه، وأصير الناصح الأمين، المخلص الغيور، الدليل على صدق هذا من كذبه أين كانت هذه الأشياء من قبل؟ هل هي الآن ظهرت وإلا أنت متكاسل في النصيحة؟ لما صارت العداوة جلست الآن تنصح.
وكذلك يجب أن يكون الهدف من النصيحة تصويبه وليس أي شيء آخر كتجريحه، أو تحطيم نفسيته.
ومن آداب الناصح وشروط الناصح: يجب الابتعاد عن أسلوب الأستاذية في النصيحة، والتواضع للمنصوح، بعض الناس لما يأتي ينصح، ينصح كأنه شيخ كبير، وذلك أصغر تلميذ عنده، فيجلس الآن يتعالى عليه، ويتعالم عليه، ويتعاظم عليه، يجلس كأنه شيخ، وذاك طالب صغير، والآن يوجه إليه من فوق إلى تحت، إذا واحد هذه نفسيته في النصيحة يطلع أسلوبه فج، أسلوبه جاف، أسلوبه غليظ، وما في رقة؛ لأنه الآن يتعاظم عليه.
فينبغي الابتعاد عن أسلوب الأستاذية -إن صح الإطلاق- عند تقديم النصيحة، وإنما تقدمها تقديم أخ ناصح مشفق رحيم، يريد الخير لأخيه، لا يتعاظم عليه، ولا يتعالى عليه، ولا يتكبر عليه.
ولذلك كثير من المنصوحين لا يتقبلون النصيحة؛ لأنه يشعر بأن الناصح متكبر، متعالٍ، متعاظم، فهذا يكون سداً في وجه قبول النصيحة.
وكذلك أن يكون الناصح عاملاً بما ينصح، ومن الكلام الحسن في هذا ما ذكره ابن حجر -رحمه الله- في آخر كتاب: الإيمان، في صحيح البخاري، وهو يشرح كتاب الإيمان، قال ابن حجر -رحمه الله-: "ختم البخاري كتاب الإيمان بكتاب النصيحة، البخاري لما صنف الصحيح، صنف أول شيء بدء الوحي، ثم الإيمان، آخر شيء في كتاب الإيمان  باب النصيحة، وأتى فيه بأحاديث، البخاري -رحمه الله- طريقة الترتيب لها مدلولات، وهذا من عظمة صحيح البخاري.
قال ابن حجر -رحمه الله-: "مشيراً إلى أنه عمل بمقتضاه" أنه البخاري نفسه عمل بمقتضى النصيحة، كيف؟ "في الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح من السقيم" يعني صحيح البخاري عبارة عن ماذا ؟
عن نصيحة، صحيح البخاري هذا عبارة عن نصيحة، نصيحة يقدمها البخاري للأمة، ينصحهم فيها بالمحافظة على الحديث الصحيح، وطرح الحديث السقيم، كما أنه جمع الصحيح في جامعه، واستبعد الضعيف والموضوع، انظر كيف الفطنة، وانظر إلى الدقة في ترتيب هذا المصنف العظيم.
وكذلك عقبه بكتاب العلم، لما دل عليه حديث: الدين النصيحة  أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم ، وهذه مسألة مهمة جداً، يمكن الواحد فينا ما عنده أسلوب، ما العمل؟ لا ينصح؟
لا، يتعلم كيف ينصح، يسأل، ويرى الناصحين كيف ينصحون، مهمة جداً هذه، إذا أردت أن تكون ناصحاً جيداً انظر إلى الناصحين الناجحين الذين لاقت نصائحهم قبولاً في أوساط الناس، كيف نصحوا؟ ما هي عوامل النجاح عندهم؟
فالنصيحة إذًا تعليم أيضاً.
ومن شروط الناصح: أن لا يحتقر أخاه المسلم عند نصحه؛ لقول رسول الله ﷺ: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم [رواه مسلم: 2564] يكفي المسلم من الشر احتقار أخيه المسلم، يكفيه شراً عظيما أن يحتقر أخاه المسلم.
وكثير من الناصحين تخرج نصائحهم بقالب الاحتقار للشخص الآخر، فالشخص الآخر لما يشعر أنه محتقر، وأنه مهان، وذليل، فيرفض النصيحة، قد يطأطئ رأسه ويهز رأسه، لكنه يرفض النصيحة، لماذا؟
نتيجة أسلوب الاحتقار الذي تعرض له.
ولذلك فإنه يجب تجنب التجريح الشخصي في النصيحة، هذا الكلام مهم مثل الاستهزاء باسم المنصوح، البعض يريد أن ينصح أحداً، فيستهزئ باسمه، ما دخل اسمه في النصيحة؟ ، وكونه وقع في اسمه مثلاً عيب نتيجة جهل من أبيه أو من جده ما ذنبه هو في أن تعيب اسمه؟ أو تعيب شيئاً في شخصيته أو طبائعه، أو سجاياه، أو طريقة كلامه، ومشيته أو شكله أو ملابسه، إلى آخر ذلك؟
هذا خلط، لما الآن تروح تنتقد هذه الأشياء ، أنت تخلط النصيحة بأشياء ما لها علاقة بالنصيحة، واحد مثلاً تريد تنصحه مثلاً في قضية الكذب، تقول له: أنت يا أبو أنف طويل، ليش تكذب؟ ما دخل أنفه الطويل في عملية الكذب؟
أو أنت يا الأعرج ترى أنت كذا وكذا، هذا يقع كثيراً، استهزاء بكلام المنصوح أو طريقة مشيه، أو شكله أو سجاياه أو طبائعه، فهذه من الأشياء التي تسبب رفض النصيحة، وكذلك تجنب الكلمات الجارحة التي تجرح شعوره، أو أن تستهزئ به، وتسخر منه.
ويدخل في هذا أيضاً عدم إطلاق عبارات اليأس، مثل أن تقول لإنسان وتنصحه وتقول له: أنت ما فيك خير، أنت ما فيك فائدة، أنت ما يفيد النصح معك، أنت ما من وراءك رجاء، ونحو هذا.
يقع هذا كثيراً، هذه الأشياء والعبارات تثبط الشخص، هذه العبارات تكون ذات مردود سلبي على المنصوح، فتجعله لا يقبل النصيحة.
كذلك عند النصيحة يتنبه إلى الفرق بين وقوع الشخص في الخطأ، يعني: لماذا وقع في الخطأ؟ أنا أريد أنصح واحداً يحلق لحيته ، أرى قبل أن أنصح هذا الشخص الآن يحلق لحيته وهو جاهل بالحكم، أو عالم بالحكم ومصر عليه، هذا الذي يطيل ثوبه ويسبل ثوبه هو جاهل بالحكم، أو عارف بالحكم ويصمم ويصر عليه، هذه النقطة ما هي أهميتها؟
أهميتها في درجة الشدة أو اللين في النصيحة، لما تنصح جاهلاً الحكم يختلف لما تنصح واحداً يعلم الحكم ويعاند ويصر على خلافه.
أما إذا عاملت الناس معاملة واحدة، الجاهل مثل المتعلم، والذي يعرف مثل الذي لا يعرف، يطلع عندك اختلال، ميزانك في النصيحة فيه اختلال، فينبغي أولاً أن تقول: يا أخي أنت تعلم حكم المسألة الفلانية؟ عندك فكرة عن حكم هذا الشيء؟ فهنا يقول لك: والله عندي حكم ما عندي معرفة، عندي كذا، فهنا يفرق؛ أما لو كان مصمماً ومعاندا ًفعند ذلك تذكره بآيات فيها الشدة والعذاب، وعاقبة هؤلاء المعاندين، إلخ..
أما إنك تسوق آيات المعاندين والأحاديث التي فيها التخويف والتهديد لإنسان ما بدا منه عناد، ولا بدا منه شيء، وإنما هو رجل جاهل، يجهل الحكم، فلذلك وضع هذه النقطة أمام أذهاننا ونحن ننصح الناس من الأهمية بمكان.
كذلك عدم المبالغة بالنصيحة، أحياناً واحد يضخم الخطأ يريد ينصح واحداً بشيء، فضخم الشيء، فيقول: هذه كبيرة من الكبائر، وهذه مسألة خطيرة.
هذا التضخيم أو التهويل له أثر سلبي، وقد يؤدي إلى عدم الاعتراف بالخطأ؛ لأنه لا يرى أن الخطر عظيم، فأنت لما تأتي تنصحه وتعظم الخطأ وتكبره، وهو شيء صغير، فيقول: هذا الرجل ليس عنده ميزان في تقييم الأمور، فينبغي أن يكون النصح على قدر الخطأ، أما تكبير الخطأ وتهويل الخطأ فهو إما يؤدي إلى رفض النصيحة، أو عدم الاعتراف بالناصح، وعدم أخذ كلامه مأخذ الجد، أو تدفع إلى التمرد على الناصح وعدم الاستجابة له، أو التقاعس، يعني: كل شيء خطير، يعني: كل شيء خطير، يعني: كل شيء خطير، خلاص، فيتقاعس عن التغيير، وهكذا..
كذلك ينبغي للناصح أن يتوخى الأوقات المناسبة للنصيحة، فلا ينصح أحداً وهو غضبان، ولا ينصح أحداً وهو جائع، ولا ينصح أحداً وهو نعسان.
الآن نذكر نقاطاً مهمة، وأرجو التركيز فيها.
لا بد للناصح أن يختار القنوات المناسبة لإيصال نصيحته، أحياناً ما يكون المناسب أنك تكلمه شفهياً، فتكتب كتابة حتى لو كان جارك، حتى لو كان أخاك حتى لو كان أباك، أحياناً ما يكون مناسب أنك تكلمه شفويا، لأي علة من العلل،أو إذا كلمته شفوياً يثور عليك، أو ما يدعك تكمل الكلام، ولا يعطيك فرصة أنك تنصحه، فأحياناً تكون الكتابة أفضل من النصيحة الشفوية، أحياناً يكون إعطاء كتاب أفضل من أنك تكتب أنت، أو أنك تنصح بنفسك، تفضل هدية في حكم الغناء، فتعطيه كتيباً في حكم الغناء، هذا أجود أحياناً، الناصح يرى مصلحته فيها ويتبعها.
أحياناً قد يكون من المناسب أن تعطيه شريطاً فيه هذا الكلام لواعظ أو خطيب أو محاضر أو فقيه، أو عالم، فيأخذه، فينتصح به، وسيلة غير مباشرة.
أحياناً ما يكون من المناسب مطلقاً أن يشعر هذا الرجل أنه أنت لك ضلع في الموضوع، أو أنت داخل فيه، لماذا؟ قد يكون في حساسية بينك وبينه، فإذا حس أنك أنت وراء الموضوع، على طول شقق الأوراق، ورمى الكتاب، وأهمل كلامك، وهكذا..، أو أنت تخشى من سوء الظن، تخشى أنك إذا نصحته يقول: هذا الآن يتتبع عيوبي، فيكون من المناسب أن تصل النصيحة عبر شخص آخر، تروح لواحد فاعل خير تقول له: يا أخي هذا فلان أريد أنصحه في كذا لكن أخشى أن يسيء الظن، أخشى من أشياء، وأنت يمكن يسمع كلامك أحسن مني، أو أنت عندك قدرة على التعبير أحسن مني، وأنت عندك قدرة على المناقشة أكثر، فأرجو أن تنصحه بكذا وكذا.
فيكون وصول النصيحة عبر شخص آخر أكثر تأثيراً، وأنفع وأجدى.
وبعض الناس مع الأسف الشديد بفعل حساسيات معينة، أي شيء يأتي من فلان، نرميه على جنب، أحياناً تصل العلاقات إلى هذه الدرجة،فيكون هنا إذا ما عرف الشخص صاحب النصيحة يكون أولى، ممكن تكون أحياناً النصيحة بتوقيع فاعل خير، أو ناصح؛ لأنه ممكن لو عرف من الذي كتبها، بعض الناس ما عندهم اتباع للحق، عنده من الذي ينصح فلان أخذ منه، فلان ما أخذ، فلذلك يكون ارتباط النصيحة باسم معين عند بعض الناس وسيلة لإسقاطها، وعدم أخذها، فيكون تجريدها عن الاسم أو أي سمة أو صفة تدل على الناصح مناسب، ففي هذه الحالة تتبع هذه الطريقة.
كذلك لا بد أن يضع الناصح نفسه مكان المنصوح قبل أن ينصحه، هذه نقطة مهمة جداً.
أحياناً الواحد يأخذ حكماً من ناس كفرة، بعض كتب علم النفس أو بعض كتب علم التعامل التي يكتبها الغربيون فيها حكم، وأشياء طيبة، "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها" قبل أن تنصح ضع نفسك مكان المنصوح، ضع نفسك مكان واحد يسمع الغناء، متشبع به، عاش عليه فترة طويلة من الزمن، دائماً معه، ليلاً ونهاراً، في سيارته، في البيت، ضع نفسك مكان هذا الرجل، ثم تخيل أنك ألقيت الكلام الذي تريد تقوله، فهل يكون هذا الكلام الآن مجدٍ أم لا؟
في كثير من الأحيان الواحد يزور في نفسه كلاماً، يعني: يجمع في نفسه كلاماً، يقول فلان هذا أريد أكلمه الكلام الفلاني كذا وكذا، والدليل و.. وإلخ.. فيروح يهاجم بسرعة ، لو أنه وضع نفسه مكان المنصوح يمكن كان غير أشياء كثيرة في النصيحة، فلذلك من القواعد الأساسية في النصيحة: ضع نفسك مكان المنصوح قبل أن تنصحه.
كذلك أحياناً الناصح يكون له سلطة أو نوع من المسؤولية على المنصوح، فلا ينبغي هنا أن يحمله سلطته أو مسؤوليته على إساءة النصيحة، أب وعنده ولد، أو مدرس عنده طالب، أو زوج عنده زوجة، هؤلاء الناس عندهم مسؤولية وسلطة على من تحتهم، فلا تحملنهم هذه القوة والصلاحية التي عندهم على إساءة النصيحة؛ لأن الواحد أحياناً لما يكون عنده قوة ويكون عنده سلطة يقوم يسئ، يعني: ما يفكر بتحسين النصيحة، ولا يفكر بالأسلوب، يقول: هذا فلان هين! هذا نقهره! هذا خليه علي! بس أنا أكسر رأسه! أنا..، لماذا طلع هذه الأشياء؟!
لأنه يستخدم السلطة أو المسؤولية التي لديه في الإساءة، فما يفكر في شكل النصيحة كيف ينبغي أن تكون، فلذلك كثيراً من الأبناء يكرهون آباءهم، وكثيراً من الزوجات يكرهن أزواجهن، وكثيراً من الطلاب يكرهون مدرسيهم، لماذا؟
لهذه النقطة؛ لأن ذاك عنده سلطة، فيستخدمها ويسيء في النصيحة.
آخر ثلاث نقاط في الموضوع: على الناصح أن لا ييأس من تكرار نصيحته، ينصح مرة ومرتين وثلاثا وعشرة، ويغير في الأسلوب، مرة يأتي من هذا الطريق، ومرة من هذا الطريق، كما سيمر معنا -إن شاء الله- في الدرس القادم في أثناء الكلام عن الأسلوب،ـ عن النصيحة نفس النصيحة والقالب والأسلوب والكلمات والألفاظ، فينبغي أن يكرر ولا ييأس، وإذا يئس فشل، الواحد إذا هو مستمر في النصيحة هذا طريق النجاح، متى ما يئس فشل، وأحياناً يكون ما بينك وبين النجاح إلا آخر محاولة، فأحياناً يقف الواحد قبل النهاية بشيء بسيط، فيضيع الجهد كله، مع أنه لو واصل قليلاً لكانت هناك نتيجة، لكن بسبب اليأس القاتل الذي يغرس أحياناً في نفسه نتيجة الصد والابتعاد من قبل المنصوحين، فإنه في النهاية يتثبط وييأس.
ولنا عبرة بنبي الله نوح -عليه السلام-، هذا النبي العظيم ضرب القدوة العظيمة للدعاة إلى الله في الاستمرارية ألف سنة إلا خمسين عاماً، وليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، ما ترك وسيلة إلا وينصح، ينصح في هؤلاء القوم، مع أن النتيجة قليلة، ومع ذلك استمر في النصيحة حتى آخر لحظة، وهو مستمر إلى أن قال الله له: أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ [هود: 36] هنا قال نوح: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: 26]، ودعا عليهم، لماذا؟ لأن الله أوحى إليه: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} ما في أمل الآن في الاستمرار، ما راح يؤمن أكثر من الذين قد آمنوا.
وذكرنا أن الله -عز وجل- لما قص قصة نوح أتى عند النصيحة بالفعل فقال عن نوح: وَأَنصَحُ لَكُمْ [الأعراف: 62] صيغة الفعل الدالة على تكرار الوقوع والحدوث.
ويقول ابن القيم -رحمه الله- في أبيات طريفة يرد بها على هؤلاء الصوفية الذين جعلوا ذكر الله طنطنة وطبول ومزامير، وهكذا.. فقال:
وتكرار ذي النصح منا لهم *** لنعذر فيهم إلى ربنا
يعني: حتى نقيم الحجة، وحتى نعذر أمام الله أنه قد قدمنا ما علينا.
وتكرار ذا النصح منا لهم *** لنعذر فيهم إلى ربنا
فلما استهانوا بتنبيهنا *** رجعنا إلى الله في أمرنا
فعشنا على سنة المصطفى *** وماتوا على تنتنا تنتنا
هؤلاء الناس أصحاب حلق الذكر على الطبول، هذا هؤلاء تنتنا تنتنا، هذه شغلتهم.
فعشنا على سنة المصطفى *** وماتوا على تنتنا تنتنا
آفات تعتري بعض الناصحين 
01:21:28
 كذلك من الآفات التي تعتري الناصح أحياناً، الواحد من كثرة ممارسة النصيحة يصير عنده مناعة أن يُنصح من قبل الآخرين، هو الآن هو الداعية، وهو الناصح، وهو الذي يوجه، وهو الذي يعلم، والذي ينبه، فهذا الرجل باستمراره في هذا العمل، وهو عمل طيب ولا شك، يتكون عنده نوع من المناعة ضد النصائح التي توجه له من الآخرين.
واحد يحكي لي قصة واقعية حصلت له، أو حصلت مع أحد أقربائه، أنه رأى واحداً يغلظ على إنسان في النصح، فقال له: يا ابن الحلال ارفق به، فقال له: ما لك شغل ، فقال له: يا ابن الحلال اذكر الله، هذا الناصح يقول: أنا اذكر الله، أنا الذي أذكر الله، لماذا؟ أو تقول لواحد: الله يهديك، أنا الذي الله يهديني، أنت الله يهديك وأنت الذي كذا، فلماذا هذه العبارة تنطلق؟ لأنه هو الآن ناصح، وهو الآن الذي ينتقد الناس ما يأتي واحد ينتقده.
فإذًا ينبغي أن ننتبه خصوصاً في مسألة من المسائل، وهي: أن الداعية يكون غالباً إلمامه أو مجال نصحه في الأشياء الشرعية غالباً، يعني قد يتفوق على عامة الناس بالنصح بالأشياء الشرعية، لكن في الأشياء الحياتية أو الدنيوية قد ما يكون عنده خبرة، مثلاً ما عنده في السيارات، ما عنده خبرة في الطرق، ما عنده بالملابس، ما عنده خبرة بالآلات، فنتيجة لهذه النقطة التي ذكرناها يأتي واحد مثلاً يقول لناصح أو داعية: هذا الطريق أقصر، وهذا كذا، يقول: لا، لأنه هو ينصح في الأشياء الشرعية، حتى الأشياء الثانية التي عامة الناس يفهمون فيها أكثر منه ما يقبلهم، هذه نقطة سيئة قد تؤدي إلى الغرور، لأن الواحد يفكر نفسه فاهم بالدين، يعني فاهم كل الأشياء الثانية، وهذا غير صحيح، قد لا تفهم أشياء في علوم، قد لا تفهم أشياء من حاجات في متاع الدنيا، فإذا جاء واحد يريد ينصحك تقبل نصيحته، وتفسح له المجال، ليس لازماً أن يكون كل إمام مسجد خبيراً بالميكروفونات أكثر من الناس الذي خلفه.
ولذلك تجد بعض هؤلاء هو إمام مسجد هو الذي يتحكم بالميكروفونات وبالصوت هو الذي عارف بالأجهزة أكثر من الموجودين، وهذا غير صحيح، تفسح المجال، دع ذاك الأخ يتقدم، ما صار العلم الشرعي هو الطاغي بحيث إنك تفهم الأشياء الثانية الأخرى، ولذلك كثيراً ما يشتكي بعض الناس من تسلط من هذه النوعية، يقول: فلان ما ترك شيئاً، هذا عنده علم بالحديث على عيني ورأسي، عنده علم بالفقه ما اختلفنا، عنده علم بكذا، لكن لما يقال: هذا المكان أحسن أو هذا؟ ما يقول: لا، أنا لي رأي كذا.
فيكون هذا من الأشياء السيئة في التربية والدعوة والنصيحة.
فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يهدينا رشدنا، وأن يلهمنا الحق، وأن يجعلنا من أتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المقتدين به، المتأسيين به.