الأحد 12 جمادى الآخر 1440 هـ :: 17 فبراير 2019 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

إضاعة المال وصوره المعاصرة


عناصر المادة
خطورة إضاعة المال.
صور وأمثلة لإضاعة المال.
أسباب إضاعة المال.
علاج إضاعة المال.
الامتحانات وبعض الآداب المتعلقة بها.

 

الخطبة الأولى.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

 

خطورة إضاعة المال.
00:00:26

فإن الله سبحانه وتعالى هو الرزاق، يرزق من يشاء بغير حساب، وهو مالك الملك عز وجل، يملك البشر وما يملكون، وهو الذي له ملك الأموال كلها، وقد جعل الله الأموال قياماً للناس، وقسمها بين عباده كما يشاء سبحانه، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّاسورة الزخرف32. وكان هذا المال مجالاً لطاعة الله وعبادته لأهل الإيمان والدين، ينفقونه في مرضات الله بعدما يكتسبونه مما أحل الله، وأما أهل الشر والفساد؛ فإنهم يكتسبونه من الحرام، أو ينفقونه في الحرام، أو هما معاً، وقد قال سبحانه وتعالى عن إبليس: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِسورة الإسراء64ومشاركة إبليس للعباد في أموالهم هو ما يأمرهم به من إنفاقها في معاصي الله عز وجل، فكل مال عصي الله فيه بإنفاق في حرام، أو اكتساب في حرام، فهو من مشاركات إبليس لعنه الله، والله تعالى لا يحب الفساد، ولأجل ذلك قال: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُسورة النساء5 يعني: لئلا يضيعوها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً... ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)[رواه مسلم1715]  وهو الإنفاق في الترف، والإنفاق في الحرام، فالرجل يرزقه الله الرزق، فيجعله فيما حرمه الله عليه، إضاعته وإذهابه في غير وجوهه الشرعية، وكذلك تعريضه للتلف.

والإسراف هو مجاوزة الحد في الإنفاق، والتبذير في الحرام، ولو شيئاً يسيراً، فمجاوزة الحد مذموم، والإنفاق في الحرام مذموم كذلك، وهو معصية لله تعالى، وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًاسورة الفرقان67فكانوا وسطاً في إنفاقهم.

 

صور وأمثلة لإضاعة المال.
00:03:18

وقد ذكر العلماء أمثلة كثيرة لإضاعة المال؛ كالذين ينفقونه في القمار فيضيع عليهم، أو في شراء ما لا يستفاد منه من الحيوانات، أو في إنفاقه في الأسفار، والسياحات التي هي في معصية الله، أو لا منفعة فيها, ونهى أهل العلم عن رمي الطعام وقالوا: يأكله في اليوم الآخر، أو يجففه، أو يطعمه لبهيمة، ولا يرميه، حتى اللقمة إذا سقطت لا يدعها للشيطان.

عباد الله:

كثير من إضاعة المال التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم تحدث لدى الناس اليوم بعضه مرئي محسوس، وبعضه ليس كذلك، إنفاق لهذه الطاقة الكهربائية إهدار، وكذلك لهذه الثروة المائية وفيها إهدار، وشراء لكثير من التحف والمحنطات التي ليس من ورائها فائدة.

 

كثير من إضاعة المال التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم تحدث لدى الناس اليوم بعضه مرئي محسوس، وبعضه ليس كذلك، إنفاق لهذه الطاقة الكهربائية إهدار، وكذلك لهذه الثروة المائية وفيها إهدار، وشراء لكثير من التحف والمحنطات التي ليس من ورائها فائدة.

 

وتأمل ماذا يحدث عند الكفرة من الغربيين، والشرقيين، الذين ينفقون أموالهم في الكلاب شراء وعلاجاً، وملابس، وفنادق، ومسابقات لملك جمال الكلاب، وهكذا (من اقتنى كلباً نقص من أجره كل يوم قيراط)[رواه البخاري2323]إنه شيء عظيم يفوت على هؤلاء الذين يربون الكلاب في غير حاجة شرعية ككلب الزرع، والماشية، وكلب الصيد، والحراسة.

عباد الله: وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَسورة الأعراف31هذا الإهدار للطعام برمي ما طبخ في هذه الولائم ووضع للناس، إسراف عجيب، هكذا تهراق النعمة وترمى والإنسان مسئول: (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم)[رواه الترمذي2416 وهو حديث صحيح]، من أين اكتسبه من حلال أم من حرام؟ فيما أنفقه في طاعة أم معصية؟ (منهومان لا يشبعان: منهوم في علم لا يشبع، ومنهوم في دنيا لا يشبع)[رواه الدارمي331]والناس زينت لهم الدنيا، قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، وزينة، وتفاخر، وتكاثر.

قال العلماء: الإنفاق ثلاثة أوجه:

الأول: إنفاق المال في الوجوه المذمومة شرعاً، فلا شك في منعه.

الثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعاً، فلا شك في كونه مطلوباً بالشروط الشرعية؛ كأن لا يتصدق بكل ماله، ثم يمد يده للناس، أو يضيع أهله.

ثالثاً: إنفاقه في المباحات بالأصالة؛ كملاذ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين:

الأول: أن يكون على وزن يليق بحال المنفق، وبقدر ماله فليس بإسراف.

الثاني: ما لا يليق به عرفاً، وهو ينقسم إلى قسمين:

الأول: ما يكون لدفع مفسدة إما ناجزة أو متوقعة، فهذا ليس بإسراف، قد يضطر لدفع فدية.

والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك، فجمهور العلماء على أنه إسراف.

والآن بطاقات الفيزا، وغير ذلك تجعل هؤلاء ينفقون فوق طاقاتهم، ويبعثرون الأموال، ثم يستدينون الديون الكثيرة، وتتراكم عليهم فوق طاقتهم، وفوق قدرتهم، وهم عاجزون عنها.

والتبذير عرفها العلماء: بأنه صرف المال في غير وجهه، إما في المعاصي، أو في غير فائدة لعباً وتساهلاً.

والإسراف: الزيادة التي لا وجه لها في طعام، أو شراب، ونحو ذلك.

وإتلاف الأموال بغير حق هو من جنس التبذير، وقد قال الله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِسورة الإسراء27وقال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَسورة الأعراف31.

والواجب على العباد أن يتأدبوا بما أدبهم الله به: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًاسورة الفرقان67، وجاءت الوصايا النبوية (كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا غير مخيلة ولا سرف)[رواه أحمد6656]لا تكن من الخيلاء، ولا تكن كذلك بالإسراف، والتفاخر.

ونماذج الإسراف الآن، والتبذير عجيبة جداً، شراء الأرقام المميزة للجوالات، ولوحات السيارات، وأشياء بالملايين، أيحسب هؤلاء أن الله غافل عما يعملون، وعما ينفقون؟ سرعة التميز، وهوس التميز بزعمهم، زينات للسيارات والبيوت لا فائدة منها إلا قضية التفاخر على عباد الله، وأن يلفت النظر إليه، وسيارة الشهرة مثل ثوب الشهرة، وثوب الشهرة يلبس صاحبه يوم القيامة ثوباً يلهب فيه النار، وإذا كانت قضية المظاهر اليوم هي التي خطفت عقول الناس، فصار كثير منهم بلا عقول، أو بعقول ناقصة، فإنهم مسئولون عن هذا, وهنالك من أنواع الإضافات، والإهدارات بالأشياء العامة من بيت مال المسلمين، والمصالح الحكومية، فهنالك إهدار من الموظفين لكثير مما يكون من الإمكانات فيها، سواء من الآلات، آلات التصوير، والأوراق ونحوها، وإهدار حتى الكهرباء، والماء في العمل، يقول: ليس شيء على حسابي، وأنا لا أسدد الفاتورة، تضيع مِن من؟ تضيع مِن من يا عبد الله؟ أليست من مال المسلمين؟!

وكذلك إهدار الأموال عبر الرقم سبعمائة الذي يصطاد فيه أهل الشر أصحاب الشهوات، ويستميلونهم، ويزرعون في قلوبهم بذرة الأمراض، ثم يسحبونهم سحباً، ويبتزون المال منهم ابتزازاً، وتسرق الأموال، وتؤخذ بعلم وبلا علم، إنهم يتكلمون في أرقام داخلية، وخارجية، تضيع فيها الأموال، أيظنون أنها لا مجال للسؤال عنها.

ويرشحون متسابقاً فاسقاً، أو فاسقة في هذا العري الفضائي، أو شاعراً جاهلياً، في تفاخر، وعصبية قبيلة، إم إم إس، وإس إم إس، ورسائل صوتية، وغير صوتية ترسل، حب، وغرام، وهيام، وإفساد، أليس هذا بمال؟! أليس مقابله فاتورة على ظهره في آخر الشهر، أو الشهرين؟ ما هذه المحظورات؟! ما هذه المحذورات؟! ما هذه الإسرافات؟! ما هذه التبذيرات؟! ما هذه المغالاة، والأعراس قادمة، والكوشات، وورود ترمى بعشرات الآلاف، وفساتين تفصل بعشرة الآلاف لأجل ليلة واحدة، أو ساعات، فأين هؤلاء؟! أين عقولهم؟!

حتى المساجد نهى الشرع عن زخرفتها؛ لأجل عدم صرف الناس عن الخشوع في الصلاة، وإشغال المصلين، ولأجل عدم إضاعة المال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)[رواه أبو داود449]قال ابن عباس: "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى"[رواه أبو داود448]، وكان عمر رضي الله عنه يأمر ببناء المساجد ويقول: "أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر، أو تصفر، فتفتن الناس"[رواه البخاري في باب بنيان المساجد]، قال أنس: "يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً "[رواه البخاري في باب بنيان المساجد].

وموسم السياحة قادم، في موسم سابق، اثنين وستين مليار ريال أنفق في السياحات في عام واحد في ماذا؟ في ماذا كانت هذه الإنفاقات: في صلة الرحم.. في طلب العلم.. في أسفار الطاعة.. في العمرة.. في أي شيء؟ أخبرونا في أي شيء كانت هذه السفريات؟ وكثير منها بالدعايات للكبائر، وشرب الخمور، وارتكاب الفواحش، والشواطئ العارية، والمراقص الليلية، والمسارح، ودور السينماء، وهكذا متاحف فيها ألوان الكفر، وأنواع المعاصي من الصور المحرمة، وأشياء تنفق اليوم في أشرطة الغناء، دي في دي، سيدي فيديو، وأجهزة صوتية، وتزيينات.

 

أسباب إضاعة المال.
00:13:15

وانتشار وسائل الدعاية والإعلان كان لها سبب في إغراء الناس، وتصديق أي دعاية، وإعلان، والجري، واللهاث وراء ما يعرض، وما تدعى إليه الجموع بالمسابقات، وإذا كان الله أنعم على بعض الناس بالمال فهل هكذا يكون شكر النعمة؟!

ثم قضية مجاراة الآخرين، ومحاكاة الآخرين سبب ثالث، والمفترض أن الإنسان ينظر في الدنيا إلى من هو دونه؛ ليشكر نعمة ربه عليه، وليس إلى من هو فوقه ليجاريه، ويحاكيه، ويواكبه، وربما لا يكون مثله في الدخل فيتعب.

ثم رابعاً: التفاخر والتعاظم، وعندي رقم جوال كذا، ورقم لوحة سيارة، يعني: هل ستوصلك اللوحة إلى المشوار المقصود قبل اللوحة الأخرى، أم ستطير بك كالصاروخ، ما هي القضية؟ مرض نفسي، نقص مركب، لفت أنظار الناس، عنده لوحة كذا، ونحو ذلك، واستغلال الجنون، والسفه الموجود عند البعض للمتاجرة، والمزادات بهذا عجب، عجاب، إتاحة المجال أيضاً.

ثم خامساً: الاستجابة لرغبة السفهاء، وقد يكون في الأسرة بعض الأولاد، والصغار، والنساء، ممن فيهم سفه، وطيش، فيستجيب هذا لضغطهم، وإلحاحهم، أين عقول الرجال التي تضبط الإنفاق في الأسرة؟

ثم النزول إلى الأسواق، والمجمعات الضخمة المكيفة الباردة التي فيها هذه اللوحات الزجاجية، والعروض بالألوان، والأضواء، والمسابقات، والسيارات، والسحوبات.. وهكذا تنفق أموال، وتهدر في أشياء لا تؤكل، ترمى، ولا تلبس، وهكذا وربما يلبس مرة أو مرتين، ويأنف بعد ذلك أن يأكله، أو يلبسه، وقد قال عمر رضي الله عنه لجابر: "ما هذا يا جابر في يدك؟ قال: لحم اشتهيته فاشتريته، قال: أو كلما اشتهيت اشتريت، أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية:أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَاسورة الأحقاف20" وليس قصد عمر رضي الله عنه طبعاً تحريم اللحم بالتأكيد، لأنه أكله، ورأى النبي عليه الصلاة والسلام يأكله، لكن فيه إرشاد للمسلمين إلى قاعدة: أو كلما اشتهيت اشتريت؛ لأن الإنسان عليه أن يضبط نفسه في بعض الأشياء، فربما يشتري تارة، ولا يشتري تارة، وقد وفر بعضهم مبلغاً من هذا في مسجد في تركيا يقال له: "صانكي يدم" معناها: كأني أكلت، فما قصته؟

رجل كلما اشتهى شيئاً قال: كأني أكلت، ويضع قيمته في صندوق، فلما صار في آخر عمره، أوصى ببناء مسجد بهذا، فلما علم الناس بالقصة بعد موته تتابعوا على تكميل المسجد فسمي بذلك الاسم.

 

علاج إضاعة المال.
00:16:37

عباد الله:

القضية تحتاج إلى علاجات، الالتزام بحدود الشريعة المانعة من هذا الأمر، وهو الإسراف والتبذير، وإذا كان الله أنعم علينا بنعم فليس سبيلها براميل القمامة، ولا سلات المزابل، وكذلك نتذكر آخر ضياع المال، وأن الله قادر أن يسلبه في لحظة، وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَسورة النحل112فالإسراف سبب لنزع البركة من المال، والتبذير تضييع، والفقر هو المحصلة النهائية والديون.

ثم لا بد أن يكون للنفس فرامل، وكوابح تضبط عدم الانسياق وراء الدعايات الإعلانية، والهدوء، والتروي، والنظر، والتفكير، وكذلك تبادل الخبرات في هذا، ودراسة سبل الإنفاق، وسياسات الإنفاق، ومتى يشتر الإنسان، والحاجة، وتعريف الحاجة، والحث على الإنفاق في الخير

 

لا بد أن يكون للنفس فرامل، وكوابح تضبط عدم الانسياق وراء الدعايات الإعلانية، والهدوء، والتروي، والنظر، والتفكير، وكذلك تبادل الخبرات في هذا، ودراسة سبل الإنفاق، وسياسات الإنفاق، ومتى يشتر الإنسان، والحاجة، وتعريف الحاجة، والحث على الإنفاق في الخير

 

؛ لأن الإنفاق في الخير يمنع من الإنفاق في الشر، وإشاعة ثقافة الاستئجار فيما كانت الحاجة إليه يسيرة، كبعض الأشياء في الأعراس والرحلات .. ونحو ذلك مما يوفر على الإنسان مالاً كثيراً، ويتذكر الذي يأخذ أموال الناس يريد إتلافها أن الله يتلفه، وإتلاف الله بأنواع العذاب.

سياسة الإنفاق القرآنية، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًاسورة الفرقان67القوام القصد والاعتدال، والاقتصاد من النبوة كما بين النبي صلى الله عليه وسلم.

لا تغلو في شيء من الأمر واقتصد *** كلا طرفي قصد الأمر ذميم

كن في أمورك كلها متوسطاً *** عدلاً بلا نقص ولا رجحان

ونتحلى بخلق القناعة: (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)[رواه مسلم1054]

هي القناعة فالزمها تعش ملكاً *** لو لم يكن منك إلا راحة البدن

وانظر إلى مالك الدنيا بأجمعها *** هل راح منها بغير القطن والكفن

ثم إنه لا بد أن يربي المسلم نفسه، وأولاده على هذا الأمر، وأن يشيع بينهم قضية عدم الاغترار بالدنيا، وعدم اللهاث وراء الدنيا، وعدم النظر ومتابعة زينة الدنيا، لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَسورة الحجر88وإذا صارت حاجة اشترى مقتصداً على حسب حاله، الغني يشتري على حسب حاله، والفقير على حسب حاله، ومتوسط الدخل على حسب حاله، ويتأمل في الذين ينفقون في السراء والضراء، كيف كانت عاقبتهم، جنات تجري من تحتها الأنهار.

اللهم إنا نسألك أن تجعل رزقنا بركة وخيراً، ووسع لنا في أرزاقنا، وبارك لنا فيما آتيتنا، واجعل أموالنا في سبيلك.

اللهم اجعلنا من المنفقين في سبيلك ممن يبذلون أموالهم ابتغاء مرضاتك، لا تجعلنا من المبذرين، ولا تجعلنا من المسرفين، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية.

الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحي القيوم، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، خلق السموات والأرض بالحق، خلق فسوى، وقدر فهدى، الرحمن الرحيم، الرزاق ذو القوة المتين، وأشهد أن محمداً رسول الله، أرسله الله رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً، بين يدي الساعة، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، ولا طائراً يطير بجناحيه إلا ذكر لأصحابه منه علماً، فصلوات ربي وسلامه على النبي المختار، ما تعاقب الليل والنهار، صلى الله عليه وعلى أصحابه الكمل، وعلى خلفائه، وذريته الطيبين، وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

الامتحانات وبعض الآداب المتعلقة بها.
00:21:39

عباد الله:

وعلى مقربة من موسم الامتحانات والاختبارات، يعظم القلق عند كثير من الطلاب والطالبات، وفي الواقع أن مثل هذا الأمر متوقع ومعتاد، وقدر من القلق والانزعاج مهم ومطلوب للاجتهاد، ورفع الهمة، والذي يضر هو القلق المحبط، والانزعاج المشوش للذهن، المانع من المذاكرة، وعمل المفيد، ولا شك أن المسلم يحرص على ما ينفعه، استعن بالله لا تعجز، هكذا أمرك نبيك ونهاك،(استعن بالله ولا تعجز)[رواه مسلم2664]وبعض القلق عجز فليدافعه.

وذكر الله تطمئن به القلوب، والصلاة الخاشعة تقطع تعاظم وتسلسل القلق، يعني مشكلة القلق أنها إذا تسلسلت، وتوالت على ذهن الإنسان، وعقله، وقلبه، ونفسه أضرت به؛ لأنها ساعات في اليقظة تتوالى عليه هذه الأنواع من القلق والاضطراب النفسي، فإذا جاء إلى المسجد بصلاة خاشعة، وهدوء تام، كانت تلك الصلاة، وسماع القرآن، والذكر، والدعاء، والخشوع مانعاً، وقاطعاً لهذا التسلسل من القلق، والانزعاج.

والأدوار المساندة لأولياء الأمور في البيوت، وإخوان، وأخوات، وأهل الطلاب، والأصحاب في هذا من أبواب الصدقة؛ لأنها إعانة من نزلت به شدة، وخدمتهم أيضاً من أبواب الأجر فقد أتاهم ما يشغلهم، (ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)[رواه البخاري2442]، والدعاء لهم بالتوفيق، ودعاء الوالدين مستجاب، والمشاركة في الهم، وإشاعة التفاؤل والتشجيع، وتوفير ما يحتاجونه، والحرص على راحتهم، والمشاركة في التدريس والشرح لمن كان له قدرة.

وحفلات التخرج التي تحدث فيها أنواع من المنكرات، مثل حفلة موسيقية، أو في فندق، ولا يؤمن من اطلاع الرجال على النساء، وصارت القضية الآن مكلفة، وإحراج للطالب الفقير، أو الطالبة الفقيرة، والمسكين أو المسكينة، وغير المقتدر، والذي لا يستطيع أن يأخذ من ولي أمره شيئاً، وصارت القضية تباهي، وتفاخر، وأنواع من التصوير، والتبذير، والإسراف، وفيها رشاوى تقدم على شكل هدايا في الحفلة للمدرس، أو المدرسة، قبل نهاية العام الدراسي، ولا زالت العلاقة التدريسية قائمة، ورصد الدرجات، والامتحانات؛ ولذلك فإن مثل هذا لا يجوز، والمحاباة في موازين العدل لا تصلح أبداً، ولا تقوم، ولا تكون موجودة نهائياً في قاموس العدل؛ لأن هؤلاء من المفترض أن يكونوا سواء، وأن الغرض من الامتحان هو قياس قدرة هذا الطالب، ويترتب عليه أشياء في المستقبل، من نجاح، أو شهادة، أو وظيفة، أو قبول في كلية، فإذا اضطرب هذا الميزان صار هناك ظلم، واختلطت قضية المجتهد بغير المجتهد، ومن يستحق بمن لا يستحق؛ ولذلك كان من الجرائم تسريب الأسئلة، وبيع الأسئلة، وشراء الأسئلة، وترويج الأسئلة، وتعليقها في شبكة الإنترنت، وتبادل المعلومات بأنواع البلوتوثات، ووسائل الغش الإلكترونية التي صارت الآن بالوير، والواير لس ونحو ذلك، وهذا الغش الإلكتروني الذي استفحل نوع من الغش الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وتبرأ ممن فعله، قال عليه الصلاة والسلام: (من غش فليس مني)[رواه مسلم102]إنه ليس من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس من سنتنا، ولا طريقتنا، ولا شريعتنا، وإنه غش للأمة، بل إن بعض العلماء فهم بأن الغش في الامتحانات هذا أسوأ من الغش في المال الذي مر فيه النبي صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام فأدخل يده فنالت بللاً فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟) قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: (ألا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غش فليس منا) [رواه مسلم102]فالغش في الامتحانات أعظم؛ لأنه غش للأمة.. غش للبلد.. غش للمجتمع؛ لأنه يتبوأ في النهاية مكاناً ليس له، ويزاحم من هو أحق منه.

وهو -أي: الغش- خديعة، وضياع للأمانة، وفقدان للثقة، ويترتب عليه كسب محرم، فكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، ولا شك أن الغش سبب لتأخر الأمة وتخلفها، فإذا كان الأمر بيد جماعة من الغشاشين في وظائف، أو مناصب، فماذا ستكون النتيجة؟

ولذلك فإن الاعتماد على الله، وبذل الأسباب الشرعية، والعودة إلى حديث: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)[رواه مسلم2664]، القوي في إيمانه ودينه، القوي في دراسته وتخصصه، القوي في الخبرة، القوي في بدنه، إنها أشياء تنفع الإسلام، وأهل الإسلام.

فلا مجال للتعامل في هذه القضية المحرمة، وقد قال الله تعالى: وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِسورة المائدة2وهو عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا مجال لمراقبة عين المراقب في الاختبار، وأن يغيب عن هذا الشخص أن عين الله تراه.

عبد الله! التجئ إلى الله، وخذ بالأسباب الشرعية، واستعن بالله، ولا تعجز عن شيء يفيدك.

ونسأل الله التوفيق لأبنائنا وبناتنا، وأن يجعل من هذا عوناً على طاعته، وأن يجعلنا جميعاً من المتعاونين على البر والتقوى.

اللهم ثبت علينا أمننا وإيماننا، وارزقنا التقوى، اللهم إنا نسألك اليسرى، وأن تجنبنا العسرى، اللهم اجعلنا من السابقين، ومن المقربين، ونسألك الفردوس الأعلى يا رب العالمين، اللهم نجنا من امتحان القبر يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك أن تنجينا من أهوال يوم القيامة، اللهم نجنا من عذاب الهون، يا سميع الدعاء اغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا إنك رءوف رحيم.

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه مسلم1715.
2 - رواه البخاري2323.
3 - رواه الترمذي2416 وهو حديث صحيح.
4 - رواه الدارمي331.
5 - رواه أحمد6656.
6 - رواه أبو داود449.
7 - رواه أبو داود448.
8 - رواه البخاري في باب بنيان المساجد.
9 - رواه البخاري في باب بنيان المساجد.
10 - رواه مسلم1054.
11 - رواه مسلم2664.
12 - رواه البخاري2442.
13 - رواه مسلم102.
14 - رواه مسلم102.
15 - رواه مسلم2664.